مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

المستوى اللغويّ في تعليم مناهج المواد العلمية المدرسية، واقعه وسبل نهضته (منهاج فيزياء الصف العاشر نموذجاً)

إرسال إلى صديق طباعة




المستوى اللغويّ في تعليم مناهج المواد العلمية المدرسية،  واقعه وسبل نهضته (منهاج فيزياء الصف العاشر نموذجاً)


الدكتور منير تيسير منصور شطناوي
جامعة البلقاء التطبيقية- كلية الحصن الجامعيّة- إربد







الثلاثاء 8 ذو القعدة 1430هـ- 27 تشرين الأول 2009م




مقدّمة:
ليس تعلم اللغة حكراً على المناهج اللغوية، وليس تعليم العربية حكراً على أساتذتها، بل يدعونا الوعي اللغوي إلى أن نجعل كل ما يُملى ويُكتب بلغتنا وسيلة من وسائل تعلمها. فاللغة وعاء العلم، وحاضنة التراث، وأداة التواصل، ووسيلة التعبير.
ومما تجدر الإشارة إليه أنَّ من الوعي اللغويّ عند الباحثين والمهتمين، النظر إلى اللغة في تعلم العلوم من وجهتين متبادلتين، لا تقل كل وجهة في قيمتها عن الوجهة الأخرى، وهاتان الوجهتان هما:
أولاً: اللغة وسيلة لإيصال المادة العلمية في العملية التعلمية.
فيجدر من هذه الوجهة أن نتخير ألفاظنا اللغوية المعبرة، وأن نصوغ الفكرة العلمية بما يناسبها من عبارات واضحة، وألا تطغى الصنعة اللغوية (اللفظية) على مراد الفكرة ومقاصدها.
ثانياً: اللغة غاية من الغايات المراد تحقيقها في تدريس المادة العلمية.
بمعنى أنَّ دراسة القانون الفيزيائي مثلاً تتم في إطار الصواب اللغوي، وحسن العبارة، وصحّة التركيب، وسلامة الصياغة، وحسن اختيار اللفظ.
وبين هاتين الوجهتين يقف التحدي أمام علماء الأمة ومفكريها، لا سيما اللغويين منهم، فهم مدعوّن إلى تقديم المادة العلمية من أجل أن يتعلم النشء العلوم ويتعرف على نظرياتها وقوانينها، وفي الوقت نفسه يجدون أنفسهم مدعوّين إلى الحفاظ على الطابع اللغوي وسلامته، من غير إفراط ولا تفريط.
وتبدو الغاية في هذا الطرح قيمة مكتسبة بطريقة غير مباشرة، وهذا لا ينقص من قدرها شيئاً، بل على النقيض من ذلك تماماً، فإنَّ المهارات (ومنها اللغوية) التي يمكن تعلمها بطرق غير مباشرة تتعلم ويتم إتقانها بشكل أفضل من لو قدّمت مباشرة للمتعلمين. وهذا ما يجعل الاهتمام باللغة بوصفها غاية من غايات تعليم العلوم في مناهجنا ذات أهمية خاصة.
منهجية البحث:
اعتمد الباحث في دراسته هذه على المنهج الوصفي التحليلي المشفوع ببعض الدراسات الإحصائية، لاستجلاء الحقيقة العلمية المتعلقة بواقع اللغة العربية في تعليم المواد العلمية في المناهج المدرسية الأردنية، واختار مادة الفيزياء للصف العاشر الأساسي عينة يمكن تعميم نتائجها على بقية المناهج العلمية المدرسية.
ومرَّ البحث بمراحل مختلفة يمكن تصويرها بالآتي:
أولاً: مرحلة الاستقراء، وفي هذه المرحلة اطّلع الباحث على منهاج مادة الفيزياء المقرر من قبل وزارة التربية والتعليم في مدارس المملكة. ورصد الباحث ملحوظاته على المقرر من جوانب عديدة سيرد ذكرها في ثنايا البحث.
ثانياً: مرحلة التجريب، وفي هذه المرحلة حضر الباحث دروساً متعددة في بعض مدارس المملكة، استمع من خلالها إلى دراسة بعض الموضوعات المقررة.
ثالثاً: مرحلة الوصف والتحليل، وفيها قدّم الباحث وصفاً لموضوعات المقرر، ما لها وما عليها، وتحليلاً للمواقف الصفيّة التي تمَّ من خلالها تدريس تلك الموضوعات في ضوء استخدام اللغة العربية وسيلة للدراسة.
منهاج الفيزياء للصف العاشر الأساسي، وصف لغوي:
كتاب الفيزياء الصادر عن إدارة المناهج والكتب المدرسية-وزارة التربية والتعليم الأردنية، للصف العاشر، والمقرر في طبعته الأولى عام 2005 والذي أعيدت طباعته في الأعوام 2006، 2007، 2008م، كتاب يقع في مائتين وعشرين صفحة تقريباً من القطع الكبير.
ويتألف الكتاب من وحدتين، تشمل الأولى ثلاثة فصول، هي مقرر الفصل الدراسي الأول، وتشمل الثانية أربعة فصول، هي مقرر الفصل الدراسي الثاني، ليكون مجموع الفصول سبعة. ويمكن وصف المنهاج من الناحية اللغوية في ضوء المحورين الآتيين:
المحور الأول: المحور الشكلي
ونقصد بالمحور الشكلي: مراعاة الجوانب اللغوية الشكلية (اللفظية) في صياغة المادة العلمية. والمتأمل في واقع اللغة العربية في تقديم هذه المادة العلمية في منهاج الفيزياء للصف العاشر، يلحظ الجوانب الآتية:
أولاً: حرص المنهاج ـ إلى حدّ ما ـ على ضبط المادة اللغوية، ضبطاً لم يقتصر على حركات أواخر الكلم (العلامات الإعرابية) فحسب، بل يُلحظ أيضاً مراعاة ضبط كثير من الحركات البنائية لكثير من الأبنية الصرفية.
وهذا الضبط على قدر كبير من الأهمية، فبالقدر الذي يساعد على إيصال الفكرة ودفع اللبس، بالقدر الذي ينمي المهارة اللغوية لدى المتعلمين، ويسهم في رفع سويّتها.
ثانياً: اختيار أنواع الخطوط
تبدو المادة العلمية المبثوثة في طيات منهاج الفيزياء للصف العاشر في تشكيلة واسعة من الخطوط العربية التي تراوحت بين خط النسخ لسرد المادة العلمية، وأحياناً خط الرقعة، والخط الكوفي للعناوين الرئيسة، مع الاستعانة بحجم الخط واختيار اللون وفق ما يقتضيه السياق والموقف التعليمي. ولا يخفى أنَّ مراعاة هذا الجانب الشكلي يحقق أهداف المادة العلمية من حيث فهم الفكرة، وسبر أغوارها.
ولكنه من الناحية اللغوية يحقق قيمة قد لا تبدو محسوسة بطريقة مباشرة، ألا وهي تعزيز مكانة العربية في نفوس المتعلمين، وتمكينها في ذائقتهم. والمقصود بهذا أن يُجعل من اللغة أداة توصيل أولاً، وقيمة جمالية ثانياً. أي أن يتحقق بهذا الجانب الغاية النفعية والغاية الجمالية، وغني عن الذكر أن الغاية الثانية لا تقل قيمة عن الأولى.
ثالثاً: مراعاة علامات الترقيم، والترتيب النصي
لا يخفى على المتأمل في منهاج مادة الفيزياء للصف العاشر، الحرص الذي أولاه مصممو المنهاج ومؤلفوه على تحقيق هذا الجانب، وإخراجه إخراجاً حسناً. فقد حفظ النص علاماته التي يستحقها، ورتبت فقراته بالطريقة اللائقة، وهذا كما سبق القول يحقق الغايتين السابقتين، ويلقي بظلاله على تمكين المادة العلمية من جهة، واللغوية من جهة أخرى في نفوس المتعلمين.
ولكن المستعرض بتأمل لمنهاج الفيزياء للصف العاشر، يلحظ أن الحرص على المحور الشكلي لم يستوفِّ حقّه، إذ يبرز التفاوت في ضبط الألفاظ، ومراعاة ما يقتضيه شكل النص وترقيمه. وفيما يأتي نموذج لهذا المأخذ. أنظر ص 92-93 من كتاب فيزياء الصف العاشر، وهما الصفحتان 6-7 في البحث.


وبعد التدقيق في هاتين الصفحتين، يمكننا أن نسجل الملحوظات الآتية:
أولاً: ليس هناك حرص على ضبط أواخر الكلم في النص
- كلمة "الثالث" في العنوان لم تضبط. ولا حجة لإسقاط حركتها بسبب الوقف، فقد ضُبطت كلمة الماء (آخر كلمة في العنوان).
- كلمة: "نتائج" في الفقرة الأولى السطر الأول ص 92.
- سقطت حركات إعراب كلمات السطر الأخير كلها من الفقرة الأولى.
- كلمة "زيادة" ص 93 السطر 12 وكلمة الورقة السطر 6 من الصفحة نفسها
- كلمة العرض السطر 4 من الأسفل في الصفحة نفسها أيضاً.
- كلمة "كل" ص 92 الفقرة الثانية السطر: الثاني الصواب كلٌّ.
- كلمة "أن" ص 93 السطر 4 حق النون أن تكون ساكنة لا مفتوحة.
- كلمة "الفهم" إعرابها أن تكون منصوبة وعلامة نصبها الفتحة، لا أن تكون ساكنة.
- كلمة جهاز ص 93 السطر 5 من أسفل وجهازَ وليس وجهازِ.
ثانياً: إغفال همزة القطع
- كلمة إعدادها ص 93 السطر الرابع من الأسفل.
- كلمة "إليها" ص 93 السطر الثاني من الأسفل.
ثالثاً: إهمال الشّدّة
- السطر الأول ص 92 كلمة ثمَّ.
- السطر الثالث من الأسفل ص 92 كلمة مقدّمة.
- كلمة بيانيّة ص 93 السطر 7 وكلمة مبيّن في الصفحة ذاتها السطر 9.
- كلمة بيانيّ ص 93 السطر الثالث من التقييم الذاتيّ .
- كلمة الذاتي من عنوان التقييم الذاتيّ.
- كلمة أهمّ ص 93 السطر الثاني من الأسفل وكذلك كلمة الموادّ.
- كلمة وظفتُ" ص 93 السطر الأول من عنوان التقييم الذاتيّ.
- كلمة "ضمّنتُ" الواردة ص 93 السطر الخامس من عنوان التقييم الذاتيّ.
- كلمة"ركّزتُ" ص 93 الثامن من عنوان التقييم الذاتيّ.
- الشّدّة الواجبة على الحرف الشمسي بعد دخول اللام الشمسية في الكتاب كلّه.
رابعاً: ضبط بناء الفعل المبني للمجهول
- ص 92 السطر السادس "أجريتِ" ،ويلحظ في الكتاب كلّه إغفال ضبط بنية الفعل المبني للمجهول الذي يقتضي ضم الحرف الأول وكسر فائه إن كان ثلاثياً، أو عينه إن كان غير رباعي.
-خامساً: الضبط الصرفي الصحيح للألفاظ الشائعة الاستخدام
- مثل كلمة تجربة التي يكثر ورودها في المنهاج حيث ينطقها الطلاب بضم الراء لا كسرها. وقد وردت هذه اللفظة تسع مرات في الصفحتين 92-93.
سادساً: ضبط علامات الترقيم
- الفاصلة في السطر الأول ص 92.
- الفاصلة في السطر الثالث ص 93 وكذلك السطر الثاني من الأخير.
المحور الثاني: المحور المضموني
ونقصد به الصياغة اللغوية للمادة العلمية في المنهاج. ويتمثل هذا المحور في الاستخدام لكل ما هو لغوي من أجل التعبير عن الفكرة، كانتقاء الألفاظ، وأدوات الربط بين الجمل والفقرات، واختيار أنواع الجمل، وأزمنة الفعل... والإحالات الضميرية والمراوحة بين الإضمار والذكر، ودقة المصطلح في تصوير المفهوم، ومراعاة المصطلح في اللغة الأجنبية، وتجنب الأخطاء الشائعة، وفصاحة العبارة، وسلامة التركيب، والفصل والوصل، والتقديم والتأخير، والحذف والذكر، والإنشاء والخبر...
والحقيقة أنَّ هذه الأمثلة هي عينات ذكرناها على سبيل التمثيل لا الحصر لتصوير واقع العربية في تعليم المادة العلمية في مناهجنا الدراسية.
والمحور المضموني ـ بزعمنا ـ هو حجر الزاوية ومرتكز البناء في جعل اللغة قالب المادة العلمية في العملية التعليمية. ويبنى على المحور الثاني مدى وضوح العبارة وغموضها، مما ينتج عنه سهولة المادة العلمية أو صعوبتها.
وفيما يأتي عرض لنموذج المحور المضموني ومحاكمته في تصوير واقع اللغة العربية في تعليم مادة الفيزياء للصف العاشر الأساسي:
النموذج الأول: ورد ص 76  الفقرة الأخيرة:
"والشبكية نسيج من الخلايا الحساسة للضوء تتجمع نهاياتها العصبية في العصب البصري  الذي ينقل الخيال إلى الدماغ ليقوم بإدراكه بناء على خبراته السابقة..." هذه العبارة من الناحية اللغوية مركبة، وإذا أردنا أن نحللها، وجدنا أنفسنا أمام الجمل الآتية:
1.    الشبكية، نسيج من الخلايا الحساسة للضوء. (ثم ورد الإخبار عنها بخبر ثانٍ).
2.    (تتجمع نهاياتها العصبية في العصب البصري)  (وهذه الجملة موصولة بوساطة الاسم الموصول "الذي").
3.    ينقل الخيال إلى الدماغ (وهذه جملة الصلة) وهي جملة معللة بوساطة أداة التعليل "اللام".
4.    يقوم بإدراكه بناء على خبراته السابقة.
ويمكن تصوير الرسم الترابطي بين أجزاء هذه العبارة على النحو الآتي:
والمتأمل في هذا المخطط اللغوي وشبكة العلاقات بين أجزاء النص، يلحظ أنه قد تناول الحديث عن الشبكية والعصب البصري والخيال والدماغ في جملة مركبة، أو إن شئت سميتها بالمعقدة. ويزيد من تعقيدها إذا تتبعنا انتقال الضمائر فيها، وفيما يأتي مخطط لحركة الضمير في النص السابق:
الشبكية، نسيج من الخلايا الحساسة للضوء.
 تتجمع نهاياتها  العصبية في العصب البصري (الذي)  












أصدق ما توصف به العبارة السابقة في ضوء هذه الشبكة من العلاقات بين أجزاء التركيب، وحركة الضمائر فيها أنها: عبارة مكثّفة، اختزلت ثلاثة مفاهيم معاً في سياق الحديث عن الشبكية محور النص، فعرّفت الشبكية وعرّفت وظيفة العصب البصري، وعرّفت وظيفة الدماغ. كما كشفت  حركة انتقال الضمائر في النص عن لبس يمكن أن يقع فيه المتعلم، وذلك أن إظهار الضمائر من وجهة نظرنا أجدى من استتارها في إيصال هذه الفكرة العلمية.
وأعتقد أن تفكيك أجزاء النص السابق ليصار إلى تعريف كل مفهوم ووظيفته التي يقوم بها أجدى نفعاً من هذا الاختزال المكثّف. لتكون على النحو الآتي:
(والشبكية نسيج من الخلايا الحساسة للضوء، تتجمع نهاياتها العصبية في العصب البصري. ويقوم العصب البصري بنقل الخيال إلى الدماغ الذي يقوم بإدراك هذا الخيال بناء على خبراته السابقة).
ليس القصد تخطئة ما ورد في المنهاج بل جعله أكثر وضوحاً، وأقرب تناولاً، لا سيما أنَّ لغة المادة العلمية لغة لا تحتمل التأويل.
وانطلاقاًُ مما سبق، فإنَّ التوصية بمراجعة المادة اللغوية، في ضوء المحورين السابقين، التي احتوت المادة العلمية في المناهج الدراسية، لا غنى عنها، وكذلك العناية بالمصطلحات ومفاهيمها وترجماتها (). والفيزياء جزء من هذا الكمّ المشار إليه كلّه.
المستوى اللغوي في تعليم مادة الفيزياء ومدى إسهامه في رفع سويّة المتعلمين:
نسعى في هذا الجانب إلى قياس مدى الإفادة التي يجنيها المتعلمون من خلال المادة اللغوية التي احتوت المادة العلمية في منهاج مادة الفيزياء نموذجاً للمناهج العلمية المتعلّمة.
سبق أن تعرضنا لوصف منهاج مادة الفيزياء للصف العاشر الأساسيّ، واستعرضنا للجهد المبذول فيه، وإذا كان واضعو المنهاج قد حرصوا إلى حدّ ليس بقليل على ضبط المادة اللغويّة، ورصد المصطلحات العلمية، والتعريف بها وذكر مقابلها في اللغة الإنجليزية، ورصد علامات الترقيم وتنويع الخطوط وترتيب الفقرات...فإنَّ السؤال المطروح:
ما مدى توافق ما هو مكتوب في المنهاج مع ما هو معروض في الأداء؟ هل يحرص معلمو ومتعلمو المادة العلمية في مناهجنا الدراسية على القراءة اللغوية السليمة (بل قل "على الأقل": كما هو ثابت في المنهاج)؟ ما قيمة ضبط النص إذا لم يقرأ كما ضُبط؟ هل تطغى دلالة الفكرة على سياقها وتركيبها؟
الحقيقة المؤلمة التي يكتشفها الباحث أنَّ الهوّة واسعة بين ما هو مكتوب وما هو معمول في دراسة المواد العلمية في مناهجنا الدراسيّة: فمن خلال حضور بعض دروس مادة الفيزياء في غير مدرسة وعند غير مدرس، لم نلحظ إيلاء الجانب اللغوي الأهمية التي يستحقها، بل لم نلحظ مراعاة ما هو ماثل لغوياً في المنهاج، وهو الحدّ الأدنى الذي نطلبه.
بل ينصب الجهد في إيصال القانون الفيزيائي، والمعادلة الرياضيّة، وشرح التجربة ونتائجها، بلغة غير ملتزمة لغوياً، ويسهم في هذا أنّ مقوّمي هذه المواد لا يحاسبون على انتهاك حرمات اللغة، وهذا إن كان في مدارسنا صادقاً، فإنَّه في جامعاتنا أصدق.
وعليه، فإنَّ الجهد المبذول من الناحية اللغوية في تعليم المواد العلمية لا يحقق أهدافه؛ نظراً لزهد المعلمين فيه، وأقل ما يطالب به هؤلاء هو الالتزام بما هو موجود من غير إنقاص أو تحريف.
ولعل ما يزيد الأمر عجباً في سياق الحديث عن تعليم المواد العلمية في مناهجنا المدرسية والجامعية، هو أنَّ القائمين على تعليم هذه المواد لا يقبلون بحال، ولا يهدأ لهم بال إن أخطأ المتعلم بالمصطلح في اللغة الإنجليزية، وكذلك في التركيب اللغوي الإنجليزي ـ وأخص هنا التعليم الجامعي ـ فلمَ يُستهان بالخطأ اللغوي في العربية عند هؤلاء أنفسهم؟! ولمَ لا يحرصون على سلامة لغتهم كما يحرصون على سلامة لغة غيرهم؟!
أعتقد أنَّ علماء العربية ليسوا فقط من يطالب أن يكون من حماتها، بل إنَّ الأمة بكل علمائها ومتعلميها، ينبغي أن تصل إلى درجة الوعي الحضاري الذي يجعل من كل فرد منها أحد حماتها ووصيّا عليها. "فلا يتبادرنَّ إلى ذهن أحد أنَّ التجديد متوقف على نشاط المجامع اللغويّة، وعلى اجتهاد اللغويين العاملين في إطارها، أو خارج هذا الإطار في المؤسسات الثقافية وفي دور النشر، إنَّ تجديد اللغة العربية ...مهمّة تقع على عاتق كل من يتحدث بهذه اللغة."()
فالعربية لغة علم استوعبت يوما العلوم بشتى أصنافها. ولها من الإمكانيات والوسائل ما يجعلها قادرة على مواكبة المستجدات العصرية والعلمية. نقل محمد العمايرة رحمه الله عن البشير التركي():
"والبشير التركي في "العربية لغة علم" حريص على تأكيد أن العربية لغة علم، لأنها كانت الركن الأساسي لأكبر حضارة عرفتها البشرية وما زالت تعيش في ظلّها."
ولذلك فإنَّ القراءة السليمة للمادة العلمية في مناهجنا الدراسية، ومراعاة ما جاء فيها من دقة الضبط، وتعريب المصطلحات، وسلامة التراكيب أقل ما نوصي به القائمين على تعليم هذه المواد. وذلك بلغة عربية فصيحة تحقق التواصل اللغوي والتعبير العلمي من غير أن يطغى أحدهما على الآخر. فلا نريد من الفيزيائي أن يحفظ المعلقات، ولا أن يعرب المفضلّيات، بل يراعي الجهد المبذول ويؤازر الحسّ اللغويّ ما استطاع. يقول رياض قاسم():
"لم تعد اللغة العربية الفصحى ...تلك اللغة التي تعني بالضرورة الاندغام بالماضي التراثي، وتبنيه كما هو على عواهنه، وإنّما أصبحت تتحدد بأنها الاختيار التراثي بصيغتيه: الاستلهام التراثي والتبني التاريخي التراثي، ابتغاء فهم وتلبية الاحتياجات العلمية والنظرية لواقع الحال الحضاري والفكري المعاصرين في أفقهما المستقبلي."
وليست الدعوة في هذا السياق إلى تفصيح القول والحذلقة اللغوية في عروض المادة العلمية، بل إنَّ الجمع بين السلامة اللغوية ووضوح العبارة العلمية في عرض المادة العلمية هي المبتغى. بل تتصل هذه الدعوى بالمادة اللغوية أيضا في المواد الإنسانية. ولهذا فإنَّ الجمع بين الأصالة والحداثة في مفهومهما الجديد غاية لغوية تعليمية لا يمكن الاستغناء عنها.
ويضيف رياض قاسم():
"فالأصالة لم تعد تعني ...العودة إلى الماضي والانصهار في أحكام اللغة...وعلى هذا الأساس يتاح لنا استنباط علاقة انسجام عميق بين الأصالة والمعاصرة في اللغة، بحيث أنَّ كلا منهما تغدو أحد وجهي قضية واحدة."
وليس من نافلة القول أن يخضع القائمون على تدريس المواد العلمية لدورات لغوية ليس من أجل تعليمهم اللغة وقواعدَها فحسب، بل من أجل توعيتهم بأهمية مراعاة الجانب اللغوي الذي زهدوا فيه بحسن نيّة وطيب خاطر.
وأعتقد أن أقسام اللغة العربية في الجامعات الأردنية وإمامها مجمع اللغة العربية يمكنها أن تقود هذا الأمر، وأن تتحمل هذا العبء.
وإذا انتقلنا إلى المشهد اللغوي التعليمي للمواد العلمية في وطننا العربيّ، طالعنا السؤال التالي: هل يوجد لغة عربية علمية مشتركة في العالم العربي؟
الحقيقة أن هذا السؤال ليس جديدا في البحث العلمي واللغوي. فقد عرض له المنجمي الشملي من قبل، وأجاب عنه بكل صراحة: "إنَّ هذه اللغة لا توجد، ولكنها بصدد الانبعاث ...فكل قطر يستعمل في ميدان العلوم لغة عربية خاصة به، بل كثيرا ما تجد في القطر الواحد يُستعمل في تدريس مادة علمية واحدة لغات متعددة يعلل ذلك بتعدد ثقافات المدرسين، فذو التعليم الفرنسي يستعمل ما تعلمه، والذي درس في مصر يستعمل مصطلحات مصرية، والزيتوني له طريقته الخاصة في تناول الأمور."()
وإذا كنّا نتفق مع الشملي بأنَّ هذه اللغة لا توجد، فإننا قد نخالفه في أنها بصدد الانبعاث، فغياب هذه اللغة حقيقة لا مراء فيها، وهذا الغياب يشكل تحدياً من الناحيتين اللغوية والعلمية في وجه الأمة، ولا يخفى أهمية تقريب المسافة في استعمال اللغة العربية العلمية في المناهج الدراسية  فيما بين البلدان العربية في تعليم المواد العلمية.
ولعل أسباب اتساع الهوّة بين الأقطار العربية في غياب اللغة العربية العلمية المشتركة فيما بينها يعود إلى جملة من العوامل أبرزها: بطء حركة التعريب في الأقطار العربية، وتعدد مصطلحات المفهوم الواحد، والحاجة إلى وضع مراجع علمية عربية كافية.()
ولكن قبل التصدي إلى خلق مثل هذه اللغة، لابدَّ من الإقرار بحقيقة تمثل خارطة الطريق في استعمال اللغة العربية في تعليم العلوم، وهي أنه: "مهما كانت إمكانات اللغة العربية الحديثة، أو عدم إمكاناتها اللغوية للتعصر ولملاءمة مقتضيات القرن الذي نعيش فيه، فإنها ليست هي بالذات التي سيتوقف عليها تطور العربية أو عدم تطورها، بل إنَّ هذا التطور...متوقف وسيتوقف على شي آخر هو تطور أحوال البلاد الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية السائدة الآن، وتغيرها تغييرا يخرج البلاد من التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي من التخلف الثقافي...فالمجتمع والتعليم قطاع منه لن يستوعب ولن يشارك في هضم لغة لا يعيشها، أما أن نطالب العربية بالتعبير عن الصناعة قبل دخولنا ذلك العصر، فهذا يذكرنا بمسألة العربة والحصان."()
    وعليه، فإنَّ واقع اللغة العربية في تعليم المواد العلمية جزء من واقعها العام الذي تعيشه في العصر الحديث، فهي تواجه جملة من التحديات، كمزاحمة اللغات الأجنبية، وبطء حركة التعريب، وقلّة المراجع والمصادر المؤلفة بالعربية في المواد العلمية، وبطء حركة الترجمة، وغياب توحد المصطلحات العلمية.
ويضاف إلى هذه التحديات عوامل داخل غرفة الصف المدرسي، كضعف القائمين على تدريس المواد العلمية من الناحية اللغوية، وزهدهم بمراعاة الجوانب اللغوية في تدريس العلوم، وما يشيع في المنهاج من إغفال وعدم مراعاة الدقة اللغوية من الجانبين الشكلي والمضموني...
وكل هذه التحديات ينبغي مواجهتها بعزيمة قوية، وإرادة صادقة، ولعل الشعارات وإطلاق النداءات لا يقدم حلولاً عملية كافية، ولهذا أقترح أن يصار إلى طرح ما يسمى بالتخطيط اللغويّ وبناء الإستراتيجيات اللغوية التي ترتب الأولويات اللغوية للأمة، وتنظم العمل وتوزع الجهد،  على جميع المؤسسات والجامعات والمجامع؛ لتكون أجندة من أجندتها الرئيسة، وأن يُجعل من التخطيط اللغوي مادة من مواد دراسة تخصص اللغة العربية؛ لأنَّ معالجة ما يعتور واقع العربية في العملية التعليمية ما هو إلا جانب من جوانب هذا التخطيط وتلك الإستراتيجية.

المصادر والمراجع
1.    اتجاهات البحث اللغوي الحديث في العالم العربي، (لبنان 1901-1960) رياض قاسم، مؤسسة نوفل ط1/1982.
2.    بحوث في اللغة والتربية، محمد العمايرة، دار وائل، عمان، ط1/2002.
3.    تعريب العلوم الإنسانية، محمود إبراهيم، دمشق 1982.
4.    تعريب العلوم الطبيّة، بكري عادل، دمشق 1982.
5.    دراسات في اللغة العربيّة الفصحى وفي طرائق تعليمها، أنطوان صيّاح، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط1/1995.
6.    كتاب الفيزياء الصف العاشر، إدارة المناهج والكتب المدرسية- وزارة التربية والتعليم الأردنية،  2008م .
7.    اللغة العربية، الثقافة العامة، محمد عدس، دار الفكر للنشر، عمان، ط1/1994.
8.    معجم مصطلحات الفيزياء، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
التّعقيبات والمناقشات

محمود السرطاوي/ مشرف تربوي من (1988- 2001)
تساءل السيد السرطاوي حول منهاج الفيزياء للصف العاشر قائلاً: هل نستطيع أن نعَمِّم حال اللغة العربية في جميع المناهج العلمية لطلبتنا من خلال الاطِّلاع على كتاب الفيزياء؟
وفيما يتعلَّق بضبط المادة الواردة في المنهاج (التشكيل بالحركات) يقول: المرحلة الأساسية الدُنيا يُضبط فيها النصّ بالشكل التّام، والمرحلة المتوسطة فيها شكل جزئي أي لأواخر الكلمات فقط، أما المرحلة المتأخرة (من العاشر حتى الثاني عشر)، فالضبط يكون للكلمة التي فيها لبس.  
وفيما يتعلَّق بتحرير الكتب المدرسية، فهناك محررون لغويون عِدَّة، وثمَّة فروق فردية بين هؤلاء المحرِّرين.
حسام محمد/ طالب دكتوراه/ الجامعة الأردنية/ مناهج وأساليب تدريس
أشار إلى واجب ربط معارف مدرسي العلوم بأهمية التطورات الحديثة في العالم، وأسف للتّوجه السائد لدى كثير من الأهالي لإلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة التي تدرّس مادة العلوم باللغة الإنجليزية.
- مصطفى الغرابلي/ طالب دكتوراه/ الجامعة الأردنية
يرى أن الصعوبة في اللغة تؤدي إلى الصعوبة في فهم المحتوى العلمي للمواد التعليميَّة.
رد د. منير شطناوي
في ردِّه على تعليق محمود السرطاوي يقول: فيما يتعلَّق بالبحث عن اللغة العربية في المناهج العلمية المدرسية، اتخذ جانبين: الجانب الشكلي (المتعلّق بضبط المادة اللغوية)، والجانب الأدائي.  فهناك غيابٌ واضح لمراعاة الجوانب اللغوية، فلا تُقدَّم المادة العلمية بالعربية الفصيحة أثناء أدائها وتفصيلها من قبل المعلمين، والمطلوب على الأقل، مراعاة الجهد المبذول في صياغة الكتاب نفسه، فالفكرة هي التي تؤدَّى أو المعادلة العلمية، دون أي مراعاة للجانب اللغوي.  
وفيما يخص كتاب الفيزياء يقول: اطَّلعت على الكتب العلمية الأخرى، وكان لي بعض المآخذ عليها، من حيث ضبط النصوص العلمية فيها.  فعدم ضبط النص أو على الأقل ضبط كلمة فيها خطأ شائع ويحدث اللبس إن لم تُضبط فهذا مأخذ، والضبط الجزئي لا يكفي، خاصةً أنه لا يجوز أن نفترض أن الطلبة في المراحل المتقدِّمة، قد وصلوا إلى مستوى هم ليسوا بحاجة معه إلى ضبط النصوص، والحقيقة أنَّ طلبتنا لم يصلوا إلى هذا المستوى.


 

البحث

تسجيل الدخول

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 6 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 488
المحتوى : 415
عدد زيارات المحنوى : 414912