بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني راعي المؤتمر:
أصحاب الدولة والمعالي:
السيدات والسادة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فإنه لشرف كبير أن أتوجه باسم مجمع اللغة العربية الأردني، بالشكر والامتنان إلى صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، لتفضله برعاية مؤتمر التعريب الحادي عشر، الذي يعقد في المملكة الأردنية الهاشمية، في رحاب مجمعه الأردني للغة العربية، وللمرة الثانية خلال خمسين عاماً هي عمر مؤتمرات التعريب. وإن مجمع اللغة العربية الأردني، لهو رمز لإرادة شعبنا الأردني وقيادته الهاشمية لخدمة اللغة العربية الفصيحة، لغة الأمة الجامعة الموحِّدة على الامتداد الجغرافي وعبر التاريخ، لغة العروبة والإسلام.
ينعقد مؤتمر التعريب الحادي عشر، لأول مرة بعد سقوط بغداد عاصمة الحضارة العربية الإسلامية في العاشر من شهر نيسان عام 2003م، بأيدي الجيوش الأمريكية وحلفائها وأتباعها، وذلك بعد حوالي ثمانية قرون على سقوطها بأيدي المغول عام 656هـ. وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد تعرضت جميع المعالم الحضارية من آثار ومخطوطات ومعالم للنهب والسلب والتدمير على أيدي قوات الغزو الأمريكية، مع اختلاف في وسائل التدمير وتقنيات العصر. فقد استهدف المغول المكتبات، وقذفوا بكتب الحضارة والفكر الإنساني في نهر دجلة، وتقول الروايات. إن مياه دجلة ، استمرت زرقاء اللون من آثار الحبر لعدة أيام. وعلى هذا الدرب سار مغول القرن الحادي والعشرين، فقد نهبت المتاحف والآثار والمخطوطات والمكتبات العامة والمؤسسات العلمية، بصورة مبرمجة... وكان مجمع اللغة العربية ببغداد، المجمع العلمي العراقي، هدفاً للغزاة، فقد نهبت المكتبة بكاملها، وجميع المخطوطات، بل وقد نهب كل ما في المجمع، حتى الأثاث وكل ذلك قد تمَّ بمساعدة الجيش المحتل ودباباته ...
وإن هذا الزلزال العنيف الذي أصاب أمتنا العربية والإسلامية بالصميم، قد بدأ منذ تفجر الحروب بين الدول العربية نفسها وبين بعضها وبعض الدول الإسلامية الشقيقة، وإن جميع هذه الحروب، كما يشهد الواقع، كانت بنتائجها في خدمة أعداء الأمة.
وإن الدارس والمؤرخ لهذه الفترة، يشاهد بوضوح، أن اللغة العربية الفصيحة هدف أساسي لهذا الغزو الاستيطاني في فلسطين والغزو الاستعماري، بمشاهده المختلفة، العسكرية والاقتصادية والثقافية والتربوية في العراق وفي فلسطين وفي دول الخليج وفي جميع الدول العربية والإسلامية على اختلاف في الوسائل والأشكال والدرجات. فقد أقصيت اللغة العربية السليمة عن سيادتها في أوطانها وعن كونها لغة التدريس الجامعي والبحث العلمي والتقنيات الحديثة، في جميع الجامعات العربية ولا سيما الكليات العلمية والمهنية مثل الطب والهندسة والصيدلة والتقنيات الحديثة، إذا استثنينا الجامعات في القطر السوري الشقيق وبأخره في بعض الجامعات في القطر السوداني الشقيق، على الرغم من الظروف القاسية الشريرة التي أحاطت وتحيط بها حتى يومنا هذا...
إن النيل من اللغة العربية الفصيحة وتهميش دورها العلمي والثقافي، وإبعادها عن مجالاتها الحيوية، لغةً للعلم والفكر والإبداع، يسير بصورة متوازية مع النيل من عوامل وحدة الأمة العربية وأسباب تقاربها وتضامنها. فالعربية الفصيحة هي فكر الأمة وعنوان وحدتها وجوهر هويتها، وإن سلامة الفكر يرتبط ارتباطاً عضوياً بسلامة اللغة ووضوح الفكر ودقة التعبير. وإن أعداء الأمة العربية وأعوانهم يدركون هذه الحقيقة، فأضحوا يدفعون اللغة العربية السليمة عن مواقعها في الإعلام ووسائل الاتصالات الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية، ويحلون محلها عاميات جلفة وعقيمة، وقد يقحمون عاميات غريبة عن أفهام المستمعين وأذواقهم ، في أجواء من الشعور الاجتماعي بالدونية ... فتوضع جماهير الشعب تحت تأثير بعض العاميات المحلية وغير المحلية، تخالطها كلمات وتعابير بلغات أجنبية إنجليزية أو فرنسية، وقل مثل ذلك في الإعلانات العامة واليافطات في الشوارع وعلى أبواب المحلات وعلى صفحات الجرائد والمنشورات الخاصة ...
إن هذا التهميش للغة العربية السليمة وازدراءها، يتم بصورة عملية وعلى أرض الواقع، في الوقت الذي تنصُّ فيه معظم دساتير الدول العربية ومنها المملكة الأردنية الهاشمية على "أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية" ... وتشاهدون على بضعة أمتار من بوابة المجمع، أعلاناً كبيراً يقول:"يا ريت كل الصيف..." بدلاً من أن يقول "يا ليت..." ... وهل في الأردن وفي أقصى قراه في البادية مَنْ لا يعرف كلمة "يا ليت"!! ولماذا نقحم العاميات إقحاماً على لغة التلفاز والإذاعة والإعلان !!!
ونحن بدورنا نتساءل لماذا تبقى التوصيات الصادرة عن مؤتمرات الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، حبراً على ورق... وإذا كان هؤلاء الوزراء ليسوا هم المسؤولين عن التنفيذ، فمن هو المسؤول إذن!!!
فقد جاء مثلاً في إحدى توصيات مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، في الدورة الرابعة بتاريخ 8/12/1990م، ما يأتي:"أن يكون للغة الفصحى النصيب الأوفر في البرامج التي تبثها وسائل الاتصال الجماهيرية " والواقع الملموس يقول لنا غير ذلك، فإذا استثنينا برامج القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ونشرات الأخبار، فإن معظم البرامج الأخرى تكون بالعاميات !! وحتى الأحاديث والمقابلات ..!!
وجاء في توصيات هذا المؤتمر نفسه، في دورته الرابعة فيما يخص التعليم الجامعي ما يأتي:"الحرص على أن تكون اللغة الفصحى لغة التعليم في جميع مراحله، وعلى توخي سلامة اللغة وتيسيرها في الكتب التي توضع بين أيدي الطلاب".
وإن هذا ليقودني إلى العودة أيضاً إلى التوصيات الصادرة عن هذا المؤتمر في دورته الثالثة بدمشق عام 1987م، وقد عقد على هامش هذا المؤتمر اجتماع ضمَّ حوالي ثلاثين من عمداء كليات الطب في الوطن العربي، وصدرت توصية مؤداها، أن تكون اللغة العربية لغة التدريس في جميع كليات الطب في الوطن العربي بحلول عام 2000م !!
وقد حلَّ هذا التاريخ المشار إليه وهو مثقل بأوزار الحروب بين الأخوة والأشقاء، عرباً ومسلمين، وغار في أجواء الغزو الاستعماري الاقتصادي والثقافي والعسكري، وفي زمن العولمة بمفهومها الاقتصادي والثقافي المُتَغَوِّل. وإذا كان قد تفجر على الملأ منذ أسابيع قليلة كيان العولمة الاقتصادي المهيمن على العالم، وبدأ الإعصار المالي المخيف، في الولايات المتحدة الأمريكية وبدأت مؤسساتها الاقتصادية والمالية تترنح، فإن وسائل الأعلام المختلفة تحدثنا صباح مساء، بأن هذا الإعصار الاقتصادي طال أيضاً أوروبا وآسيا والعالم كله ولا سيما مراكز الثروة الهائلة في دول الخليج العربي وغيرها.
وإذا كان انهيار العولمة المالية والاقتصادية، قد أثار استنفار العالم، وتعالى صراخ أصحاب الملايين والمليارات، فإنَّ شأن العولمة الثقافية، الناتجة من تحكُّم القطب الواحد، وسيطرة اللغة الواحدة، هي اللغة الإنجليزية فإنَّ شأنها أيها العلماء أشدُّ وأخطر على أمتنا العربية. فإذا كان تفجر الإعصار الاقتصادي قد مسَّ أصحاب رؤوس الأموال وأثار الاضطراب في الأسواق المالية وكذلك في شؤون الحياة في جميع أقطار العالم، فإنَّ إعصار العولمة الثقافية الذي بدأ يهب على الوطن العربي منذ تسعينيات القرن الماضي، وازداد عنفاً وشراسة في السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين، قد ازداد خطورة، وهدفه الأساسي محو اللغة العربية الفصيحة اللغة الجامعة، عقائدياً وفكرياً وثقافياً، إنها لغة الإبداع والمشاركة الأصيلة في بناء حضارة عالمية إنسانية زاهرة ومبدعة، تقوم على الإخاء والاحترام بين جميع الشعوب ... فالحضارة الإنسانية نهر عظيم، ترفده الأمم والشعوب بحضاراتها وأفكارها وعقائدها، وتقاس أهمية الأمم بما تغذي به هذا النهر العظيم. والحضارة العربية حضارة إنسانية لا تقوم على العرق أو الجنس، وإنما العروبة اللسان، وإنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إذ تتساوى ألوان البشر وأجناسهم وأعراقهم في ظل مبادئ الإسلام السامية.
ونحن في مؤتمرات التعريب نعني بمفهوم "التعريب" أنه استعمال العربية السليمة لغةًَ أصيلة أساسية في تدريس جميع العلوم والآداب والفنون، في مختلف مراحل التعليم الأساسي والثانوي والجامعي، وأن تكون العربية السليمة لغة البحث العلمي ولغة وسائل الاتصالات الجماهيرية ولغة الحاسوب وشبكة الاتصالات (الانترنت) والتقنيات الحديثة، وأن تكون لغة جميع مرافق الدولة ومؤسساتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. ولا يعني التعريب التقوقع والانغلاق، كما يزعم أعداء الأمة، وكذلك مع الأسف شريحة مهمة من أبنائها التي آثرت الركون إلى الراحة، فوجدت من السهل عليها أن تدرس باللغة الأجنبية التي درست بها، ولا تريد أن تكلف نفسها بذلك الجهد والعناء...!! وربما اتكأ أعداء التعريب على قول، تتناقله الألسن ومؤداه، أن المهم هو الحصول على العلم والتعبير عنه وإبلاغه بأية لغة كانت. ونحن إذا تفحصنا هذا القول، وجدناه ينبع مع الأسف من الجهل بعلاقة اللغة، أية لغة كانت بالفكر والقدرة على الإبداع ، وقد يكون نابعاً من سوء النية، وربما يكون جهلاً وسوء نية معاً... فهي مقولة للتمويه مخالفة لقوانين العلم وحقائقه.
فالتعريب الشامل يرمي إلى التواصل مع لغات الأمم المتقدمة، ويعتبر ذلك ركناً أساسياً في مسيرته اللغوية العلمية. وفي هذا المجال أعود أيضاً إلى توصيات مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية العرب في دورته الثالثة في ثمانينات القرن العشرين، ومن هذه التوصيات ما يأتي:
- إقرار مبدأ التوحيد ومبدأ الترشيد للترجمة، بأن توجد جهة مركزية واحدة، تابعة مثلاً للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
- إيجاد الكتاب العلمي المترجم باسم الوطن العربي، ليكون مرجعاً للطلاب العرب كافة، وهكذا يتضاعف عدد مطالعيه ..
وقد قام مجمع اللغة العربية الأردني، منذ حوالي عشرين عاماً، بتقديم مذكرة لإنشاء مؤسسة للترجمة والتعريب مستقلة وتابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تكون مهمتها نقل العلوم والفنون والتقنيات الحديثة إلى اللغة العربية، أي نقل العلوم من حيث هي علوم وليس اختيار كتابٍ من هنا وكتاب من هناك- كما نفعل في الوقت الحاضر- وكذلك نقل جميع البحوث العلمية التي تنشر في الدوريات العلمية المتميزة التي تصدر باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية وغيرها من دوريات الأمم المتقدمة، وأن تكون سائغة أمام الباحثين والدارسين العرب في أقصر مدة زمنية ممكنة، وذلك على غرار المؤسسة اليابانية والصيِّنية بل والأمريكية نفسها. وأن يكون عمل هذه المؤسسة مستمراً للتجديد والتحديث ونقل بحوث الدوريات العلمية العالمية ... وأن تدعم هذه المؤسسة مالياً بوقف لا يقل رصيده عن ملياري دولار، لإنشاء معاهد عربية لأعداد المترجمين، وإنجاز هذا العمل العلمي العربي الرائد الذي سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه ... ولا أظن أن هذا المبلغ يعني شيئاً أمام المليارات التي تذهب هباءً ثمناً لأسلحة تصدأ في مواقعها، أو قاربت أن تطرح خارج الخدمة في بلدان المنشأ ...
وربما كان من المفيد في مضمار الترجمة ونقل العلوم إلى العربية، وحتى نخرج من حيز النظرية إلى التطبيق العملي، أن نتوقف عند تجربة محدَّدة قام بها مجمع اللغة العربية الأردني، فقد جعل تعريب العلوم، أحد المحاور الأساسية التي يقوم عليها نشاط المجمع العلمي، وبعد دراسة متأنية، اخترنا كلية العلوم بالجامعة الأردنية، المنطلق لعملية التعريب العلمي. حيث إن كلية العلوم، كما هو معروف، هي الكلية الأم التي تنشأ حولها الكليات المهنية الأخرى، مثل الطب والهندسة والصيدلة والاتصالات ... الخ. فبدأنا بترجمة الكتب العلمية المقررة في السنة الأولى، وألفنا لكل علم من العلوم لجنة من خيرة الأساتذة العلماء، فألفنا لجنة للرياضيات وأخرى للفيزياء ولجنة للكيمياء ولجنة للعلوم الحياتية (البيولوجية) وأخرى للجيولوجيا (علم طبقات الأرض) وضَمَّت كل لجنة عدداً من المتخصصين الذين يدِّرسون هذه المادة باللغة الإنجليزية، وكانوا جميعاً على درجة عالية بتخصصاتهم وإتقان اللغة الإنجليزية، إلى جانب الأيمان بعملية التعريب وقدرة مهمة باللغة العربية. وأضفنا إلى كل لجنة، مراجعاً علمياً، على درجة عالية بهذا التخصص، كي يراجع الكتاب بعد ترجمته، للحفاظ على وحدته وعلى سلامته العلمية، وجعلنا لكل كتاب أيضاً مراجعاً لغوياً، تنحصر مهمته بتصحيح اللغة العربية وتراكيبها، واختارت كل لجنة الكتاب المرجع، بحيث يكون أحدث المراجع وأعمقها علماً، فجاءت هذه المراجع أمريكية وباللغة الإنجليزية .
وبعد أن انتهينا من ترجمة كتب السنة الأولى المقررة في كلية العلوم، أردنا أن نقوِّم هذا العمل، فانتدبنا أستاذين اثنين من جامعة اليرموك، كان تخصصهما "التقويم التربوي" وكلفناهما بالقيام بدراسة علمية وميدانية لكتب هذه المرحلة، قبل أن نجتاز بالترجمة إلى السنوات الأخرى. وكان من حسن الطالع أنه عندما صدرت الكتب العلمية التي ترجمها مجمع اللغة العربية الأردني، عام 1982م، انبرى بعض الأساتذة بكلية العلوم في الجامعة الأردنية إلى تدريس مادة "الأحياء" ومادة الرياضيات "التفاضل والتكامل" باللغة العربية، متكئين على المادة الواردة في قانون الجامعة الأردنية التي تنصُّ على أن اللغة العربية لغة التدريس، ويجوز استعمال لغةٍ أجنبية عند الضرورة ....
ومن الواضح أن هذا الحال يعني وجود طلبة في السنة الأولى بكلية العلوم في الجامعة الأردنية قد درسوا مادة الأحياء باللغة العربية ، وفي الوقت ذاته وجود طلبة في السنة الأولى في شعبة أخرى قد درسوا المادة نفسها باللغة الإنجليزية. كان هذا الوضع قد قاده حسن الطالع، أمام المقوِّمين في دراستهما الميدانية. فبعد عدة أشهر قدم الأستاذان المقومان تقريرهما، وهو دراسة ميدانية تقع في حوالي ثمانين صفحة، وهو محفوظ الآن في وثائق المجمع ... وقد جاء في هذا التقرير، أن الطلبة الذين درسوا مادة الأحياء، باللغة العربية في السنة الأولى بكلية العلوم في الجامعة الأردنية، قد درسوا مادة أوسع وبصورة أعمق من الطلبة الذين درسوا هذه المادة في الكلية نفسها باللغة الإنجليزية، وهبطت نسبة الرسوب من 34% بين الطلبة الذين درسوا باللغة الإنجليزية إلى 3% بين الطلبة الذين درسوا باللغة العربية..!!! وعلى الرغم من هذه النتيجة الباهرة، التي تحكي قصة التعريب وفلسفته، فقد كان همُّ العميد الجديد الذي جاء لكلية العلوم في السنة التالية، أن يشكل لجنة برئاسته تعنى بكتب السنة الأولى بكلية العلوم في "الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا"، فَغَيَّرَتْ الكتب الإنجليزية التي ترجمها المجمع، كما أشرنا، واستبدلت بها كتباً إنجليزية أقدم منها وأقل مستوى، وذلك حتى لا يعود الطلبة إلى النسخ المترجمة إلى العربية ..!!!
إن قصة العربية واستعادة سيادتها في أوطانها، والإجابات عن أسئلة افتراضية، توضع للتمويه، حول صلاحية اللغة العربية لأداء المفاهيم العلمية والفلسفية المعاصرة، واستيعاب المصطلحات العلمية، وهل ما فتئت العربية الفصيحة لغة حية يمكنها التعبير عن كل مدلول نظري أو تطبيقي من المدلولات العلمية والتقنية الحديثة... وغير ذلك من الأسئلة المصطنعة حول قدرة العربية الفصيحة على استيعاب المصطلحات والرموز العلمية الحديثة!! ... الخ.
أيها العلماء:
أيها السيدات والسادة:
إن قضية اللغة العربية في العصر الحاضر ليست قضية لغة من حيث هي لغة، تواجه تحدياتٍ ذاتية مهمة، شأنها في ذلك شأن جميع اللغات الحية، ولكنها في حقيقة الأمر تواجه قضية سياسية، وهجوماً عدائياً شرساً، باعتبارها لغة الأمة الجامعة، ولغة الإسلام عقيدة وفكراً وقيماً وحضارة. ولا أدلَّ على ذلك من نظرة شاملة إلى مؤتمرات التعريب بعد مضي خمسين عاماً من انطلاقتها الأولى في القطر المغربي الشقيق. ونحن نأمل أن تقوم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بتقويم هذه المؤتمرات بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيسها ... ونحن نأمل أن تبين هذه الدراسة التقويمية المنتظرة المعوقات التي وقفت وتقف حاجزاً أمام تحقيق الأهداف السامية لمؤتمرات التعريب ... وإن النظرة الشاملة التالية، ربما تسهم في هذه الدراسة العلمية المنشودة.
فقد عقد مؤتمر التعريب الأول في الرباط بالمغرب في المدة بين (3-7) من شهر نيسان (أبريل) 1961) وقد بدأ المؤتمر أعماله صباح الاثنين في 3/4/1961، وتكلم في حفل الافتتاح وزير المعارف المغربي، ومندوبون عن الجامعة العربية، والأردن، والجزائر، والجمهورية العربية المتحدة، وليبيا والسودان، وتونس، والمغرب. وبعد الظهر في الساعة (3.30) اجتمع أعضاء المؤتمر وانتخبوا الأستاذ محمد الفاسي رئيساً للمؤتمرين ...وألقى بعد ذلك الأستاذ محمد الفاسي خطاباً بين فيه أهداف المؤتمر والغاية من الدعوة إليه، وبعد مناقشة هذا الخطاب، جرى انتخاب اللجان، فكانت على النحو الآتي:لجنة الشؤون العامة، ورئيسها الأستاذ محمد سعيد العريان من الجمهورية العربية المتحدة، لجنة أدوات التعريب ، ورئيسها الأستاذ حسين مؤنس من الجمهورية العربية المتحدة، لجنة المصطلحات والرموز والأرقام والكتابة، ورئيسها الأستاذ قدري طوقان من الأردن، وفي مساء الخميس 6/4/1961م، أقيمت حفلة تأبين كبرى للمغفور له الملك محمد الخامس.
ومما له دلالته، وبعد مضي حوالي خمسين عاماً على هذا المؤتمر أن نتوقف عند أهم التوصيات المتعلقة بإنشاء اللجان الوطنية للتعريب، وأعمالها، كما أقرها المؤتمر التأسيسي، ابتداءً من المقدمة كما يأتي:
- إنَّ هذا المؤتمر الذي اجتمع لتحقيق معنى التعريب في كل مرفق من مرافق العربية، في كل بلدٍ من بلاد العرب، ليذكر مع بالغ التقدير، أنه أثر من آثار الملك الصالح المصلح محمد الخامس، طيب الله ثراه وخلد ذكره. وإنه ليرجو أن تمتد آثار هذا المؤتمر في مستقبل الأمة العربية مقترنة بذكراه الطيبة .
- يوصي المؤتمر بأن يصبح هيئة دائمة، وأن يستمر انعقاده دورياً، وينشأ له مكتب دائم مقره المملكة المغربية، تحت إشراف الجامعة العربية، وتمثل فيه جميع البلاد العربية، مهمته أن يتلقى ويتتبع ما تنتهي إليه بحوث العلماء والمجامع اللغوية، ونشاط الكتاب والأدباء والمترجمين، ويقوم بتنسيق ذلك كله وتصنيفه ومقارنته، ليستخرج منه ما يتصل بأغراض المؤتمر، لعرضه على المؤتمرات المقبلة .
- يوصي المؤتمر بأن تنشأ (شعبة وطنية للتعريب) في كل بلدٍ عربي، تتبع نشاط الهيئات المشتغلة بالتعريب في بلدها، وتكون صلة بينها وبين المكتب الدائم، وتقدم إليه الحصيلة العلمية التي تنتهي إليها الجهود في ذلك البلد.
- كما يوصي المؤتمر بأن ترسل إلى المكتب الدائم مجاناً جميع المؤلفات (العامة والمدرسية) والمجلات الأدبية والعلمية التي تصدر في مختلف الأقطار العربية.
- ويتطلع المؤتمر إلى وقتٍ قريب، يتحقق فيه للأمة العربية مجمع واحد، إلى مجمعٍ لكل قطرٍ من أقطار الوطن العربي، كما يوصي المؤتمر بأن تنشأ مجامع لغوية في البلاد العربية التي ليس فيها مجمع .
- ويوصي المؤتمر بإنشاء جهازٍ في كل بلدٍ عربي، تكون مهمته تتبع حركة الترجمة للكتب والمؤلفات، وتسجيل كل ما يترجم من ذلك، وموافاة المكتب الدائم للمؤتمر بجميع المعلومات التي تخصُّه.
وقد تمت الموافقة في هذا المؤتمر على توصيات عديدة تتعلق بمواضيع مختلفة، منها: تيسير الطباعة العربية، التعريب في ميدان التعليم، المعجم الحي، الكتاب المبسَّط في اللغة، الكتب الدراسية لتعليم العربية، قاموس المعاني، الوسائل السمعية والبصرية في تعليم العربية، الأرقام العربية والرموز العلمية ونقل الأصوات الأجنبية.
ومَرَّت اثنتا عشرة سنةً عجافاً بعد ذلك، وحْجِّم عمل "المكتب الدائم للتعريب" وتغيَّر اسمه إلى "مكتب تنسيق التعريب. فعقد مؤتمر التعريب الثاني في الجزائر في المدة 12-20/12/1973، !!! فلماذا زهدت دول الجامعة العربية بشؤون التعريب ومؤتمرات التعريب؟ وما هي الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء ذلك؟ ... ولا شك أن لكل بلد أسبابه وإن الدراسة التقويمية العلمية الصريحة لمؤتمرات التعريب، سوف تميط اللثام عن كثير من القضايا، وتجيب عن كثير من الأسئلة التي ما فتئت تطرح هنا وهناك.
وتحتل اللغة العربية الفصيحة وتنميتها والدفاع عنها مكانة سامية في تاريخنا الفكري والثقافي عبر مراحله المختلفة. فهذا مثلاً الأمام ابن حزم الأندلسي في القرن الخامس الهجري صاحب كتاب الفصل، ومؤسس علم الأديان المقارن، يعتبر اللغة، أية لغة، قرينة حياة دولتها، إذ يربط بين اللغة وبين الوضع السياسي للأمة، فيقول:"يُفيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها، قوةُ دولتها ونشاطُ أهلها وفراغهم. وأما مَنْ تلفت دولتهم، وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيور علمهم"(1) .
وما فتئت الأمة أن أصبحت هدفاً لحروب صليبية شرسة، وميداناً لغزو مغولي مدمر، إذ سقطت بغداد، عاصمة الخلافة بأيدي المغول عام 656هـ، فوجد ذلك صداه في حال اللغة العربية الفصيحة لغة الأمة. فانبرى أبن منظور(630هـ عام 1232م- 711هـ 1311م) يضمِّد جراح العربية، وعلى حدِّ تعبيره "لحفظ أصول هذه اللغة النبوية، وضبط فَضْلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية"، فجمعها في معجمه الشهير "لسان العرب". ويحدثنا ابن منظور عن أسباب وضعه هذا المعجم، فيقول:"وذلك لِمَا رأيتهًُ قد غَلَبَ في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللَّحْنُ في الكلام يُعَدُّ لحناً مَرْدوداً، وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً. وتنافَسَ الناس في تصانيف التَّرجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية. فجمعتُ هذا الكتاب في زمنٍ أهله بغير لغته يَفْخرون، وَصنْعتُه كما صنع نوحٌ الفُلْكَ وقومُه منه يسخرون، وسميته "لسان العرب"(2) ....
وبعد حوالي قرنٍ يحدثنا ابن خلدون (ت:808هـ) مؤسس علم الاجتماع، عن الآثار المدمرة التي تركها الغزو المغولي في حال اللغة العربية،
فيقول:
"فَلمَّا ملك التتر والمغول بالمشرق، ولم يكونوا على دين الإسلام، ذهب ذلك المرِّجح وفسدت اللغة العربية على الإطلاق، ولم يبق لها رسم في الممالك الإسلامية بالعراق وخراسان وبلاد فارس وأرض الهند والسند وما وراء النهر وبلاد الشمال وبلاد الروم، وذهبت أساليب اللغة العربية من الشعر والكلام إلا قليلاً يقع تعليمه صناعياً بالقوانين المتدارسة من كلام العرب، وحفظ كلامهم لمن يسره الله تعالى لذلك، وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والأندلس بالمغرب لبقاء الدين طلباً لها، فانحفظت ببعض الشيء، وأما ممالك العراق، وما وراءه، فلم يبق له أثر ولا عين حتى إن كتب العلوم صارت تكتب باللسان العجمي، وكذا تدريسه في المجالس، والله أعلم بالصواب (3) ...
ويستقرئ ابن خلدون الأحوال التي تربط الأمة بصورة عضوية بأحوالها السياسية والاجتماعية، ويخرج من ذلك بنظرية في علم العمران البشري (علم الاجتماع)، مؤداها: أن المغلوب مولَعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب، في شعاره وزيِّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده... وأن الأمة إذا غُلبت وصارت في مُلْكِ غيرها أسرع إليها الفناء...
ونحن نجد على مَرِّ الزمن، وعبر تاريخ هذه الأمة، أنها في كل مرة تتعرض للغزو والتدمير، فإن أول ما يستهدف منها لغتها وثقافتها وعقيدتها. فاللغة العربية الفصيحة هي لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، إنها لغة العروبة الجامعة والموحِّدة، وهي وحدها التي تعطي لأمتنا العربية هويتها.
وفي الختام، فإن إقصاء اللغة العربية عن مجالها الحيوي، في التعليم الجامعي في مختلف التخصصات وفي جميع مراحله، وفي البحث العلمي، وإنَّ الهجوم الشرس على اللغة العربية الفصيحة، لا سيما في البرامج التعليمية والمؤسسات الجامعية ووسائل الإعلام، وفي ما نشاهده من لغاتٍ محكية خاصة تنشأ الآن بين الشباب والشابات، هي خليط بين العربية والإنجليزية أو الفرنسية، وكذلك استعمال الرموز العددية والهجائية في التخاطب والتواصل، كما هو الحال في لغة شبكة الاتصال (الإنترنت) والحاسوب والهاتف المحمول، فإن ذلك كله وغيره ليلقى مسؤولياتٍ جساماً على الأمة العربية في جميع دولها وأقطارها، وبالتحديد على المؤسسات التشريعية والتنفيذية والجامعية. إن أمتنا العربية مدعوة في أعلى مؤسساتها الرسمية لوضع استراتيجية لغوية عربية ملزمة. فإنَّ مزاحمة اللغات الأجنبية للغة العربية لم تكن في يوم من الأيام بأشرس منها في هذه الأيام والله المستعان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رئيس مجمع اللغة العربية الأردني
الأستاذ الدكتور عبد الكريم خليفة
عمان في 5 شوال 1429هـ
الموافق 3/تشرين الأول/ 2008م.
(1) ابن حزم، التقريب لحد المنطق، ص 198
(2) ابن منظور، لسان العرب، المقدمة ص13.
(3) ابن خلدون، المقدمة، بيروت، 1986ن، ص240




