مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

من مهارات الاتصال إلى جماليات الأدب: دراسة في النصوص الأدبية للمرحلة الثانوية في المناهج الأردنية

إرسال إلى صديق طباعة

من مهارات الاتصال إلى جماليات الأدب: دراسة في النصوص الأدبية للمرحلة الثانوية في المناهج الأردنية

الدكتور محمد بلال الجيوسي

جامعة البترا

مقدمة :

 

أي مأزق ذاك الذي يجد المرء نفسه أمامه عندما يُطلب منه أن ينتخب نصوصاً أدبية كي تُدرَّس لفتية وفتيات في قلب مرحلة المراهقة! فتية وفتيات يختلفون – على تقارب أعمارهم وتشابه بعض صفاتهم – في أنواع ذكاءاتهم ومستوياتها، في ضروب دافعيتهم واشتدادها وفي تنوع أولاعهم واهتماماتهم في عصر طفا فيه الزبد الفني والاستهلاكي البصري والسمعي على سطح البحر الثقافي والاجتماعي، وصار فيه اسم مُغَنٍّ من الدرجة العاشرة يدوي في الآفاق بينما يغوص اسم شاعر مثل أمل دنقل في غور الجهل والنسيان، فلا يكاد يعرف اسمه أو قدره إلا قليل من الناس، وراح مسلسل تلفازي – في العصر ذاته – يشد اهتمامات الملايين في رمضان رغم أنك لو دققت النظر فيه قليلاً لعرفت أن مهمته – حتى لو لم يكن هذا مقصوداً - هي ترويج التفاهة والسطحية والرطن بالعامية مستغلاً خواء حياتنا الفكرية ومستثيراً لأوهام وغرائز أبعد ما تكون عن الأدب.

لن يجادل أحد – في حسباني – أن في الأمر مأزقاً. ويتجلى هذا المأزق في أسئلة كبرى لن يكون لانتخاب نص ما وتدريسه دون الإجابة عنها قيمة تذكر، بل سينقلب هذا التدريس على نفسه ويدحض ذاته لأنه سيسهم في جعل الأدب مدعاة للملل وباعثاً على العزوف عنه في قابل الأيام مهما تغنى المربون بأسطورة التعليم المستمر الذي لا ينتهي – كما تقول أغنيتهم – إلا بآخر ومضة عقل وخفقة قلب.

أسئلة كبرى

1- سؤال الإبرة (ماذا؟):

يزخر التراث العربي من العصر الجاهلي حتى الآن بنصوص تنتمي إلى الأجناس الأدبية كافة ، وفيها ما هو رفيع للغاية. وعندما يُطلب من شخص أو أشخاص انتخاب عدد محدود جداً من النصوص، فإن الأمر يغدو كمن يبحث عن إبرة في كومة قش.

2- سؤال الميزان (لماذا؟):

وإذ ينهمك المرء في تقليب كومة القش فإن عليه أن يتزود بمعايير فنية واجتماعية ونمائية تبرر أي انتخاب يقدم عليه. فلماذا المثقَّب العبدي وليس زهي
راً؟ فإن كان المثقب وليس زهيراً فلماذا "أفاطم" وليس "هل لهذا القلب"؟ وبالمثل فلماذا المتنبي وليس بشار؟ فإن كان المتنبي فلماذا "أرق" وليس "أهل العزم"، وأخيراً وليس آخراً لماذا زكريا تامر وليس يوسف إدريس... إلخ. من الواضح أن الإجابة عن هذا السؤال ليست هينة.

3- سؤال المتلقي (لمن؟):

وهو سؤال فسيح الأرجاء كثير التفاريق، ومنها:

أ. الخصائص النمائية: تُوجَّه النصوص الأدبية المطلوبة إلى فتية وفتيات في مرحلة المراهقة. وعلى الرغم من تباينات لا تنكر في وقع هذه المرحلة – على هؤلاء الفتيان والفتيات– وفقاً للبيئة أو الأفراد، إلا أن المرء يمكن أن يتلمس خصائص عامة. إنها مرحلة التغيرات الفيزيولوجية والنفسية، ومرحلة البحث عن الهوية، والقلق والضياع أحياناً. إنها مرحلة –التشدد وسرعة تقبل الإيحاء والأحكام المطلقة. وهي أيضاً مرحلة الرغبات الجامحة والعواطف المشبوبة والشاعرية والحلم وأشياء أخرى كثيرة.

ب. أنماط التعلم: كل امرئ منا يفضل إدراك الأمور ومعالجتها على نحو معين، وهذا ما يسمى نمط التعلم. فبعضنا بصري وبعضنا الآخر سمعي وربما جسمي حركي يرتكن إلى حواسه وجسمه؛ فعلى أي نحو نكيّف تقديم النصوص لثلاثين طالباً أو أكثر لكل منهم نمطه الخاص؟.

ج. الذكاءات المتعددة: إذا كانت الأنماط هي تفضيلات بعينها في إدراك الأمور ومعالجتها، فإن الذكاءات هي قدرات على حل المشكلات في مجال بعينه. نعم، فما عاد الذكاء هو هذه القدرة العامة، وإنما هو قدرات مستقلة عن بعضها قد يحظى فرد ما بقدر وفير من واحد منها أو أكثر، وقد لا يصيبه من الذكاءات الأخرى إلا نزر يسير. فهناك ذكاء لغوي وآخر رياضي منطقي وثالث موسيقي ورابع مكاني وخامس جسمي حركي وسادس جواني ينصب على معرفة المرء لذاته وسابع بين شخصي يتمثل في القدرة على التواصل مع الآخرين وثامن طبيعي يمكِّن صاحبه من العمل في مجال الكيمياء وعلم الحيوان والنبات. ولا يبدو أن المسألة ستنتهي هنا، إذ كلما أوغل البحث النفسي والعصبي في تقدمه فقد يجد ذكاءات أخرى جديدة. والطلبة في الفصل الدراسي – شأنهم شأن كل عباد الله – يتفاوتون في أنواع الذكاءات التي يتمتعون بها ومقادير هذه الذكاءات. فكيف سندرِّس النصوص لطالب يتمتع بذكاء لغوي رفيع وثانٍ لم يَحْبه الله إلا بقدر متواضع من هذا الذكاء؟ ألن يجد الأول في النص متعة بينما قد يعتبره الثاني عبئاً ثقيلاً يستثير الملل؟

فما هي النصوص التي سنقدمها لأبنائنا في ضوء كل هذه الخصائص والأنماط والذكاءات؟ أم أن في وسعنا أن نتجاهل هذه التباينات فلا نتوجه فيهم إلا إلى العقل الديكارتي الذي هو أحسن الأشياء توزعاً بين الناس، ونضرب صفحاً عن تعقيدات علم النفس ومتغيراته؟ ألم نتعلم كلنا دروس الأدب العربي منذ نعومة أظفارنا دون أن يشغل معلمونا أنفسهم بأنماط أو ذكاءات؟

4- سؤال المتعة والتسلية:

ما أظن أحداً يجادل في أن أحد وظائف الأدب – إن لم تكن وظيفته الرئيسة – المتعة والتسلية، ومن ثم فإن تدريس النصوص الأدبية سوف يتأثر بضروب المتعة والتسلية التي يفضلها الطلبة. قد يستمتع بعضهم – أو قلة منهم – بقراءة رواية أو قصة قصيرة أو مسرحية أو قصيدة، إلا أن بعضهم الآخر – بل وأكثرهم – لا يجد في هذه الأجناس الأدبية متعة تُذكر، فتراه يفتش عنها في علاقات اجتماعية مع أترابه أو الاستماع للأغاني، أو التفرج على مسلسلات التلفاز، أو ما شئت من ضروب اللهو البريئة وغير البريئة. لذلك فإن واحدة من أهم وظائف الأدب لن تجد مجالاً لها وسط ثقافة بصرية سطحية مغتربة وتافهة كتلك التي نعيشها. وسوف يعني هذا -بطبيعة الحال – أن النصوص الأدبية ستتحول إلى واجبات مدرسية ثقيلة تتعرض – كغيرها – للحفظ الأصم وربما الغش في الامتحان، لتنتهي عند انصرام العام الدراسي في سلة النسيان.

5- سؤال الثقافة الجمالية السائدة:

ثمة مطالب بقائية مُلحَّة تفرض نفسها على وعي الناس وثقافتهم: حاجاتهم الفيزيولوجية من طعام وشراب ونوم وحاجتهم إلى الأمن والانتماء. إلا أن هناك حاجات جمالية لا تظهر بالضرورة القوة نفسها. وتختلف المجتمعات والثقافات في احتفائها بالجماليات من موسيقى وأدب ومسرح وفن تشكيلي. ومجتمعاتنا، عموماً، لا تأبه لهذه الحاجات كثيراً، بل أن حصصها المدرسية كثيراً ما تحول لمواد أخرى ينظر إليها المجتمع بوصفها أكثر أهمية. فإذا لم تقم الأسرة والمؤسسات الاجتماعية المختلفة بغرس الاهتمام بالجماليات الرفيعة منذ نعومة الأظافر، فأنّى للطالب الذي تقدم في العمر واستقرت اهتماماته وعاداته أن يهتم بجماليات نص أدبي؟ إن الذائقة ليست فطراً ينمو في غابة أو كمأة تنبق في جبل، إنها نبتة تُزرع في تربة ملائمة وتُتعهد بالماء والسماد والضوء والرعاية، فإن لم تحصل على هذه المقومات تراها ذبلت وماتت. ألا يكفينا أن الطلبة الذين يذهبون إلى الفرع الأدبي ليسوا أولئك الذين يهتمون بالأدب والفكر، وإنما هم من فاتهم قطار الفرع العلمي بسبب مجموعهم في الثانوية العامة؟ ألسنا نقول، صباح مساء، أن الأدب والفن لا يطعمان خبزاً بينما يرتع من يدرس الطب والهندسة في أطايب الطعام؟ فكيف لنا – إذن – أن نتطلع إلى تذوق نصوص أدبية تحت وطأة اتجاهات كهذه؟.

6- سؤال المعنى والعناية (ما الجدوى؟)

ثمة سؤال مُلحّ شائع يطرحه الطلبة عند كل معلومة أو موضوع أو درس لا يرون الصلة المباشرة بينه وبين حياتهم، وهو: ماذا أفيد من هذا الموضوع، وما جدواه لي أو لغيري؟ والأدبيات التربوية المعاصرة تركز على ضرورة الإجابة عن هذا السؤال بوضوح على الرغم من أن واقع المناهج لا يوفر دوماً إجابة شافية عنه في كل موضع. ومن لطائف لغتنا الجميلة ذلك التمييز بين المعنى
Making Sense والعناية Meaning. "المعنى" هو دلالة المفردات والعبارات والجمل كما يمكن أن تجدها في معجم أو كتاب شرح. أما "العناية" فهي ما يعنيه موضوع ما للطالب أو القارئ: كيف يرتبط بحياته واهتماماته، كيف يحس بجدواه ويرى نجوعه في حياته الحاضرة أو في قابل أيامه، هل يستثير لديه دافعية ما أو يشبعها، هل يسهم في تسهيل حياته وإثرائها وتحسين نوعيتها؟ فإذا سأل طالب ما: كيف يمكن أن يفيد من رواية أو قصيدة تقوم على التخيل (وهو جوهر الأدب في حسباني)، فلابد أن يكون لدينا إجابة شافية له، أو – على الأقل – طريقة نساعده فيها على الوصول إلى إجابة.

7- سؤال المواطنة:

من هو المواطن الذي نريده حقاً؟ وما هي السمات والقيم والاتجاهات التي نريد أن يتحلى بها، وأي مساحة سنفسح في حياته للأبعاد الروحية والجمالية؟ مثل هذا السؤال سيحدد – في جملة ما يحدد – النصوص التي سنختارها والطريقة التي سندرس بها هذه النصوص.

8- سؤال المناهج:

في أي سياق سوف نقدم النصوص الأدبية للطالب: هل نفعل ذلك في سياق تصور عن مهارات الاتصال "من استماع وتحدث وقراءة وكتابة، وأبواب النحو والعروض؟ وهل سنقدم له في هذه الحالة نصوصاً علمية، مثلاً، لا تقوم على التخييل أم أننا سنقتصر على نصوص أدبية رفيعة كلاسيكية وحديثة تمثل أجناساً أدبية مختلفة؟ هل من مهمة مدرس اللغة العربية تعليم الطلبة كيف يقرأون نصاً علمياً (في مجال الفيزياء مثلاً) ويفهمونه، أم أن هذه مهمة ينبغي أن تترك لمدرس العلوم؟.

9- سؤال استراتيجيات التدريس:

نشطت في العقود الأخيرة أدبيات غزيرة في مجال استراتيجيات التدريس. وأصبحنا نتحدث الآن عن "المعلم الاستراتيجي" الذي تمرَّس بجعبة من هذه الاستراتيجيات، يختار من بينها ما يناسب مادته وطلبته وإمكانياته. فما هي الاستراتيجيات المثلى لتدريس نص أدبي سواء كان رواية أو قصة قصيرة أو مسرحية أو قصيدة.. إلخ؟، هل هي استراتيجية التعليم المباشر أم التعلم التعاوني أو التعليم المجازي أم غير ذلك من استراتيجيات مبثوثة في المكتب وورش العمل وصفحات الشبكة العنكبوتية؟

تمثل هذه الأسئلة التسعة شروطاً أو إطاراً لكل انتخاب للنصوص، وبدون مراعاتها تغدو عملية الانتخاب متعسفة تفتقر للتأمل وتعتمد على ذائقة فردية قد لا تفي – مهما رهفت ودقت – بهذه المهمة الكبيرة.

النصوص المنتخبة في المناهج الأردنية الحالية:

تندرج هذه النصوص في كتابين يغطيان الصف الثاني الثانوي والثالث الثانوي للفروع كافة. ويقسم كل منهما إلى مستويين. ويحمل الكتابان عنوان "مهارات الاتصال" والمخطط التالي يبين هذه النصوص.

الشكل 1: النصوص المنتخبة

المستويان الأول والثاني

المستوى الثالث والرابع

آيات من سورة الإسراء

من الخطب الملكية السامية

قصيدة مولد الهدى لأحمد شوقي

الأوزون

حقوق الأطفال

قصة البئر لعبد المهدي القطامين

قصيدة "أفاطم" للمثقب العبدي

عز الدين القسام يصعد إلى يعبد

خطبة حجة الوداع

قصيدة "أراك عصي الدمع" لأبي فراس الحمداني

ثورة الأنفوميديا

الفحص الطبي قبل الزواج

السيرة الذاتية لإحسان عباس

آيات من سورة فاطر

أرق على أرق

يا أيها الكرز المنسي

الإيدز

ضانا: سيدة الدهشة الجبلية

غريبٌ على الخليج

القدس في وجدان بني هاشم

الظلم مؤذن بخراب العمران

الشرطة والمجتمع

لمحات من التراث الشعبي الفلسطيني

أموا عميد قريش

المقامة الحرزية

المستويان الأول والثاني

المستويان الثالث والرابع

ملامح من دور الفكر العربي في الفكر الأوربي

قصة المعطف لهند أبو الشعر

قصيدة يا ابن الحسينين لحيدر محمود

 

ويحدد مؤلفو الكتابين خطة تدريسية ذات نسق معين يمتد على كل وحدات الكتاب على النحو التالي:

1- تقسم الوحدة وفق الزمن المتوقع لها وهو ست ساعات لكل وحدة.

2- تتخذ الوحدات نسقاً واحداً تقريباً من حيث المهارات المستهدفة واستراتيجيات التدريس واعتبارات الفروق الفردية كما يوضح النموذج التالي:

أولاً : من بداية النص وحتى نهاية الاستيعاب القرائي:

1. النتاجات الخاصة

2. المفاهيم والمصطلحات

3. استراتيجيات التدريس وإدارة الصف

4. معلومات إضافية للمعلم

5. إضاءة

6. الأداء القرائي

7. الاستيعاب والتحليل

8. مراعاة الفروق الفردية

9. استراتيجيات التقويم وأدواته

10. التكامل الأفقي والرأسي

11. مصادر التعلم

ثانياً : من بداية التذوق وحتى نهاية القضايا اللغوية

يتم التركيز في هذا القسم على أبعاد التذوق والتفكير وبعض القضايا اللغوية مع بقاء بقية الفقرات كما هي (النتاجات الخاصة والمفاهيم والمصطلحات.. إلخ).

ثالثاً: من بداية التحدث حتى نهاية الوحدة

ويقترح المؤلفون على المعلم جملة استراتيجيات تدريسية أبرزها التعليم المباشر، والتعليم الجماعي، وحل المشكلات، والألعاب، والمشاريع.

يحدد المؤلفون تصورهم للكتاب بتحديد السمات والأهداف التالية:

1- تنوع النصوص (آيات قرآنية، حديث شريف، نصوص شعرية، نصوص علمية، مقالة أدبية).

2- تدريس مهارات الاتصال الأربع: القراءة والكتابة والتحدث والاستماع.

3- تنمية السليقة اللغوية عند الطالب.

4- ممارسة أنشطة محوسبة تطبيقية.

5- مراعاة المستويات المعرفية المختلفة (تذكر، استيعاب، تحليل، تطبيق، تفهم).

6- معالجة قضايا نحوية وصرفية.

7- العروض.

ملاحظات:

لا شك أن المؤلفين بذلوا جهداً لافتاً يتّسم بالتنوع والتنظيم والاستنارة العلمية والتربوية، وحاولوا قدر الإمكان بث روح حداثية قوية في عملهم رغم أن هناك كثيراً من النصوص الكلاسيكية. لقد حاولوا طاقة وجهدهم تنوير المعلم بأبعاد العملية التربوية في منظورها الحديث من اعتبارات نفسية واستراتيجيات تربوية سواء في ما يتصل بتنفيذ التعلم أو بإدارة الصف.

إلا أن لديّ بعض الملاحظات التي آمل أن تكون مفيدة في تطوير المنهاج:

1- عنوان الكتاب في مستوياته الأربعة هو: "مهارات الاتصال" والحقيقة هو أن هذا الاسم مضلل إلى حد ما. إن هذا الاسم يطلق في الوقت الحالي على موضوع يتضمن، بالإضافة إلى الاستماع والتحدث، السلوك غير اللفظي والذكاء العاطفي ومهارات التفاوض والإقناع والدعاية... إلخ. وهو أمر يختلف عما يمكن أن يتوقعه المرء في كتاب للغة العربية. ومن ثم، فإني أقترح تغيير عنوان الكتابين بحيث يكون أدق دلالة على مضمونه اللغوي.

2- يتضمن الكتابان افتراضاً غريباً مؤداه أن مكان النصوص العلمية (الفيزياء والكيمياء والطب) هو في اللغة العربية، وكأن مدرسي هذه المواد لا يستطيعون تدريس هذه النصوص. وبناءً على هذا الافتراض تم إدراج نصوص علمية في الكتاب (الأوزون، الإيدز على سبيل المثال) رغم أن المكان الطبيعي لمثل هذه النصوص هو في مظانها الأصلية من مواد علمية، حيث تدرس في سياقاتها.

3- إن من يطلع على الفصول الخاصة بالآيات القرآنية الكريمة يحار في ما إذا كان الكتاب هو كتاب في اللغة العربية أو التربية الإسلامية. ولا يعني هذا أن لا يتضمن كتاب اللغة العربية نصوصاً قرآنية، ولكن هذه النصوص ينبغي – في هذه الحالة – أن تقارب على نحو جمالي لغوي خالص، في حين تترك الأبعاد الدينية لمادة التربية الإسلامية.

4- لا يبين المؤلفون الأسس النفسية والفنية التي قام عليها انتخاب النصوص، فلماذا غاب يوسف إدريس، على سبيل المثال، وأين نزار قباني أو غيره على سبيل المثال أيضاً؟

5- حبذا لو يوسع المؤلفون جعبة الاستراتيجيات التدريسية المقترحة؛ فالبحوث الحديثة تكشف عن استراتيجيات فعالة مثل: تحديد التشابهات الاختلافات، التلخيص وتدوين الملاحظات، التعزيز والتقدير، الواجبات المنزلية والممارسة، التمثيلات غير اللغوية والمنظمات المتقدمة. ويذكر كتاب "المعلم الاستراتيجي"الذي صدرت ترجمته العربية حديثاً" عشرين استراتيجية تعليمية، حبذا لو تؤخذ بعين الاعتبار.

6- يغيب عن الكتب مفهومان أساسيان هما الذكاءات المتعددة وأنماط التعلم. وقد يكون من الملائم الاهتمام بهما في قسم الفروق الفردية.

7- إن ربط النصوص الأدبية بنشاطات بصرية هو أمر مرغوب في عصر طغت فيه الثقافة البصرية. فحبذا لو يتم اختيار نصوص لها معادلات بصرية (أفلام على سبيل المثال)، فهذا سيشد الطلبة ذوي النمط البصري.

8- إن ربط النصوص الأدبية بنشاطات نحوية وصرفية وعروضية قد يجعل الطلبة – الذين لا يميلون إلى النحو والصرف والعروض – يعزفون عن تذوق جماليات النص؛ لذلك فمن الأفضل – في حسباني – إعداد كتاب مختارات يُراعى فيها البساطة واليسر، وتكون مهمتها جمالية خالصة. إن الهدف العقلي لتدريس الأدب هو تنمية التفكير الاستعاري، أما هدفه الفني فهو تنمية الذائقة الجمالية، ولا ينبغي أن يخرج كتاب النصوص عن هذين الهدفين.

9- علينا ألا ننسى أبداً أن تنمية الذائقة الجمالية في وجوهها المختلفة، التشكيلية والموسيقية واللغوية، هو شأن اجتماعي واسع يصعب تداركه في المرحلة الثانوية ما لم يبدأ في سن مبكرة. لذلك من المهم البدء بالتركيز من مرحلة رياض الأطفال على أهمية الثقافة الجمالية. وثمة اتجاه قوي للغاية في العلوم النفسية والعصبية يقول: إن السنوات الثماني الأولى من حياة الطفل هامة للغاية في نسج خلاياه العصبية على نحو يحدد مسارها في ما بعد.

10- لعل مجامع اللغة العربية وأقسامها في الجامعات، خصوصاً في مراحل الدراسات العليا، يشجعون إجراء دراسات حول اتجاهات الطلبة والنصوص المناسبة، فمثل هذه الدراسات يمكن أن تكشف عن سبل تسهم في تطوير انتخاب النصوص وتدريسها.

11- تشجيع النشاطات اللغوية الأدبية في المدارس والجامعات من شعر وقصة ومسرح، وجعل مثل هذه النشاطات محوراً جوهرياً في تنمية شخصية الطلبة.

12- تشكيل لجان متخصصة لتأليف كتب منتخبات أدبية متنوعة على أن يسهم في هذه اللجان أدباء من مختلف الأجناس الأدبية وعلماء نفس حتى يغدو في وسع المعلمين توسيع نطاق اختياراتهم.

لا تقلل هذه الملاحظات على الإطلاق من أهمية الجهود التي بُذلت في تأليف كتب مهارات الاتصال في المرحلة الثانوية، ولكني حاولت – من خلالها – التقدم بمقترحات قد تكون مفيدة في تطوير مناهجنا لما فيه خير أبنائنا وأمتنا.

 

 

المراجع

 

1- اللغة العربية: مهارات الاتصال، المرحلة الثانوية، المستويان الأول والثاني للفروع كافة. قام على إعداده لجنة فنية مختصة وعدد من المؤلفين بإشراف فريق وطني. وزارة التربية والتعليم، إدارة المناهج والكتب المدرسية، عمان، 2006-2007.

2- اللغة العربية: مهارات الاتصال، المرحلة الثانوية، المستويان الثالث والرابع للفروع (الأدبي، العلمي، الشرعي، الإدارة المعلوماتية، التعليم الصحي). قام على إعداده مجموعة من المؤلفين بإشراف لجنة توجيه. وزارة التربية والتعليم، إدارة المناهج والكتب المدرسية، عمان، 2008.

3- المعلم الاستراتيجي، هارفي سيلفر وآخرون. ترجمة محمد بلال الجيوسي، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، 2009.

4- Classroom Instruction that works. R. Marzano etal, pearson, ohio, U.S.A, 2001.

 

 

 

 

 

التّعقيبات والمناقشات

أحد الحاضرين

قال المتحدِّث إنَّ النصَّ الأدبي فيه تكاملٌ، فلا يجوز أن نترك الأبعاد الدينيّة في النصوص الأدبية للمواد الدينيّة؛ ولذلك فإنَّ المادة الدينيَّة التي يتعلّمها الطالب من خلال النص الأدبي ضرورية جداً، والمادة الدينيَّة يمكن أن يتعلَّمها الطالب في جميع المواد.

ويرى أنه من الإيجابي، بل من الضروري وجود نصوص علميَّة تُطرح بأسلوب علمي متأدِّب في كتب تدريس اللغة العربية.

محمد الجاغوب

أشار لجمالية النصوص الأدبية التي تضمنتها المناهج التعليمية القديمة، التي تكاد تخلو منها مناهجنا الحديثة، ويرى الجاغوب أن السبب في هذا ربَّما يكون عائداً إلى التجزئة القُطرية التي تسلَّلت إلى اللغة العربية والأدب العربي بشكل عام.

وقال: عندما نختار مثلاً، نصَّاً أدبياً في منهاج دولةٍ عربية ما، في موضوع حُبِّ الوطن أو المرور أو نظافة البيئة... إلخ، ويُطلب منَّا أن يكون النص لشاعر عربي، فربما نجد وربَّما لا نجد المطلوب؛ فنضطر أن نأخذ أي نصٍّ، فنصطدم بقضية النضج الفنيِّ.

وعندما نضع في مناهجنا، تحت هذا القيد، نصوصاً أدبيَّة من هذا النوع، فإننا ننحدر، وللأسف، بمستوى التذوق عند طلبتنا. فالحقيقة شيءٌ والطموح شيء آخر.

- عبدالله مانع / قسم اللغة العربية/ إدارة المناهج والكتب المدرسية

في بداية حديثه أشاد بالدور الذي تؤديه إدارة المناهج في مجال التأليف واختيار النصوص. وفيما يتعلَّق بالنصوص الدينية والعلمية يرى أنه لا انفصال بين الدين واللغة؛ فلا بُدَّ من إيراد النص العلمي أو الديني في كتب اللغة العربية، فنحنُ نعمدُ لإيراد النص، ومن ثم نعالجه معالجة أدبية ولغوية وظيفيَّة تتعلَّق بأفكاره.

وبالنسبة لشعرائنا عرباً وأردنيين، فإن كتب اللغة العربية سلسلة متتابعة يكمِّل بعضها بعضاً، فمن لم يرد له عملٌ أدبي في هذه المرحلة ورد له في المرحلة التي تليها وهكذا.

وفي نهاية حديثه قدَّم الشكر الجزيل للقائمين على هذا المؤتمر، والشكر الموصول للأستاذ الدكتور خالد الكركي الذي أصدر قبل مدَّة كتاباً رسميَّاً موجَّهاً لأعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة كي يستخدموا اللغة العربية في تدريس طلبتهم.

رد أ.د. محمد الجيوسي

ردَّاً على من تحدَّثوا حول قضية النصوص العلمية والدينية ضمن كتب اللغة العربية قال د. الجيوسي: يجب أن تكون الجرعة الفنية في معالجة النصوص جرعة كبيرة، فالهدف أن نبيِّن للطلبة كيف يُقال العلمُ أدباً، وأن نكتب النصوص كتابةً إبداعية أدبية، وأن يكون المطروح في هذا المجال ذا طابع أدبي كما هي كتابات أحمد زكي مثلاً. فالمواضيع الدينية والعلمية يمكن طرحها بأسلوب أدبي متخصص دون التقليل من أهمية أحدهما.

 

 

 

 

البحث

تسجيل الدخول

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 6 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 488
المحتوى : 415
عدد زيارات المحنوى : 414913