مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

التَّرْجَمَةُ: طَرِيقٌ إِلى المُسْتَقْبَلِ 

إرسال إلى صديق طباعة
 التَّرْجَمَةُ: طَرِيقٌ إِلى المُسْتَقْبَلِ 

الأستاذ الدكتور محمد عصفور

الجامعة الأردنية

 
أودُّ أن أبدأ الحديث بالإشارة إلى كتابٍ مهمٍّ في الترجمة كان جورج شْتايْنر، الكاتب البريطاني المعروف، قد نشره في سنة 1975 بعنوان (After Babel) أي "بعد بابل". وما يهمُّني منه الآن عنوانُه. فكلمة "بابل" فيه هي أيضاً عنوانُ إحدى أهمِّ الدوريات المخصَّصة للدراسات المتعلِّقة بالترجمة. والكلمة تشير إلى القصَّة التي ترد في الكتاب المقدَّس وتتعلَّق بتفرُّق الألسنة عقاباً لبني البشر لمحاولتهم بناءَ برجِ بابلَ، الذي قصدوا منه أن "يبلغ رأسُه السماء" كما يقول الإصحاح الحادي عشر من سفْر التكوين. وقد دخلتْ هذه القصَّة، فيما دخل من الإسرائيليات، إلى التراث العربي الإسلامي، فوجدتْ طريقها إلى لسان العرب على النحو الآتي: "البلبلة: تفريقُ الآراء. وتبلبلت الألسن: اختلطت ... وقيل: وسُمِّيَت بابلُ [بهذا الاسم]؛ لأن الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحاً فحشرهم من كلِّ أفقٍ في بابلَ فبلبل الله بها ألسنتهم ثمَّ فرَّقَتْهم تلك الريحُ في البلاد" (مادَّة "بَلَلَ"). والمدلول المباشر لهذه القصَّة هو أن التجانس اللغويَّ الأصليَّ تحوَّل إلى تنافر، وأن هذا التنافر اللغويَّ هو الصيغة المبسَّطة للتنافر الثقافيّ.

أما المقابلُ القرآنيُّ لهذه القصَّة فلا علاقة له ببابلَ أو ببُرجها، بل يفترض وجود الاختلاف أصلاً، وذلك في الآية الكريمة التي تقول: "وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبَائلَ لِتَعَارَفُوا" (الحُجُرات 13). والمدلولُ العامُّ لهذه الآية هو أن التباين الثقافيَّ موجود، ولكنَّ الهدف الربّانيَّ هو التعارف. ومع أن التعارف بمعناه الشائعِ هذه الأيام يدلُّ على تعارف الأفراد فإننا قد نوسِّعُ المعنى للدَّلالة على تعارف الأمم. وتعارفُ الأمم لا يتمُّ إلا من خلال تبادل المعارف، وهو الهدفُ

الأسمى للترجمة.

وقد ظهرت في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية حركتان بارزتان للترجمة أوَّلهما تلك التي ترتبط باسم الخليفة المأمون وبيت الحكمة،(

) وثانيهما تلك التي ترتبط باسم محمد على الكبير ودار الألسن في القرن التاسع عشر.() ومن الملاحظ على الحركتين المذكورتين أنَّ كلاًّ منهما واكبتْ ما يمكن وصفُه بالنهضة الفكرية والعلمية. ولذا فإن العالم العربي في الوقت الحاضر بحاجةٍ إلى حركةٍ مماثلة في الترجمة إذا ما كان له أن ينهض مرَّة أخرى ليحتلَّ مكانه الطبيعي في العصر الحديث. ومع أن الكتب المترجمة تشكِّل نسبة لا بأس بها مما يُنشَر من كتبٍ في هذه الأيام فإن من الصعب أن نَصِفَ هذا النشاطَ بأنه يؤدّي إلى تراكمٍ معرفيٍّ يمكن أن يقود إلى نهضةٍ علميةٍ وفكريةٍ قادرةٍ على إحداث أثرٍ ملموسٍ في الحياة العربية المعاصرة، وذلك لأسبابٍ أرجو أن يتَّضح بعضُها في بقيَّة هذا العرض الموجز.

والعنوان الذي طُلِب منّي أن أتحدَّث فيه هذا اليوم يشمَل موضوعين كبيرين أوّلُهما: دَوْرُ الترجمة في "إغناء العربية في التعبير عن مجالات النموِّ والتطوُّر العلميِّ والثقافيِّ والدخول في مجتمع المعرفة"، وثانيهما: "واقعُها وسُبُلُ النهوضِ بها."

وأودُّ أن أبدأ بالموضوع الأوَّل، وهو أن الترجمة تُغني اللغة. فقد تُفهَم هذه الفكرة بطريقتين مختلفتين، الأولى هي أن الترجمة تَنقُل المعرفة من اللغة الأجنبية إلى اللغة القومية بحيث تُصبح هذه المعرفةُ متاحةً للقوم الذي يترجمها مثلما هي متاحةٌ للقوم الذي ينتجها، والثانية هي أن لغة القوم الذي يترجم المعرفة تغتَني وتصبح قادرةً على التعبير عن هذه المعرفة الجديدة. فقد عرَّفتْ ترجمةُ الطبِّ اليوناني إلى اللغة العربية مثلاً العربَ بعلم الطبِّ من ناحية، وأضافت للعربية مصطلحاتٍ طبِّيةً مكَّنَت الأطبّاء الناطقين بالعربية (سواء أكانوا عرباً أو ممَّن يكتبون بالعربية) من نشر هذه المعرفة والتوسُّع فيها باللغة العربية. تقول منى بيكر في الموسوعـة التي ح
ـرَّرتها بعنـوان Routledge Encyclopedia of Translation Studies إن حُنَين بنَ إسحاق، الذي ترأَّس بيتَ الحكمةِ في عهد الخليفة المأمون، قد أغنى، هو وبقيَّةُ العاملين في بيت الحكمة، اللغةَ العربيـةَ بعددٍ ضخمٍ جدّاً من المصطلحات العلمية بترجمتهـم للجزء الأكبر من العلوم الطبِّيَّة المعـروفة آنذاك " (ص 324-325). لكنَّ الفصلَ بين محتوى ما تنقله الترجمةُ من ناحية وبين اللغة التي تُستعمَل لنقله من ناحية أخرى فصلٌ مصطَنَعٌ لا يجوز المضيُّ فيه إلاّ لغايات التبسيط والتوضيح، تماماً مثلما قد نفصل بين الشكل والمضمون عند الحديث عن الأدب والفنِّ فصلاً مؤقَّتاً لغايات التبسيط والتوضيح. ومع أنني أعمل بالدرجة الأولى في مجال الأدب، وأُعنى بالدرجة الأولى في جانبٍ من عملي بالأدب المقارن، وتهمُّني كتاباتٌ مثلُ تلك التي وضعها المرحوم إحسان عبّاس عن الملامح اليونانية في الأدب العربي فإنني أودُّ أن أستشهد، للتمثيل على ما أقول، بما حدث في مجال الطبّ لأنه يوضِّح أفضل توضيحٍ موضوعَ الاغتناء بنوعَيْهِ: المعرفيِّ واللغوي. فقد استوقفتْني منذ مدَّة طويلة مصطلحاتٌ ترد على كلِّ لسانٍ من دون أن يخطر على البال أنها أجنبيَّة الأصل. ومنها "البُطَيْنُ" و "الأُذَيْنُ" في القلب، والشريانُ "الأورطيُّ" والصِّمامُ "التاجيُّ"، ومنها ذلك الجزءُ من الأمعاء المسمّى "الاثناعشري"، ومنها مصطلح "البلغم" و "السوداوية" ومصطلح "السائل الزجاجي" و "القرْنيَّة" في العين. ولما كنتُ من المدمنين على تقليب القواميس والرجوع إلى أصول الكلمات، فقد وجدتُ أن "البُطَين" ترجمةٌ لكلمة (ventricle) التي تعود إلى جذرٍ معناه "البطن"، وأن "الأُذين" ترجمةٌ لكلمةauricle) ) التي تعود إلى جذرٍ معناه "الأذن"، وأن "الاثنا عشري" ترجمةٌ لكلمة duodenum)) التي تعني ذلك الجزء من الأمعاء الدقيقة الذي يبلغ طوله اثني عشر إصبعاً، وأن الشِّرْيان التاجيَّ سُمِّيَ تاجيّاً لأن أصله (coronary) وهي صفة من ((crown، أي تاج، وأن السوداوية ترجمةٌ لكلمة (melancholy)، التي تعني العصارة السوداء، التي كان يُعتَقد أن زيادة نسبتها في الجسم تسبِّب هذا المرض، وأن السائل الموجود في العين يسمّى "زجاجيّاً" لأنه في الأصل (vitreus)، وهي صفة من vitrum)) ، أي زجاج، وأن "القرْنيَّة" تعريب لكلمة (cornea). ومثل ذلك كثير. لكنَّ إيجاد مقابلات دقيقة، أصلية أو موضوعة، للمصطلحات الأجنبية في اللغة المستهدفة غيرُ ممكنٍ أحياناً. وفي تلك الحالة تلجأ اللغة المستهدفة إلى استيراد الكلمة الأجنبية كما هي أحياناً، أو تحوِّرها تحويراً تتفاوت درجاتُه لأسباب صوتية في كثير من الأحيان. فقد حوَّرت العربية كلمة (aortic) وجعلتها "أورطي" فبسَّطَت اللفظ في بداية الكلمة ثم حوَّلت التاء الأصلية إلى طاء جرياً على عادة اللغة العربية في تفخيم بعض الأحرف (أو الأصوات إن شئنا الدقَّة)، ولا سيَّما صوتي التاء والكاف كما في "سقراط" و "أبوقراط"، وكما في "بيطار" (من veterinary).()

غير أن التحوير الذي أجرته العربية على كلمة (phlegm) كاد يطمس الأصل تماماً فتحوَّلت إلى "بلغم". وعند العودة إلى لسان العرب تحت هذه الكلمة نجد التعريف الآتي: "خِلْطٌ من أخلاط الجسد، وهو أحدُ الطبائع الأربع". ومما يلفت النظر أن تعريب هذه الكلمة لم يكن ضروريّاً لأن في العربية كلمةً أصيلةً تعني "البلغم"، وهي "النُّخامة"، التي احتفظت بها العربية ترجمةً لكلمة pituitary)) عند الحديث عن الغُدَّة النُّخامية. وعند التدقيق في تعريف "البلغم" نجدُ أنه يلخِّص تلخيصاً بليغاً جانباً من تاريخ الطبِّ اليوناني كما دخل في الثقافة العربية واستقرَّت مصطلحاته - أو بعضُها على الأقل - في معجم اللغة العربية. فالخِلطُ في هذا السياق ترجمةٌ مبتكرةٌ (إن لم تكن تعريباً) لكلمة يونانية هي khole- (أو chole- كما نجد في كلمة melancholy)، وهي تشير إلى نظرية العصارات الأربع التي كان أبوقراط يعتقد (ومن بعده جالينوس) أن الجسد يتكوَّن منها، وأن وجودَها بنِسَبٍ صحيحةٍ يؤدّي إلى حالة الصحَّة، وأن اختلال هذه النسب يؤدّي إلى المرض. وهذه الأخلاط هي الدم والبلغم والعصارة السوداء والعصارة الصفراء. وهي التي يصفها تعريف لسان العرب بأنها الطبائع الأربع. وقد شرح اللسان كلمة "الخِلط" تحت الجذر "خَلَطَ" كما نتوقَّع على النحو الآتي: "اسمُ كلِّ نوعٍ من الأخلاط كأخلاط الدواء ونحوِه"، ثم أضاف: "وأخلاطُ الإنسان: أمزجتُه الأربعة". وهنا نحصل على شيء طريف هو أن المعنى الحديث لمعنى كلمة "مزاج" يعود إلى فكرة امتزاج الأخلاط الأربعة بنسبٍ تؤدّي إلى ظهور هذا المزاج أو ذاك من الأمزجة الأربعة.() ومن الملاحظ أيضاً أن الكلمة المقابلة لكلمة "مزاج" باللغة الإنجليزية، وهي ((temper، فقدت صلتها المباشرة بالمزج وظلَّت أقرب إلى فكرة "الطبع" التي أشار لها اللسان في تعريفه السابق للخلْط. غير أن المراجع الإنجليزية التي تتقصّى أصول المفردات تربط (temper) بامتزاج الأخلاط. ويمكن ملاحظة هذه الصلة في الواقع في احتفاظ الكلمة الإنجليزية بصلتها بالحرارة temperature)) التي هي صفة من صفات أحد الأخلاط، وهو الدم الذي يتَّصف بالحرارة والرطوبة بلغة الطبِّ القديم.(

)

هذا إذن مثالٌ على ما وصل الثقافة العربية من الطبِّ اليوناني عن طريق الترجمة من أبوقراط ثم من جالينوس. لكن الثقافة التي استوعبت المعرفة الطبِّيَّة هذه لم تكتفِ بما حصلت عليه من الثقافة الأجنبية عبر الترجمة؛ فأخذت تبني عليها وتضيف لها بلغتها هي بعد أن استقرَّت فيها مصطلحات العلم، سواءٌ عن طريق ترجمة المفاهيم أو تعريبِها. ولذلك فإن ابن سينا توسَّع في نظرية الطبائع الأربع التي تتحكَّم فيها الأخلاط الأربعة، وأضاف لها في كتاب القانون في الطبّ جوانب تتعلَّق بالعواطف والملكات العقلية والاتجاهات الأخلاقية والوعي والأحلام، كما يخبرنا بيتر لوتْس (Lutz) في كتابه عن نشأة علم الأحياء التجريبي (2002).() ويجدر بنا أن نلاحظ هنا أن كلمة "القانون" هي ذاتُها كلمةٌ يونانيةُ الأصل. يقول اللسان عند مادَّة "قَنَنَ": "وقانون كلِّ شيء: طريقُه ومقياسُه. قال ابن سيده: وأراها دخيلة"، ثم أضاف في موضع آخر: "والقوانينُ: الأصولُ، الواحدُ قانونٌ، وليس بعربي". لكن الكلمة غدت جزءاً لا يتجزَّأ من الثقافة العربية سواء عند استخدامها في العلْم (كما في "قوانين" نيوتن) أو في مجال الحقوق. ومن الطريف أن معظم الكلِّيات التي تدرِّس القانون في العالم العربي تُدعى كلِّيّات الحقوق، وليس كلِّيّات القانون، وأن القوانين التي تسنّها الدول لا تُدعى حقوقاً، بل قوانين. أما إذا كان المجالُ القانونيُّ دينيّاً فإن المصطلح هو الشريعةُ أو الأحكامُ الشرعية. لكنَّ عنوان كتاب ابن سينا يثير مسألةً دقيقةً هي ما إذا كانت كلمةُ "القانون" تعني ما يقصدونه هذه الأيام بكلمة law)) بالإﻧﮕﻠﻴﺰية. أنا أرى أن ابن سينا لم يستخدمها بهذا المعنى بل بمعنى (canon) ، أي ما استقرَّ عليه علمُ الطبّ حتى أيامه (مع أن أحد معاني canon هو law). فمعنى canon قريبٌ مما نعنيه عندما نقول مثلاً إن "صحيح" البخاري يضمُّ الأحاديث التي يعتمدها أهلُ السُّنَّة. ولذا فإن كلمة "القانون" في العنوان تعني شيئاً مثل "الجامع في الطبّ" أو "الأقوال المعتمدة في الطبّ". غير أن هذا المعنى لم يشع في الثقافة العربية وانحصرت كلمة "قانون" بالمعاني التي تشير لها كلمة law)) الإﻧﮕﻠﻴﺰية.يمكن القولُ إذن إنَّ ابن سينا ظلّ،َ في هذا الجانب من علم الطبِّ، يدور في إطار النظرية اليونانية رغم الإضافة التي أضافها لها. أما أبو بكـر الرازي (865-925)، فقد كان أوَّل من رفض نظرية الأخلاط، وذلك في كتابه الشكوك على جالينوس،() وأخضع الطبَّ للتجريب، وليس للنظر الفلسفي. وعندما نصل إلى ابنِ زُهرٍ وابنِ النفيس فإننا نكون قد ابتعدنا كثيراً عن أبوقراط وجالينوس ووصلْنا إلى بدايات الطبِّ بمعناه الحديث، بما يتضمَّنه من تشريح وتجريب وجراحة. وهذا يعني أن الترجمة تؤدّي في النهاية إلى توطين شيئين متكاملين هما: المعرفةُ ولغةُ المعرفة بحيث يمكن التفكيرُ بلغة المعرفة للتوسُّع في المعرفة. والتوسُّع في المعرفة يوسِّع اللغة من داخلها.

وقد يكون من المفيد هنا أن أشير إلى أن حركة الترجمة التي ازدهرت في القرن التاسع الميلادي بعد إنشاء بيت الحكمة، احتاجت في الطبِّ إلى ما يقارب القرن حتى أخذ علمُ الطبِّ يؤتي أُكُلَه من داخل الثقافة العربية على أيدي ابن سينا ومن جاء بعدَه من الأطبّاء الذين وردت أسماؤهم. إذ تكون الاستجابةُ الأولى لعلوم الأوَّلين أقربَ إلى الإعجاب والانبهار اللذَيْن لا تحدُّهما حدود. ولكنَّ هذه الاستجابةَ لا تلبث أن تتحوَّل إلى الأُلْفةِ، فالنظرِ المدقِّقِ، فالنقدِ، فالسعيِ إلى التحسين والإضافة. ولعلَّ في القطعة الآتية من كتاب تهافت الفلاسفة لأبي حامدٍ الغزاليِّ ما يلخِّصُ هذه التحوُّلات:

وإنما مصدرُ كُفْرهم سماعُهم أساميَّ هائلةً كسقراطَ وبُقراطَ وأفلاطُنَ وأرسطو طاليسَ وأمثالِهِم، وإطنابُ طوائفَ من متَّبعيهم، وضلالُهم في وصف عقولهم وحسنِِ أصولِهم ودقةِ علومهم الهندسية والمنطقية والطبيعية والإلهية، واستبدادُهم لفرط الذكاء والفطنة باستخراج تلك الأمور الخفية، وحكايتُهم عنهم أنهم مع رزانة عقلهم وغزارة فضلهم منكرون للشرائع والنحل وجاحدون لتفاصيل الأديان والملل، ومعتقدون أنها نواميسُ مؤلفةٌ وحيلٌ مزخرفة.()

وهذا يعني أن الغزاليَّ تجاوز مرحلة الانبهار بالأسماء الكبيرة، فأخذ يفنِّد أقوالها ويبيِّن ما رأى أنه تهافتٌ في منطقها وضعفٌ في حُجَجِها. وهذا النوع من النقد هو بدايةُ التفكير المستقلِّ الأصيل.

ويمكن أن نقول الشيءَ نفسَه عن عددٍ آخرَ من العلوم التي دخلت العربية عن طريق الترجمة. إذ كان لا بدَّ من مضيّ فترةٍ على ترجمة الأعمال الرياضية لأرخميدس وأبولونيوس البرجاوي قبل أن يتمكَّن الرياضيون المسلمون من تطوير علم المثلَّثات وعلم الجبر. وقل مثل ذلك عن علوم الفلك والجغرافيا والفيزياء.

وإذا ما انتقلْنا إلى العصر الحديث وجدْنا أن العالم العربي لم يَعُدْ منتجاً للمعرفة بمعناها الواسع، بل أصبح مستورداً لها. وهو يستوردُها الآن بشكلين يأتي أحدُهما بلغته الأصلية (أي من غير ترجمة)، ويأتي الآخر مترجَماً إلى اللغة العربية. ونلاحظ هنا اختلافاً بيِّناً بين استيراد المعرفة في الماضي واستيرادها في الوقت الحاضر. إذ لم يكن يخطر على بال أحدٍ أن التدريس يمكن أن يجري باليونانية أو السنسكريتية أو السريانية بدلاً من العربية في المدارس العربية القديمة (والمدارس في هذا السياق معادِلةٌ للكلِّيّات الجامعية في زماننا). ولكنَّ اللغةَ العربيةَ، التي كانت لغةَ التدريسِ الطبيعيةَ آنذاك، لم تمنعْ من استيراد المصطلحات حيثُما كانت للُّغةِ بها حاجةٌ. فقد دخلتْ أعدادٌ كبيرةٌ من المصطلحات العلمية إلى اللغة العربية سجَّلت المعاجمُ المعتَمَدةُ بعضَها ولم تسجِّل معظمَها
؛ لأن القواميس غيرَ المتخصِّصة لا يمكنها أن تحيط بالمصطلحات العلمية كلِّها. أما في الوقت الحاضر فإن ما يثير التساؤل هو ذلك الإصرار على التدريس باللغة الأجنبية، وهو ما تكاد تنفرد به الثقافةُ العربيةُ بلا مسوِّغٍ حقيقيٍّ لأن الادِّعاء بقصور اللغة العربية دون بقية لغات العالم ينافي المنطق، ويعمل ضدّ توطين العلم على غرار ما حصل في الماضي بحيث يمكن للعلم إذا توطَّن أن يتطوَّر من الداخل كما حصل للعلوم التي ذكرناها سابقاً. أما الشكل الآخر الذي تصلُنا فيه المعرفةُ الحديثة فهو أنها تصلُنا مترجَمَةً إلى اللغة العربية. ونحن عندما نستورد المعرفة فإننا نستوردُ معها مصطلحاتِها. ولا ضيرَ في ذلك، بل إن للُّغةِ في الترجمة مصلحةً لأنَّ المترجمين المؤهَّلين للقيام بهذه المهمَّة الجليلة يعملون على إغنائها بطريقتين: إما عن طريق إدخال المصطلحِ الأجنبيِّ نفسِه مع قدْرٍ قليلٍ أو كثيرٍ من التحوير بحيث يصبح المصطلحُ الأجنبيُّ عربيّاً مع مرور الزمن، أو عن طريق ما يُدْعى بالـ calque.() وسأتناول الآن هاتين الطريقتين تحت عنوانين أدعو الأوَّل منهما تدجينَ المصطلحِ الأجنبيِّ وأدعو الثاني توطينَه.

(1) تدجينُ المصطلحِ الأجنبي

نستورد المصطلحَ الأجنبيَّ، أكثر ما نستورده، عندما نستورد الأشياء الجديدة علينا، سواءٌ أكانت هذه الأشياءُ وليدة الصناعة والتجارة، أو وليدةَ الاكتشافات العلمية. فنحن عندما نستورد الآلاتِ والبضائعَ نستورد معها أسماءها في البداية مثلما فعلنا مع (الراديو والتلفزيون والتلفون والبسكليت والكاميرا والموبايل والرادار والليزر والكمبيوتر والبيتزا والشوكولاتة والهامبرغر والكتشب والبالطو والسيراميك والساونا والباص والتلسكوب والمايكروسكوب والجَكيت والبنطلون) ومئات المستوردات الأخرى. ومن الطبيعي أن يحسَّ أهل اللغة بغرابة هذه الكلمات؛ لاختلاف أصواتها أحياناً عن الأصوات التي يألفها أهل اللغة في لغتهم وعن البنية الطبيعية للكلمات التي تجري على ألسنتهم. ولذلك فإن أهل اللغة يحاولون إحلالَ بدائلَ لهذه المستوردات، ينجحُ بعضُها ويفشلُ بعضُها الآخرُ لأسبابٍ متباينة. فقد ابتكر الغيورون على صفاء اللغة العربية مثلاً مصطلح المذياع للراديو، والهاتف للتلفون، والحافلة للباص، والدرَّاجة للبسكليت، فنالت قدْراً من الشيوع. أما الرائي للتلفزيون، والمقراب للتلسكوب، واللاقط للدِّشّ، فلم تشع، ويبدو أن حظَّها من الشيوع شبهُ معدوم. وقد يمرُّ وقتٌ يطول أو يقصر تتنافس فيه الكلمة الأجنبية مع الكلمة العربية قبل استقرار إحداهما واختفاء الأخرى، كما يحصل الآن مع الكمبيوتر والحاسوب، والمحمولِ والموبايْل، والبنكِ والمصرِف، والقرصِ المدمجِ والدِّسْك، والإيميل والرسالة الإلكترونية.

وتنبِّهنا هذه العبارة الأخيرة (أقصد "الرسالة الإلكترونية") إلى أن ثمَّة مصطلحاتٍ (تمثِّلها في هذه العبارة كلمة "الإلكترونية") لا يمكنُ استبدالُ غيرِها بها لأنها جزءٌ من لغة العلم العالمية، ودخولُها في اللغة إغناءٌ لها بغضّ النظر عن الأصوات الدخيلة والتراكيب الأعجمية. فليس ثمَّة من بدائل لأسماء العناصر الكيميائية كالأوكسجين والهيدروجين والهيليوم والمنغنيز والبوتاسيوم والصوديوم والراديوم والكربون، ولا لأسماء الأدوية كالأسبرين والبنسلين أو المستحضرات الاستهلاكية كالكلوروكس والشامبو والشوكولاتة، ولا لأسماء الأحياء الدقيقة التي اكتشفت حديثاً كالبكتيريا واﻟﭭﻴﺮوسات، أو لأسماء الحيوانات والنباتات التي لا وجود لها في بيئتنا كالكنغر والأرمادلو والواشنطونيا والأضاليا واﻟﭙﺎنزي واﻟﺸﻤﭙﺎنزي.

ولو نظرنا إلى هذه المجموعة المتنوِّعة من المصطلحات، فإننا سنجد أنها في أغلبها أسماءُ جامدةٌ يصعب التعامل معها إلا بالشكل الذي استُعيرت به، مع تحويراتٍ صوتيةٍ بسيطة. ولكن تُشتَقُّ من بعضها في الأصل أفعالٌ أو صفاتٌ تحتاج هي الأخرى إلى ابتكار مقابلات لها في العربية. فلو أخذنا كلمتي
oxygen) و (carbonمثلاً فإننا سنجد سلسلة من المشتقّات، منها من الكلمة الأولى:(Oxygenate, oxygenation, oxygenic, oxygenous, oxygenicity, oxide, oxidize, etc. ) ومنها من الكلمة الثانية: Carbonic), carbonous, carbonize, carbonate, carbonator, carbonation, etc.) وقد لاحظتُ في دراسة مستقلَّة أن اشتقاق الأفعال من هذه الكلمات الأجنبية عند تعريبها يشكِّل صعوبة خاصَّة، ولكنها صعوبةٌ مصدرها الفكرة التي ليس لها أساسٌ علميٌّ، والتي تقول إن الكلمة الأجنبية الواحدة يجب أن تُترجم بكلمة عربية واحدة. إن اشتقاق الأفعال اشتقاقاً طبيعياً من كلمات أجنبية غيرُ ممكن إلا عند إعادتها إلى جذور رباعية نظرية. فكلمة "أوكسجين" يمكن أن تُعْطِيَنا من الناحية النظرية الأفعال الرباعية الآتية: "أَكْسَجَ"، و "أَكْسَنَ"، و "كَسْجَنَ". لكن الصيغة الثالثة استُبعِدت فيما يبدو لصعوبة اللفظ. أما صيغة "أَكْسَنَ" فتُسقِط صوتاً يحسّ المترجم أنه أساسيٌّ في الكلمة لأنه في الأصل جزءٌ من مكوِّنٍ أساسيٍّ في كلمة "أوكسجين". ولو اجتهد المترجم فاشتَقَّ كلمةً مثلَ "أَكَسْجَنَ" بهدف الاحتفاظ بالسواكن الخمسة في الكلمة الأصلية لخالف بذلك قواعد الاشتقاق العربية، كما يفعل من يشتقُّ "دَمَقْرَطَ" مقابل democratize من "ديمقراطية" أو "فَلَسْطَنَ" من فلسطين (قياساً خاطئاً على اللبْنَنة والأرْدَنة والسَّعوَدة والأسْرَلَة).

غير أن صعوبة الاشتقاق تتضاعف عندما تُضاف إلى الكلمات الأساسية لواصقُ معيَّنةٌ تكثر في اللغات الهندية الأوروبية، ولا سيَّما اللاتينية واليونانية، وفي اللغة الإﻧﮕﻠﻴﺰية عَبْرَهما. وهنا أجد أن المحاولات التي جرت لتقليد اللغات الأجنبية عن طريق فرض صيغ مماثلة لما نجده فيها على اللغة العربية فشلت، في ما كانت تهدف إليه، فشلاً ذريعاً. واسمحوا لي أن أقتبس للتمثيل على ما أقول، مجموعةً من الأمثلة من قاموس المورد الذي وضعه منير بعلبكي. وأنا لا أنكر تمكُّن البعلبكي من اللغة العربية، ولكنني آخذ عليه وَلَعَهُ بالمغامرات اللغوية التي تُفضي به إلى تجاهل المقتضيات الطبيعية في اللغة. فقد قاده الوهمُ القائلُ إن الكلمة الأجنبية الواحدة يجب أن تُترجَم بكلمة عربية واحدة إلى مزجِ عنصرين من كلمتين مختلفتين للحصول على كلمة واحدة مقابل الكلمة الأجنبية الواحدة، وإلى ابتكارِ طائفةٍ من كلماتٍ مركَّبةٍ من جزأين شفّافين من حيث المعنى ولكنهما غير مقبولين من حيث المبنى. ومن أمثلة ذلك هذه المركَّبات:

قحفيعجزي

شمالأمريكي

الكيميحيوي

سيريذاتي

الوحديطبيعي

أعماقيبحري

منعيحملي

مركزينقابي

عظميزندي

مصليلبني

مجهريفوقي

مدّيجزري

إن اللغة العربية، خلافاً لِلُغات أخرى كالألمانية، لا تقبل جمع العناصر اللغوية على هذه الشاكلة، ولا مندوحة من وَصْمِ هذه الكلمات بالعُجمة أو بأنها (barbarisms) بالإﻧﮕﻠﻴﺰية.() إذ ليس هنالك من تفسير لإصرار مترجم متمرِّس مثل منير البعلبكي على وضع كلمة مثل "مركز ينقابي" مقابل كلمة (cooperative) إلا هذا الولعُ بالمغامرة اللغوية، بينما يعرف الجميع أن الكلمة الصحيحة التي يقبلها جميع مستخدمي اللغة هي "تعاونية"، والصفة منها "تعاوني".

لكن هذه المغامرات اللغوية تهون عند مقارنتها بقائمة أخرى من القاموس نفسه فَقَدَتْ عناصرُها ما في هذه القائمة من شفافية بحيث صار لزاماً علينا أن نعود للكلمة الأجنبية حتى نفهم العربية. والقائمة الآتية عيِّنة مما نجده في المورد:

يُزَصْبِغُ

يُدَيْلِزُ

يُكَمْتِرُ

يُدَسِّكُ

يُدَيْلِزُ

يُؤَزِّتُ

يُؤَرْمِتُ

يُزَهْرِجُ

يُزَجْلِدُ

يُزَقْمِلُ

يُنَزْكِتُ

يُزَأْكِجُ

يُزَقْطِبُ

يُزَحْرِجُ

يُزَحْشِمُ

يُحَرْصِمُ

يُنَزْقِرُ

يُزَرْطِبُ

يُزَمْوِهُ

يُنَزْكِسُ

يُنَزْكِرُ

يُنَزْلِحُ

يُنَزْهِرُ

يُنَزْوِرُ

إلخ

لقد بلغ التساهل في الاشتقاق هنا مداه، وأخذ واضعُ القاموس على عاتقه فَرْضَ خصائصِ لغةٍ من اللغات على لغةٍ أخرى لا يجمعها بها جامع، وما ذلك إلا لأنه أُعجب بما في اللغة الأخرى من قدرةٍ على استعمال اللواصق بحيث تأتي بمعانيَ جديدة. واللغات يتأثَّر بعضُها ببعضها الآخر، ولكنها لا تُخلَق عشوائيّاً بابتكار وحداتٍ لا وجود لها فيها مهما يكن المبتكر عبقريّاً. غير أن مغامرات منير البعلبكي اللغوية تشير إلى ما يمكن أن تحدثَه الترجمة في اللغة. فقد وجدتُ عدداً من المترجمين يقبل بعض مقترحاته رغم ما سقتُه أنا أو قد يسوقه غيري من اعتراضات عليها.

(2) توطين المصطلح الأجنبي

أقصد بتوطين المصطلح الأجنبيِّ ترجمةَ الكلمات والعبارات الأجنبية ترجمةً تُلبِسُها ثوباً وطنيّاً، بحيث تصبح مع مرور الزمن مقبولة، ولو أنها تبدأ مجتلبةً غريبَةَ الوقْع. واللغة العربية الحديثة مليئةٌ بأمثال هذه العبارات التي تتأقلم مع الزمن بحيث يُنسى أصلها الأجنبي. ومن ذلك: السيولة النقدية، وحقوق الإنسان، وفارة الحاسوب، وتكنولوجيا المعلومات، والدوائر المطَّلعة، والعملة الصعبة، والأقمار الصناعية، وغسيل الأموال، والعمالة الوافدة، وعمالة الأطفال، والطابور الخامس، والسلطة الرابعة، والأنظمة الشمولية، وكلُّها أتتنا عن طريق الترجمة، ولم نعد نفكِّر بأنها ذاتُ أصولٍ أجنبية إلاّ إذا نبَّهَنا إلى ذلك أحدُ المطَّلعين. وأنا أعتبر هذا النوع من الاستيراد مفيداً – اللهمَّ إلاّ إذا فَرَضَت علينا الترجمةُ الضعيفةُ مصطلحاتٍ ومفاهيمَ قد تشوِّه جانباً من الثقافة المحلِّيَّة وتعمل على نشر هيمنة الثقافة التي تفرض تداول هذه العبارات وأمثالها. ولأضرب على ذلك مثلاً أو اثنين.

شاعت في السنوات الأخيرة مصطلحاتٌ مثلُ "حوار الأديان" و "الأصولية الإسلامية" وشاع الحديث عن "الإسلاميين" و "المتطرِّفين"، وغير ذلك من المصطلحات ذات الهوى السياسي. وأنا لا أدري كيف يتحاور دينٌ مع دينٍ آخر، أو كيف تتحاور حضارةٌ مع حضارةٍ أخرى. أنا أفهم أن يجلس شيوخٌ وقساوسةٌ وحاخاماتٌ معاً للحديث في أمور دينية مع أنني لا أتوقَّع أن يتوصَّلوا إلى شيءٍ ذي بال في الأمور الأساسية التي تجعل منهم شيوخاً وقساوسة وحاخامات. وأغلبُ ظنّي أن حواراً كهذا لا يُقصَد منه التوصُّل إلى أيِّ تفاهمٍ حول أمورٍ دينية. وأرى أن أكثر ما يمكن أن ينتجَه صورةٌ فوتوغرافية تجمع الشيخ والقسَّ والحاخام لكي تُستخدَم لأغراض سياسية. فليس هنالك شيخٌ في الإسلام مخوَّلٌ للتحدُّث باسم الإسلام. ولذلك فإن حديثه مع ممثلي الأديان الأخرى لا يُلزِمُ أحداً سواه. لكنْ إذا قبلنا فكرة الحوار على أنها جذّابة بحدِّ ذاتها رغم أن الحوار في هذه الحالة سيكون حواراً للطرشان، فكيف نقبل ترجمة مصطلح (
Islamists) بكلمة "الإسلاميين" ونجعل معنى هذه الكلمة سلبيّاً يدلُّ على أن هذه المجموعة من المسلمين فئةٌ ضالَّة تريد تدمير العالم من غير هدفٍ محدَّد؟ ولماذا نقبل صفة التطرُّف عندما تُطلَق على كلِّ من يقف في وجه الغرب أو الصهاينة؟ ألم تصبح كلمةُ "ناشط" (التي تستعمل ترجمة لكلمة militant) ذاتَ مدلولٍ سلبيٍّ هي الأخرى تُطلَق على كلِّ من يقاوم الاحتلال؟

إن الترجمة ليست عمليةً بريئةً تخلو من الهوى دائماً. فعندما يترجم الغربيُّ كلمة "مسلم" بكلمة (Islamist) وليس بكلمة Moslem) أو (Muslim الموجودة في قاموسه اللغوي فإنه يقصد الإيحاء بشيء محدَّد. وعندما يصرُّ على الاحتفاظ بكلمة hijab)) العربية ولا يستعمل كلمة veil الإﻧﮕﻠﻴﺰية فليس ذلك لأن كلمة hijab أدقُّ، بل لأنه يريد نقلَ ظلالٍ معيَّنةٍ من المعاني تخلو منها كلمة (veil) المحايدة. وقل مثل ذلك عن ترجمة كلمة "الله" بكلمة Allah وليس بكلمة(God) بينما لا يحتفظ المترجم العربي بلفظ "ﮔﺪ" في المقابل، بل يترجمها دون تردُّد بكلمة "الله"، وذلك لأن المترجم العربيَّ لا يريد الإيحاء بالاختلاف، بينما يريد المترجم الغربي الإيحاء بأن "الله" خاصٌّ بالمسلمين. ومن ذلك أيضاً ترجمة كلمة fundamentalists)) التي يطلقها الغربيون على نوعٍ من المسلمين في مقابل الـ moderates)) التي يطلقونها على نوعٍ آخر. فقد أشاع المترجمون مصطلحَي "الأصوليين" و "المعتدلين" ترجمةً لهما على التوالي، ففرضوا بذلك التوصيف الغربي لهاتين الفئتين من المسلمين، بينما قد يكون للمسلمين رأيٌ آخرُ فيهما. ومن ذلك أخيراً تعامُلُ الغربيين مع كلمة "جهاد". فهم لا يترجمونها بكلمةcrusade)) كما يجب أن يفعلوا، بل يحتفظون بلفظها العربي للإيحاء بنوعٍ من التوجُّه الإسلامي الذي يشكِّل خطراً على الحضارة الغربية، بينما نراهم يسارعون لتوضيح وصف الرئيس جورج بُشّ لحربه على العراق وأفغانستان بأنها (crusade) بقولهم إنه لم يقصد الكلمة بمعنى "الحرب الصليبية" القديم بل بمعناها الحديث المتضمِّن شنَّ حملةٍ ليست ذات طبيعة دينية بالضرورة. ومن الملاحظ أن المسلمين أخذوا يعتذرون عن معنى "الجهاد" ويفسِّرونه تفسيرات تسترضي الغرب.أقصِد من هذا أن أبيِّن أن على المترجم ألاّ يلجأ إلى الحُجّة القائلة إن ناقل الكفر ليس بكافر، وألاّ يترجم ترجمةً آليةً لأن عمله يمكن أن تكون له آثارٌ سلبية على الثقافة التي يترجم لها. وهنا قد يقول قائل إن المترجم لا يحقُّ له أن يغيِّر ما في النصِّ لخدمة أغراض آيديولوجية معيَّنة، وإن أيَّ تغيير من هذا النوع سيكون خيانةً للنصّ. وأنا أسمع كثيراً العبارة المعروفة التي تقول: إن المترجم خائن. ومع أن هذه العبارة تُستخدَم في العادة لتعني أن الترجمة لا يمكن أن تكون وفيَّة للأصل إذا التزمت بحرفيَّته على حساب جماله وأن محاولة الإبقاء على جماله تحتِّم التضحية بحرفيَّته، أي تحتِّم خيانته، فإنني أحسَب أن الحفاظ على ما في النصِّ الأصلي من هوى ديني أو سياسي بحُجَّة الأمانة له يتضمَّن قدْراً أخطر من الخيانة للثقافة المستهدفة.

() ذلك أن النصوص خارج مجال العلوم البحتة يندر أن تكون خالية من الهوى، ولذا فإن ترجمتها تحتاج إلى قدْرٍ كبير من الحذر. من هو الذي يمكن أن يمارس هذا الحذر؟ ليس ثمَّة من جوابٍ سهلٍ على هذا السؤال. فقد يمارسُه المترجمُ المسؤولُ نفسُه إذا كان صاحبَ رأيٍ في ما يترجم ولا يقوم بعمله على نحوٍ آلي. وقد يمارسه المحرِّرُ الذي يُقِرُّ نشرَ المادَّة المترجَمة. وقد يكون الرقيبَ. وأنا أعلم أن الرقابة أمرٌ مكروهٌ من الناحية النظرية، ولكنني لا أعلم عن دولةٍ لا تمارسها - من الناحية العملية - بقدْرٍ يتفاوت في الشدَّة وفقاً للظروف. ولكنَّ ما يهمُّني في هذا المجال، بصفتي مترجماً أتحدَّث في مجال الترجمة، هو ذلك الذي دعوتُه بالمحرِّر. فهذا الشخص الذي يظهر اسمُه أو اسمُ وظيفته أكثر ما يظهر في الصحف والمجلاّت يجب أن يمارس الحذر في نوعيَّة المصطلحات التي تَرِدُهُ عبر وكالات الأنباء، أو عبر مزوِّديه بالمادَّة التي يقرِّر نشرها. فوكالاتُ الأنباء الأجنبيةُ وكالاتُ أنباءٍ أجنبيةٌ، ولكلٍّ منها أهدافٌ سياسيةٌ تحدِّد طبيعةَ ما تبثُّه من أنباء وطبيعةَ المصطلحات التي تستخدمها في نقل هذه الأنباء. والمحرِّر الذي يقبَل هذه الأنباء وما يَرِدُ فيها من مصطلحات كما هي محرِّرٌ لا يحرِّر. وهذا ينطبق على ذلك الشخص الذي يجيز نشر الكتب في دور النشر، سواءٌ أكان ذلك الشخصُ صاحبَ الدار نفسَه أو شخصاً يعمل عنده. فالمحرِّر بهذا المعنى يجب أن يطَّلع على كلِّ شيء، وأن يكون مسؤولاً عن كلِّ شيء تُصْدِرُه دار النشر، ومن ذلك الترجمات التي يوافق على نشرها. والناظر إلى ما يصدُر من ترجمات عن دور نشرٍ محترمةٍ لا يملك إلا أن يقول إن وظيفة المحرِّر إما غيرُ موجودة أو إنها تقتصر على التدقيق اللغوي أو ما يدعى ((proof-reading، وإنْ يكن حتى ذلك غائباً في بعض الحالات.()

يُفضي بنا هذا الكلام إلى القسم الثاني مما طُلِبَ منّي أن أتحدَّث فيه، وهو "واقعُ الترجمة وسُبُلُ النهوضِ بها". وينقسم هذا الجانب من الموضوع إلى قسمين: الأوَّل هو واقعُ الترجمة، والثاني هو سُبُلُ النهوض بها. وأحبُّ أن أبدأ حديثي عن واقع الترجمة ببعض الإحصاءات المستمدَّة من منظَّمة اليونسكو لما لها من مساسٍ بالموضوع. فقد عملت المنظَّمةُ جداولَ عن وضع الترجمة في العالم على النحو الآتي:

أوَّل خمسين مؤلِّفاً تُرجمت أعمالُهم إلى لغاتٍ أخرى: ليس من بينهم أيُّ عربي.

أوَّل خمسين بلداً من حيث عددُ الترجمات عن لغات أخرى: تحتلّ مصرُ الترتيبَ السادسَ والأربعين (وللمقارنة: تحتلُّ هنغاريا الترتيب الحادي عشر، وفنلندة الترتيب الثالثَ عشر، وبلغاريا الترتيب العشرين، وتركيا الترتيب الثاني والثلاثين، وإيران الترتيب الرابع والثلاثين).

أول خمسين لغةً تجري الترجمة منها: تحتلّ اللغة العربية الترتيب السابع عشر، (وللمقارنة: تسبقها الدنماركية التي تحتلّ الترتيب التاسع، واليابانية التي تحتلّ الترتيب الحادي عشر، واﻟﭽﻴﮑﻴﺔ التي تحتلّ الترتيب الثاني عشر، والهنغارية التي تحتلّ الترتيب الخامسَ عشر).

أول خمسين لغة تجري الترجمة إليها: جاء ترتيب اللغة العربية الثلاثين بعد اللغات الكرواتية التي تحتل الترتيب الثالث والعشرين، والإستونية التي تحتلّ الترتيب الرابع والعشرين، والتركية التي تحتلّ الترتيب السادس والعشرين، واللثوانية التي تحتلّ الترتيب السابعَ والعشرين.()

وقد يتَّضح مدى التخلُّف في الترجمة إذا علمنا أن ما ترجمه العرب بلغ 10339 عنواناً بينما بلغ ما ترجمه الألمان 271085 عنواناً، أي أن ما ترجمه الألمان يبلغ حوالي ستةٍ وعشرين ضعفَ ما ترجمه العرب، علماً بأن الناطقين بالعربية يزيدون على أربعة أضعاف الناطقين بالألمانية.

وقد أجرى الدكتور نجيب حَرابي، الأستاذ في جامعة العلوم التطبيقية في شمال غرب سويسرا، دراسةً بعنوان
"Economic Performance of the Arabic Book Translation Industry in Arab Countries"، أي "الأداء الاقتصادي لصناعة ترجمة الكتب في الأقطار العربية" اعتمد فيها على بيانات جمعها من خمسة أقطار عربية هي مصر والسعودية وسوريا ولبنان والمغرب، فوجد أن ما يدعوه بصناعة ترجمة الكتب في هذه الأقطار الخمسة "لم تصل بعد إلى مستوى الأقطار المتقدِّمة (developed) ولا حتى مستوى الأقطار النامية (developing). وعزا هذا التخلُّف في جانب منه إلى ما دعاه بالانعدام الشديد للتنسيق (severe coordination failures). وبما أن اهتمامات الباحث في هذا البحث كانت اقتصادية بالدرجة الأولى فقد وصف هذا الجانب من صناعة الترجمة على النحو الآتي:إن هذا الوضع الذي تعجز فيه الجهات المختلفة (من مترجمين وناشرين ومزوِّدين ومستهلِكين، ومن منظماتٍ مساندة ودولةٍ وما إلى ذلك) عن تنسيق جهودها أو خياراتها يؤدّي إلى نتائج أدنى من الحد المطلوب. وبما أن الأداء الاقتصادي لصناعة الترجمة كثيراً ما يتضمَّن استثمارات تكميلية أخرى من جهات غير التي ذكرناها فإن التنسيق يغدو ضروريّاً. ومن الواضح أنه لا قوى السوق ولا الدولة قامت بهذا التنسيق. ويبدو أن صناعة الترجمة العربية تعاني من فشل السوق وفشل الدولة.()

ولربَّما أمكن إرجاع نوعَيْ الفشل هذين في رأيه إلى سلسلة مترابطة من الأسباب هي:

(1) تدنّي مستوى الدخل

(2) تدنّي نسبة المتعلِّمين الراغبين في القراءة

(3) تدنّي نوعية الكتب المترجمة

(4) الغياب النسبي لعادة القراءة حتى بين المتعلِّمين

(5) عزوف جيل الشباب عن الكتاب وميلهم نحو المنتجات الإلكترونية من أشرطة للفيديو وأقراص مدمجة وما تزوِّدهم به مقاهي (الإنترنت).()

كذلك أجرت مؤسسة تُدعى
(Next Page Foundation) مسحاً للقرّاء في خمسة أقطار عربية هي مصر ولبنان ومراكش والسعودية وتونس في سنة 2005، فخلصت إلى نتائج منها:

(1) أن نسبة من لا يقرأون أكثر من ساعة في اليوم تشكِّل الغالبية العظمى من بين القرّاء.

(2) أن عادة القراءة لا تتلقّى الدعم من البيئة العائلية.

(3) أن عادة القراءة ترتبط بأيام الدراسة وتتوقَّف ما بين سنِّ الخامسةَ عشرةَ والتاسعةَ عشرةَ.

(4) أن من يقلِّلون مدَّة القراءة أو يتوقَّفون عنها بعد الانقطاع عن الدراسة لا يعودون لها فيما بعد.

(5) أن المدارس لا تؤسِّس عادة القراءة بحيث تستمر بقيَّةَ العمر.

(6) أن الكتب الموجَّهة إلى جيل الشباب واليافعين قليلة أو معدومة.()

ويرى الدكتور حَرابي أن المجال لا يزال مفتوحاً للمستثمرين للدخول في هذه السوق لاستغلال هذا الوضع شريطة تهيئة الظروف المناسبة من شركات، وصناعات، وأنشطة تصبُّ في مجال الترجمة.

لكن التفكير في الترجمة بوصفها صناعةً، يمكن للمستثمرين تحسينُ وضعِها من الناحية الاقتصادية يبقى قاصراً ما لم يُؤخَذ المترجمون في الحسبان. فالدكتور حَرابي وغيرُه من الباحثين يعلمون أن أعداد المترجمين المؤهَّلين قليلة ويعلمون أن المردود المادّي الذي يمكن للمترجمين أن يتوقَّعوه ضئيل.
()

وقد أجريتُ أنا شخصيّاً دراسةً لعددٍ من الترجمات التي نشرتها دور نشر محترمة، وكُلِّفتُ بمراجعة عددٍ من الكتب التي ترجمها مترجمون يحملون شهاداتٍ عليا، ودرَّستُ الترجمة على مستوى البكالوريوس والماجستير في غير جامعة عربية، وخلصتُ إلى نتائج يمكن إيجازُها على النحو الآتي:

(1) أن كثيراً من المترجمين لا يتقنون اللغة العربية إتقاناً كافياً.

(2) أن كثيراً من المترجمين يفرضون بنية اللغة الأجنبية على اللغة العربية فرضاً يشوِّه طبيعتها.

(3) أن أكثر دور النشر التي تنشر الترجمات لا تكلِّف أحداً بمراجعتها وتدقيقها.

(4) أن بعض دور النشر تستهين بعمل الترجمة فتكلِّف مجموعات من المترجمين لترجمة أعمال رائجة من أجل الاستعجال في جني الأرباح.

(5) أن الغالبية العظمى من الجامعات العربية تدرِّس العلوم باللغات الأجنبية فتجعل ترجمة الكتب العلمية غير ضرورية.

(6) أن العالم العربي يخلو من مجلاّت مخصَّصة - أو تخصِّص جانباً من جهودها - لنقد الترجمة باستثناء مجلَّة واحدة هي ترجمان ذات الانتشار المحدود.

(7) أن بعض الجامعات العربية أخذت تنشئ برامج لتدريس الترجمة على مستوى البكالوريوس، متوهِّمة أن شهادة البكالوريوس تؤهِّل حاملها للترجمة.

ولمن شاء الاستزادة حول هذه الأمور أن يعود إلى كتابي الذي نشرتُه مؤخَّراً تحت عنوان دراسات في الترجمة ونقدها.

آتي الآن إلى الموضوع الأخير في هذه الكلمة، وهو "سبل النهوض بالترجمة". وهنا لا بدَّ من القول إن السبل التي سأتحدَّث عنها لن تؤدّي إلى نتائج سريعة، ولكن النهوض بالترجمة، وبما يمكن أن يتمخَّض عنها من نهضة علمية وفكرية شبيهة بالنهضة العلمية والفكرية التي جاءت بها حركة الترجمة التي يرتبط اسمها ببيت الحكمة، لن يحصل من دونها.

أوَّلاً: تعريب التعليم الجامعي كافَّة فروعه.

فما دام تدريس العلوم يجري باللغات الأجنبية، فلن تكون ثمَّة حاجةٌ لتعريب الكتب العلمية. وهذا سيحرم الثقافة العربية من لغة العلم، وسيحرم اللغة العربية من الاغتناء بالمصطلحات العلمية. والحُجج التي تُساق لمقاومة التعريب حُجج واهيةٌ لا تصمد للمنطق العلمي. فالتعليم يجري باللغات القومية في معظم أنحاء العالم وبلغاتٍ ليس لها من التاريخ العلمي ما للغة العربية. وعلماءُ اللغة دون استثناء يقولون لنا إن استيعاب الطلبة للعلم باللغة القومية أفضلُ من استيعابهم له باللغة الأجنبية. ويقولون أيضاً، إن اللغات قد تختلف بوسائل التعبير عن الأفكار الإنسانية ولكنها لا تختلف من حيث القدرةُ على التعبير.

وأنا أرى أن تعريب التعليم موضوعٌ سياسيٌّ، وليس موضوعاً أكاديميّاً. ولستُ أعرف السبب السياسيَّ الذي يقف وراء التقاعس عن اتخاذ القرار بتعريب التعليم في كافة البلاد العربية كافة، ولكنني أعرف أن مقاومة هذه الفكرة تأتي أيضاً من بعض الأكاديميين العرب الذين تلقّوا تعليمهم باللغات الأجنبية. ومقاومتُهم تأتي بالدرجة الأولى لسببين: الأوَّل هو أنهم يريدون أن ينخرطوا في ما يسمّونه بالـ
international scientific community)) أي بالمجتمع العلمي في العالم، وأن ينشروا أبحاثهم في المجلاّت العلمية العالمية، والثاني هو أن اللغة العربية تفتقر الآن للكتب العلمية المخصَّصة للتدريس والبحث العلمي. وأنا أرى أن السبب الأوَّل الذي يسوقه الأكاديميون لمقاومة تدريس العلوم باللغة العربية غيرُ مقنع لأن كتابة الأبحاث باللغة الأجنبية والتدريس باللغة القومية أمران مختلفان. فليس ثمة ما يمنع من كتابة البحث باللغة الأجنبية، ولكننا نتحدَّث عن التعريب أثناء التدريس. وأما السبب الثاني فمسألةٌ يبدو لي أن التفكير فيها مقلوب. إذ يُقال أحياناً إن مدرِّسي العلوم على المستوى الجامعي لا يمكنهم انتظار مجامع اللغة العربية أو أي جهة أخرى لكي تُعِدَّ لهم الكتب التي يمكن استخدامها في التدريس. وهنا أرجو أن يُسمح لي بالقول إن مجامع اللغة العربية أو أيَّ جهة أخرى ليست هي الجهة التي يُطلب منها إعداد الكتب المخصَّصة لتدريس العلوم. فهذه مهمَّة تقع على عاتق المدرِّسين أنفسهم. فلو اتُّخذ القرار السياسيُّ بالتعريب، فإن المدرِّسين أنفسَهم سيسارعون للترجمة أو للتأليف. ولا شكَّ في أنهم سيواجهون صعوباتٍ جمَّةً في البداية. فكلُّ جديد صعبٌ، والصعوبات تُذلَّل بالممارسة. ولن يمضيَ وقتٌ طويلٌ قبل أن تتفتَّق أذهانُ المدرِّسين أنفسِهم عن مصطلحاتٍ يضعونها أو يستوردونها لتصبح جزءاً لا يتجزَّأ من اللغة العربية.

ثانياً: العمل على خلق ثقافة القراءة

لن يروج الكتاب المترجَم أو المؤلَّف ما لم يكن هنالك جمهورٌ قارئ. وقد تكرَّرت الشكوى من أن القراءة ترتبط بأيام الدراسة، وأنها تكاد تتوقَّف بعد الحصول على الشهادة الثانوية أو الجامعية، وأن البيئة العائلية لا تشجِّع هذه العادة. ونحن نسمع كثيراً عن أن الكتاب العربيَّ الناجح لا يُنشر منه أكثر من ألف نسخة إلى ثلاثة آلاف، بينما يزيد سكّان العالم العربي عن ثلاثمائة مليون. وكلُّنا سمعنا أو شاهدنا الأوروبيين في محطّات القطارات أو المطارات أو الحدائق وهم يقرأون. وقد ذَكَرَت الدراسةُ التي أجرتها مؤسسة (
Next Page)، والتي أشرتُ لها فيما سبق، أن العالم العربي يخلو مما يُدعى ((bestseller أو الكتاب الذي راج أكثر من غيره، وذلك لأن هذه الظاهرة تستدعي وجودَ جمهورٍ يتابع ما يُنشر ويسارع لشراء ما يروج في المجتمع القارئ عن أن هذا الكتاب أو ذاك يستحقُّ القراءة.

ويحتاج خلقُ ثقافة القراءة هذه إلى تخطيطٍ وإعدادٍ منذ مرحلة الحضانة والمدارس الابتدائية يجعل القراءة عادة يومية مثل الأكل والشرب. فما زال تعليمنا مرتبطاً بالكتاب المقرَّر مع الأسف، ولا يُطلب من التلاميذ في هذه المرحلة التأسيسية من حياتهم أكثرُ من حفظ المعلومات، بينما يُطلب شيءٌ أشبهُ بالبحث العلمي المستند إلى الذهاب إلى المكتبة والرجوع إلى المصادر المطبوعة والإلكترونية في مختلِف مراحل التعليم في المدارس الغربية.

ثالثاً: العمل على إيجاد برنامج قومي للترجمة

وهنا أعود إلى مسألة التنسيق التي تحدَّث عنها الدكتور نجيب حَرابي، وأقول إن التنسيق يجب ألاّ يقتصر على الناحية الاقتصادية من عملية الترجمة والنشر والتسويق، بل يجب أن يتعدّاها إلى نوعية الكتب التي تُتَرجم، وإلى وضع أولويّات واضحة يمكن أن تؤدّي إلى تراكمٍ معرفيٍّ يساعد على خلق نهضة فكرية وعلمية.

أنا أعرف أن في بعض البلاد العربية، ولا سيّما جمهورية مصر العربية، برامجَ للترجمة. ولكن الناظر إلى ما يصدره المجلس الأعلى للثقافة وما تصدره سلسلة عالم الثقافة الكويتية، على سبيل المثال، لا يخضع إلى برنامجٍ واضح المعالم. فالمترجمون هم الذين يختارون الكتب ويقترحون ترجمتها. وهم لا يختارونها لأنها أهمُّ ما يستوجب الترجمة، بل لأن الكتاب وقع في أيديهم، وأعجبوا به، وأحبّوا أن يضيفوا شيئاً إلى دخلهم الشخصي. وسيجد كلُّ من يراجع قوائم المنشورات التي تصدرها هاتان الجهتان أو سواهما غياب الكتب العلمية. والكتب العلمية غائبةٌ لأن التدريس يجري باللغات الأجنبية، أي إننا نعود إلى الفكرة الظالمة التي يكرِّرها كثير من أبناء هذه الأمة عن أن اللغة العربية – خلافاً لبقية لغات العالم - لغةُ أدبٍ وعبادات، وليست لغةَ علمٍ وفكر راقٍ.

رابعاً: العمل على تدريب المترجمين تدريباً متخصِّصاً (في العلوم على نحو خاص)

يمارس الترجمة في الوقت الحاضر كلُّ من هبَّ ودبَّ وأحسَّ أنه يعرف اللغة الأجنبية، ولو بمقدار. وقد أُتيحت لي فرصةُ مراجعةِ بعض الكتب التي ترجمها أناس يحملون شهادة الدكتوراه، وأجريتُ دراساتٍ نَشَرْتُ بعضَها في كتابي الذي ظهر مؤخَّراً بعنوان دراسات في الترجمة ونقدها على ترجمات منشورة، فوجدتُ أن دور النشر على استعدادٍ لنشر ترجمات سيِّئة من حيث فهمُ النصِّ الأجنبيِّ ومن حيث القدرةُ على التعبير باللغة القومية. وأنا لستُ ضدَّ أن يقوم المترجم بترجمة ما يريد أو أن تقوم دار النشر بنشر ما تريد. فالناشرون رجالُ أعمالٍ بالدرجة الأولى يهمُّهم أن يبيعوا الكتب وأن تتوسَّع تجارتهم. ولكنني أريد أن يظهر لدينا نقدٌ يشبه النقد الأدبي يتخصَّص في نقد ما يُترجَم وتقييمِه بحيث يعرف جمهور القرّاء قيمة ما يُعرض عليهم، وبحيث يحرص المترجمون على عدم التسرُّع لأن أخطاءهم لن تمرَّ بلا حساب.

كذلك فإنني لا أؤمن بأن الشهادات العليا التي يمكن الحصول عليها في مجال الترجمة في حقلي الأدب والعلوم الإنسانية من جامعات عربية أو أجنبية كافية لتأهيل المترجمين، فأكثر من أعرفهم من حملة شهادات الدكتوراه في الترجمة لا يترجمون، بل يدرِّسون. والشهادة العليا في الترجمة في هذين المجالين تشبه الشهادة العليا في ما يُدعى في الغرب
creative writing)) أو الكتابة الإبداعية: إنها شهادة لا تعني شيئاً إلاّ إذا كان لدى من يحصل عليها استعدادٌ أصيلٌ للعمل الإبداعي. فالترجمة في مجالي الأدب والعلوم الإنسانية تحتاج إلى ذلك الوَلَع الذي لا يُكتَسب من الخارج، والذي يَدفَع المبدعَ أو المترجمَ إلى تقليب أوجه التعبير، وإلى السعي لفهم المعاني وظلالها رغم كلِّ ما يتطلَّبه ذلك من جهد ووقت.

لكنني أؤمن بأن الترجمة العلمية يمكن التدرُّب عليها لأن لغة العلم أبسط من اللغة الأدبية والفلسفية، ولأن الصعوبة الحقيقية فيها تأتي من ضرورة الحصول على المصطلحات الدقيقة. ومن المعروف أن أصحاب الشهادات العليا في العلوم البحتة لا يترجمون، ولذلك فإن من الضروري تدريبَ مترجمين لا يؤهَّلون للتدريس، بل للترجمة. وهناك الآن بنوكٌ للمصطلحات يمكن الاستفادة منها() لأن على المترجم في مجال العلوم أن يتخصَّص في حقلٍ معيَّنٍ ليتقن مصطلحاته ويفهم دقائقه. لكنَّ كلَّ ذلك لن يكون ضروريّاً إلاّ إذا اتُّخِذ القرارُ السياسيُّ بتعريب العلوم.

أختم حديثي هذا بالقول: إن أمَّةً تؤمِن بأن لغتها لا تصلح للعلم أمَّةٌ لا تريد اللحاق بالرَّكب السائر. إنها تختار التخلُّف، إن لم نقل إنها تختار الانتحار.

 

التّعقيبات والمناقشات

أحد الحاضرين:

... يقول: كُثرٌ من المُغرضين الذين كتبوا في مجال الترجمة، من المستشرقين وغيرهم، عَدُّوا أن العرب ليسوا إلا مجرد جسرٍ مرَّت عليه الأفكار اليونانية والفارسية إلى الثقافة الغربية، وهذا تجنٍّ ما بعده تجنٍّ.

ويرى أنَّ هناك توهُّماً خاطئاً وقع فيه كثيرٌ من الباحثين العرب، حين قالوا إن نابليون والحملة الفرنسية هما أساس النهضة العربية، فهذه مقولةٌ خاطئة؛ لأن نابليون لم يكن من أهدافه النهضة العربية ولكنَّ أهدافه كانت استعمارية خاصة بفرنسا وسيطرتها على المنطقة العربية بمصر وبلاد الشام. والنهضة الحقيقية لم تكن إلا من خلال محمد علي باشا.

السيدة رحمة العطرة/ مشرفة لغة عربية/ وزارة التربية والتعليم

... ترى أن المعضلة في الترجمة هي الترجمة الحرفية، وأنَّه من واجب مجمع اللغة العربية المساهمة في إعداد مترجمين للوصول إلى ترجمة حقيقية لفظاً ومعنىً بدلاً من المترجمين الذين يلجؤون للترجمة الحرفية التي تشوّه النصَّ الأصلي وتفقده كثيراً من معناه، وبالتالي يضطر الطلبة للبحث عن المراجع باللغة الأجنبيَّة الأصلية بدلاً من الكتاب المُترجَم.

ودعت إلى استخدام اللغة العربية الفصيحة في المدارس، خاصةً في الصفوف الأساسية وفي جميع المواد، وكذلك في الجامعات الأردنية.

د. خلود العموش، الجامعة الهاشمية

... أشارت د. خلود إلى أهمية الترجمة وعالمها الرحيب والنوافذ الواسعة التي يمكن أن تفتحها إذا امتلك المترجم ناصيةَ اللغة العربية، وتمثَّل روح اللغة التي ترجمَ منها.

ونوّهت إلى الإضافة النوعية إلى روح الأمة والأثر الكبير الذي تتركه الترجمات في الأدب وغيره.

أ. د. عبد الحميد الأقطش

تحدَّث عن فوضى الترجمة القائمة، "فإذا قرأنا في كتب اللغويات التي ترجمها مانويل عن تشومسكي أو الكتب التي ترجمها المغاربة، فإننا لا نفهم عربيتهم أبداً؛ ونحتاج إلى الألمانية أو الإنجليزية لنقرأ باللغة الأصلية".

ويرى د. عبد الحميد أهمية وجود محرر للترجمة، وكيفية كتابة المصطلح بعد استيراده.

رد أ.د. محمد عصفور على تعليقات الحاضرين

فيما يتعلَّق بموضوع الترجمة أشار د. عصفور إلى أنَّ الترجمة غير المفهومة عيبٌ في المترجِم؛ لذلك يجب أن يُختار المترجم الكفء، وأيَّد أهمية وجود محرر للترجمة شريطة أن تكون له سلطةٌ على النصوص التي يجيزها، سواءٌ من حيث سلامة اللغة واختيار المفردات التي لا تؤذي الثقافة المترجَم إليها أو أيّ أمر يتعلّق بدقّة الترجمة.

ويرى أيضاً، أنه لا ضَيْرَ في تعلُّم العربيِّ لُغاتٍ أخرى، خاصةً حملة الشهادات الجامعية؛ فليس في هذا إساءة للعربية.

 

 

 

 

البحث

تسجيل الدخول

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 7 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 488
المحتوى : 415
عدد زيارات المحنوى : 414776