برامج إعداد معلِّمي اللغة العربيّة في الجامعات الأردنية: واقعها وسبل النهوض بها
الدكتورة خلود العموش - الجامعة الهاشمية
المعلِّم: مكانته في المنظومة التربويّة وأهمية إعداده:
تشكّل التربية بمفهومها الشامل أهمّ معالم المجتمعات، ومن خلالها تبرز خصائص هذه المجتمعات وروحها، وإذا كانت المنظومة التربويّة تقوم على عدد من العناصر تتبادل التأثير فيما بينها فإن الباحثين يجمعون على وصف المعلِّم بأنه حجر الزاوية أو العمود الفقري في هذه المنظومة؛ فهو الأولوية فيها، وعلى يديه تتحقّق الأهداف، وبوعيه وإدراكه ومسؤولياته تذلّل الكثير من مشكلاتها وصعوباتها. ويعبِّر أحد الباحثين عن هذه الفكرة بقوله: "ومع أن هناك عوامل عديدة تؤثّر في فاعليّة العمليّة التعليميّة إلاّ أنّ المعلِّم هو أهم هذه العوامل جميعاً، وهو الذي يمسك بيده زمام الأمور، وبيده مفتاح الحل لعمل تربوي ناجح، يتغلّب فيه على ما يعترض طريقه من عقبات ومن صعوبات"(). ويعزّز هذه الفكرة المكانة الكبيرة التي يشغلها المعلِّم أو المؤدّب في الموروث العربي والإسلامي.
والمعلِّم هو "كل من يتولى التعليم في أية مؤسّسة تعليميّة حكوميّة أو خاصّة، وهو الشخص المسؤول عن الإشراف على العمليّة التعليميّة التعلميّة داخل الصّف وفي إطار المدرسة، وتوجيه هذه العمليّة كي تحقّق أهدافها وغاياتها بكفاية وفعالية، وهو العنصر الحاسم في نجاحها أو إخفائها"(). ومهما بنيت الأهداف إخفاقها على أسس سليمة، وكانت الاستراتيجيات التي تستند إليها وتنطلق منها دقيقة ومتينة، إلاّ أنّها ستظلّ دون مشاركة المعلِّمين في تنفيذها بفعالية لا روح فيها ولا حياة؛ فالمعلِّمون هم الذين يكسبونها الحيوية والحركة، والمعلِّمون الأكفياء يملكون تلافي القصور في المناهج التربويّة بكل جدارة واقتدار.
"إنّ المعلِّم ركيزة الحاضر والمستقبل معاً. وإن بناء الحضارة وتحقيق التقدّم في أي مجال يقوم أساساً على أكتاف المعلِّمين الشجعان الذي يعملون بلا لين أو هوادة من أجل تجهيز الكوادر البشرية التي تتحمّل مسؤولية تقدّم المجتمع نحو الأفضل"(). ذلك أنّهم يحملون أنبل رسالة وهي "صناعة العقول وتكوين الضمائر الحية، وغرس القيم الوطنيّة والقوميّة والإنسانيّة في نفوس الجيل، وهم الذين يبنون الفكر المبدع الذي لا يتوقّف عند حد، ولا يحصر نفسه في قالب واحد جامد، وهم الذي يحصّنون الناشئة من الآثار السلبيّة للعولمة، ويعدّون الناشئة لمواجهة الحياة بكل ثقة وقوّة، ويسمون بهم إلى مستوى التحديّات التي تواجه الوطن والأمة"().
والمعلِّمون قيّمون على تراث الأمة الثقافي وتنميته وتطويره، والحفاظ على هويّة الأمّة الحضاريّة والثقافيّة. ومهنة التعليم من أخطر المهن لأنّها "تعد قادة المستقبل بما يتناسب مع التطوّرات المتسارعة في شتّى مجالات الحياة"(). والمعلِّم هو القيّم على تحقيق الأغراض التربويّة، ومعظم مشكلاتنا التربويّة في الأصل ناشئة عن افتقار المدارس لمعلِّمين أكفياء. بل إن "كلّ ما نقوم به من تخطيط وإعداد وتطوير يصبح في مهبّ الريح إذا لم يكن هناك معلِّم جيد ينفِّذ هذه الأمور. بل إن فلسفة التربية والتعليم كلّها تصبح نظريّات خالية من مضمونها إذا افتقدنا المعلِّم الجيد"().
وعن طريق التفاعل بين المتعلّم والمعلِّم يكتسب هذا المتعلم خبراته ومعارفه ومهاراته واتجاهاته وقيمه،"ومهما تطوّرت تكنولوجيا التربية فلن يأتي اليوم الذي نجد فيه شيئاً يعوّض تماماً عن وجود المعلِّم"().
ومن جانب آخر فإن أثر هذا المعلِّم يمتدّ ليكون أهمّ مقوّمات نجاح المؤسّسات والمنظّمات المختلفة، وهو المؤثر في تحقيق الفاعلية والحركية لتنظيمها الإداري؛ فهو المسؤول عن تكوين الموارد البشريّة لها(). ويعبّر (ريتشارد فيرون) عن هذه الفكرة بقوله: "إنّ التعليم قد اتّخذ شكلاً من أشكال السوق، وعندما تدخل المنافسة في السوق يصبح من الضروري أن يحاول موِّردو الخدمات البحث عن وسائل تجعل من خدماتهم شيئاً متميِّزاً عن خدمات غيرهم من المنافسين، ويسعون نحو تقديم ميِّزات تنافسية، وقد يحاول بعضهم تحقيق ذلك من خلال وسائل متعدِّدة، ولكن لا يصبح أمام الغالبية من بديل سوى المنافسة على جودة التعليم"().
لكنّ نجاح هذا الدور البارز للمعلِّم في العمليّة التربويّة يعتمد بشكل رئيس على مدى كفاية هذا المعلِّم؛ الأمر الذي "يستوجب العناية بحياته التعليميّة، سواء أكان ذلك قبل التحاقه بسلك التعليم أم أثناءه مع الاستمرار في ذلك"().
ويجب أن يكون الاهتمام بإعداد المعلِّم إعداداً جيداً "مدخلاً من المداخل الأساسيّة لإصلاح العمليّة التعليميّة في أيّ مجتمع من المجتمعات"(). ويجب ألاّّ تغفل عملية التطوير التربوي عن الاهتمام بتطوير إعداد المعلِّم، و"تزويده بالمهارات المهنيّة والعلميّة والثقافيّة التي تمكِّنه من القيام بالتفاعل الناجح مع جوانب المنظومة المُطوَّرة وتحقيق أهدافها"().
"وإذا كان المعلِّم يمثِّل "أمّة في واحد" حسب التعبير التربوي البليغ والمحكم، نظراً لما يضطلع به من أدوار ووظائف متعدّدة ومتنوّعة في بناء الأمة؛ فإن نوعية هذا المعلِّم هي "المفتاح" الذي يضمن للتعليم بلوغ أهدافه ومقاصده"()، تأسيساً على مقولة "روي سينغ" التي تؤكِّد أنّه "لا يمكن لأي نظام تعليمي أن يرتقي أعلى من مستوى المعلِّمين فيه"().
وهذا دعا بعض الباحثين إلى القول: "إنّ مستقبل التربية في الوطن العربي رهن بالارتقاء بمستوى المعلِّم والنهوض بمهنة التعليم. وهذا الارتقاء هو الأساس الذي يستند إليه النهوض بالمهن الأخرى كافة؛ فمهنة التعليم هي المسؤولة عن إرساء التجديد والتغيير في المجتمع، وتوجيه الثقافة، وبناء المجتمع العصري القادر على مواجهة التحديّات المحيطة به، وتدعيم البنيان الاقتصادي والاجتماعي"(). ولذا كانت العناية بإعداد المعلِّمين إعداداً شاملاً ومتكاملاً من أولويّات النهوض بالواقع التربوي، وإنّ نجاح هذا الإعداد أو فشله ينعكس على الأجيال، ويؤثِّر في تكوينها وإنجازها سلباً وإيجاباً.
وقد احتّلت قضّية "إعداد المعلِّم" المكانة القصوى في الخطاب السياسي والتربوي والجماهيري، ولم تعد شأناً تربوياً قاصراً على المهتميّن والمتخصّصين بإعداد المعلِّم حسب، وإنما تجاوزته لتصبح شأناً عاماً؛ وأضحى واقع إعداد المعلِّم بمؤسّساته ومعاهده من أبرز المسائل إثارة للنقاش حسبما تشير كافة المؤتمرات والدراسات والمنتديات والتقارير؛ ففي تقرير اللجنة القومية الأمريكية الذي حمل عنوان "أمّة في خطر" والذي وُضع في أوائل الثمانينات وكان أبرز خلاصاته "أنّ الأمة الأمريكية معرّضة للخطر نتيجة لإهمالها لشؤون التعليم"(). أما الحل فمن أهم ملامحه: "الإلحاح على دور المعلِّمين في تجاوز هذا الخطر، وأنّه ينبغي على المدرّسين الأوائل الممتازين أن يشاركوا في تصميم برامج إعداد المعلِّم، والإشراف على معلِّمي الغد خلال سنواتهم التجريبية الأولى"(). وكذلك فعل تقرير بوير (Boyer) عام (1983). وكذلك تقرير "ملامسة المستقبل" سنة (1999)، وهو التقرير الذي انبثق عن الحلقة النقاشيّة التي ضمّت ستّةً وثلاثين عضواً من رؤساء الجامعات ومن المتخصّصين في شؤون التربية بالولايات المتحدة الأميركية، والذي خلص إلى ضرورة تغيير الطريقة التي نعدّ بها المعلِّمين. وانتقد بشدّة كليّات التربية في الجامعات الكبرى لما تفرزه من معلِّمين لم يتلقوا مقرّرات علميّة متينة، الأمر الذي يتطلّب ضرورة إعادة النظر في برامج إعداد المعلِّم().
وكان التقرير المبدئي لرابطة المعلِّمين الأمريكية قد دعا سنة (1993) إلى ضرورة بذل جهود إيجابيّة ومهّمة للارتقاء بإعداد المعلِّم، والارتقاء بمهنة التعليم، منتقداً واقع إعداد المعلِّم الذي لا يرقي إلى الصورة المنشودة، يضاف إلى ذلك وجود اعتقاد راسخ، تدعمه دراسات أجريت على المستوى الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية، أنّ كليّات إعداد المعلِّم، ومن ثمّ مهنة التعليم، تجتذب الطلبة الضعاف أكاديمياً ممن لا تتوافر لديهم فرص مهنية أخرى().
وتنصّ وثيقة "إصلاح المدرسة" في فرنسا على "أن التحسين في مستوى التدريب المهني للمدّرسين هو مبدأ مشروط لتحسين النظام التعليمي"().
كما أكّدت منظمة اليونسكو على اعتبار "إعداد المعلِّم" مسألة استراتيجية لمواجهة أزمة التعليم في عالمنا المعاصر، ذلك أن الأبنية المدرسيّة والتجهيزات والمرافق والكتب والوسائل التعليمية، على أهميتها وآثارها المختلفة في العمل التربوي، تبقى محدودة الفائدة إذا لم يتوافر المعلِّم الكفء().
كما أكّدت اللجنة الدولية للتربية من أجل القرن الحادي والعشرين، في تقريرها الذي قدّمته لليونسكو، على الدور المركزي للمعلِّمين، وضرورة العناية بإعدادهم قبل الخدمة، ومتابعة تدريبهم في أثناء الخدمة؛ إذ إن التربية الجيّدة تتطلّب معلِّمين جيّدين؛ كما اختار المؤتمر العام لليونسكو في دورته السابعة والعشرين موضوع "تعزيز دور المعلِّمين في عالم متغير" ليناقش في المؤتمر الدولي للتربية في دورته الخامسة والأربعين المنعقد في جنيف عام (1996)، وذلك بهدف السعي إلى رفع كفاية المعلِّمين بحيث تتلاءم مع متطلبّات العصر، ومع أدوارهم الجديدة في هذا العالم المتغير().
وفي العالم العربي تضافرت توصيات المؤتمرات التربويّة المختلفة، التي عقدت في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين، على أهميّة دور المعلِّم في عمليّة التعليم والتعلّم وإتقانها، ومن ثم طالبوا بإعادة النظر في سياسات إعداد المعلِّم وتوفير الميزانيّات لهذا الإعداد(). فقد اشتمل إعلان دمشق حول "مدرسة المستقبل في الوطن العربي" ضمن فعاليات المؤتمر الثاني لوزراء التربية والتعليم والمعارف عام (2000) تحت مظلّة "المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم" على "العناية بالمعلِّم إعداداً، وتدريباً من أجل تعزيز مكانته، وتغيير دوره من ناقل للمعرفة إلى منظّمٍ لنشاطات الطلاّب، ومدِّرب لهم على أساليب تحصيل المعرفة ووسائل تحقيقها، ومكوِّن لمواقفهم واتجاهاتهم وقيمهم وتنمية لقدراتهم الذاتية والفكر الناقد لديهم"().
ويمكن القول إن هناك توجهاً في العالم العربي نحو تطوير برامج إعداد المعلِّم وتحديثها مع "شيوع فكرة مهيمنة على الخطاب العام في البلدان العربيّة مفادها أن هناك ضعفاً عاماً في مخرجات التعليم في كل مراحله، ناتج عن ضعف مستوى المعلِّم الأكاديمي والفني، وتدنّي الرضا المهني لديه، وشيوع فكرة أن التعليم مهنة من لا مهنة له. ومثل هذه الأفكار تمّثل نوعاً من الضغط على القائمين على أمر إعداد المعلِّم لإعادة النظر في استراتيجياته وإجراءاته، بهدف الارتقاء بمستوى المعلِّم العربي وإصلاح عمليّة التعليم"().
برامج إعداد المعلِّمين: مفهومها، وأهدافها، وضرورة تطويرها:
تعرّف عملية إعداد المعلِّم بأنّها "جميع الأنشطة والخبرات الأساسيّة وغير الأساسيّة، التي تساعد الفرد على اكتساب الصّفات اللازمة والمؤهّلة لتحمّل المسؤوليّة كعضو هيئة تدريس، ولأداء مسؤولياته المهنية بصورة أكثر فاعليّة. وهي عبارة عن برنامج أعدّ وطوّر بواسطة أي مؤسّسة مسؤولة عن إعداد الأفراد الراغبين في العمل بالتعليم ونموّهم"().
وقد يطلق على الإعداد مصطلح التكوين. ومصطلح التكوين يدلّ على الإعداد قبل الخدمة وبعدها، أمّا الإعداد فيقتصر على ما قبل الخدمة. ويحدّ أحد الباحثين تكوين المعلِّم بأنه "ما يجري من عمليّات الإعداد قبل الخدمة والتدريب أثناءها، من نمو لِمعارف المعلِّم وقدراته، وتحسين لمهاراته وأدائه التربوي بما يتلاءم والتطوّر المتعدّد الجوانب للمجتمع. وتبدأ هذه العمليّات في مؤسّسة التكوين قبل الخدمة وتستمر أثناءها"().
وأهمّ مدخلات هذا النظام التعليمي (الأهداف) التي تسعى إلى تكوين الطالب ليصبح معلِّماً في المستقبل، والخطّة الدراسيّة التي تحتوي على مكوّنات أربعة هي: الثقافة العامّة، والتخصّص الأكاديمي، والتخصّص المهني، والتربية العمليّة، ويضمّ كلّ منها عدداً من المواد الدراسيّة بمناهج محدّدة ملائمة لتأهيل الطالب المعلِّم. ويقوم هذا النظام على عدد من العمليّات والتقنيات والطرائق وأساليب التقويم التي يوظّفها أعضاء هيئة التدريس لتحقيق أهداف النظام، وأمّا مخرجات هذا النظام فهي المعلِّم المتمرِّن الذي يبدأ الخدمة في إحدى المراحل التعليمية حسب ما أعِّد وقد يكون هذا الإعداد في مؤسّسة واحدة، مثل: دور المعلِّمين، وكليّات التربية. وقد يكون في مؤسّستين تعليميّتين، عندما يتخرّج الطالب في إحدى الكليّات الجامعيّة، ليلتحق بعد ذلك بكلية التربية من أجل استكمال تأهيله التربوي().
إن هدف هذا الإعداد جعل أولئك الطلبة المعلِّمين مستعدّين للقيام بالأدوار والوظائف الجديدة التي سيقومون بها، أي: "إعداد المعلِّم أكاديمياً ومهنياً، ليتحقّق به التفاعل بين ثقافة المجتمع والفكر الإنساني"().
ويفصّل باحثون آخرون في هذه الأهداف فهي عندهم: إعداد المعلِّمين المؤهّلين عمليّاً وثقافيّاً للتدريس في جميع المراحل، وتبنّى أفضل الطرق وأحدثها في إعداد المعلِّم المتخصّص، والاستفادة من تخطيط المناهج والتقنيات الحديثة، والربط بين مناهج إعداد المعلِّم المتخصّص، والاستفادة من تخطيط المناهج والتقنيات الحديثة، والربط بين مناهج إعداد المعلِّم وفلسفة مناهج التعليم العام وأهدافه وبين المراحل التعليميّة التي سوف يعمل بها الطالب المعلِّم، وبناء شخصيّة الطلاّب().
وبحسب (براميلد)، فإن الهدف الأساسي من إعداد المعلِّمين يختلف بحسب وجهات النظر الفلسفية لمن يقوم عليها؛ فمن وجهة نظر الأصوليّين فإن الهدف من إعداد المعلِّمين المحافظة على التراث. ومن وجهة نظر التقدميّين فإن الهدف الأساسي هو التركيز على مساعدة المعلِّم أن يختار بحريّة، وأن يعلّم تلاميذه كيف يختارون من بين البدائل المختلفة المطروحة، كما يعلّمهم كيف يوجّهون وينتقدون في آن. ومن وجهة نظر البنيوييّن فإن الهدف الأساسي لابدّ أن يدعم الخيار العقلي والمنطقي، وأنّ الثقافة لابدّ أن تكون في متناول الغالبّية العظمى من أفراد المجتمع، وتمكين أبنائهم من استخدام طاقتهم في مواضعها السليمة. ومن وجهة نظر أصحاب نظرية رأس المال البشري فإن إعداد المعلِّم يهدف إلى تطوير قدراته وزيادة معارفه، حتى يُمكّن تلاميذه (القوى البشرية) من زيادة إنتاجهم، ومن ثمّ زيادة الدخل القومي العام، ومن ثمّ تحقيق الرفاهية الاقتصاديّة والاجتماعيّة لشتّى أبناء الشعب().
والإعداد نوعان من ناحية المضمون: إعداد مسلكي وإعداد أكاديمي.
ومن ناحية التوقيت نوعان: إعداد قبل الخدمة، وإعداد أثناء الخدمة.
وتختلف برامج إعداد المعلِّمين من بلد لآخر ومن معهد لآخر، من حيث: مؤهِّلات الطلبة المقبولين فيها؛ وعدد سنوات الدراسة، ونوعيّة البرامج. كما أنّ الإعداد يختلف بحسب المرحلة التعليميّة التي يعدّ المعلِّمون لتدريسها(). كما يرتبط برنامج إعداد المعلِّمين في البلد بالنظام التعليمي فيه، وبعمليّة التعليم. كما أنّ أسس القبول في المعاهد لها أثرها في برامج الإعداد().
ويجمع الباحثون على أنّ نوعيّة المعلِّمين والكفايات التي يمتلكونها تعتمد "إلى حد كبير على البرامج التي تعدّ لهم قبل انخراطهم في مهنة التعليم"()، ومستوى مؤسّسات إعداد المعلِّمين وإمكاناتها المادية والفنية، ومستوى هيئة التدريس فيها، ومدى الارتباط بين مناهجها وأهدافها وأهداف التعليم بعامّة، كلّ ذلك يؤثِّر في مدى قيام المعلِّمين بالأدوار المنتظرة منهم"().
وقد تزايد اهتمام أغلب الدول بمراجعة برامج إعداد المعلِّمين وتدريبهم قبل الخدمة وفي أثنائها وتقويم هذه البرامج. وكانت الدول المتقدّمة هي الأحرص على هذه المراجعة، بل والأكثر شكوى على الرغم من ارتفاع جودة التعليم عندهم. ويشير إلى هذا (سكنر وجولبي/ 1995) ويريان أن إعداد المعلِّم في إنجلترا وويلز وأمريكا يمرّ بأزمة خطيرة، ويتطلّب حلّ هذه الأزمة فهماً للتطوير المستقبلي يستجيب بديمقراطية للحاجات الاجتماعيّة(). وتوصل (رسيل وكاتز وراتش/ 1998) إلى وجود معضلات تواجه هذه البرامج في تلك الدول، وتحدّ من كفاءتها وفاعليتها في مواجهة المستقبل(). وأشار (ويتي وزملاؤه)، من أعضاء فريق مشروع إعداد المعلِّم في إنجلترا وويلز، إلى أن السنوات القليلة الماضية قد شهدت هجوماً لم يسبق له مثيل على الطرق التقليدية في إعداد المعلِّمين(). وإذا كان هذا هو الحال في هذه الدول فإن الأمر أكثر ضرورة وإلحاحاً في عالمنا العربي.
وقد ساهمت عوامل ومتغيّرات وتحديّات كثيرة في جعل الحاجة ماسّة لإعادة النظر في برامج تكوين المعلِّم في الوطن العربي، ومنها: التوسّع الكمّي الهائل في عدد المتعلّمين وعدد المدارس، ووجود نسبة من غير المؤهلّين بين المعلِّمين()، والوعي بضرورة التكيّف مع التغيّرات والمستجدّات المتوقّعة في المستقبل، وتنمية القدرة على التأثير في هذا المستقبل وضبطه().
وقد تعاظمت حاجتنا في الوطن العربي إلى إعادة النظر في برامج إعداد المعلِّمين، في هذه المرحلة التي يجتازها عالمنا نحو العصر الجديد الذي يتميز بمتغيرات نوعية غير مسبوقة. تجسّد هذا في شكل تحدياّت كبرى مثل: العولمة، والقرية الكونيّة، والقطب الواحد، والتكتّلات الاقتصاديّة العملاقة، وثورة الاتّصالات والتكنولوجيا، وهذه التحديّات، وما صاحبها من تطوّرات جذريّة في الحياة السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة، تفرض تغييراً في المنظومة التعليميّة: أهدافاً، ومحتوى، وطريقة، وتقويماً؛ مما يعني تغيير أدوار المعلِّم لينتقل من التلقين ونقل المعرفة إلى ميسّر للمعرفة ومنتج لها. وإلى معزّز لقدراتهم التنافسية في الإبداع، مما يستتبع بالضرورة إعادة النظر في منظومة تكوين المعلِّم داخل الجامعات()، ومحاولة تطبيق معايير الجودة الشاملة في التعليم عامّة ومؤسّسات تكوين المعلِّم خاصّة().
لقد أصبح الطفل الذي يدخل المدرسة اليوم لأول مرّة يواجه قدراً من المعرفة العلميّة والتكنولوجيّة يعادل على الأقل ضعف مقدار المعرفة التي يواجهها الطالب الذي كان في عمره قبل اثنتي عشرة سنة(). ومن هنا وجدنا (بونستنجل/ 1989) ينتقد بشدّة انتشار التعليم المرتكز على المعلِّم، وعلى الاستخدام المكثّف لأسلوب المحاضرة، واستظهار المعلومات الجامدة، والتركيز على الاختبارات الموضوعية وسيلة لتقويم معارف الطلاّب، ويعدّ كل ذلك من مخلّفات الماضي التي لم تعد صالحة لمواجهة المستقبل(). كما أنّ العالم اليوم أصبح يميل إلى التعلّم الذاتي بدلاً من التعليم التقليدي، وهذا يتطلّب إعادة تخطيط مؤسسات الإعداد لتمكين الطالب المعلِّم من مهارات هذا الأسلوب ليستطيع تطبيقه باقتدار مع طلابه"().
كما بيّنت دراسة (موري) أن نظم إعداد المعلِّمين ما زالت بحاجة إلى الفحص والدراسة، بغية العمل على إيجاد أنماط من المناهج أكثر قدرة على تلبية احتياجات المجتمعات من المعلِّمين ذوي الكفاءة في المعلومات والمهارات والاتجاهات().
كما أشار (ميالاريه) إلى أن التطوّر الراهن في البحث التربوي، والذي يشكل بدوره مصدراً جديداً للمعارف المفيدة للممارسين والمدربين من جميع المستويات، وللإداريين ورجال السياسة، يعد من العوامل التي تدعو إلى إعادة النظر في برامج إعداد المعلِّمين(). وقد نالت مثلاً مناهج إعداد المعلِّمين القائمة على الأدوار المتغيرة للمعلِّم الاهتمام العالمي، حتّى أصبحت سمة أساسيّة في مناهج الدول المتقدّمة تربويّاً، وتأثر بذلك مناهج إعداد المعلِّمين في الدول العربيّة().
ويفسّر لنا (لاندشير) ببساطة واقع إعداد المعلِّم ومشكلاته في العالم بقوله: "إنه في الوقت الذي يتشابه فيه تقريباً إعداد الأطباء والمهندسين في كافة أنحاء العالم فإن الأمر جد مختلف مع إعداد المعلِّم الذي يعتمد إلى حد كبير على متغيرات الثقافة والتاريخ والعوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة الأخرى"().
ويعبّر (ميالاريه) عن ذلك بقوله: "إن التأكيد على أن مسألة إعداد المعلِّمين مهمة من حيث الحل وصعبة من حيث التنظيم يبدو أمراً بديهياً"().
"إن النهوض بالعمليّة التربويّة لا يتأتِّى إلاّ بحشد أفضل للطاقات البشرية، وتطبيق أفضل لأحدث المستجدّات التربويّة العمليّة منها والنظريّة. وإن إعداد المعلِّم بطريقة جيدة قد يجذب عدداً أكبر لممارسة التدريس"(). لقد أصبحت الحاجة ملحّة لوجود "مصدر بشري من النوع الجيّد لمزاولة التعليم وتقويم فاعليّته، وتزويد من يزاوله بالتدريب اللازم"().
إنّ قضية إعداد المعلِّم تحتلّ أولويّة خاصّة لأنها قضية التربية نفسها؛ حيث إنها تحدد طبيعة الأجيال القادمة ونوعيتها التي يتوقّف عليها مستقبل الأمة"(). ومع التوسّع الهائل في حجم المعرفة الإنسانية فإن "أية جهود تبذل لتحسين أي جانب من جوانب العمليّة التعليمّية لا يمكن أن تؤدّي إلى التقدّم التربوي المنشود ما لم تبدأ بإعداد جيد للمعلِّم قبل الخدمة"().
وقد أجريت "دراسات متعدّدة تناولت برامج إعداد المعلِّمين في العالم العربي، خلص أكثرها إلى ضرورة الاهتداء إلى صيغة موحّدة ومتطوّرة لتكوين المعلِّم العربي المعاصر، مع الاحتفاظ ببعض الخصوصيّات الدقيقة لكل بلد().
ويطرح (ميالاريه) مجموعة من الاعتبارات والأسئلة، ويرى أن الإجابة عنها والوقوف عندها أمر أساسي قبل الشروع في وضع نموذج أمثل لبرامج إعداد المعلِّمين. ومنها:
- ما الذي نفهمه من كلمة (تربية)؟ ما معناها وما غاياتها؟ هل غايتها اكتساب المعارف، أم تكوين الذهن؟ أم تكوين الشخصية وأخذ الأوجه الفكرية والأخلاقية والاجتماعيّة للإعداد بالاعتبار؟ أم تنمية القدرة على حل المشاكل التي تطرح في الحياة الجارية؟ أم ... وفي ضوء هذه الإجابات يتجّه إعداد المعلِّمين في طرق مختلفة.
- لم تطرح علاقات المؤسّسة المدرسيّة مع العائلة والدين والحياة السياسيّة والاجتماعيّة للمجموعة.
- لم تؤدّ النظريّات التربويّة حول دور المعلِّم بشكل أوتوماتيكي إلى الإجماع: هل المعلِّم ناقل للمعارف؟ أم هل هو مكوّن للحكم والذهن؟ أم هل هو رجل الموارد الذي نتوجه إليه عند الحاجة؟ هل هو المدرب على طرق العمل (تعليم التعلّم)؟ هل هو عالم نفس ومرشد للتوجيه المدرسي؟ إن التأكيد على وظيفة معيّنة للمدرّس هي التي تحدّد بشكل معيّن كيفية مواجهة الإعداد بكامله.
- وهل نقبل بالتغيّرات الهائلة التي تعيشها المجتمعات المشاركة في الحضارة المعاصرة، والسرعة الهائلة التي تحدث فيها التغيرات، وتبدّل البنيات والمكتسبات العلميّة، والعلاقات بين المربّين والمتربّين؟ أم هل يجب كبح كل هذا؟ أم يجب الاندراج في ديناميّته وتسريعه؟ ولابد أنّ أشكال الإعداد تتبدّل حسب الجواب.
- هل يبغي إعداد المعلِّمين استعادة الاستقرار الغابر، وتهيئة مربي المستقبل للانخراط في خط تربية مماثلة لها على الدوام؟
- كيف السبيل لإقامة الروابط بين الإعداد في (معهد، دار معلِّمين، كلية) والممارسة الحقيقيّة على الأرض؟ وبعبارة أخرى كيف نحقّق الروابط بين الإعداد الأوّلي والإعداد المستمر؟
ويخلص (ميالاريه) إلى أنّ المجتمع بكامله، من مربّين وعائلات وقوى روحية أو دينية وقوى اجتماعية وسياسيّة ومسؤولين عن الجوانب التقنية والاقتصاديّة للحياة الاجتماعيّة، مسؤول عن البحث وتقديم الجواب؛ فمشكلة التعليم هي فعلاً مشكلة مجتمع وحضارة ومشكلة سياسيّة. إن "إعداد المعلِّمين" هو النموذج بالذات عن المشاكل المعقّدة التي تصادفها كلّ المجتمعات().
أمّا نظم الإعداد المعمول بها عربياً وعالمياً فهناك نظامان رئيسان:
1. النظام التتابعي (4+1). ويتم في كليتين، بحيث يدرس الطالب (4) سنوات في كلية التخصّص (الآداب أو العلوم أو غيرها) تخصّصاً بعينه، ثمّ يدرس سنة واحدة في كلّية التربية لاستكمال الإعداد التربوي.
2. النظام التكاملي (4 سنوات) ويتمّ كلّه في كليّة واحدة هي كلية التربية، ويدرس خلالها مساقات في التربية، وأخرى في مجال التخصّص، وأخرى في الثقافة العامّة، وأخرى في التربية العمليّة().
أمّا اتجاهات الإعداد المعمول بها عربياً وعالمياً فإن بعضها يتجه نحو الأسلوب التقليدي، وبعضها نحو الإعداد المبني على أسلوب الأهداف، وهناك اتجاه الأداء القائم على المهارات، وهناك برنامج إعداد المعلِّم القائم على الكفايات، وهناك برنامج قائم على أسلوب الأداء/ الكفايات المتكامل والمسمّى "أسلوب إعداد المعلِّم القائم على الأداء الإجرائي المتمكّن"().
برامج إعداد المعلِّمين في الأردن: نبذة تاريخيّة:
أولى الأردن، ممّثلاً بوزارة التربية والتعليم، ومنذ تأسيس المملكة عام (1950) اهتماماً بالغاً بمهنة التعليم وتوفير الكوادر البشرية اللازمة لها. وقد كان التركيز في فترة الخمسينات منصبّاً على توفير أكبر عدد من المعلِّمين (التركيز على الكم)؛ وذلك استجابة للعديد من العوامل أهمها: الزيادة السكّانية الناتجة عن اتحاد الضفتين، وارتفاع عدد المواليد، والتوسّع في التعليم، وزيادة عدد الطلاّب الملتحقين بالمدارس نتيجة لتطبيق قانون الإلزام. وقد اقتضى هذا الأمر أن تعيّن وزارة المعارف في ملاكها معلِّمين ومعلِّمات من غير خبرة مسلكية، ومن خريجي المدارس الثانويّة الذين لم يدخلوا دوراً للمعلِّمين أو المعلِّمات بل عيّنت عدداً آخر ممّن لم يحوزوا على الشهادة الثانويّة().
واكتفى قانون المعارف رقم (20) لسنة (1955)، بشهادة المدرسة الثانويّة كحدٍّ أدنى لمؤهّلات من يسمح لهم بالتعليم. أمّا تاريخ إعداد المعلِّمين قبل الخدمة في الأردن فيعود إلى عام (1950) عندما افتتحت وزارة المعارف آنذاك صّفاً لإعداد المعلِّمين في كليّة الحسين بعمّان. وفي عام (1951) افتتحت أوّل دارين لإعداد المعلِّمين؛ إحداهما للمعلِّمين الذكور في عمان والأخرى لإعداد المعلِّمات في رام الله. وكانت الدراسة فيها لمدّة سنتين بعد المرحلة الثانويّة. وقدّمت هذه الدور برامج دراسيّة في مواد الثقافة العامّة والثقافة المتخصّصة والمسلكيّات.
ثمّ توالى إنشاء دور المعلِّمين التي أصبح اسمها معاهد المعلِّمين عام (1964) وكان عددها آنذاك (6) دور معلِّمين، ثم تزايد عددها بعد ذلك على نحو واضح(). وكان الهدف من التوسّع في تأسيسها مواجهة الطلب المتزايد من وزارة التربية والتعليم على خرّيجي المعاهد للتدريس في المدارس الإلزاميّة، خاصّة بعد صدور قانون التربية والتعليم رقم (16) لسنة (1964)، الذي اشترط دراسة مسلكيّة وثقافيّة لمدة سنتين بعد المرحلة الثانويّة كحدٍّ أدنى لمؤهّلات من يسمح لهم بالتعليم في المرحلة الإلزامية. كما اشترط البكالوريوس أو الليسانس مع دراسة مسلكيّة مهنّية في التربية لمدة عام بعد البكالوريوس لمن يسمح لهم بالتعليم في المرحلة الثانويّة().
وفي عام (1980) تمّ تعديل قانون التربية والتعليم لتحويل معاهد المعلِّمين المذكورة إلى كليّات مجتمع؛ لإعداد فنيّين في مجالات المهن التعليمّية والهندسيّة والتجاريّة والطبيّة المساعدة والزراعيّة والاجتماعيّة. وقد جاء هذا القرار استجابة لمتطلبّات تلك المرحلة التي زاد فيها عدد خريجي الجامعات في تلك التخصّصات عن عدد الذين يحملون درجة علميّة متوسّطة.
وفي عام (1985) أُنشِئت وزارة التعليم العالي، وأصبحت البرامج التي تنفّذها كليّات المجتمع تُقَرّ من هذه الوزارة بدلاً من إقرارها من وزارة التربية والتعليم، وزاد عددها فبلغت نحو (57) كليّة عام (1989)، وكثير من طلبتها كانوا من الملتحقين بالبرامج التربويّة التي تعدّهم ليصبحوا معلِّمين في المرحلة الأساسيّة. وبصدور القانون المؤقّت لعام (1988) الذي نصّ على أن يكون المعلِّم في مرحلة رياض الأطفال والمرحلة الأساسيّة حاصلاً على الشهادة الجامعية الأولى، بدأ الإقبال على هذه البرامج يتناقص نحو واضح.
كما اشترط هذا القانون على المعلِّم في أيّ مؤسّسة حكوميّة أو خاصّة أن يكون حاصلاً على إجازة مهنة التعليم. ونصّ على أن تمنح إجازة التعليم في المرحلة الثانويّة للشخص الحاصل على الدرجة الجامعيّة الأولى بالإضافة إلى مؤهّل تربوي لا تقلّ مدّة الدراسة فيه عن عام دراسي واحد بعد الحصول على الدرجة الجامعيّة الأولى. أمّا التعليم الأساسي ورياض الأطفال فقد اشترط الدرجة الجامعيّة الأولى فقط، وقد عمل هذا على رفع مستوى التأهيل المطلوب للتدريس في المملكة().
ونستطيع القول إن إعداد المعلِّمين في الأردن كان يتم على مستويين:
أوّلاً: مستوى متوسط
يتمّ في معاهد المعلِّمين والمعلِّمات ومدّة الدراسة فيها سنتان بعد الثانويّة. ويحصل الطالب فيه على درجة الدبلوم، وهو خاص إعداد معلِّمي المرحلة الإلزاميّة.
وقد حدّد قانون التربية رقم (16) لعام (1964) فلسفة التعليم في معاهد المعلِّمين والمعلِّمات التي أصبح اسمها كليّات المجتمع كما يلي: "يهدف التعليم في المعاهد إلى استكمال إعداد الطاقات البشريّة التي يحتاج إليها المجتمع في تطوّره، إعداداً يهيئ أفراداً على مستوى متوسِّط من التخصّص، قادرين على القيام بأعمالهم بمهارة ودربة في الميادين المختلفة، مع الاستمرار في تحقيق الأهداف العامّة للتربية والتعليم"().
ويترجم هذا عمليّاً في الأهداف التالية():
1. مواصلة تنمية شخصيّة الفرد جسمّياً وعقليّاً واجتماعيّاً وعاطفياً.
2. مواصلة تكوين المواطن الصالح.
3. تزويد الطلاّب بثقافة عامّة وخاصّة فنّية ومهنيّة ومسلكية.
4. تزويد الطلاّب بتدريب عملي يتيح لهم الخبرة المباشرة والمرونة الكافية في ميادين التخصّص.
وتُعِّد هذه المعاهد في تخصّصاتها التربويّة (معلِّم الصّف) لتدريس الصّفوف (1+2+3). ويدّرس جميع الموضوعات المدرسيّة المقرّرة لهذه الصّفوف، أو تعدّ معلِّماً يدرّس مادّة دراسيّة أو أكثر في صفوف المرحلة الابتدائيّة العليا أو المرحلة الإعدادية.
وبعد إلغاء وزارة التعليم العالي عام (1998) تولّت جامعة البلقاء التطبيقية الإشراف على كليّات المجتمع، وحتى الآن().
وقد بدأت فكرة التجسير إلى الجامعات عام (1986)، بناءً على توصية المؤتمر الأول لكليّات المجتمع الذي عقد عام (1983). ثم أقرّ هذا النظام عام (1987)، والهدف منه تيسير انتقال الطلاّب من كليّات المجتمع إلى الجامعات الأردنية، ووضعت شروط لمن يريد الالتحاق بالجامعات. لكنّ هذا النظام عطّل لأسباب مختلفة، ثم جرى تفعيله عام (1992). وأصدر مجلس التعليم العالي آلية التجسير، وتتضمّن السماح بالتجسير المطلق لحملة دبلوم: معلِّمي وزارة التربية والتعليم، والقوّات المسلّحة، ووكالة الغوث، والمدارس الخاصّة، واقتصار التجسير لغير المعلِّمين على حسابهم الخاص"().
وفي مسار آخر قامت وزارة التعليم العالي في مطلع العام (1988/1989) بإنشاء كلية تأهيل المعلِّمين العليا، لتأهيل خريجي كليّات المجتمع ومعاهد المعلِّمين الذين يعملون في مدارس وزارة التربية والتعليم، وذلك بقصد رفع سويّتهم الأكاديمّية إلى مستوى الشهادة الجامعيّة الأولى في عمّان وإربد، بحيث تكون جزءاً من تصوّر كامل وتخطيط شامل لتدريب المعلِّمين وتأهيلهم وإعدادهم.
وهدف الكليّة رفع المستوى العلمي والأساسي لمعلِّمي التعليم الأساسي، ويحتسب للطالب المعلِّم من الدبلوم الذي يحمله (64 ساعة)، ويدرس (70) ساعة أخرى، موزّعة على مواد التخصّص، والثقافة العامّة، والمواد التربويّة.
وهذه الكليّة ثمرة من ثمار مؤتمر التطوير التربوي الأول الذي عقد عام (1987). وقد بدأت كلية تأهيل المعلِّمين العالمية بالتدريس في كلية الأميرة عالية عام (1988). وبدأ فرع آخر لها في كلية مجتمع إربد، ثم ثلاثة فروع أخرى في الجنوب في الكرك ومعان والطفيلة.
وللتمثيل على طبيعة ما تطرحه هذه الكليّة فإن تخصّص "معلِّم مجال لغة عربّية" مثلاً يدرّس طلبته (42) ساعة معتمدة من مواد اللّغة العربيّة (التخصّص) و(8) ساعات مسلكيّات، ومواد اختيارية بواقع (20) ساعة تجمع بين المسلكيّات ومواد التخصّص.
وتقدّم هذه الكليّة البرامج التالية: معلِّم الصّف لإعداد معلِّم الصّفوف من (1-4)، وبرنامج معلِّم مجال منفرد للصفوف (4- نهاية التعليم الأساسي)، ويدرس الطالب فيه تخصّصاً واحداً فقط، مثل: "معلِّم مجال لغة عربّية". ومعلِّم مجال رئيسي، ويدرس الطالب فيه تخصّصاً رئيساً إضافة إلى تخصّص فرعي، مثل: رئيسي رياضيات/ فرعي علوم، رئيسي تربية إسلامية/ فرعي لغة عربّية().
ثانياً: برامج إعداد المعلِّمين في الجامعات في المستوى العالي
نظراً لعدم وجود جامعات في الأردن حتى عام (1962) كان يتمّ إعداد المعلِّمين للمرحلة الثانويّة في الجامعات العربيّة والأجنبيّة. وقد ساهمت وزارة التربية والتعليم منذ عام (1950) (وزارة المعارف آنذاك) في إيفاد المتفوّقين في شهادة الدراسة الثانويّة للدراسة في الجامعات العربيّة والأجنبيّة على نفقة الوزارة، كما درس عدد من الطلاّب على نفقتهم الخاصّة في الجامعات المذكورة، وساهموا في إمداد وزارة التربية والتعليم بالكوادر البشريّة اللاّزمة().
وبتأسيس الجامعات الأردنية، احتملت هذه الجامعات القسم الأكبر من مسؤوليّة تلبية حاجات الوزارة من الكوادر البشرية المؤهلّة للتعليم في المرحلتين: الأساسيّة والثانويّة. وفيما يتعلّق بالمرحلة الأساسيّة فقد قدّمت الجامعات الأردنية حتى أوائل التسعينات برنامج بكالوريوس في التربية، ألغي بعد ذلك ليحلّ محله برنامج آخر لإعداد معلِّمي المرحلة الأساسيّة؛ إذ سار هذا البرنامج في مسارين:
- برنامج معلِّم الصّف، ويهدف إلى تأهيل المعلِّمين لتدريس جميع المواد في الصّفوف الأساسيّة الأربعة الأولى. (وقوام هذا البرنامج132 ساعة معتمدة).
- وبرنامج معلِّم المجال، ويهدف إلى تأهيل المعلِّمين لتدريس مبحث واحد أو مجموعة من المباحث المترابطة للصفوف من الخامس إلى العاشر، ويشتمل برنامج الإعداد عادة على (132 ساعة معتمدة). ومنه تخصّص "معلِّم مجال لغة عربّية". وقد بدأ هذا التخصّص (معلِّم المجال) عام (1989) مع تأسيس كلية تأهيل المعلِّمين العالية في عمّان وإِربد، ثم أصبح هذا البرنامج عام (1992) من اختصاص الجامعات؛ حيث بدا التنفيذ الفعلي لفكرة التجسير. وقد استفادت من هذا التخصّص وزارة التربية والتعليم عبر تأهيل آلاف المعلِّمين من حملة درجة الدبلوم (سنتان بعد الثانويّة لرفع مؤهّلاتهم إلى درجة البكالوريوس، وذلك توافقاً مع قانون التربية والتعليم المـؤقت رقـم (27) لسنة (1988م). وقد تمّ إلغاء هذا التخصّص عام (2001) بناءً على قرار من وزير التربية والتعليم والتعليم العالي. وعلّل هذا القرار بأن الطالب الخرّيج في هذا التخصّص لا يحصّل تأهيلاً أكاديمياًَ مناسباً في التخصّص الذي سيدرّسه؛ فساعات مواد التخصّص لا تزيد على (60) ساعة معتمدة، وتوزّع بقية الساعات على المواد التربويّة والاختياريّة ومتطلبّات الجامعة، مما أنتج معلِّمين ضِعافاً في مواد التخصّص، غير قادرين على تدريسها للمرحلة الإلزامية العليا كالتاسع أو العاشر.
أما بالنسبة للتعليم الثانوي فقد كان يتمّ في الكليّات الأكاديمية في الجامعات الأردنية؛ وذلك حين ينضّم بعضٌ من خرّيجي كليّات العلوم والآداب والشريعة والتربية الرياضية وغيرها إلى مهنة التدريس، بعد حصولهم على الدرجة الجامعية الأولى من كليّاتهم. وفي العادة لا تتعاون هذه الكليّات مع كليّة التربية في الجامعة، لإكساب من يرغب منهم في العمل بمهنة التدريس ما يلزمه من إعداد مهني بالإضافة إلى ما تلقّاه من إعداد أكاديمي؛ ولذلك يلجأ هؤلاء الأفراد بعد أن ينضمّوا لمهنة التدريس إلى الالتحاق بكلية التربية في دراسات مسائية تقود إما إلى درجة الدبلوم أو إلى درجة الماجستير وأحياناً إلى درجة الدكتوراه، كلٌّ حسب حاجته وإمكانياته وتطلّعاته().
ولذا يمكن القول إن معلِّم اللّغة العربيّة في المملكة الأردنية الهاشمية، في نطاق الجامعات الأردنية، هو خرّيج أحد الأطر الأكاديمية التالية:
1. معلِّم الصّف أو معلِّم التربية الابتدائيّة (تختلف التسمية بحسب الجامعة). وهو تخصّص يمنح درجة البكالوريوس، ويدرّس في كليّات التربية. ويعدّ الطالب فيه للتدريس في المرحلة الابتدائيّة الدنيا (الصّفوف الثلاثة الأولى) المواد الدراسيّة كلها، ومن ضمنها العربيّة. وقوامه (132) ساعة معتمدة، موزّعة على متطلبّات الجامعة، ومتطلبّات الكليّة، ومتطلبّات التخصّص (الإجباريّة والاختياريّة). وتوزّع هذه الساعات على مواد تربويّة، وأخرى ثقافية، والعدد القليل هي مواد متخصّصة؛ كالعلوم، والرياضيات، والتربية الاجتماعيّة، والتربية الإسلاميّة، واللّغة العربيّة وأساليب تدريسها. ويخصّص للعربّية مساقات محدودة جداً، مثل: تدريس المهارات القرائيّة أو الكتابيّة، أو اللّغة العربيّة للمبتدئين،... وأساليب اللّغة العربيّة (1) و(2). كما وتخصّص (6) ساعات معتمدة للتربية العمليّة: (تربية عملية 1) و(تربية عملية 2).
2. معلِّم الطفل أو تربية الطفل، أو الطفولة المبكّرة (تختلف التسمية بحسب الجامعة). وهو تخصّص يمنح درجة البكالوريوس، ويدرّس في كليّات التربية. ويعدّ الطالب للتدريس في رياض الأطفال والحضانة لطفل ما قبل المدرسة، وقوامه (132) ساعة معتمدة موزّعة على: متطلبّات الجامعة، ومتطلبّات الكليّة، ومتطلبّات التخصّص (الإجباريّة والاختياريّة) ويخصّص للّغة العربيّة وأساليب تدريسها مواد محدودة جدّاً، لا تزيد في بعض الجامعات على (3) ساعات معتمدة، مثل: مهارات لغويّة، أو أدب أطفال. ويخصّص للتربية العمليّة مساقان بواقع (6) ساعات معتمدة (تربية عمليّة 1 وتربية عمليّة 2).
3. تخصّص اللّغة العربيّة وآدابها، وطلبة هذا القسم يدرسون (132) ساعة معتمدة في قسم اللّغة العربيّة، موزّعة على: متطلبّات الجامعة، ومتطلبّات الكليّة، ومتطلبّات التخصّص (الإجباريّة والاختياريّة). ولا يدرسون أية مواد تربويّة أو مهنيّة. وقد يتوجّه خريجو هذا القسم إلى التعليم أو إلى الصحافة والإعلام أو إلى الأعمال الإدارية أو غيرها. وإذا انصرفوا إلى التعليم فإن كثيراً منهم يلتحق ببرنامج الدبلوم المهني لمدة سنة بعد التخرّج لاستكمال دراسة المواد التربويّة. وقد يلتحق بعضهم ببرنامج الماجستير في مناهج العربيّة وأساليب تدريسها، أو برنامج الدكتوراه بعد ذلك. وهدفهم من هذا الالتحاق رفع سويّتهم الأكاديمّية أو تحسين ظروفهم الوظيفيّة والمعيشيّة؛ فالحصول على إجازة التعليم تقتضي تحصيلاً علمّياً تربوّياً بعد البكالوريوس، وفقاً للقانون المعمول به حاليّاً في وزارة التربية والتعليم.
4. برنامج الدبلوم المهني، لتأهيل حملة البكالوريوس في التخصّصات الأكاديميّة المختلفة ومنها اللّغة العربيّة وآدابها، ومدّته سنة دراسة واحدة (24 ساعة معتمدة). ويدرس فيه الطلبة مواد تربويّة فقط في: طرق التدريس وتقويمه، وتخطيط المناهج وتطويرها، ولا يوجد فيه أي مساق في اللّغة العربيّة أو أساليب تدريسها، كما لا يوجد فيه أية مساقات في التربية العمليّة (أضافت بعض الجامعات مؤخراً مساقاً واحداً في التربية العمليّة).
5. برنامج الماجستير في، مناهج اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها ويمنح درجة الماجستير في هذا التخصّص، ويدرّس في كليّات التربية، ويقبل فيه الطلبة الذين يحملون درجة البكالوريوس في اللّغة العربيّة أو معلِّم مجال لغة عربّية، ويجري في مسارين: المسار الشامل، ومسار الرسالة. وقوام البرنامج (33) ساعة معتمدة، تشكّل الأطروحة في مسار الرسالة (9) ساعات معتمدة. أمّا مواد الخطّة الدراسيّة فأكثرها تربويّة تتعلّق بتخطيط المناهج وتحليلها، ومنهجية البحث في التربية، وبعضها يتعلّق بنظريّات تعلّم اللّغة العربيّة وتعليمها، والاتّجاهات المعاصرة في مناهج اللّغة العربيّة، وتقويم تعلّم اللّغة العربيّة وتعليمها، وتدريس المهارات اللغويّة، وتدريس الأدب والنقد، وتدريس أنظمة اللّغة العربيّة، ومشكلات خاصّة في تدريس اللّغة العربيّة، وليس فيه أية مواد في التربية العمليّة.
6. برنامج الدكتوراه في مناهج اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها، وهو موجود في جامعات محدودة في المملكة الأردنية الهاشمية، ويَقْبَلُ الطلبةَ الحاصلين على درجة البكالوريوس في اللّغة العربيّة وآدابها أو طلبة معلِّم مجال لغة عربّية الحاصلين على درجَة الماجستير في تخصّص مناهج اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها. ويجوز النظر في قبول الطالب الذي يحمل درجة الماجستير في تخصّص العربيّة وآدابها. وقوام البرنامج (33) ساعة معتمدة، يخصّص للأطروحة في مجال التخصّص (15) ساعة معتمدة، والباقي مساقات تربويّة، أو في تخطيط مناهج اللّغة العربيّة وتطويرها وأساليب تدريسها، من مثل: "نظريّات تعلّم اللّغة وتعليمها"، و"نماذج تعليم مهارات اللّغة العربيّة"، و"حلقة بحث في التربية اللّغويّة". ولا يشتمل البرنامج على أيّة مواد في التربية العمليّة.
ويمكن القول إن إنشاء الجامعات الأردنية لبرنامج الدبلوم المهني، وبرامج الماجستير في التربية جاء أوّلاً لتلبية حاجة وزارة التربية والتعليم من الكوادر الفنية المؤهّلة للتعليم الثانوي، وجُعِلت الدراسة فيها مسائيّة لتفسح المجال أمام عدد كبير من المعلِّمين والقادة التربوييّن للدراسة فيها().
وقامت الوزارة من خلال برنامج تأهيل المعلِّمين بإتاحة الفرصة لمعلِّمي المرحلة الثانويّة ومديري المدارس والقادة التربويين من الحصول على درجات الدبلوم أو الماجستير أو الدكتوراه في الجامعات الأردنية على حساب الوزارة. وتمكّن آلاف المعلِّمين من حملة دبلوم كليّات المجتمع من الحصول على درجة البكالوريوس(). وكلّ ذلك جاء استجابة لتوصيات المؤتمر الوطني الأوّل للتطوير التربوي عام (1987)، الذي أوصى، شأنه شأن جميع المؤتمرات التربويّة التي عقدت قبله، بضرورة الاعتناء بتدريب المعلِّمين ورفع كفاياتهم لرفع المستوى الأكاديمي والمسلكي بما يتناسب ومعايير إجازة التعليم؛ مما يعمل على إغناء خبرات المعلِّمين وتحديث أساليبهم وتعميق مهاراتهم. كما دعا المؤتمر إلى التنسيق بين مؤسّسات التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم في تخطيط برامج إعداد المعلِّمين وتأهيليهم، بحيث تفي هذه البرامج بالحاجات الفعليّة لمهنة التعليم في الأردن كماً ونوعاً().
معلِّم اللّغة العربيّة بين حدود المهنة وآفاق التخصّص:
كلّ ما ذكر قبلاً، عن أهمّية المعلِّم في المنظومة التربويّة وفي بناء الأمّة، وتشكيل الأجيال وتكوين المجتمعات، ينطبق على معلِّم اللّغة العربيّة، إلاّ أنه يتجاوز هذا بكثير عبر اللّغة التي يدرّسها لتلاميذه؛ فينتقل بها من عالم المهنة المحدود إلى الآفاق الرحيبة التي تمثِّلها اللّغة.
فاللّغة كما عدّها (ديكارت) من أهمّ خصائص العقل الإنساني()، وبعيداً عن الخوض في جدليّة اللّغة والفكر؛ فإن اللّغة هي مرآة الفكر والكاشفة عنه، إن لم تكن هي الفكر نفسه. إن اللّغة وسيلتنا لإدراك العالم وللتعبير عنه، إنها أداة تعاملنا مع الذوات والأشياء، وأداتنا في تحويل المحسوس إلى مجرّد وبالعكس. وهي "تترجم ما في ضمائرنا من معان لتستحيل إلى أدواتٍ تشكّل الحياة، وتوجّه أداء المجتمع وسلوك أفراده وجماعاته ومؤسّساته"(). وهي كما يصفها (بيتر برجر): "الذات والهوية، وهي أداتنا لكي نصنع من المجتمع واقعاً"().
واللّغة لسان حال ثقافة الأمة؛ فثقافة كل أمّة تكمن وتتبدّى في لغتها: في نحوها، وصرفها، ونصوصها، ومعجمها. والثقافة هي مركز القلب في منظومة المجتمع، وهي محور تنميته وأمضى أسلحته. يقول (والت وايتمان): ليست اللّغة بناءً مجرداً من صنع المتعلّمين ومؤلّفي القواميس؛ إنها كيان ينبثق من العمل، ومن احتياجات المجتمع وروابطه وأفراحه وأذواقه، ومن رغبات جيل من البشر. إنّ قاعدتها الأساسيّة لصيقة بالأرض وبالواقع"(). وهذا ملمحٌ يعاظم أهمّية اللّغة ويجعلها سمتاً لعقيدة المرء وفكرة وفلسفته في الحياة.
وفيما يتّصل باللّغة العربيّة فقد "حملت روح الأمّة العربيّة، وعبّرت وما زالت تعبِّر عن حضارة هذه الأمة ومبادئها وقيمها وآدابها وعلومها في شتّى الأزمان واختلاف المواقع"().
والعربيّة – كما يصفها مازن المبارك – "الوطن الروحي لأبناء الأمّة الواحدة؛ فإذا كانت الأرض التي تجمع أبناء الأمّة فوق ترابها تسمّى وطناً، فإن اللّغة التي جمعت بينهم في اللسان والفكر هي وطنٌ روحي آخر"().
وهي لسان التنزيل ودستور المسلمين الذي يتوقّف فهمه على تعلّمها، وبها قامت سنة النبي (r). وقد سارت اللّغة مع الإسلام حيث سار، وانتقلت معه إلى كلّ أصقاع الدنيا وممالكها؛ فحملت فكر هذا الدين وحضارته، بل وأصبحت العربيّة في كثير من هذه البلاد المفتوحة معلِّماً من معالم حضارتها. "وإن ما ينالها (اللّغة) من حيف ينال جوهر وجود الأمة العربيّة، في: هويّتها، وعقيدتها، وانتظام شريعتها وصلاح أحوالها"().
وهي وعاء الإبداع؛ وهي المترجمة لنظام القيم في الأمّة، وهي لغة العلم والتعليم، أو كانت كذلك، ردحاً من الزمان ليس هيناً. وهي من أكثر اللغات الإنسانية ارتباطاً بالهويّة، وقد صمدت هذه القرون الطويلة، وظلّت سجِّلاً أميناً لحضارة أمّتها في أحوالها كلّها. والحرص على العربيّة هو حرص على هذا السجلّ الإنساني العريق. ومن جانب آخر فإن واجبنا تجاهها هو واجب إنساني وروحي تجاه جميع المسلمين من غير الناطقين بها؛ فهي محطّ أفئدتهم وأداتهم في فهم هذا الدين.
لهذا كلّه فإن هذه اللّغة هي مسؤوليتنا جميعاً، مسؤولية المجامع والمساجد والمؤسّسات التربويّة، وأجهزة الإعلام والمنظّمات الثقافيّة والحكومات.
ومن الجدير بالذكر أن الوثائق الصادرة عن اللجان التربويّة العالمية المُكلّفة بوضع الخطط والتصورات للإصلاح التربوي تدعو إلى ضرورة العناية باللّغة القومية؛ فقد دعت لجنة مجموعة (هولمز) مثلاً، وهي من أبرز حركات الإصلاح في التعليم داخل الولايات المتحدة، إلى التركيز على اللّغة والرياضيات(). كما أنّ التقارير التربويّة في الولايات المتحدة واليابان والمملكة المتحدّة وفرنسا اتّفقت على أنّ من أهمّ أهداف إصلاح نظم إعداد المعلِّمين المساهمة الفعّالة في رفع قدرة المعلِّم على توظيف اللّغة والرياضيات().
ونحن اليوم في حاجة ماسّة لنهضة لغويّة شاملة تلبية لمطالب العصر. وإشكالية اللّغة هي من الشمول بحيث يستحيل تناولها انطلاقاً من منظور التخصّص الضيّق، بل ومن الخطورة بحيث لا يمكن إرجاؤها دون استراتيجية واضحة للإصلاح اللغوي الشامل، في عصر المعلومات الذي تؤدّي اللّغة فيه دوراً محورياً وأساسياً على جميع المستويات: المعرفيّة، والتربويّة، والثقافيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة أيضاً. إضافة إلى دورها في تشكيل وعي الجماعة الناطقة بها، وأنها مرآتنا لمعرفة ذاتنا، وأداتنا لوصف حصادنا المعرفي والثقافي والفنّي، الذي ما كان ليظهر لولا أن عبّرت عنه هذه اللّغة. "وإن نجاحنا في اللّحاق بركب الحضارة المعاصرة رهن بنجاحنا في أن نؤمّن للغتنا العظيمة شروط عضويتها في نادي تعدّد اللّغة العالمي"().
فهذه اللّغة من أهمّ حصوننا في معركة العولمة، وأداتنا في الإفادة منها؛ وهي بوصلة في حوار الثقافات، ولكنّنا في عصر المعلومات بحاجة إلى منظور جديد يعيد النظر في جميع جوانب المنظومة اللغويّة في أدقّ تفاصيلها. وهي "من أخصّ خصوصّياتنا؛ فإن لم نبادر إلى خدمتها تعلّماً وتعليماً واكتساباً وتنمية اضطربت"(). ولهذا "لابد من تعزيز آليات حماية الخصوصيّة الثقافيّة من خلال الاعتناء باللّغة العربيّة، وتحديث وسائل تدريسها، وتحديث المضامين المختارة لذلك"(). ونحن جميعاً مسؤولون عن "بذل أقصى الجهد في البحث والتحليل لوضعها في موضعها الأصيل، والارتفاع بها إلى حيث يليق بها المقام مادّة وتعليماً"().
وقد جاء في توصية المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي: "لِما لوحظ من تدهور مستويات اللّغة العربيّة مادّة وطريقة ومعلِّماً؛ فإن الّلجنة توصي بأن تعود الجامعات العربيّة إلى تدريس أمهّات الكتب العربيّة، وأن يؤخذ في التعليم العام باستخدام المواد والوسائل الحديثة لرفع مستوى معلِّم العربيّة"().
وهذا "واجب الوقت" كما يعبّر الفقهاء، إذ صارت اللّغة من أشدّ الأسلحة ضراوة في عصر الفضائيّات، وصار تقرير إخباري واحد يقيم الدنيا ولا يقعدها. خاصّة مع تعاظم العناية بالعربيّة على المستوى العالمي بعد ما عرف بالحرب على الإرهاب؛ فقد تمخّض هذا، من حيث لم يرد أصحابه، عن محاولة معرفة العربيّة للتعرّف على الإسلام، ورصدت ميزانيّات ضخمة في بلاد الغرب لبرامج تعليم العربيّة لغير الناطقين بها.
كما أخذ تعليم اللّغة الأم يحظى بأهمية متزايدة على مستوى العالم نظراً لوقوف الباحثين على خطورة الدور الذي تؤدّيه في تنمية فكر الفرد وتوطيد عرى التماسك الاجتماعي. وتؤدّي اللّغة الأم دور صمام الأمان، والطبقة، العازلة والمتفاعلة معاً، التي يبنى فوقها تعلّم اللّغات الأجنبيّة، الذي أخذ حيّزاً كبيراً بفعل ظاهرة العولمة. "وليس أدلّ على ذلك من هذا العدد الكبير من مواقع الإنترنت لتعليم اللغات وتعلّمها ذاتياً، علاوة على هذا الكمّ الهائل من برمجيات تعليم اللّغات والمناهج المبرمجة ونظم تأليف المناهج وما شابه"(). وفي جانب خطيرٍ آخر فإن "دراسة مبادئ اللّغة هي الأدوات التي يتمكّن بواسطتها الطلاّب من تعلّم جميع مواد المنهاج الدراسي تقريباً"()، كما يشير (فورست وباركيه).
ويصف شاعر صقلية "إجنازيو بوتيتا" خطورة اللّغة وضرورة الحفاظ عليها بقوله: "إنّ الشعوب يمكن أن تكبّل بالسلاسل، وتسدّ أفواهها، وتشرّد من بيوتها، ويظلّون مع ذلك أغنياء؛ فالشعب يفتقر ويستعبد ما أن يُسْلَبَ اللّسان الذي تركه له الأجداد، عندئذٍ يضيع إلى الأبد"().
كل هذا يدعونا إلى وقفة جادّة وعميقة تجاه العربيّة، وتجاه درس العربيّة، ويدعونا إلى إعادة النظر في واقع العربيّة في المنظومة التربويّة والثقافيّة والفكرية للأمّة، وفي طرق إعداد معلِّم العربيّة الذي يقع على عاتقه ترجمة كلّ هذه الأهميّة التي ذكرناها للّغة في واقع الحال. إنه الشخص الذي عليه أن يغادر حدود المهنة، وأن يشمِّر عن ساعديه، وأن يشحذ عقله وينير قلبه ليحلّق في سماء اللّغة ويحيا بها ولها، ويرتقي بنفسه وبتلاميذه إلى حيث آفاقها الرحيبة في صياغة الحياة.
رابعاً: واقع برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة في الجامعات الأردنية
"إن الإبداع هو حاجتنا العظمى، أمّا إطلاق سراحه فمردود إلى النقد والنقد الذاتي". جون ديوي.
أُجريت دراسات مختلفة تتناول واقع برامج إعداد المعلِّمين في بعض البلاد العربيّة()، وهي دراسات عامّة تناولت برامج الإعداد عموماً، وليس برامج معلِّمي اللّغة العربيّة، أما محلياً فالدراسات تناولت أجزاء من موضوع برامج إعداد المعلِّمين، أو قراءة في واقع تدريس بعض فروع العربيّة. أما إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة في الجامعات الأردنيّة فلم ينل دراسة وافية متخصِّصة. لكنْ كثير ممّا وجدناه في الدراسات التي تناولت واقع برامج إعداد المعلِّمين في أقطار الوطن العربي ينطبق على برامج الإعداد في الجامعات الأردنيّة.
ويصف الباحثون برامج إعداد المعلِّمين في العالم العربي، ومنها برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة، بالقصور، ولا يخالف في هذا واحدٌ منهم. لكنّهم يتمايزون في الإبانة عن ملامح هذا القصور. وفيما يتّصل بواقع برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة في الجامعات الأردنية فيمكننا أن نشير إلى ملامح القصور التالية:
1- الاختيار:
قيل قديماً: "حسن الاختيار يقي المصارع"، وهو قولٌ يصدق تماماً على حال برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة في جامعاتنا؛ فإن المدخلات الجيّدة تفضي إلى مخرجات جيّدة دائماً. ونستطيع القول إنه لا توجد معايير دقيقة لاختيار الطلاّب المعلِّمين في برامج إعداد معلِّمي العربيّة في جامعاتنا، والشرط الوحيد الذي تضعه هذه البرامج هو ألاّ يقلّ الحدّ الأدنى لمعدّل الطالب في الثانويّة العامّة عن (65%). وهو شرطٌ متواضع جدّاً إزاء المهمّات العظيمة التي ينتظر من معلِّم اللّغة العربيّة القيام بها.
إن اعتبار مجموع درجات الثانويّة العامّة معياراً وحيداً للقبول سوف يؤثّر بشدّة على نوعيّة الطلاّب الملتحقين، خاصّة إذا انعدمت عندهم الرغبة في اتّخاذ التعليم مهنة.
ورافق ذلك "تدنّي إقبال الطلبة المتميزين والمتفوّقين على الالتحاق بهذه البرامج، خاصّة عند الذكور"(). أضف إليه عدم وجود اختبار لفحص أولئك الملتحقين بهذه البرامج لقياس القدرات اللّغويّة والعقليّة والسلوكيّة، ولاختبار مهارات هذا المعلِّم في التواصل اللّغوي باعتباره سيكون معلِّماً للّغة، كما لا توجد مقابلة شخصّية ولا دراسة ملفّ، وليس هناك تدقيق في حسن السيرة الشخصّية للطالب المعلِّم، ولا يوجد اختبار للياقته البدنيّة التي تعينه في مسألة التواصل مع الطلبة.
كل هذا أدّى إلى أن يكون طلبة هذه الكليّات من أضعف العناصر، ومعدّلاتهم في الثانويّة العامّة من أدنى المعدّلات. وقد أشار (إدجارفور) إلى أن "عدم وجود معايير صحيحة لاختيار المعلِّمين هو من أبرز نقاط الضعف في مؤسّسات إعداد المعلِّمين في المنطقة العربيّة"(). وهذه المشكلة ليست محليّة أو عربّية حسب، بل هي عالميّة – مع نسبية ذلك-؛ فقد أشار تقرير "أمّة في خطر" الصادر في الولايات المتحدّة الأمريكية عام (1983). إلى انخفاض نوعيّة الطلاّب المقبولين بمؤسّسات إعداد المعلِّم الأمريكي بالقياس إلى الكليّات الأخرى"().
ويقرّر أحد الباحثين أنّ مؤسسات إعداد المعلِّمين بأنواعها المختلفة، "عجزت حتّى الآن عن الوفاء باحتياجات النظام التعليمي ومطالب التوسّع التي يواجهها باستمرار، وذلك بسبب عزوف الناشئة عن الالتحاق بهذه المؤسّسات، ممّا يدعو السلطات التربويّة إلى الاستعانة بمعلِّمي الضرورة لسدّ العجز"().
ويرى باحثٌ آخر أنّ من أهم المعيقات في برامج إعداد المعلِّمين في الجامعات الأردنية عدم وضوح الرؤية في أوساط الطلبة لكل برنامج من البرامج التي تقدّمها كليّات التربية في الجامعات الأردنيّة؛ وذلك لعدم قدرتهم على التمييز بين الفوائد التي يرجونها عند التحاقهم ببرنامج دون آخر. وإن أكثر الطلبة ينصرفون إلى الكليّات العلميّة أكثر من انصرافهم إلى الكليّات الإنسانية، كما أن الطلبة يفضّلون قسم علم النفس أو الإرشاد على تخصّصات: "معلِّم الصّف"، أو "معلِّم المجال"، أو معلِّم المبحث().
2- فلسفة البرامج وأهدافها:
لا يوجد أهداف محدّدة واضحة لهذه البرامج، كما أن تخطيط تلك البرامج لم يعتمد على نتائج دراسات علميّة مسبقة. وقد جاء في قانون التربية والتعليم رقم (27) لعام (1988) المتّصل بفلسفة التربية والتعليم في المملكة الأردنية الهاشمية في بند (رابعاً) وتحت عنوان: "الأسس الوطنية والقومية والإنسانية":- "اللّغة العربيّة ركنٌ أساسي في وجود الأمّة العربيّة، وعامل من عوامل وحدتها ونهضتها()".
كما كان المبدأ الأوّل من المبادئ الأساسيّة للتطوير التربوي التي أقرّها مؤتمر التطوير التربوي في المملكة الأردنية الهاشمية الذي عقد عام (1987): "الانفتاح على الثقافة العالميّة مع الاحتفاظ بمقوّمات شخصيتنا الوطنيّة والقومية"().
لكنّ هذا المبدأ وذلك الأساس لم يجدا ترجمة حقيقّية على أرض الواقع؛ فإننا لا نجد في فلسفة برامج إعداد المعلِّمين وما ينبثق عنها من أهداف أيّ وضع خاص لإعداد معلِّم العربيّة، بل إن البرامج المتّصلة بمعلِّم العربيّة لا تختلف عن غيرها، بل إنه لا يوجد برنامج خاصٌّ واضح المعالم لإعداد معلِّم العربيّة في الجامعات الأردنية، يترجم أهميّة هذا التخصّص في المنظومة التربويّة والوطنيّة والقوميّة والإنسانيّة. كما لا نجد ملامح الحفاظ على مقوّمات الشخصّية القوميّة والوطنيّة في مناهج هذه البرامج وخططها الدراسيّة. بل إننا نغوص – في هذه البرامج – في المنجز التربوي للأمم الأخرى من غير أيّ خصوصيّة أو تميّز واضح.
ويرى محمد كتش أن التبعيّة للبرامج المعمول بها في الغرب هي السائدة في برامج إعداد المعلِّمين في الوطن العربي، وليس فلسفة المجتمع الخاصّة. وأن الأهداف التربويّة ينبغي أن تنبع من خصوصيّة المجتمع وتعبّر عن شخصيته، لأنها تشتقّ من فلسفة التربية على حسب طبيعتها وخصائصها. ويقول: "لا توجد أهداف تربويّة واضحة توجّه مسألة إعداد المعلِّم في كليّات التربية؛ فمعظم ما يتعاطاه الطلاّب في كليّات التربية يقع تحت سيطرة الفلسفة الذرائعيّة والمنهج الوصفي والتيار السلوكي"(). ولا نجد صدى لفلسفة الأمة وروحها المتفرّدة. ولا نجد تواؤماً بين برامج إعداد المعلِّمين وبين ما تشكّله العربيّة في منظومة الفكر والتربية والثقافة وقيم الأمة وفلسفتها. ويغيب عن هذه البرامج هذا الإرث التربوي العظيم الذي تحتفظ به أمّتنا، وما يتّصل به من حديث عن مكانة العلم والتعليم والتربية.
إن صدور برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة عن فلسفة واضحة تحمل هويّة الأمّة يجعل الأهداف التربويّة أكثر تحديداً ووضوحاً. وهذه الأهداف الواضحة تؤدّي بدورها إلى استراتيجيات واضحة، ينبثق عنها تخطيط برامج إعداد المعلِّمين بصورة تتّسق مع هذه الأهداف.
إن عدم إدراك المسؤولين والعاملين في الحقل التربوي، ومنهم القائمون على برامج إعداد المعلِّمين لخطورة فلسفة إعداد المعلِّم تربويّاً "يجعل بعضهم يتصّور أنّ الطالب المعلِّم في حاجة إلى مادّة علميّة، وإلى طريق تساعده على توصيل مادّته بدون فلسفة تحدّد معالم الطريق، وترسم منهج العمل؛ ممّا أساء إلى التعليم وإلى المعلِّم، وممّا جعل معظم لوائح كليّات الإعداد تأتي خاليةً من روح الفلسفة، ومن ثمّ غياب الأهداف"().
إن اتّكاء المناهج على الفلسفة الغربيّة والنظريّات التربويّة الغربيّة بشكل مطلق يعكس أزمة في الفلسفة التي تقوم عليها برامج إعداد المعلِّمين. وهناك إشكال وتغاير بين التنظير والواقع أحياناً؛ فما نجده في التنظير من أن فلسفة التربية والتعليم تقوم على الإسلام، وأنّ اللّغة العربيّة ركن أساس في بناء الأمّة العربيّة، وأنها ذات شأن كبير في المنظومة التربويّة لهذه الأمّة يجد تنكرّاً له على أرض الواقع؛ فالعربيّة تغيب كقيمة في البرامج التربويّة.
وإذا وجب أن تعتمد برامج إعداد المعلِّمين عموماً على فلسفة واضحة، فإنّ هذا الوجوب يصبح آكد وأشدّ اقتضاءً حين يتّصل الأمر بإعداد معلِّمي العربيّة؛ لصلتها الكبيرة بالقرآن الكريم دستور المسلمين من جهة، ولعلاقتها بالبعد القومي للأمة العربيّة من جهة أخرى.
وينبثق عن وجود فلسفة واضحة تحكم برامج إعداد المعلِّمين وتحفظ روح الأمة وتعكسها صياغة أهداف واضحة لهذه البرامج، تعود إلى سياسات واستراتيجيات وأطر واضحة. وينبغي أن يكون هذا - فيما يتّصل بإعداد معلِّم العربيّة –متفقاً عليه على امتداد الوطن العربي الكبير، بل وفي شتّى أرجاء الدنيا حيث تدرّس العربيّة.
لكن الملاحظ "عدم وجود اتّفاق بين المهتّمين بتربية المعلِّم حول التخطيط التربوي للبرنامج الأمثل لإعداد معلِّم اللّغة العربيّة إعداداً أكاديمياً وإعداداً مهنياً"(). ونقصد بالتخطيط هنا وفقاً لتعريف بينت (Bennett) "اتّكاء البرنامج على فلسفة واضحة، ثم تحديد أهداف العمل والطرق اللازمة لتوجيه الأفراد في نشاطاتهم لتحقيق هذه الأهداف بطريقة سهلة غير معقّدة"(). وهذا أدّى إلى عدم وجود ربط واضح بين سياسات إعداد المعلِّم، والسياسة التعليمية عموماً من جهة، وانعدام الربط أو ضآلته بين برامج إعداد المعلِّمين وفلسفة الأمّة من جهة أخرى. وهذا يعيدنا إلى أسئلة (ميالاريه)(*) التي ينبغي أن نجيب عنها قبل أن نشرع في تخطيط برنامج لإعداد المعلِّمين وهي: "ما التربية بالنسبة لنا؟" و"ما الذي ينبغي أن تقدّمه لنا التربية في حياتنا؟" و"على أي أسس فلسفية تقوم؟" وبحسب إجاباتنا تُخّطط برامج إعداد المعلِّمين.
إن غياب الجواب أو ضبابيّته هي التي أدّت إلى عدم وجود استراتيجيّات واضحة لإعداد معلِّم اللّغة العربيّة، تضمن تحقيق الرؤى والأهداف.
3- نظام إعداد معلِّم اللّغة العربيّة وبرامجه في الجامعات الأردنية:
إن علينا أن نقرّر ابتداءً أنه لا يوجد برنامج واضح محدّد المعالم على مستوى البكالوريوس لإعداد معلِّم اللّغة العربيّة في الجامعات الأردنيّة جميعها؛ لا اسماً ولا مضموناً. إنّ خرّيج تخصّص "معلِّم الصّف" أو "معلِّم المرحلة الابتدائيّة" يُعلِّم العربيّة للصفوف الثلاثة الأولى، لكنّه لم يؤهّل ليكون متخصّصاً بتدريس العربيّة لهذه الصّفوف حسب، بل هو أعدّ لتدريس المرحلة كلّها، في الموضوعات المختلفة: العلوم والرياضيات والاجتماعيات وغيرها. ومواد اللّغة العربيّة في خطط الدراسة في هذا التخصّص محدودة جداً، قوامها (6 ساعات)؛ ففي الجامعة الهاشمية (مثلاً) يدرس الطلبة "لغة عربّية لمعلِّم المرحلة الابتدائيّة". وقد يضاف إليها بعض المواد الاختياريّة مثل "فن الكتابة والتعبير" و"النحو". وفي الجامعة الأردنيّة يدرس الطلبة: "المهارات القرائية وأساليب تدريسها"، و"مفاهيم لغويّة وأساليب تدريسها". وهو حجم غير كاف من الساعات؛ لأنّ العربيّة تعدّ أهم المواد باعتبارها أداة أساسيّة لدراسة المواد الأخرى أو أداة التعرّف على ما يحيط بالطالب من مشاهد الحياة.
أمّا خرّيج أقسام اللّغة العربيّة في الجامعات الأردنية الذي لا يحمل مؤهّلاً تربويّاً، فقد درس مساقات متخصّصة باللّغة العربيّة طوال سنوات أربع، لكنّ دراسته لهذه المساقات لم تكن على أساس أنها جزء من عمليّة إعداد شاملة ومتكاملة له ليكون معلِّماً؛ فهو يدرس الأدب بعصوره ويدرس علوم اللّغة لكنّها دراسة معرفية قد تؤّهله ليكون باحثاً في هذه الفروع، أما الإعداد لصناعة المعلِّم المتخصّص بتعليم العربيّة فينبغي أن يكون له شأنٌ آخر. وقد انتقد (ميالاريه) قضيّة التمركز حول مادّة التخصّص من غير الانفتاح على مجالات علميّة أخرى، ويسمّي ذلك "التخصّص المزيّف"().
وحتّى لو افترضنا أنّ خريج قسم اللّغة العربيّة قد حصل على دبلوم مهني تربوي بعد حصوله على البكالوريوس ليكون هذا أشبه بالنظام التتابعي في إعداد المعلِّمين، فإننا لا نحقّق غرض صناعة معلِّم متكامل للّغة العربيّة؛ ذلك أنّه لا يخضع في هذه الحالة لنظام إعداد واحد متّصل، وإنّما يتعرّض لبرنامجين متغايرين لا يربط بينهما رابط. والأصل أن يخضع لبرنامج إعداد واحد شامل متّصل ذي أهداف واضحة ومتكاملة.
إنّ أقسام اللّغة العربيّة لا تخرّج معلِّمين، وإنما تخرّج متخصّصين في علوم العربيّة وآدابها، بغض النظر عن الوظيفة التي يمكن أن يشغلوها، فقد يتّجه بعض أولئك الخريجين إلى الصحافة والإعلام، أو الإدارة، أو العمل الحر، أو غيره. وقد يتّجه بعضهم إلى التعليم ممّا يعني أنّهم تخصّصوا في علم يؤهلّهم لخوض الكثير من غمارات الحياة، لكنّ التعليم يلزمه إعداد خاصّ وتأهيل خاصٌّ لجلال المهمّة التي يضطلع بها معلِّم العربيّة في منظومتنا التربويّة.
ويعدّ البرنامج الذي يقدّمه قسم اللّغة العربيّة أكاديمياً محضاً، يدرس الطالب فيه (132) ساعة معتمدة موزّعة على متطلبّات الجامعة، ومتطلبّات الكليّة، ومتطلبّات التخصّص الإجباريّة والاختياريّة، وتغيب المواد التربويّة؛ لأنّ الطالب في القسم لا يعدّ أصلاً ليكون معلِّماً.
إن أغلب معلِّمي اللّغة العربيّة في المرحلتين الإلزامية والثانويّة قد درسوا في كليّات اللّغة العربيّة وأقسامها، وهذه الأقسـام تعاني من مجموعـة من المشكلات العميقـة. ويقـدّم الأستـاذ الدكتور إسماعيل عمايرة() صورة بانورامية لأقسام اللّغة العربيّة؛ فهو يصفها بأنها تركّز على الكمّ على حساب الكيف، وأنّ الخطّة الدراسيّة تعاني من التفتيت والتجزيء على حساب الرؤية الشاملة. ويضرب لذلك مثلاً في التجزيء الحاصل في مواد الأدب، والأستاذ يخوض في خضّم الزمان والمكان؛ "فالرقعة المكانيّة للأدب العربي واسعة، والعصور عديدة متماسكة، لكن الأدب فتّت إلى عصور، كالعصر الجاهلي و....، ثم تقسيماً مكاناً: أدب مصر الشام، وأدب العراق، ... وفي الحديث: الأدب في لبنان، أو فلسطين، والأردن و..." (). وقد انساقت الخطط الدراسيّة في أقسام اللّغة العربيّة وراء هذا التجزيء بحجة ماله من منافع، فاستغرق منها معظم الساعات التي يمكن للطالب أن يقضيها في الجامعة. وكان ذلك على حساب مواد أخرى قلّ نصيبها كاللّغة وبعض المواد المساندة للتخصّص.
إنّ على مواد الخطّة الدراسيّة أن تربّي الطالب تربية كيفيّة (تعتمد على الكيف)، منهجيّة يعرف بها "كيف يُكوِّن من التفصيلات والتفاريق بناءً محكماً"(). كما أن العناية بالمنهج تتطلّب العناية بالمعلومة، ولكنّ المعلومات لا تأتي مفكّكة، وإنما يستدعيها المنهج في مواقعها، "حتّى تصبح المعلومات في مجموعها كأنّما هي حبّات من الخرز، والمنهج ينتظمها، ويشكّل منها عقداً بدونه يتعذّر انتظام العقد حتى لو ملأنا الأرض خرزاً ولؤلؤاً"(). والفاجعة أنّه كم من طالب في هذه الأقسام قد أنهى المرحلة الجامعيّة دون أن يستعير كتاباً واحداً من المكتبة، "مقتصراً على ما يمكن أن يجتزئه من فراغ نفسه أثناء المحاضرة، حتّى يَحْصُلَ على بعض ما تركه صدى صوت المعلِّم وتكراره من أصداء معلومات لا تستقرّ بوثوق في النفس، ولكنّها تكفي، مع شيء من استدرار الشفقة والعطف، لوضعه في مصاف الناجحين"().
أما أعضاء هيئة التدريس فبعضهم لا يملك الرؤية ولا يملك المنهج. والأستاذ الجامعي "ينبغي أن يكون له عينان: عين المؤصّل وعين المربّي، وتحتاج أقسام اللّغة العربيّة أن يتوافر لها نفرٌ من الأساتذة الذين يمتلكون الهدف والمنهج والوسيلة"().
إنّ القصور في (هذا) لا تقع تبعته على الطالب بقدر وقوعه على المؤسّسة ممّثلة في الجامعة والكليّة والقسم، بل في المؤسّسة ممثّلة في الجامعات والوزارات المسؤولة، وعلى مستوى الدول الناطقة بالعربيّة "ويا ليت الأمّة تتداعى في أعلى مستوياتها لإصلاح أوضاع التعليم اللّغوي فيها، ولكن هذا لن يكون، حتّى تدرك الأمّة إن إصلاح التعليم برمّته لا يكون إلاّ بعد أن يصبح الطالب قادراً على استيعاب العلوم بلغته الأصلية، وأن يُصَحِّحَ مسار التعليم اللّغوي خطوة أولى لتصحيح مسار التعليم كله، بل هو خطوة أولى في سبيل النهوض الحضاري"().
وتكاد الصورة تكون مبكية – كما يصفها الدكتور عمايرة- في كثير من جامعاتنا؛ فطلاّبنا لا يعرفون أساتذتهم بقدراتهم ومناهجهم، وإنما يقترب الطالب من الأستاذ لاعتقاده أنّه سيحصل على الدرجة بأقل تكلفة وبأخفّ إشراف وتوجيه، وإن لم يكن إشراف وتوجيه عند بعضهم فهو أفضل().
ويرى الدكتور رشدي أحمد طعيمة ومحمود الناقة أن من أخطر التحديّات التي تواجهها اللّغة العربيّة الضعف الواضح في إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة وتأهيلهم، سواءٌ أكانوا ممّن أُعدّوا تكميلياً بكليّات التربية (برنامج معلِّم المجال)، أو تتابعّياً (في قسم اللّغة العربيّة ثم كلية التربية)؛ ممّا أسفر عن تدنّي مستوى الأداء اللغوي لدى المعلِّمين، وَتَخلُّفِ أساليب تدريس اللّغة العربيّة بالقياس إلى أساليب تدريس اللّغات الأجنبية().
ولعلّ ما وصفت به الأستاذة بنت الشاطئ حال المتخرجين في مدارس التعليم العام والجامعي في نهاية الستينات من القرن الماضي ينطبق على خريجي أقسام اللّغة العربيّة وبرامج إعداد المعلِّمين عندنا، تقول: "قدّ يمضي المتعلِّمُ في الطريق التعليمي إلى آخر الشوط فيتخرج في الجامعة، وهو لا يستطيع أن يكتب خطاباً بسيطاً بلغة قومه، بل قد يتخصّص في دراسة اللّغة العربيّة حتى ينال أعلى درجاتها، ويعييه مع ذلك أن يملك اللّغة التي هي لسان قومه ومادّة تخصّصه"().
وهذا هو الحال إذن في البرامج التي يتخرّج فيها معلِّمو اللغة العربيّة في بلادنا.
لقد كان تخصّص "معلِّم مجال/ لغة عربّية"، الذي يقوم أصلاً على النظام التكاملي، بحيث يدرس الطالب فيه مساقات تربويّة وأخرى في التخصّص، إضافة إلى التربية العمليّة، خياراً جيّداً لو أُحْسِنَ التعامل معه، لكنّه للأسف لم يكن تكامليّاً بالمعنى الحقيقي؛ فقد كانت المساقات الأكاديمية تدرّس بطريقة منفصلة عن المساقات التربويّة، ومن غير تنسيق بين القائمين على المواد التربويّة ومواد التخصّص، ولا يدرس الطلبة إلاّ ساعات محدودة في أساليب تدريس اللّغة العربيّة. كما أنّ أولئك الطلبة يدرسون مساقات التخصّص في أقسام اللّغة العربيّة مع زملائهم في ذلك التخصّص من غير أن توجّه لهم عناية خاصّة، أو يعدّوا إعداداً خاصّاً باعتبارهم معلِّمين. وإنما تعطى مساقات التخصّص ذاتها بعيداً عن قضية الإعداد.
إن التكامل يعني أن تندغم الأطر المختلفة معاً وتتفاعل فيما بينها لتؤدّي مهمّة واحدة، ولكن هذا للأسف لم يحصل؛ "فغياب التنسيق بين القائمين على تعليم الجانب التخصّصي والجانب المهني والجانب الثقافي، وكأنّها مواد دراسيّة منفصلة يؤدّى بها الامتحان بصورة منعزلة"()، قد أساء كثيراً إلى البرنامج. لكنّ إلغاء التخصّص عام (2001) لم يكن الخيار الأنسب. كان ينبغي أن يعاد فيه النظر ليكون تكامليّاً بالمعنى الحقيقي، وأن تصبّ كلّ المناهج المتّصلة به في صعيد واحد لتؤدّي مهمّة واحدة وهي تكوين معلِّم ناجح للعربّية. فما معنى أن يدرس الطالب في تخصّص (معلِّم المجال) مساق (النحو) مع طلبة التخصّص، ويخوض في خلافات النحاة، ويتعرّف إلى موضوعات متخصّصة جدّاً قد لا يتعرّض الطالب إلى تطبيق واحدٍ لها طوال حياته؟ فهذا النحو النظري بعيد عن النحو الوظيفي الذي يعين في تقويم القراءة والكتابة. إنّ تدريس النحو للمتخصّص ينبغي أن يختلف عن تدريسه للطالب المعلِّم، ولا يعني هذا بحال الهبوط في مستوى المساق لصالح التبسيط والتسطيح، وإنما تغيير طريقة التناول وطبيعة الموضوعات وطرائق التدريس بسبب اختلاف الغرض.
أمّا فيما يتّصل ببرامج الماجستير والدكتوراه في مناهج تدريس اللّغة العربيّة وأساليبها فمفرداتها جيَّدة، وتتوزّع على المواد التربويّة البحتة والمواد المتّصلة بأساليب التدريس؛ فبرنامج دكتوراه "اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها" في جامعة اليرموك (مثلاً) يشتمل على (45 ساعة) موزّعة على النحو التالي:
أ. مساقات إجباريّة (21 ساعة):
- المنهاج بين النظريّة والتطبيق.
- تخطيط مناهج اللّغة العربيّة وتطويرها.
- نظريّات تعلّم اللّغة وتعليمها.
- نماذج تعليم مهارات اللّغة العربيّة.
- حلقة بحث في التربية اللّغويّة.
- إحصاء تحليلي متقدّم في البحوث التربويّة.
- طرق متقدّمة في البحث النوعي.
ب. مساقات اختياريّة (9 ساعات):
- نماذج تعليم الكتابة واستراتيجّياتها.
- نماذج تعليم النحو والأدب.
- الحاسوب في تعليم اللّغة العربيّة.
- تفريد التعليم.
- اللّسانيات التقابلية للنص.
- الاختبارات اللّغويّة.
- تشخيص الضعف القرائي وعلاجه.
- موضوع خاص في مناهج اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها.
ج. مساق اختياري من خارج القسم (3) ساعات يختاره الطالب من المواد التالية:
- علم النفس التربوي: النظريّة والتطبيق.
- نظريّات المعرفة.
- دراسات نقديّة في فلسفة التربية.
- القيادة التربويّة.
- التحليل اللّغوي للنص (دراسة نصيّة).
- المختبر اللّغوي.
* إضافة إلى الأطروحة ويخصّص لها (15) ساعة معتمدة.
فهذه الخطّة تشتمل على موضوعات متعلّقة بالمناهج عموماً، وبمناهج العربيّة وسبل تطويرها، ومواد في البحث التربوي المتّصل باللّغة العربيّة، ومواد في أساليب التدريس. كما تشتمل على مساقات تتّصل باستخدام تكنولوجيا المعلومات في تعليم اللّغة، وتشتمل على موضوعات تربويّة ولغويّة حديثة، تنسجم مع التطوّر التكنولوجي والتطوّر في نظريّات اللّغة والأدب، مثل تفريد التعليم، ومثل: اللّسانيّات التقابليّة.
ومن أمثلة برامج الماجستير برنامج ماجستير "مناهج اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها" في جامعة اليرموك/ مسار الرسالة؛ فهو يشتمل على (33) ساعة معتمدة، موزّعة على النحو التالي:
أ. مساقات إجباريّة (18) ساعة معتمدة:
1. نظرية المنهاج وتصميمه.
2. قضايا معاصرة في مناهج اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها.
3. حلقة دراسيّة في مناهج اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها.
4. مهارات اللّغة العربيّة.
5. التحليل الإحصائي للبحوث التربويّة.
6. مناهج البحث في التربية.
ب. مساق اختياري (3) ساعات معتمدة، يختاره الطالب من المساقات التالية:
1. علم اللّغة النفسي.
2. الاختبارات اللّغويّة.
3. تشخيص الضعف القرائي وعلاجه.
4. تعليم اللّغة العربيّة وتنمية التفكير.
5. تحليل المحتوى في مناهج اللّغة العربيّة.
6. موضوع خاص في مناهج اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها.
ج. مساق اختياري (3) ساعات معتمدة، يختاره الطالب من المساقات التالية:
1. علم نفس التعليم والتعلّم الإنساني.
2. تكوين الاختبارات والمقاييس.
3. المدارس الفلسفية ومضامينها التربويّة.
4. الإشراف التربويّ/ متقدم.
5. التعليم بالحاسوب.
6. المختبر اللّغوي.
* أطروحة بواقع (9 ساعات معتمدة).
وهي مساقات تجمع بين التربوي واللغوي في آن؛ فتدرّس علم النفس مرتبطاً باللّغة، وتدرّس المناهج متّصلة باللّغة، وتدرّس التقويم مرتبطاً باللّغة، وتدرّس تحليل المحتوى مرتبطاً باللّغة، إضافة إلى اشتمالها على مهارات اللّغة العربيّة وأساليب تدريسها، لكنّ "التربية العمليّة" تغيب لأنّ هذه البرامج تدرّس في أوقات المساء عادة، والمنخرطون فيها هم من العاملين.
ومن الأمثلة كذلك برنامج ماجستير "المناهج والتدريس/ أساليب تدريس اللّغة العربيّة" مسار الرسالة في الجامعة الأردنية، وهو يشتمل على (33) ساعة معتمدة، موزّعةً على النحو التالي:
أ. مساقات إجباريّة (18) ساعة معتمدة:
1. تخطيط المناهج.
2. تحليل المناهج.
3. تدريس المهارات اللّغويّة.
4. تدريس الأدب والنقد.
5. نظريّات تعلّم اللّغة العربيّة وتعليمها.
6. تقويم تعلّم اللّغة العربيّة وتعليمها.
ب. مساقات اختياريّة (6) ساعات معتمدة، يختارها الطالب من المساقات التالية:
1. منهجيّة البحث في التربية.
2. النظريّة والبحث في التدريس.
3. تدريس أنظمة اللّغة العربيّة.
4. اتّجاهات معاصرة في مناهج اللّغة العربيّة.
5. مشكلات خاصّة في تدريس اللّغة العربيّة.
6. استخدام الحاسوب في التعلّم.
* رسالة جامعية (9 ساعات معتمدة).
وهي خطّة جيدة نوعا ما، وكان يستحسن فيها أن يندمج التربوي باللّغوي لتكون الفائدة أعمّ وأشمل؛ فلو استبدلنا مادّة "تخطيط مناهج اللّغة العربيّة" بمادّة "تخطيط المناهج"، ولو استبدلنا مادّة "تحليل مناهج اللّغة العربيّة" بمادّة "تحليل المناهج"، ولو استبدلنا مادّة "منهجية البحث في تربية اللّغة" بمادّة "منهجية البحث في التربية"، ولو استبدلنا مادّة "النظريّة والبحث في تدريس العربيّة" بمادّة "النظريّة والبحث في التدريس"، ولو استبدلنا مادّة "استخدام الحاسوب في تعليم اللّغة العربيّة" بمادّة "استخدام الحاسوب في التعليم"؛ لكان خيراً، كما هو الحال في مادّتي: "نظريّات تعلّم اللّغة العربيّة وتعليمها"؛ و"تقويم تعلّم اللغة العربيّة وتعليمها"؛ فهما يجمعان بين التربوي واللّغوي، ويوظِّفان نظريّات التعليم ونظريّات التقويم في تعليم العربيّة وتعلّمها. ويغيب عن الخطّة (التربية العمليّة) أو المواد التطبيقيّة.
وعلى جودة هذه البرامج وخططها الدراسيّة إلاّ أنّه ينتقص منها أنّ الطلبة الملتحقين بها يكونون أصلاً قد عملوا بالتعليم؛ فتكون هذه البرامج من قبيل التكوين أثناء الخدمة. وأنّ عدد من يلتحق بهذه البرامج هو العدد الأقل من معلِّمي اللّغة العربيّة في مدارسنا. وحبّذا لو استطاع كلّ معلِّم أن يدرس هذه المساقات في وقت مبكِّر من عمره الدراسي.
وفيما يتّصل ببرنامج الدبلوم المهني لمدة سنة واحدة بعد الحصول على البكالوريوس، فإن عاماً واحداً لا يكفي للإعداد التربوي للطالب المعلِّم. ثم إنّ المواد التربويّة تدرّس بمعزل عن مواد التخصّص، وينبغي أن ندمج بين هذين في برنامج متكامل متّصل. وحصّة التربية العمليّة ضئيلة أو غائبة؛ فالساعات التطبيقيّة التي تتّم تحت إشراف الأساتذة ضئيلة أو منعدمة "لأنّ غالبية من ينضمّون لدراسة هذه البرامج هم من المعلِّمين العاملين في التدريس ولذلك تظل دراستهم من النوع النظري"().
ومن أمثلة هذا البرنامج في الجامعة الأردنية "برنامج الدبلوم في المناهج والتدريس" ويشتمل على (24) ساعة معتمدة يدرّس فيها المساقات التالية:
- المناهج وطرائق التدريس العامّة.
- قياس وتقويم تعلّم الطلبة.
- أساليب التدريس وتطبيقاتها.
- المناهج المدرسيّة: البنية والتحليل.
- أساليب التدريس وتطبيقاتها.
- التربية العمليّة.
- التكنولوجيا في التعليم.
- البحث الإجرائي.
وفي مثال آخر فإن برنامج "الدبلوم المهني في أساليب التدريس" في الجامعة الهاشمية يشتمل على (24) ساعة معتمدة موزّعة على النحو الآتي:
أ. مواد إجبارية (18 ساعة معتمدة):
- طرق التدريس.
- تقويم التدريس.
- تخطيط المناهج وتطويرها.
- إدارة وإشراف تربوي.
- الإحصاء ومناهج البحث في التربية وعلم النفس.
- علم نفس تعلّم وتعليم.
ب. مواد اختيارية (6 ساعات) يختارها الطالب من المواد التالية:
- استخدام الحاسوب في التربية.
- مواقف تدريسيّة تطبيقيّة.
- تكنولوجيا التربية.
- أصول التربية.
- إدارة مدرسيّة.
- علم نفس طفولة ومراهقة.
وكما يلاحظ في هاتين الخطّتين فإنّ خصوصيّة اللّغة العربيّة تغيب، والمواد تربويّة عامّة لا تلامس تعليم العربيّة مباشرة، وحصّة التربية العمليّة (3 ساعات فقط)؛ فالنظري يغلب على العملي، أمّا "أساليب التدريس" فحصّتها متواضعة جدّاً (3 ساعات)، وهي منفصلة عن التخصّص، وتأخذ منحىً عاماً يصدق على أيّ تخصّص، ويقابل "التربيّة العمليّة" في خطّة الأردنية مساق "مواقف تدريسية تطبيقيّة" في الهاشمية، وهو جيد إذا أُحسن توظيفه ليحقّق أهدافه. ويغيب مساق "أساليب التدريس" في الجامعة الهاشمية.
4- عناصر التكوين:
يلاحظ (ميالاريه) أن هناك جَوْراً في توزيع مواد الخطّة الدراسيّة في كليّات التربية في فرنسا؛ فبعض برامج كليّات التربية تقتصر على الإعداد التربوي أو الأكاديمي أو خليط غير متجانس منهما، فيما تغيب قواعد صلبة يجب أن تدرّس في برامج إعداد المعلِّمين ومنها الثقافة العامّة. كما يلاحظ (ميالاريه) أنّ برامج إعداد المعلِّمين هي من قبيل الإعداد الناقص الذي لا يشكِّل جملة من الأفكار والمعلومات القادرة على تكوين ركائز صلبة للعمل التربوي(). وأرى أنّ هذا يصدق – إلى حد كبير – على الواقع الماثل في كليّاتنا.
ويخلص (ميالاريه) كذلك إلى أنّ "كلّ الجهود المبذولة لم تؤدّ إلى نظرة إجمالية بإمكانها أن تطبّق على مختلف معلِّمي فرنسا، ولا إلى مشاريع قابلة لأن يجري حولها اتّفاق المعنيّين سواء في مواد التخصّص: (رياضيات، علوم، ...) أم الفروع: (الأكاديمي، التقني، الزراعي..."(). ثم يقول: "يجب أن يتغيّر الوضع في فرنسا، فمن المؤكّد أنّ التغيير في تهيئة المعلِّمين يعني ملامسة مجمل النظام التربوي عامّة"(). ونحن نقول: "إذا كان هذا هو الحال في فرنسا، والفرنسيّة تشغل محلاًّ عالياً في المنظومة المجتمعيّة والتربويّة، وفي التشريع والسياسة، فماذا نقول عن برامجنا؟
إنّ الطالب في برنامج إعداد معلِّم اللّغة العربيّة ينبغي أن يتمّ إعداده إعداداً متميّزاً، ولاسيّما معلِّم المرحلة الابتدائيّة الدنيا، ومعلِّم المرحلة الثانويّة؛ فينبغي أن يكون على معرفة تخصّصية بمادّته. وان يكون هو نفسه متمكِّناً من مهاراتها، وأن يكون قادراً على التعمّق فيها، وقادراً على توظيفها في المواقف التواصليّة المختلفة، ومتمكّناً من توظيفها في المواقف التعليميّة المختلفة، ممّا يكسبه القدرة على الإنتاج والتأثير في تلاميذه وكسب احترامهم.
إن تزويده بقدْرٍ من المادّة العلميّة، وتمكينه من امتلاك أدوات استكمال هذه المادّة وتطويرها "التعليم للتعلّم" أمر ضروري. وينبغي أن يكون هذا القَدْر كافياً مضموناً وطريقة لتمكينه من إتقان المهارات التي تساعده في نقل المادّة العلميّة وتعليمها للطلاّب بطرق وأساليب فعّالة. وبدونها يصبح مجرّد ناقل للمعرفة.
وقد لاحظ الباحثون() ضعف مستوى الطلاّب المعلِّمين في القراءة والإملاء والكتابة والنحو والمحادثة، كما أنّ مهارات الاستماع عندهم ضعيفة. إنّ عدم امتلاك الطالب المعلِّم للمعرفة المؤدّية للمهارة تجعله معلِّماً ضعيفاً غير قادر على الارتقاء بطلبته شبراً واحداً؛ فإنّ فاقد الشيء لا يعطيه.
وحسبنا أن نقبس هذا الوصف الذي أورده الأستاذ الدكتور نهاد الموسى عن حال القراءة لدى طلبة قسم اللّغة العربيّة، يقول: "كنت إذا طلبت إلى أحد الطلبة في قسم اللّغة العربيّة وآدابها أن يقرأ نصّاً كأنما أوقع نفسي في ورطةٍ كبرى، كنت أشعر، والطالب ينطلق في قراءة النص، كأننّي في سيارة ينطلق بها سائقٌ فقد السيطرة عليها، وهي تتسارع بنا إلى قاع وادٍ سحيق؛ إذ كانت الأخطاء تترى على نحوٍ يتعذّر السيطرة عليه؛ فهو يقرأ وكأنه لا يقرأ، يحوّل الرموز المكتوبة بين يديه كيفما اتّفق، لا يبالي أفهِمَ أم لم يفهم. بل يقرأ دون أن تعني له قراءته أنّه مسؤول عن فهم ما قرأ؛ فقد يقرأ نصّاً غرائبياً جريئاً، أو نصّاً يدعو مضمونه إلى الأسى، أو نصّاً يستضحك الثكلى، فيمرّ به على إيقاع صوتي رتيب دون أن يبدي أي انفعال على أي نحو...، وهو يضبط الألفاظ على وفق ما يحضره في ضبطها...، وهو يغفل عن تصحيح الإعراب حتى إعراب المواضع الأوّلية الواضحة التي يعرف قواعدها – لا ريب – لو سئل عنها سؤالاً مجرّداً مباشراً؛ إذ تنخسف لديه هوّة عميقة بين النظريّة والتطبيق، أو بين المعرفة والأداء..." ().
وفي جانب ذي صلة فإنّ طلبة كليّات التربية، الذين يدرسون مهارات العربيّة أو مفاهيم اللّغة الأساسيّة في كليّات التربية، وعلى أيدي أساتذة كليّات التربية وليس في قسم اللّغة العربيّة، قد يتعرّضون أحياناً إلى وجود مفارقات بين ما يدرسونه في قسم اللّغة العربيّة وما يدرسونه في كليّات التربية، وقد تتحوّل هذه المفارقات أحياناً إلى تناقضات في المعلومات؛ فيحارون في وجه الصواب، وأكثر ما تتجلّى هذه المسألة في علم النحو!
5- التكوين الأكاديمي:
تشير ملاحظات الباحثين في برامج إعداد المعلِّمين في الوطن العربي إلى ضعف العلاقات بين محتوى المواد الدراسيّة (البعد الأكاديمي) في كليّات الإعداد، وبين ما يقوم الطلبة بتدريسه أثناء الخدمة()؛ ممّا يجعل الكثير يتساءلون عن جدوى صرف هذه السنوات في إعداد لا يمتّ بصلة إلى المادّة الموجودة في مناهج التدريس بعد التخرّج والعمل. بل إنّ أحد الباحثين في برامج إعداد معلِّم اللّغة العربيّة في كليّات التربية في الوطن العربي استخلص عبر دراسته "عدم كفاية برنامج التكوين التخصّصي للمهنة بعد الممارسة من وجهة نظر المعلِّمين الممارسين"().
وتؤكّد دراسة أخرى لندوة "إعداد المعلِّم بدول الخليج العربي" على "أنّ المقرّرات التخصّصية تقدّم كماً كبيراً أو قليلاً من المادّة المعرفيّة التي لا رابط بينها وبين ما يقوم المعلِّم بتعليمه في المدارس"(). كما أن دراسة المكتب الإقليمي لليونسكو للتربية في الدول العربيّة أوضحت أن هناك ضعفاً في محتويات برامج التكوين الأكاديمي، والتي لا ترتبط ارتباطاً وظيفّياً بمناهج التعليم العام، ويرجع ذلك إلى عدم وضوح أهداف البرنامج، والتي غالباً ما تُصاغ صياغة عامّة(). وفي ضوء ذلك يقرّر أحد الباحثين أن التكوين الأكاديمي للمعلِّم – في الوطن العربي – لا يحقّق الأهداف المرجوّة منه، ولا تعكس مقرّراته المتغيّرات العالمية المعاصرة(). ويشير (ميالاريه) إلى هذا بتقرير "أنّ مِن أسوأ الأشياء وجود عدم انسجام بين الإعداد النظري وبين التطبيق العملي على أرض الواقع"(). وأرى أن برامجنا في الجامعات الأردنية لا تخرج عن هذا.
6- الرؤية الكليّة:
إنّ الطالب في برنامج إعداد المعلِّمين لا يبدأ رحلة الإعداد وهو مطّلع على خطّة واضحة لخط سيره في البرنامج. ولا تحكم برامج إعداد المعلِّمين، ومنها برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة، رؤية كليّة تربط بين مكوّنات البرنامج وتُكامِلُ بينها، وتجعل خطّ السير واضحاً يسير وفق بوصلة دقيقة فاعلة؛ ذلك أنّ المقرّرات التي يدرسها لا رابط بينها، وكلَّ أستاذ يدرّس مادّته بمعزل عن بقيّة مواد الخطّة الدراسيّة، ممّا يضيّع من قيمة الاستفادة منها فيما لو جرى تناولها ضمن رؤية كليّة تَنْظِم تفاصيلها.
إنّ هذه المقرّرات التي لا رابط بينها "تستغرق وقت الطالب وجهده وطاقاته الذهنيّة دون اهتمام بالمفاهيم الواسعة، وتنمية أساليب التفكر العلمي السليمة التي تمكّن الطالب من متابعة نموّه العلمي، أو مواصلة دراساته أو تعلّمه الذاتي"(). إّن افتقاد البرنامج للوحدة والتكامل في عنصر الأهداف التعليميّة يجعل الطالب لا يعرف متى يبدأ درسه ومتى ينتهي، أو حدود هذا المقرّر وصلته بالمقرّرات الأخرى، وذلك لعدم معرفته بالأهداف العامّة للبرنامج، وبالأهداف العامّة للتربية. ويرى الدكتور جبرائيل بشارة في دراسته حول "تكوين المعلِّم العربي" أنّ برامج إعداد المعلِّمين في العالم العربي، على الرغم من احتوائها نظرياً على مجالات تكوين المعلِّم الأساسيّة، إلا أنّها من الناحية التطبيقيّة تتعامل معها في معزل عن بعضها، دون تنسيق وتكامل يعمل على مزجها وتجانسها بما يحقّق تكامل شخصيّة الطالب المعلِّم وإعداده للنجاح في مهنته().
7- التكوين التربوي:
ولا يختلف الحال في جانب التكوين التربوي في برامج الإعداد الموجودة، وهو الجانب الذي يفترض أن يميّز المعلِّم عن غيره من العاملين في مختلف المجالات؛ فهو يهدف إلى تزويد المعلِّم بالمعلومات والمهارات التي تمكّنه من القيام بمهنة التدريس بصورة فعّالة، وأن يكون قادراً على فهم تلاميذه وميولهم واتّجاهاتهم، وكيفيّة تنفيذ المواد الدراسيّة في مجال تخصّصه داخل الفصل الدراسي. ويشتمل هذا التكوين على المواد التربويّة والنفسيّة، وذلك لأن نموّ الخبرات التربويّة في المجالين النظري والتطبيقي، قضيّة حاسمة في نجاح المعلِّم وزيادة إنتاجيته، الأمر الذي يمكِّنه من تطوير كفاءته الفنيّة، ويجعله عضواً مؤهّلاً في مهنة التعليم.
ويشير باحثون إلى افتقار البرنامج التربوي في برامج إعداد المعلِّمين لمعيار أساسي هو التخطيط السليم للخبرات التعليمية للمنهج؛ مما يوحي بفقدان التنسيق بين أعضاء هيئة التدريس فيما ينبغي أن يكون عليه المنهج(). بل يصف أحد الباحثين الجوانب التربويّة في برامج إعداد المعلِّمين بأنّها "لا تنمّي الاتّجاهات الموجّهة نحو مهنة التعليم"(). ومن جهة ثانية فإنّ نظريّات علم النفس التي يدرسها الطلبة خلال مرحلة إعدادهم لا شأن لها فيما يتحقّق على أرض الواقع؛ فإن ما يدرّبون عليه ويدرسونه يكون في واد، وما يتّم تطبيقه في المدارس وفي الواقع العملي يكون في وادٍ آخر. ولذا يقرّر باحثٌ آخر أن المقرّرات التربويّة والنفسيّة "لا تسهم بصيغة عامّة في إعداد الطالب المعلِّم بدرجة كافية لمهنة التدريس"().
من جهة أخرى أشار تقرير "أمة في خطر" الصادر في الولايات المتحدة عام (1983) إلى أن برنامج إعداد المعلِّم في أمريكا "قد أثقل بمقرّرات عن الطرائق التربويّة على حساب المقرّرات الأكاديمية التي ترتبط بتخصّص الطالب المعلِّم بعد تخرّجه"(). ويترتّب على هذا الوضع عدم وجود الوحدة بين عناصر عمليّة الإعداد التربوي، والعوامل المؤثِّرة منها. "إنّ ما يصاب به معظم المعلِّمين، هو عدم وضوح الأهداف بسبب المداخل الجزئيّة للعملية التربويّة"(). وإنّ أخطر ما يصاب به التعليم أن "تنفصل أهدافه عن حقيقة عناصره فيفقد الوحدة والتكامل، ويتحّول إلى عمليّات منفصلة، فلابدّ من إدراك العلاقة بين الأهداف والوسائل حتى لا تتحوّل الوسائل إلى أهداف أو إجراءات روتينيّة تجمّد الواقع ولا تدفعه إلى الأمام"().
8- التكوين الثقافي:
في جانب التكوين الثقافي للطالب المعلِّم يلحظ الاقتصار على مساقات في اللّغة العربيّة والإنجليزيّة والتربية الوطنيّة، وهي على أهميّتها غير كافية. ويشير بعض الدارسين (مثلاً) إلى غياب الأحداث العالميّة والمحليّة من برامج إعداد المعلِّم، مع أنّ الدراسات والتحليلات كشفت عن أهميّة احتواء مناهج إعداد المعلِّم على أحداث المسرح العالمي وأسبابها ونتائجها "لا بهدف المعرفة، أو عمل دراسات مقارنة، أو تجنّب المزالق التي يمكن أن تحدث من عدم فهمها حسب، وإنّما لتوسيع إدراك المعلِّم نحو حجم هذه القضايا العالميّة من جانب، ومدى ارتباطها بالمشكلات والقضايا المحليّة من جانب آخر، ومعرفة مدى المسؤوليّة التي تقع عليه وعلى النظام التربوي إزاءها"().
كما تغيب المقرّرات المتّصلة بالتاريخ والفلسفة والدراسات القرآنية والإسلاميّة عن مناهج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة، على أهميّتها وعلاقتها الوثيقة بتكوين معلِّم يدرّس العربيّة. ويشير الدارسون إلى "تدنّي المستوى الثقافي لدى الطلاّب المعلِّمين، وإلى قصور برامج الإعداد عن الوصول بالطلاّب إلى المستويات الدنيا من الثقافة والتنوير"(). وبشكل عام فإن برامج الإعداد يتفاوت اهتمامها بجوانب الإعداد والمختلفة (التربوي، والأكاديمي والثقافي)، ويغيب الانسجام والتكامل بين هذه الأطر الثلاثة.
9- ترتيب الخطّة الدراسيّة:
من جانب آخر متّصل فإنّ ترتيب دراسة المواد في الخطّة الدراسيّة هو محل خلاف، والسؤال: هل يجب أن نبدأ بالتربوي ثم الأكاديمي والثقافي؟ أم الثقافي ثمّ الأكاديمي ثمّ التربوي؟ أم نجمع بنيها في صعيد واحد؟ ثمّ داخل المواد التربويّة: بماذا نبدأ؟ بمواد علم النفس؟ أم بالمداخل؟ أم بأسس التربية؟ وداخل إطار الموضوعات الأكاديميّة، بماذا نبدأ؟ إنّ ترتيب مواد الخطّة الدراسيّة، وتسلسلها، وتوزيعها على السنوات هو اجتهاد غير مبني على دراسات علميّة دقيقة تحدّد محلّ الحاجة، ووقتها لكلّ مقرّر في برنامج الإعداد.
10- أعضاء هيئة التدريس:
يلحظ الدارسون وجود تباين وتباعد قد يصل إلى حدّ التناقض بين أداء مدرسي المواد التربويّة والنفسيّة من جهة، وأداء مدرّس المواد الأكاديميّة والثقافيّة من جهة أخرى؛ فهناك اختلاف في الرؤى والمناهج. كما يميل أساتذة التربية إلى التجريد والتنظير على حساب الجانب العملي. ويصف أحد الدارسين أساتذة الجانب التربوي بأنّهم "يقدّمون أفكاراً مجرّدة إلى حد كبير، كما أنّ تجربتهم غير عمليّة"().
ويوجّه أحد الباحثين النظر إلى طبيعة أعضاء هيئة التدريس في كليّات التربية في الجامعات الأردنية وخبراتهم التعليميّة في المدرسة، ويشير إلى أنّ أكثرهم لا يمتلك سنوات خدمة فعليّة في مجال التدريس في المدارس الإلزامية أو الثانويّة، أو يمتلكون سنوات خدمة فعلية متواضعة نسّبياً في التعليم والإدارة المدرسيّة. "ممّا يجعلهم غير قادرين على الإشراف على التدريبات الميدانيّة في مجال التدريس، كما يجعل التدريس يعتمد في معظمه على الجانب النظري، وأن التطبيقات الميدانيّة قلّما تنال الاهتمام الذي تستحقه"().
11- من معضلات برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة، بل إعداد المعلِّمين عموماً، وجود معادلات صعبة تحكم هذه البرامج، ويصعب الموازنة بينها، ومن ذلك:
- صعوبة الموازنة بين الرغبة في تحقيق مستوى التمكّن في أجزاء من المحتوى وبعض المهارات المنشودة، وبين مجرّد تغطيتها هي وغيرها بشكل عام مع عدم ضمان الجودة العالية للتطبيق الفعّال فيما بعد. وهذا يدفعنا إلى ضرورة الموازنة بين تغطية المحتوى وتطوير المهارات بحيث لا يجور جزء على آخر؛ فالكيف قبل الكم، ويمكن تدارك سعة حجم المادّة بالاستفادة من التقنية والتعلّم الذاتي.
- ومن المعادلات الصعبة وجود مفارقة بين ضرورة تقويم أداء الطلاّب في البرنامج لاستبعاد العناصر الضعيفة وغير الصالحة، فضلاً عن توجيه الطلاّب لتحسين أدائهم، باعتبارهم معلِّمي المستقبل، في مقابل الرغبة في التأكيد على الأبعاد العاطفية والانفعالية للطلاّب.
- ومنها الموازنة بين الحاجات الآنيّة للطلاّب في مقابل الحاجات المستقبلية، ومنها ما يتّصل بمستقبل اللّغة في عالم التعليم. ووجود اختيارين بديلين هما: "مدخل الفكرة في مقابل المدخل الانتقائي غير النظامي، أو ما يسمّى بإعداد الطالب اللّماح"().
- وهناك الموازنة بين خيار التأكيد على الممارسات التربويّة الحاليّة، وبين التركيز على التجديد والإبداع.
- ويوجد مفارقة كذلك في الموازنة "بين التقييم الكلي في مقابل التقييم النوعي المحدّد"().
إن إيجاد صيغة وسطى بين هذه المتباينات أو المفارقات أمر أساس في التخطيط الصحيح لبرامج إعداد المعلِّمين.
12- سمات خاصّة:
وفي ضوء النقطة السابقة، يمكننا القول إنّه ينبغي أن يَسِمَ برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة سمات واضحة، كأن تبنى هذه البرامج على نظام الكفايات، أو أن تبنى على الأداء، أو أن تكون برامج جامعة للنظاميْن (الكفاية والأداء).
وإنّ الأداء التقليدي في كليّات إعداد المعلِّمين ينبغي أن يتغيّر لصالح الإبداع والابتكار؛ فالجمود يكاد يقتل هذه البرامج.
وإنّ علينا أن ننوّع في الطرائق والأساليب، وأن نعمل على إعداد معلِّمين يخلصون للغتهم، ويتفانون في توفير أبرز الطرائق والنظرات في خدمتها، وعلينا أن ننمّي لديهم القدرة غير العاديّة لتوليد ومضات التعلّم حتّى في أقصى الظروف صعوبة.
إنّ برامج الإعداد الحالية تقتصر – غالباً – على المهارات المعرفيّة والشرح النظري، والاعتماد على معلومات غير محدّثة، بل إنّ بعضها قد تجاوزه الزمن. كما نلحظ الاعتماد على الحفظ والاستظهار في استدعائها، ممّا يترتّب عليه عجز هذه البرامج عن تمكين الطالب من اكتساب القدرة على التعلّم الذاتي.
وفي إطلالة سريعة على الخطط الدراسيّة للمواد في هذه البرامج، التي يوزّعها الأساتذة في مطلع كل فصل دراسي، يمكنك أن تلحظ أنّ المصادر والمراجع هي هي نفسها من غير تغيير، فلا انفتاح على البحوث والدراسات التربويّة واللّغويّة التي تتطوّر كلّ يوم ويستجدّ فيها أشياء كثيرة جديرة بالنظر. وما زلنا ندرّس نظريّات ما عاد أحدٌ يلقي لها بالاً في المنظور العالمي.
لقد عانت قضيّة إعداد المعلِّمين من السير "على نماذج وأساليب قديمة عفا عليها الزمن، وأصبحت بحاجة إلى تجديد وتطوير من حيث تنظيم الموضوعات بشكل جديد يتمشّى مع توسّع المعرفة وانتشارها، وأن يخضع هذا التجديد لإعادة نظر مستمرّة"().
13- التقنيات الحديثة في التعليم:
من جانب آخر متّصل فإنه يوجد الكثير من التكرار في المحتوى بين كثير من المواد التربويّة، وهذا يستلزم تخليصها من هذا التكرار الذي يتّم على حساب الإبداع في المساق، وإظهار خصوصيّته في برامج الإعداد.
وعلى صعيد آخر فإنّ الطلاّب المعلِّمين في برامج الإعداد ليس لديهم القدرة، أو ليس لديهم الرغبة في استخدام التقنيات الحديثة، وتكمن المشكلة أنه يتم التركيز في مرحلة الإعداد على استخدام وسائل تعليميّة تقليديّة، وعندما يُعَّين المعلِّمون في المدارس يقومون بتقليد معلِّميهم الذين درّبوهم بتوظيف الوسائل التقليديّة نفسها.
ويمكننا ملاحظة درجة التخلّف في هذا، إذا حاولنا أن نتتبّع الكمّ الهائل في البرمجيّات التي أعدّت وتعدّ لتعليم الإنجليزية مثلاً، وتوظيفها في خدمة العمليّة التعليميّة التعلميّة. أمّا "تقانات التعليم الحديثة باللّغة العربيّة فتكاد تكون معدومة"().
14- التربية العمليّة:
في كلّ ما أوردناه قبلاً نستطيع ملاحظ غلبة الدرّاسة النظريّة، والبعد عن التطبيق؛ وما يخصّص للتطبيق يعرف في برامج إعداد المعلِّمين بالتربية العمليّة.
وسبق أن أشرنا في تناولنا لنظام الدراسة في برامج إعداد المعلِّمين والخطط الدراسيّة أن التربية العمليّة تشغل حيّزاً محدوداًَ جدّاً (6 ساعات معتمدة)، كادت تغيب في مرحلة الدبلوم، إلا أنّ تطوير خطط بعض الجامعات أضاف (3 ساعات) تربية عمليّة إلى خطّة الدبلوم، ويحمد هذا لها مع غيابه في خطط بعضها الآخر. ويمكن أن نجمل أوجه القصور في التربية العمليّة بالنقاط التالية:
1. تشغل حجماً متواضعاً من الخطّة الدراسيّة (6 ساعات)، وهذا غير كاف. وليست موزّعة على سنوات الدراسة الأربع، بحيث تحافظ على ديمومة تحقيق الأهداف، بل هي محصورة في "حوالي شهرين بواقع يوم واحد أسبوعياً في العامين الأخيرين"(). وهذه فترة قصيرة جداً. وينبغي أن ترافق التربية العمليّة كل مساق وبطرائق مختلفة.
2. ينظر للتربية العمليّة من بعض المشرفين والطلاّب على "أنّها شيء روتيني، بل إنّ بعضهم يعارض وجودها بحجّة أنّ التدريس موهبة؛ فالمعلِّم مطبوعٌ لا مصنوع، وأنّ المعلِّم يستطيع أن يتكيّف مع ظروف المدرسة التي يعيّن فيها من غير هذا التدريب، ويحتجّون كذلك بأنّ المشرفين لا يستطيعون ضبط سيرها"().
3. يشير بعض الباحثين إلى "عدم وجود أهداف واضحة لبرنامج التربية العمليّة"(). وأن هذا البرنامج صار جزءاً تقليدياً جامداً من الخطّة؛ ولذا لا يلقى حقه من التجديد والعناية وتحديد الأهداف بدقّة.
4. "ازدحام المدارس بالطلاّب المعلِّمين مع ضآلة الإشراف وضعفه"(). كما تمارس التربية العمليّة كيفما اتفق، حيث المدارس مزدحمة، والإشراف قليل، والحصص المعطاة قليلة، كما نلاحظ عدم استخدام الوسائل والأساليب العلميّة الحديثة في تدريب الطلاّب على المهارات الأساسيّة اللازمة للعملية التعليميّة.
5. عدم وجود ترابط بين ما يدرسه الطالب المعلِّم في الكليّة، وما يطبّق في المدارس(). وقد تعتمد التربية العمليّة (أحياناً) على خبرة الموجِّهين التي قد تتناقض مع المقرّرات التربويّة والنفسيّة التي تدرّس في الكليّات. وقد "لا يؤمن بعض مشرفي التربية العمليّة بالنظريّات الحديثة في التدريس"().
6. التقويم: يؤخذ على التربية العمليّة تفاوت معايير المشرفين، فما يجده أحدهم ممتازاً قد يكون غير مقبول للآخر، بمعنى آخر غياب نموذج واضح متّفق عليه للتقويم في التربية العمليّة، خاصّة في المواد الإنسانيّة كاللّغة العربيّة. وقد تدخل الذاتيّة في تقويم الطلاّب المعلِّمين؛ مّما "يؤدّي إلى حصولهم على درجات في التدريب العملي بسخاء يفوق مستوى تحصيلهم الحقيقي"().
7. عدم وجود مواقف طبيعيّة تدريبيّة لإتقان المهارات اللازمة للعملية التعليمية خلال سنوات الدراسة داخل إطار الكليّة.
لكل هذا يصف أحد الباحثين "التربية العمليّة"، وفق ما هو كائن، بأنّها تُؤَدّى "بطريقة هلامّية"(). ويصفها آخر "أنها تتّم بصورة شكليّة"().
15- غياب الخصوصّية:
يلاحظ وجود تشابه في معظم برامج الإعداد في شعب التخصّصات المختلفة في معظم كليّات الإعداد، الأمر الذي أدّى إلى عدم أخذ طبيعة التخصّص أو احتياجات البيئة المحليّة، والظروف المحيطة بكل كليّة أو تخصّص بعين الاعتبار.
فالذي يحمل درجة البكالوريوس في الرياضيات أو الذي يحمل درجة البكالوريوس في اللّغة العربيّة يأخذان برنامج الدبلوم المهني نفسه لمدّة سنة بعد التخرّج، من غير أيِّ التفات لخصوصيّة العربيّة واختلافها عن الرياضيات أو غيره. ونشير هنا إلى ضرورة وجود إطار عام مشترك للمصادر المتنوّعة لإعداد المعلِّم في التخصّصات المختلفة، يضمن تحقيق مستوى عام للمتخرّجين، كما يضمن في الوقت نفسه وجود قدر مشترك من الإعداد الذي تتطلّبه مهنة التعليم، بصرف النظر عن التخصّص، مع وجود جزء خاص لكل تخصّص على حدة.
16- التقويم:
لا يوجد في برامج الإعداد نظام يسمح بالإفادة من نتائج عمليات التقويم لتطوير برامج الإعداد، وتصحيح مسار التعليم فيها. كما أنّ النظام المتّبع يركِّز على الجانب المعرفي في التقويم من غير التفات إلى تقويم المهارات. كما أنّ نظام التقويم لم يرتق ليكون تقويماً نوعيّاً يرتقي بكل طالب ويعيد النظر في كفاياته لتلافي القصور فيها. كما يلاحظ أحد الباحثين أن "هناك تناقضاً بين ما يدرسه الطالب عن مفهوم التقويم وأساليبه، وبين ما يمارس فعلاً من أساليب التقويم"().
كما يلاحظ الطلبة أنّ التقويم غير مستمر، والامتحانات المتّبعة لا تخرج أسئلتها عن الموضوعات المقرّرة. وقد تكون الأسئلة غير ملائمة للأهداف، والغرض الرئيس منها "هو تقرير نجاح الطلاّب أو رسوبهم في المقرّرات التي يدرسونها، ولا تكشف عن مدى فاعليّة طرق التدريس والتقنيات التربويّة التي يستخدمها الأساتذة. ولا تكشف عن مدى ملاءمة المنهج للأهداف أو لمستوى الطلاّب، ومتطلبّات نموّهم كمّاً وكيفاً، ولا تكشف عمّا يمكن أن يكون في المنهج من ثغرات ليصار إلى تحسينه وتطويره"().
فالتقويم يعتمد على الامتحانات فقط، وتصمّم الاختبارات لتقيس القدرة على الاستظهار والحفظ، ولا يوجد اهتمامٌ باختبارات الذكاء، والاختبارات المهاريّة المتّصلة بالمواقف الحياتيّة والعمليّة أو مهارات التفكير والنقد، ومهارات التعامل مع المشكلات.
تقول ماري ميشيل كوترمان: "إنّ تقييم برامج التكوين حاجة ومطلب؛ لكّنه لا يجري إلاّ قليلاً وبشكل غير مناسب، يجب أن نستمر في التقييم، ولكن ليس كيفما اتّفق"().
17- ضعف التنسيق بين كليّات الإعداد المختلفة في الجامعات الأردنيّة:
إنّ أي مراقب لبرامج الإعداد يمكنه ملاحظة ضعف التنسيق بين كليّات الإعداد في الجامعات الأردنية في الأمور كلّها؛ في وضع خطط القبول، وفي تخطيط برامج الإعداد، وفي تبادل الإمكانات الماديّة والبشرية المتاحة في كليّات الإعداد.
18- ضعف قنوات الاتّصال مع المجتمع المحلّي:
يلاحظ ضعف قنوات التنظيم والاتّصال التي تربط بين كليّات الإعداد والمجتمع المحلّي، ممّا أدّى إلى عدم ربط عمليّة الإعداد باحتياجات البيئة المحليّة، كما أدّى إلى عدم قيام الكليّات بدور فعّال في خدمة اللّغة العربيّة. وفي تنمية المجتمعات المحلية.
يذكر بعض الباحثين أن أساليب التعليم في برامج إعداد المعلِّمين في الوطن العربي يعتريها الكثير من وجوه القصور. ومنها: عدم تنوّع تلك الأساليب بما يتلاءم مع طبيعة المواقف التعليميّة وأهدافها، وعدم تكامل هذه الأساليب لتحقيق الجوانب المختلفة للتعليم، وعدم صلاحيتها لتحقيق المستويات العليا من مهارات التعلّم مثل: حل المشكلات، والابتكار، وإنماء السمات الإيجابيّة، والتعاون. وتغيب كذلك الجوانب الانفعاليّة والمهاريّة.
كما أنّ هذه الأساليب تفتقر لما يدعّم التعلّم الذاتي، وما ينمّي المهارات اللازمة له، كما أنّ الوسائل التعليمية لا تستخدم بدرجة كافية، ويسود الإملاء والتلقين. والأساتذة يتحدّثون عن التعليم النموذجي وأساليب التدريس والتقنيات التعليميّة المتميّزة، ولا يطبّقون ذلك في تدريسهم. كما تغيب الندوات والحلقات الدراسيّة والمناقشات والدراسات الميدانية التي يشارك فيها الطلبة المعلِّمون.
وينتقد (بونستنجل 1989) بشدّة تخلّف الطرائق المستخدمة في التدريس في الكليّات التربويّة عالميّاً، وعدم ملاحقة الأنظمة التربويّة للتغيّرات العمليّة والتكنولوجيا، وانتشار التعليم المرتكز على المعلِّم، والاستخدام المكثّف لأسلوب المحاضرة، والتأكيد على استظهار المعلومات الجامدة، والتركيز على الاختبارات الموضوعيّة وسيلةً لتقويم معارف الطلاّب، والتركيز على الخبرة المحدودة، وغلبة النظري على العملي. وكلّ ذلك يعدّ من مخلفّات الماضي التي لم تعد صالحة لمواجهة المستقبل. وعلينا أن ننتقل بالطلبة إلى عالم التعلّم الذاتي في ضوء تغيّر أدوار المعلِّم في المنظومة التربويّة().
20- التكامل بين مرحلتي الإعداد:
يلاحظ أنّه لا يوجد أيّ ترابط أو تعاون بين إعداد المعلِّمين قبل الخدمة وفي أثنائِها، فلا يتّصل الأساتذة بطلبتهم بعد التخرّج، ولا يتابعونهم، ولو على سبيل الاستشارات، ومن المعلوم أنّ برنامج إعداد المعلِّمين قبل الخدمة لا يكفي وحده لتكوين معلِّم، وأنّه لا يوفر له سوى الأساس الذي يساعده على البدء في ممارسة عملية التعليم. وأنّه لابدّ من وجود تدريب مستمر ودائم أثناء الخدمة يكون بمنزلة الامتداد الطبيعي للإعداد قبل الخدمة. ويعني هذا أنّ التعليم المستمر بالنسبة للمعلِّم جزء لا يتجّزأ من عملية إعداده، وأن يستمر هذا الإعداد طيلة عمله في التدريس، بهدف اكتساب ممارسات ضرورية، وخبرات جديدة ليلحق بركب النموّ والتطوّر في هذا الميدان، وليكون على صلة بكل ما هو جديد فيه، وليعوّض ما يكون قد فاته أثناء إعداده قبل الخدمة.
وقد أشارت إحدى الدراسات الخليجيّة المقارنة عام (1990) حول برامج إعداد المعلِّمين وتدريبهم إلى أن من نقاط الضعف في عمليّات تدريب المعلِّمين في أثناء الخدمة أنّ هذه العمليات تتولاّها أقسام وإدارات فرعيّة تتبع وزارتي التربية والتعليم والمعارف، ولا تشرف عليها كليّات التربية بجامعات هذه الدول إلا نادراً؛ وليست مسؤولية مشتركة مع الجامعات().
ولا يختلف هذا الأمر عندنا. ونحن ندعو هنا فقط إلى وجود تكامل وتنسيق بين الجامعات والوزارات القائمة على التعليم والاستشارات الدائمة، كما ينبغي أن يكون التدريب أثناء الخدمة وفق خطّة مبنية على ما اكتسبه الطالب أثناء فترة الإعداد. ويؤكّد الدكتور عمر الشيخ لكلّ ما تقدّم أن "ثمّة حاجة إلى نموذج لإعداد المعلِّمين يكامل بين الإعداد قبل الخدمة وفي أثنائها، يؤدّي به إلى تطوير ممارساته (المعلِّم)، وإغناء معرفته المهنية"().
21- النظامان: التتابعي والتكاملي:
يشير بعض الدارسين إلى بعض مثالب النظاميْن: التتابعي والتكاملي، وطريقة تجاوز هذه المثالب؛ ففي النظام التكاملي "تقدّم مجموعتان منفصلتان من المواد المتخصِّصة والمواد التربويّة، وبنسب غير عادلة. ويلاحظ أنّ المسارين: التخصّصي، والتربوي يسيران في خطّين متوازيين، ولا يتلاقيان"(). فالمواد التخصّصيّة في هذا البرنامج تمثِّل برنامجاً مبتسراً من برامج الكليّات المتخصّصة؛ حيث تقدّم له بعض المقرّرات التي يدرسها طلاّب كليّات الآداب والعلوم نفسها، مع العلم أنّ هناك فرقاً واضحاً بين أهداف المقرّرات التي تقدّم لتكوين باحث أو التي تقدّم لتكوين معلِّم.
ويشير حسن شحاته إلى أنه في النظام التكاملي يمكن ملاحظة الانخفاض في المستوى الأكاديمي لمعلِّمي التعليم العام الذين يعدّون في كليّات التربية، والذي ينعكس بدوره على مستويات تحصيل طلاّبهم، والذي يشير بوضوح إلى الخلل في الدائرة التخصّصية التي يعدّ المعلِّمون من خلالها، وهو ما تؤكّده الدراسات التربويّة والندوات والمؤتمرات العلميّة؛ حيث الانفصال بين ما يدرّس للطلاّب المعلِّمين في برنامج إعدادهم في كليّات التربية وطبيعة محتوى البرامج التي سيقومون بتدريسها، وحيث الفجوة بين مناهج التعليم العام والجامعي وعدم الترابط بين المنهجين().
إن بعض المعلِّمين، وفق هذا النظام، لا يكادون يتقنون المهارات الأكاديميّة والمعلومات والمفاهيم التي يجب أن يتقنها طلاّبهم في مراحل التعليم العام، بل إنّ العلوم الأكاديمية التخصّصية التي تقدّم للطلاّب في كليّات التربية، لا تصل بهم إلى مستوى زملائهم الذين التحقوا (وفقاً للنظام التتابعي) بكليّات الآداب أو العلوم، حيث يعدّ أولئك إعداداً أكاديمياً بحتاً لمدة أربع سنوات على أيدي أساتذة متخصّصين، ومن خلال برامج أكاديمية متقدّمة، ومن خلال مكتبات الكليّات المُتْرَعة بكل جديد في ميدان المعرفة، على حين أن ما يحصّله طلاب كليّات التربية ينحصر في عامين دراسيين تزاحمهم فيها المواد التربويّة والنفسيّة التي تحتلّ الصدارة في العامين الدراسيين التاليين.
فدائرة الإعداد الأكاديمي التخصّصي لا تحقّق للمعلِّم الإتقان والتمكّن المنشود، ولا تزوّده بخلفيّة عميقة وكثيفة من المواد العلميّة التخصّصية النظريّة والتطبيقيّة على حدٍّ سواء. وما يدْرسه المعلِّم شيء، وما يُدَرّسُه بعد تخرّجه شيء آخر؛ فمواد التخصّص في كليّات التربية لا علاقة لها بتلك البرامج المدرسيّة التي يوكل إليه تدريسها؛ ممّا يجعل المعلِّم المبتدئ حديث التخرّج منهمكاً في دراسة المقرّرات المدرسيّة التي سيقوم بتعليمها لطلاّبه، واستيعابها. وهذا الانتقاد يتّجه إلى الكمّ والكيف معاً؛ الأمر الذي جعل بعض المسؤولين والباحثين يطالب بإلغاء هذه البرامج لتخريجها معلِّمين أنصاف متعلّمين. وأنّ كليّات الآداب والعلوم يمكنها أن تقدّم متخصّصين أكاديميّين مهرة يتقنون الدائرة التخصّصيّة، وهذا ما كان في الجامعات الأردنيّة؛ حيث ألغي برنامج معلِّم المجال بكل فروعه بما فيها "معلِّم مجال لغة عربّية" عام 2001.
أمّا في النظام التتابعي (4+1) فيلاحظ في مرحلة الدبلوم "عدم جديّة الدارسين، وليس هناك جزء ميداني (أضيف حديثاً في بعض الجامعات)، ولا يشعر طالب النظام التتابعي بالانتماء إلى مهنة التدريس من خلال عام دراسي واحد، حيث يصعب عليه تكوين اتّجاهات إيجابيّة نحو مهنة التعليم"().
22- الأبحاث العلميّة والميدانيّة:
يشير الدارسون إلى افتقار برامج إعداد المعلِّمين إلى الأبحاث العلميّة والميدانيّة الحقيقيّة المتّصلة ببرامج إعداد المعلِّمين وقضاياها. من مثل: البحث في أنسب المناهج، والفلسفة التي ينبغي أن تقوم عليها هذه البرامج، وأساليب التدريس ووسائله، ووسائل التقويم المثلى، وانطباعات الطلبة حول التربية العمليّة وغيرها. وممن أشار إلى هذا (إدجارفور) في دراسته عن واقع مؤسّسات إعداد المعلِّمين في المنطقة العربيّة(). ولعلّ هذا أكثر ما ينطبق على برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة.
وتنجز عشرات الرسائل الجامعيّة في كليّات الآداب والتربية حول العربيّة وحول تعليمها، ثمّ يعلوها الغبار على رفوف المكتبات الجامعيّة، ولا يفاد منها أبداً في الارتقاء بتعليم اللّغة العربيّة وتطوير برامج إعداد معلِّميها، أما الدراسات الميدانية التي تُبنى على الاحتياجات الفعليّة والواقع الفعلي للّغة وقضاياها في حياة الناس فتكاد تكون معدومة.
23- الخرّيجون وتدني مستوى الإعداد:
يشير أكثر الدارسين إلى ضعف مستوى الخرّيجين في برامج إعداد المعلِّمين في الوطن العربي. ولا يبتعد الخريجون في المملكة الأردنيّة الهاشميّة عن هذا الوصف. وقد أشار (إدجارفور) في دراسته عن واقع مؤسّسات إعداد المعلِّمين في الوطن العربي إلى تدنّي مستوى الإعداد في هذه البرامج، وضعف الخريجين. كما أشار إلى انعدام الصلة بين مؤسّسات إعداد المعلِّمين وخرّيجيها().
وإذا كانت دراسة علميّة أمريكيّة أجريت في بعض الولايات الأمريكية عام (1996) قد كشفت أن خبرة الخريجين في مرحلة الإعداد "هي أقلّ من مُرْضِيَة، وذات قيمة علميّة مشكوك فيها"()؛ فما الذي يمكن أن نقوله عن خرّيجينا؟
وعلى الرغم من تصاعد درجة الاهتمام بقضيّة التعليم والمعلِّمين في الوطن العربي مؤّخراً، والذي تجلّى في عقد المؤتمرات والندوات وإجراء البحوث والدراسات التي كان المعلِّم مادّتها الرئيسة، إلاّ أنّ الإعداد المهني ما زال يعاني كثيراً. وقد أجمعت نتائج هذه الدراسات التي أجريت حول إعداد المعلِّمين في البلاد العربيّة، على تدنّي المستوى العام لديهم في جميع جوانب التكوين (الأكاديمية، والمهنيّة، والثقافيّة).
ومنها: دراسة وُضِعت حول مهنة التعليم في دول الخليج العربي عـام (1993)، وتوصّلت إلى أن واقع مهنة التعليم في هذه الدول "قد تميّز بالتحاق أعداد كبيرة من غير المؤهّلين تربويّاً للعمل في التدريس، وعدم وجود سياسة موحّدة في إعداد المعلِّم، وتباين مستويات إعداد المعلِّمين في مراحل التعليم"().
وفي دراسة أخرى اتّضح أن نسبة كبيرة من الطاقات البشريّة العاملة في حقل التعليم غير معدّة إعداداً كافياً، فهي ليست على مستوى المسؤولية التربويّة التي تنهض بها، لا أكاديمياً ولا مسلكياً ولا فنيّاً؛ وبهذا فإنّ الكوادر البشرية القائمة على التعليم في الوطن العربيّة غير قادرة على عطاء تربوي فعّال().
ويرى الدكتور نبيل علي أنّ "انخفاض مستوى اللّغة عند المعلِّمين، في الوطن العربي، لم يقتصر على غير المتخصّصين في اللّغة العربيّة، ولكنّه تعدّى ذلك إلى المتخصّصين، حيث تدنّى مستوى خرّيجي أقسام اللّغة العربيّة وبرامج إعداد معلِّمي اللّغة في كليّات التربية إلى درجة مخيفة"().
ويؤكِّد (الأحمد) على أنه "إذا لم يُعَدْ النظر في مناهج إعداد المعلِّم العربي وتدريبه بما يمكِّنه فعلاً من النمّو والتعليم الذاتي لمسايرة التغيّر المتسارع في جميع المجالات، فإنّ تخلّفاً كبيراً سيلحق بالتربية العربيّة نتيجة تأخّر المعلِّم العربي، وسيحصل تقصير في اللحاق بركب التطوّر السريع الذي سيكون بالتأكيد السمة الأساسيّة واليومية للقرن الحادي والعشرين"().
ويشير (راشد) إلى تعدّد مظاهر انخفاض مستوى المعلِّم في الدول العربيّة بصفة عامّة؛ فمنها ما يظهر في شكل اتجاهات سلبية نحو المهنة ونحو المدرسة والتلاميذ، ومنها ما يظهر في شكل تدنٍّ في مستويات مهارات التدريس، ومنها ما يتعلّق بعدم تمكّن المعلِّم من أساسيّات المعرفة، وأساليب البحث الخاصّة بمجال تخصّصه الأكاديمي().
ويصف أحد الدارسين قضيّة إعداد المعلِّم في الوطن العربي بأنّها شائكة للغاية، وأنّ الضباب يغلّف الواقع الفعلي لإعداد المعلِّم، وأن "كليّات التربية تمنى بالفشل تماماً عاماً بعد عامٍ في تخريج نوعيّة جديدة وجيّدة من المعلِّمين ممن لديهم خلفيّة علميّة وثقافيّة مناسبة، وأنّ طالب كليّة التربية يعجز عن تحديد مستوى تحصيله بدرجة كبيرة، بالرغم من أنّ التقويم يِّمثل أحد المهام التي يتحمّل مسؤولياتها بعد التخرّج"().
إنّ القصور في برامج تكوين المعلِّم العربي، وضعف المدخلات، أدّيا إلى تدنٍّ في مستوى الخرّيجين. وقد أشار (الشيباني) إلى أن "نقص المعلِّمين الأكفياء لا يزال من المشكلات البارزة التي تواجه التعليم العربي في جميع مراحله، حتّى في أطول الأقطار العربيّة تجربة في مجال التعليم الحديث"().
يقول ميالاريه: "إنّ المعلِّمين الضعفاء مشكلة، ولم يعد لنا الحق أن نسلّم لأساتذة غير مجرِّبين وبلا إعداد تربوي أجيالاً من الشباب"().
ونحن نشاطره الرأي ونضيف أنّ كسر الحلقة، حلقة الضعف والتأخر والفشل، تبدأ بإعداد معلِّم جيّد، وإلا فإنّ الحلقة ستبقى مستمرّة، بل والمعلِّم القادم والجيل الذي سيربّيه سيكون أكثر ضعفاً.
24- برامج إعداد المعلِّمين وأزمتنا اللغويّة في عصر المعلومات:
حاول الدكتور نبيل علي أن يقدّم رؤية لثقافتنا العربيّة في عصر المعلومات. وكان من أهم الجوانب التي أفاض فيها مسألة "التربية واللّغة" ورأى أنّ الشعارات التربويّة المطروحة عالميّاً لا مكان لها في ضوء الواقع الحالي للأمّة العربيّة؛ فشعار مثل "تَعلَّم لِتَعْرِفَ" لا مكان له في ضوء تقديم الكمّ على الكيف، ونحن نعاني من غياب مفهوم تنمية المهارات الذهنية كنتيجة منطقيّةٍ لأسلوب التلقين والحفظ من الروضة إلى الجامعة. أمّا شعار "تعلّم لِتَكون" ففي تطبيقه قصور كبير بسبب الثقافة الاجتماعيّة السائدة. وهناك سؤال حول مدى قدرة المجتمعات العربيّة، في ظل القيود الداخليّة والضغوط الخارجيّة، على توفير القدرة للفرد على إدراك البدائل والخيارات المتاحة أمامه.
أمّا اللّغة فإن علاقتها بمنظومة التربية لم تحظ بالاهتمام الجديرة به، سواء من حيث اكتساب صغارنا للغتهم الأم، أو علاقة خصائص اللّغة العربيّة من توليد اشتقاقي، ومرونة نحوية، وثراء معجمي – على سبيل المثال – بتنمية القدرات الذهّنية للأفراد. ومن أخطر القضايا المطروحة في علاقة اللّغة بالتربية، هي تلك الخاصّة بتعريب العلوم.
أمّا موقف معلِّمينا من استخدام تكنولوجيا المعلومات في مجال التعليم فما زال مشوباً. فيرى بعضهم فيه منافساً خطيراً، وبعضهم الآخر غير موقن بفاعليتها؛ إما بسبب الثقافة التربويّة السائدة وإما لنقص التدريب، وإمّا لعدم توافر المعدّات والبرامج. وقد ترسّخت لدى معظم المعلِّمين العرب عادة التدريس بالتلقين، وعدم تنويع مصادر المادّة التعليميّة. ويحتاج علاج ذلك إلى تضافر جهود التأهيل، وتصميم المناهج، وأساليب التقويم والامتحانات، ولا يمكن للمعلِّم العربي أن يتقن مهمّة التعلّم باستخدام تكنولوجيا المعلومات في جميع المناهج في كليّات التربية من السنة الأولى().
هذا الجانب الأوّل للمسألة، أمّا الجانب الثاني فهو أننّا نعيش أزمة لغويّة كبيرة، ولعلّ وصف أمين الخولي يصلح لحالتنا. يقول: "إنّ آفات حياتنا في جمهرتها تعود إلى علل لغويّة، تصدع الوحدة، وتحرم الدقّة، وتبدّد الجهد، وتعوق تسامي الروح والجسم والعقل والقلب"().
ولعلّ خطابنا اللّغوي الراهن يعكس قصور معرفتنا بلغتنا، وبالتالي قصور جهد الإصلاح اللغوي الذي نقوم به، وأهمّ ملامح هذا القصور وأسبابه معاً أنّنا لا ننظر لأزمتنا اللّغويّة نظرة كليّة شاملة من جميع جوانبها، بل "إننا نتصدّى لمعضلة اللّغة على مستوى الأطراف الهامشية تجنّباً للخوض في المناطق الحسّاسة التي تتداخل فيها قضايا اللّغة العربيّة مع قضايانا الاجتماعيّة وأمورنا الدينيّة، وسياساتنا الوطنيّة والقوميّة"(). ومن الملامح والأسباب كذلك قصور العتاد المعرفي لمعظم مُنظِّرينا اللّغويين، بعد أن أصبحت اللّغة ساحة ساخنة للتداخل الفلسفي والعلمي والتربوي والإعلامي، بل والتكنولوجي أيضاً.
ومن الأسباب كذلك القطيعة المعرفية التي يقيمها بعضهم مع التوجّهات الفلسفيّة الحديثة التي تولي جميعها اهتماماً شديداً بأمور اللّغة. "إنّ عدم إقرارنا بفكر بعض هذه المدارس لا يجب أن يحرمنا من الإلمام بحصادها النظري الهائل على صعيد اللّغة"().
كما أنّ خطأ التشخيص لدائنا اللغوي من أهم مظاهر أزمتنا اللّغويّة وأسبابها، فتارة يوجّه الاتّهام إلى مدارسنا، وتارة إلى مجامعنا، وتارة أخرى إلى إعلامنا، بل وصل الأمر ببعضهم إلى إدانة اللّغة العربيّة نفسها تحت زعم أنها تحمل بداخلها كوامن التخلف الفكري والعجز عن مطالب العصر.
ونحن بحاجة إلى نظرة أشمل تتجاوز حدود الخطاب اللغوي الراهن، وواسعة بحيث تطال إطارنا الاجتماعي والثقافي والسياسي كلّه؛ فقد أصبحت من الخطورة بحيث يصعب إرجاؤها أو تناولها من غير استراتيجية واضحة للإصلاح اللّغوي الشامل، وذلك في إطار خطّة قوميّة أكثر شمولاً لإعداد مجتمعاتنا العربيّة لدخول عصر المعلومات. "وإنّ علينا أن نلم بالأبعاد اللّغويّة لظاهرة العولمة، سواء أكانت العولمة وفاقاً أم صراعاً؛ فللّغة في كلتا الحالتين شأن خطير"().
إنّنا نتحمّس للغتنا، ولكن يعوزنا إرادة الإصلاح اللّغوي؛: فالتعليم لا تعكس استراتيجيّاته ومناهجه وسلوك مدرسيه وأداء طلبته ما للّغة الأم من أهميّة في أمور التعليم والتربية، وينحصر جهد الإصلاح التربوي عادة على مناهج تدريس اللّغة العربيّة دون مراعاة لعلاقتها بتدريس المواد الأخرى، وحتّى على هذا المستوى فإن الحد الأدنى من النجاح لم يتحقّق؛ فهو لم يثمر إلاّ مزيداً من عزوف الطلاّب عن مداومة تعلّم لغتهم الأم، وتذوّق مآثرها. وتغيب الثقافة اللّغويّة باعتبارها أحد الروافد الأساسيّة للثقافة العلميّة، مع ضمور هذه الثقافة لدى كثير من أصحاب الأقلام وقادة الرأي، ومع وعي غير كاف على مستوى القيادات السياسيّة بخطورة المسألة اللغويّة.
إنّ اللّغة في موقع القلب من منظومة الثقافة، وعالميّة اللّغة مع تحدّيات العولمة يُلْزِمان بنظرة أشمل إلى اللّغة العربيّة وعلاقتها بفروع المعرفة المختلفة. أما الكائن فهو أن تنظير العربيّة ما زال أسيراً للمنهج التحليلي القائم على إعطاء الأمثلة المنبتّة عن سياقاتها، وتوجد محاولات متناثرة محدودة من النماذج الحاسوبّية على نطاق محدود من نحو العربيّة. و"نحن بحاجة إلى اختبار أنسب النماذج الحاسوبّية والبحث عن أنسب الطرائق في تقديمها. لكنّ هذا يحتاج بحثاً متعمقاً يوازن بين ما نملكه من إمكانات وبين خصائص اللّغة العربيّة الشاملة ومنظوماتها الفرعيّة: في الأصوات، والصرف، والنحو، والدلالة، والمعجم"().
لقد تحدّث كثيرون عن أزمة تعليم اللّغة العربيّة سواء من حيث محتوى المادّة التعليميّة، أو من حيث أساليب التعليم ومنهجيّاته، ونتائجه.وأهمّ أوجه القصور التي يذكرونها التركيز على النظريّة دون التطبيق في تعليم النحو والصرف، ولا ربط بين الأشكال النحويّة والصرفيّة والمعنى، فنحن ندرس الوظائف النحويّة مثلاً لكنّنا لا نربطها بسياقات استعمالها.
كما أننا أهملنا الجانب الوظيفي لاستخدام اللّغة، أهملنا تنمية المهارات اللغويّة المطلوبة في الحياة العمليّة، لتعزيز فاعليّة التواصل اللّغوي.
أمّا البحث التربوي اللّغوي فلم يتطرّق إلى الفروق الجوهريّة بين تعليم اللّغة العربيّة من خلال المدرّس، وتعلّمها ذاتياً في غيبة منه. وهو الأمر الذي أصبح واجباً لعوامل أساسيّة منها: أهميّة التعلّم ذاتّياً لتعويض أوجه القصور في تعليم اللّغة تلقيناً، وتلبيةً لمطالب تجديد المعرفة اللغويّة تمشيّاً مع مبدأ التعلّم مدى الحياة، ولتعليم أبناء الجاليات العربيّة في المهجر والذين لا يتوافر لديهم – عادة – معلِّمون للّغة العربيّة، وغالباً ما تنقص ذويهم المعرفة الكافية باللّغة العربيّة والأسس المنهجية لتعليمها، وَلِتعليم المسلمين غير الناطقين بالعربيّة. إن تعلّم اللّغة ذاتياً، وتعليمها عن بعد عبر الإنترنت يحتاج إلى جهود بحثّية مستفيضة في مجال: علم اللّغة النفسي، وإعداد المناهج، وتقويم أداء الطلاّب، وتصميم البرمجيات التعليميّة().
أمّا برمجيّات تعليم اللّغة العربيّة فما زالت قاصرة كمّاً وكيفاً، ويميل معظمها إلى اتّباع أنماط التعليم التقليدية، كالأسئلة متعدّدة الخيارات وملء الفراغات وما شابه. إنّنا بحاجة إلى برامج تعليم ذكيّة، تستخدم أساليب الذكاء الاصطناعي القائمة على نظم معالجة اللّغة العربيّة آلياً: الَصْرف الآلي، الإعراب الآلي، التشكيل الآلي، نظم التلخيص والفهرسة الآلية وما شابه().
ولذا فإنّ مساق "اللسانيّات الحاسوّبية" يجب أن يكون مساقاً إجبارياً لطلبة أقسام اللّغة العربيّة، وفي برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة. كما أنّ الطالب يجب أن يقدِّم مشروعاً للتخرّج يخدم جانباً من جوانب حوسبة اللّغة وتطوير برامجها.
مــاذا بعـد؟
يرى بعض المتابعين لواقع برامج إعداد المعلِّمين أنّ بعض التقدّم قد حصل في نظم الإعداد مؤخّراً إلا ّ أنّها لم تصل بعد إلى المستوى المنشود الذي ربّما يعدّ بعيد المنال في المستقبل القريب، ولا سيّما في ضوء التحديّات والتغيّرات المستقبليّة(). وقد كشفت دراسة صدرت عن المنظمّة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم عام (1982) عن واقع إعداد المعلِّمين في الوطن العربي أنّ السنوات الأخيرة قد شهدت تطوّرات كبيرة في أساليب إعداد المعلِّم العربي، وعلى الرغم من التطوّرات العديدة التي أُدخلت على البرامج فإنّ الإعداد المهني للمعلِّم ما زال يعاني من انتفاء وجود قاعدة نظريّة تفصيليّة وشاملة يقوم عليها. وإن مشكلة وضع برنامج شامل لإعداد المعلِّم العربي لم تنل إلاّ قليلاًَ جداً من الاهتمام الجاد من المعنييّن بإعداد المعلِّم().
في ضوء كلّ ذلك دعا الدارسون إلى "إعادة النظر في برامج إعداد المعلِّمين: اختياراً، وتأهيلاً، وتدريباً"() وإن هذه المراجعة يجب أن تكون متأنيّة وجذريّة حتّى تتلاءم مع التطوّر السريع الحادث في مجالات المعرفة التربويّة والممارسات التعليميّة، وينتج عنها المعلِّم الكفء المتكامل في خصائصه المهنيّة والشخصيّة. ولا يتأتّى ذلك إلاّ من خلال صيغة جديدة فاعلة لإعادة بناء المعلِّم العربي والارتقاء به وإصلاحه ورفع كفايته وتفعيل دوره. ودعا آخرون إلى ضرورة تطبيق معايير الجودة في برامج إعداد المعلِّمين وتحت شعار "التعلّم من أجل التمكّن"().
هذا على مستوى الوطن العربي عموماً، أمّا أردنّياً فبرامج الإعداد قبل الخدمة القائمة حاليّاً في كليّات العلوم التربويّة والكليّات الأكاديميّة الأخرى، غير ملائمة لإعداد معلِّم المستقبل؛ فهذه البرامج في منطقها تستهدف تزويد الطلبة في أحسن أحوالها بقاعدة معرفيّة (جملة من المبادئ والتعميمات والنماذج والنظريّات)، يؤدّي تطبيقها، كما يُقال، إلى ممارسات تربويّة ناجحة، ومع أن برامج الإعداد توفّر إلى حدٍّ قليل فرصة للطلبة المعلِّمين لتطبيق هذه المبادئ النظريّة إلاّ أنّ هذا التطبيق يظلّ محدوداً في أثره؛ ولذا فإنّ برامج الإعداد قبل الخدمة بحاجة إلى تغييرٍ في فلسفتها وبرامجها وأساليب التعليم والتعلّم فيها. "وثمة إجماع في الوقت الحاضر من جانب الباحثين التربوييّن على أن المعرفة التي يحتاج إليها المعلِّم هي معرفة عمليّة، وأنّ التفكير الذي يطلب إلى المعلِّمين أن يتدرّبوا عليه هو التفكير العملي"().
خامساً: برامح إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة : الرؤيا والطموح
انطلاقاً من أهميّة المعلِّم في المنظومة التربويّة، ومن أهميّة معلِّم اللّغة العربيّة – على وجه التعيين – في نهضة الأمة وإحيائها. وانطلاقاً من الواقع المقلق لبرامج إعداد معلِّم اللّغة العربيّة محليّاً وعربيّاً ، والذي من شأنه أن يضعف قدرتنا على مواجهة المستقبل بتحديّاته ومتغيّراته، ومن شأنه أن يضعف حضور الأمة في سجلّ الإنجاز الحضاري العالمي. وانطلاقاً من دعوات الدارسين والباحثين والغيارى على هذه اللّغة بضرورة إعادة النظر في برامج إعداد معلِّم اللّغة العربيّة على امتداد هذا الوطن الكبير. وسعياً إلى إيجاد معلِّم العربيّة الذي تتجاوز نظرته إلى عمله في المدرسة حدود الوظيفة المحدّدة ذات المسؤوليات المحدّدة لينظر إلى عمله على أنه جزء عضوي من عمل مؤسّسي كبير يتّصل بضمير الأمّة وهويتّها وحضارتها .
انطلاقاً من كل ذلك نقدّم هذه الرؤيا وهذا الطموح، وفقاً للدعائم التالية :
1. رؤية واحدة شاملة متكاملة:
لا بدّ أن تنبثق أيّ رؤية مستقبليّة لبرامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة من مخطّط شامل لإصلاح التعليم عموماً في الوطن العربي، ولا أقول في الأردن؛ لأن شأن التعليم وشأن العربيّة أمر يتجاوز الشأن القطري ليكون همّ الوطن الكبير كلّه، بل همّ الأمة العربيّة والإسلامية جميعاً على امتداد العالم الرحيب .
ومع شمول هذا المخطّط، لا بدّ من تكامل مفرداته، بحيث لا نفسد في اتجاه ما نصلحه في الاتجاه الآخر. ومع الشمول والتكامل لا بدّ من إفراد العربيّة، وما يتّصل بشؤون تعليمها وتطويرها ونشرها والارتقاء بمكانتها، بمحلّ خاصٍّ من الرعاية والاهتمام والتركيز، ونقترح هنا أن تقوم على شأن هذه الرؤية وهذا المخطّط جهة مركزيّة واحدة على مستوى الوطن العربي، ولتكن الجامعة العربيّة، خاصّة مع اهتمام هذه الجامعة بما أسمته " تمكين اللّغة العربيّة " في القمم العربيّة مؤخّراً.
وتقوم هذه الجهة على وضع الرؤية والسياسات والاستراتيجيات، وتمثل فيها جميع الدول العربيّة، وممثّل أو أكثر عن الدول الإسلامية غير الناطقة بالعربيّة، وممثّل عن الجاليات العربيّة في بلاد المهجر، وتمثل فيها الجامعات العربيّة، ووزارات التربية والتعليم والمجامع اللّغويّة، ويستعان فيها بكلّ الخبرات والعقول العربيّة المبدعة في شأن اللّغة العربيّة، مع الإفادة من خبرات شركات الأنظمة الحاسوبيّة العربيّة المتخصّصة في برامج التعليم والتعلّم وبرمجيّاته.
وينبغي أن تحيّد هذه الهيئة عن الخلافات السياسيّة، ويكون لها صفة الديمومة والعمل بغضّ النظر عن صيغة العلاقات بين الدول العربيّة. كما تعدّ قرارات هذه الجهة أو هذه الهيئة مُلْزِمة عربيّاً بحيث تستوعبها تشريعات الدول العربيّة وأنظمتها، وأن توضع موضع التنفيذ مباشرة. وينبغي أن يوضع بتصرّف هذه الهيئة الأموال اللازمة لإنجاز أعمالها، ولإنتاج ما يلزم من البرمجيّات الحاسوبيّة المتطوّرة، وتصميم المواقع المتخصّصة بالعربيّة وشؤون تعليمها وتعلّمها، ولرفدها بكل جديد.
ولا بدّ أن تقوم هذه الهيئة برسم صورة لما ينبغي أن تكون عليه برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة في الوطن العربي بحيث تأخذ سمتاً واحداً على امتداد هذا الوطن، وأن يتخرّج الطلاّب المعلِّمون فيها على سويّة واحدة متميّزة ومحقّقة لأغراض هذه البرامج، وعلى رأس هذه الأغراض إعداد معلِّمين متميزين همّهم رفع كفايات اللّغة العربيّة عند أبنائها، ووضع هذه اللّغة في القمّة التي تستحقّها لتعود عنواناً للإنجاز الحضاري الإنساني، وإن لم يتحقّق هذا، فلتكن الهيئة على مستوى الوطن الأردني، ويجتمع فيها كلّ خبرة وكفاءة من علماء العربيّة وخبراء التربية والمجمعييّن والساسة، ويستمر عملها لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد لعامين آخرين؛ لضمان التجدّد والكفاية والاستمرارية.
2. أن تكون الجامعات دون غيرها محاضن هذه البرامج بغضّ النظر عن المرحلة التعليميّة التي سيعدّ المعلِّم لتعليمها.
3. أن تنشأ كلّية خاصّة لإعداد معلِّمي اللّغة العربيّة في جامعة أو أكثر من الجامعات الأردنيّة، وتقدِّم هذه الكليّة برامج البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وبحسب إمكانات الجامعة، وأن تقِّدم هذه الكلّية مجموعة من التخصّصات الفرعيّة مثل :
- تخصّص إعداد معلِّم اللّغة العربيّة لطفل ما قبل المدرسة.
- تخصّص إعداد معلِّم اللّغة العربيّة للصف الأول الابتدائي.
- تخصّص إعداد معلِّم اللّغة العربيّة للمرحلة الابتدائيّة الدنيا (2+3+4).
- تخصّص إعداد معلِّم اللّغة العربيّة للمرحلة الابتدائيّة العليا.
- تخصّص إعداد معلِّم اللّغة العربيّة للمرحلة الثانوية.
- تخصّص إعداد معلِّم اللّغة العربيّة للمبدعين.
- تخصّص إعداد معلِّم اللّغة العربيّة لذوي الحاجات الخاصّة.
- أخصّائي تصميم البرمجيّات اللّغويّة في العربيّة للصغار.
- أخصّائي تصميم البرمجيّات اللّغويّة في العربيّة للكبار.
- أخصّائي إعداد المناهج اللّغويّة للّغة العربيّة.
وهكذا بحيث تحصر التخصّصات الكاملة لإنجاح تعليم اللّغة العربيّة ضمن حزمة متكاملة، ويتم تعيين أولئك المعلِّمين في المدارس وفقاً لهذه التخصّصات، بحيث يكون في المدرسة معلِّمون للمراحل التعليميّة المختلفة فيها، وأخصّائيون في إعداد البرمجيّات وتنفيذها وتطويرها، ومعلِّم للتعامل مع المبدعين، ومعلِّم لذوي الحاجات الخاصة، إذا وجدوا في المدرسة. ويعمل أولئك كفريق واحد متكامل لتحقيق النجاح لدرس العربيّة.
4. خطط الدراسة في هذه الكلّية ينبغي أن تكون خلاصة جهد الخبراء اللّغوييّن والتربويّين العرب وعلماء اللّغة العالميّين، وتنبثق من عمل الهيئة التي أشرنا إليها في البند الأول، وأن يستفاد في وضعها من الدراسات اللّغويّة والتربويّة العربيّة، ومن الدراسات العالمية في تعليم اللّغات. أمّا أعضاء هيئة التدريس فهم أساتذة اللّغة العربيّة، وأساتذة التربية ذوي الخلفيّة اللّغويّة، وأساتذة الحاسوب، ومهندسو البرمجيّات المتخصّصين في برامج تعليم اللّغات وتعلّمها، وأيّ متخصّصين لازمين بحسب مقرّرات الخطّة الدراسيّة. شريطة أن يكون أولئك جميعاً قادرين على تحويل الخطّة الدراسيّة إلى خطّة عمل حقيقيّة وحيّة للارتقاء بالعربيّة، وأن يصدروا جميعاً من مِشْكاة واحدة، ومن خطّة مركزيّة واحدة يتقاسمون أدوارها، وقد يتبادلون هذه الأدوار ويتكاملون فيما بينهم دون تكرار أو تقاطع.
5. لا بد أن يحدث تعاون ملزم بين هذه الكليات على المستوى الأردني وعلى المستوى العربي، وهدف هذا التعاون تدارس الخطط وتطويرها وتبادل الخبرات. ويمكن أن ينبثق عن هذا التعاون تشكيل خبراء ينتقلون بين هذه الكليات لنقل خبراتهم إلى الأساتذة والطلبة، وتبادل المعلومات والبيانات والوسائل التعليميّة، والرسائل الجامعيّة، وأن تربط مكتبات هذه الكليّات ومصادر المعلومات إلكترونياً؛ لإغناء البحث العلمي وتحديد الأولويّات ومتابعة الإنجاز، والوقوف على الثغرات ومعالجتها أوّلاً بأول.
6. لا بدّ أنّ تصمّم برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة بحيث تغطي وتشمل مرحلة ما قبل الخدمة وما بعد الخدمة، ضمن مخطّط متّصل واضح المعالم، وألا يكون هناك تناقض بين المرحلتين، وأن يسير المعلِّم بالهمة ذاتها من قبل ومن بعد، ليجدّد نفسه ومعلوماته ويرفد نفسه بكلّ جديد، إن على صعيد اللّغة أو على صعيد التقنيات الحاسوبيّة، أو أساليب التدريس وطرائقه.
7. "الاختيار يقي المصارع": إنّ الحصول على مدخلات جيّدة من الطلاّب تسهم في زيادة معدّلات نجاح أيّ استراتيجية لإعداد معلِّم اللّغة العربيّة وتدريبه. ولا بدّ هنا من توفير الحوافز لانتظام الطلبة في برنامج إعداد معلِّم اللّغة العربيّة، من مثل توفير المنح الدراسيّة الكاملة للطلاّب المتميّزين، وبدعم مباشر من الدولة والمجامع والجامعات ووزارات التربية والتعليم والتعليم العالي، وأن يعزّز ذلك بالرواتب المرتفعة والعلاوات التي يحصل عليها خرّيجو هذه البرامج بعد انتظامهم في سلك التعليم.
ويجب أن يدرك القائمون على أمر التعليم في الوطن العربي أنّ الاستثمار في هذا الجانب يمكن أن يعود بمردود اقتصادي ومعنوي كبير على الأمّة جميعاً، وستؤتي هذه الحوافز أكلها أضعافاً حين يتخرّج في هذه الأقسام معلِّمون أكفياء يعيدون للعربيّة سطوعها وتألّقها. ويجب أن يقدِّم المخطّطون الاستراتيجيّون رؤية للجانب الاقتصادي من الموضوع، وكيف يمكن للمعرفة أن تكون ذات مردود أكبر من الموارد الماديّة؛ إذ إن هذه الموارد تحتاج من يوظّفها ويستثمرها بإتقان، واللّغة من أهم الأدوات في ذلك.
وفي هذا الإطار فإنّ كليات إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة ينبغي أن توفّر نظاماً لاختيار أكفأ العناصر. يؤكد (تامبو) أنّ هناك ثلاثة عناصر رئيسيّة تؤدّي دوراً كبيراً في إعداد معلِّم المستقبل. وهذه العناصر هي():
أوّلاً : حسن اختيار المعلِّم وانتقائه بالاستناد إلى معايير معيّنة كمعدل التعليم الثانوي والمقابلة الشخصيّة واختبارات القبول والكشف الطبي.
ثانياً : الكشف عن درجة الانتماء إلى المهنة.
ثالثاً : مهارات النموّ المهني والجانب العلمي للطالب المعلِّم.
ويشير (مايرز) إلى أهم الصفات التي يجب التأكيد عليها في الطالب المعلِّم():
1. حماس واضح نحو مهنة التعليم .
2. عقليّة علميّة متفتّحة .
3. مهارات عقليّة تسهّل عرض الأفكار وتوصيلها إلى الآخر.
4. اهتمام بالآخر .
5. قدرة على التعامل مع الآخر .
ينبغي أن يقوم نظام الاختيار على مجموعة متكاملة من الاختبارات والمقاييس للكشف عن السمات والخصائص النفسيّة والمعرفيّة والعقليّة للمرشّحين للقبول في هذه البرامج. وأن تكون على شكل أدوات قياس صادقة ودقيقة وثابتة وغير خاضعة للمزاج.
إنّ معلِّم اللّغة العربيّة ينبغي أن يتّسم بطلاقة اللسان والذكاء والبداهة والثقافة الواسعة، ومواصفات مناسبة من درجة الصوت وجماله، والقدرة على التواصل. وينبغي أن يخضع لهذه الاختبارات جميع المتقدمين، ويتمّ اختيار الأكفأ دون السماح بتجاوز هذه المواصفات تحت ضغط الواسطة والمحسوبية وتدخّل علية القوم. وينبغي أن يكون شأن لغتنا أهمّ من ذواتنا.
ونقترح هنا أن يشتمل نظام الاختيار على الأدوات التالية :
1. المقابلة الشخصيّة. ويعدّ لها نموذج خاص يشتمل على البيانات العامّة للطالب، والمدرسة التي تخرّج فيها، والمنطقة التعليميّة، والمعدّل التراكمي، ورغبات الالتحاق بتخصّصات الكليّة الفرعيّة، وفيها جزء للمظهر العام والحواس (السمع والبصر والنطق) واللّياقة البدنية، وفيها جزء خاص بإظهار الرغبة في المهنة، والقدرة على التعبير اللّغوي، والثقافة العامّة للطالب.
2. مقياس للاتزان الانفعالي للطالب.
3. مقياس الاتّجاه نحو مهنة التدريس.
4. اختبار قبول خاص بالكليّة يشتمل على اختبار لغوي، واختبار لقياس قدرات الطالب على الفهم والاستدلال وغيرها، واختبار لسمات الشخصية، واختبار للمهارات الاجتماعية (ويمكن أن يكون جزء منه عملياً). وقد أشار تقرير اليونسكو الذي حمل اسم " التعليم ذلك الكنز المدفون" عام (1995) إلى ضرورة أن يتمّ اختيار المعلِّم على أسس تراعي جوانب تتصل بشخصية الطالب وتكوينه النفسي والاجتماعي().
8. لا بدّ من إيجاد وصف دقيق للفلسفة التي تقوم عليها برامج إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة؛ فهذه الفلسفة تعمل مثل الجذر الذي يرتبط بكل التفاصيل، وهو الذي يمدّها بالحياة، ويحفظها ضمن إطار أفق واحد متّسق، وهذه الفلسفة تشكّل خلفيّة فكريّة ومنهجيّة يصدر منها أولئك الطلاّب المعلِّمون ويصدرون عنها، وينتقلون للتعامل مع تلاميذهم وفقها. وهذه الفلسفة ينبغي أن تبنى على الجذور الراسخة للأمّة العربيّة الإسلاميّة، وهذه الأمّة يبدأ كتابها بكلمة "اقرأ"، و"اقرأ باسم ربك الذي خلق" وحدها تكفي لتوصيف فلسفة واضحة لتعليم العربيّة وإعداد معلِّميها. وندعو كذلك إلى انفتاح هذه الفلسفة على ما يحيط بالأمّة من تغيّرات، وما يشهده العالم من تطوّرات، وأن تقوم هذه الفلسفة على تنمية مهارات التفكير الابتكاري والعلمي لدى الطالب المعلِّم، مع تحقيق المفهوم الشامل لعلوم المستقبل والتكامل بينها، وإبراز أهمّية اللّغة العربيّة في كلّ ذلك، وأن تقوم هذه الفلسفة على فكرة أنّ التعلّم تعديل في السلوك وليس مجرّد تراكم المعارف والمعلومات.
9. أهداف البرنامج: ينبغي أن ينبثق عن فلسفة إعداد معلِّم العربيّة أهداف واضحة محدّدة لبرامج الإعداد؛ فوضوح الأهداف معناه وضوح خطّة السير نحو تحقيق هذه الأهداف. ويمكن أن نقترح هنا هدفاً عامّاً واحداً وبعض الأهداف الفرعية.
أمّا الهدف العام فهو تكوين معلِّم اللّغة العربيّة الذي تتوافر فيه الكفايات العلميّة والعمليّة والمهنيّة والثقافيّة والشخصيّة، اللاّزمة لأداء دوره وتحمّل مسؤوليّاته المتّصلة بتعليم العربيّة لسان الأمّة وترجمان فكرها ودينها وحضارتها، على خير وجه.
أما الأهداف الفرعيّة المقترحة فهي ليست على سبيل الحصر ومنها:
1. تكوين معلِّم معتزّ بأمّته وبإرثه الحضاري وبلغته وقيمه.
2. تكوين معلِّم متقن للكفايات المتّصلة بالعربيّة وآدابها ومهاراتها.
3. إكساب الطالب المعلِّم القدرة على التفكير العلمي.
4. إكساب الطالب المعلِّم القدرة على التعلّم الذاتي.
5. إكساب الطالب المعلِّم القدرة على تقويم المهارات والكفايات في العربيّة وآدابها.
6. تخريج معلِّم قادر على توظيف العربيّة للتعبير عن الحياة.
7. أن يقتدر الطالب المعلِّم على الإبداع في توصيل اللّغة، ورعاية الإبداع.
8. أن نعدّ طالبا معلِّما قادراً على التعامل مع المستقبل بنجاح.
10. نظام الإعداد:
تدعو الباحثة إلى تطبيق النظام التكاملي على أن يكون تكاملّياً حقّاً بحيث يدرس الطالب المكونّات الأربعة لبرنامج الإعداد (أكاديمي + تربوي ومهني + ثقافي + تربية عملية) في كلّية واحدة، ضمن حزمة واحدة وأهداف واحدة. وأن يكون هناك تنسيق حقيقي وفعّال لتحقيق التكامل المنشود؛ بحيث يدرس الطالب مواد العربيّة وآدابها بعمق كافٍ، وضمن هدف محدّد هو إعداد معلِّم متخصّص في تعليم اللّغة العربيّة، بحيث يتمكّن من أدوات التخصّص مع أدوات تعليمه للطلبة وتوظيفه في الحياة.
والمحتوى ينبغي أن يطوّع حسب طبيعة برنامج إعداد المعلِّم وأهدافه؛ أي ينبغي ظهور الجانب المهني للتخصّص؛ وحتّى المقرّرات النفسيّة يجب أن تطوّع لخدمة تعليم العربيّة؛ فلا يدرس الطلبة المقرّرات التربويّة والنفسيّة بعيدة عن تعلّم العربيّة؛ فيكون الترابط عضوياً بين مكونّات برنامج الإعداد، ويتوقف بذلك الفصام النكد بين ما يدرسه الطالب في قسم اللّغة العربيّة وما يدرسه في كلّية التربية، والذي تصفه الدكتورة نعيمة عيد في صدر حديثها عن إعداد المعلِّم في البلدان العربيّة تقول: "يجري إعداد المعلِّم سواء في كلّية الآداب، أو في كلّيات التربية على أساس توجيه العناية الأولى لآداب اللّغة وليس للّغة نفسها؛ فالمنهاج في تلك الكلّيات يركِّز على الشعر والنثر والآداب. ويغفل عن المحادثة والتعبير الشفهي،... والنتيجة الحتميّة أن يتخرّج مدرّسون يحفظون قصاصات من تاريخ اللّغة وآدابها، ولكنّهم لا يحسنون استخدامها"().
وندعو كذلك إلى فتح باب للنظام التتابعي، وذلك لمن قرّر متأخّراً (بعد حصوله على درجة البكالوريوس في اللّغة العربيّة وآدابها) أن يتوجّه للتعليم، على أن ينخرط في كلّية إعداد معلِّمي اللّغة العربيّة لمدّة سنتين على الأقل، ويدرس موادّ معيّنة تؤهّله ليكون معلِّما للّغة وليس أخصائّياً فيها.
11. مدّة برنامج الإعداد: ندعو لأن تكون مدّة البرنامج خمس سنوات للحصول على درجة البكالوريوس، ليكون ذلك كافياً للتمكّن من جوانب الإعداد المختلفة لمعلِّم اللّغة العربيّة، ويضاف إليها سنة تدريبيّة أخرى في المدارس، في فكرة تشبه سنة الامتياز التي يخضع لها الأطبّاء حتى نسمح لهم بممارسة المهنة.
ومن الجدير بالذكر أنّ أكثر من (300) مؤسّسة لإعداد المعلِّم في الولايات المتّحدة قد عمدت إلى إضافة سنة خامسة، وبعضها سادسة للحصول على الدرجة الجامعيّة الأولى. كما أشارت الدراسات العالمية إلى أنّ البرامج الموسّعة ذات خمس السنوات تجذب نوعية متميزة من الطلبة، وأن نظام الإعداد في البرنامج الموسّع يزيد من كفاءة ما يتعلّمه الطالب المعلِّم عن مهنة التعليم وكيفية الاضطلاع بها، وأنّ أولئك المعلِّمين لديهم قابلية أكثر للاستمرار في مهنة التعليم من أقرانهم، وأكثر شعورا بالرضى المهني من أقرانهم(). كما ندعو أن يكون الفصل الدراسي (18) أسبوعا وليس (16) أسبوعا.
إن هذا يمكن أن يبلِّغنا إلى درجة مقبولة من التمكّن المنشود في مواد التخصّص، وتعميق الجانب التربوي والمهني، وإعطاء وقت أطول للتربية العمليّة.
12. لابدّ من تحقيق الوحدة بين عناصر عملية الإعداد التربوي والعوامل المؤثرة فيها، وتجنّب المداخل الجزئية للعملية التربويّة حتى لا تنفصل الأهداف عن حقيقة العناصر المشكلة للعمل التربوي، مع إدراك واضح للعلاقة بين الأهداف والوسائل. ونقترح هنا أن يجتمع أعضاء هيئة التدريس في الكلية والإدارات القائمة عليها بالطلبة الملتحقين بالبرنامج، وأن توزّع عليهم الخطّة الدراسيّة، وأن يقدم لهم شرح محوسب عن مكوّناتها، وطريقة عمل مفرداتها مجتمعة في تكوين معلِّم متكامل الشخصية؛ ليبدأ الطالب المعلِّم رحلة التكوين وهو يعلم من أين يبدأ وأين ينتهي، ثم يتابعه بعد هذا مرشد أكاديمي خبير يناقش معه أولاً بأولّ ما تحقق من خطّة التكوين، وما الباقي، وما الذي أنجز في شخصيته التربويّة، وما لم ينجز.
13. لا بدّ من إعادة توصيف المواد التخصّصية كالنحو والصرف وفقه اللّغة و... بحسب الهدف الذي نبتغيه من إعداد معلِّم اللّغة العربيّة. ولا بد من مراجعة الخطّة الدراسيّة وإعادة النظر فيها كل أربع سنوات؛ لمواكبة كل جديد مع تجديد المقرّرات نفسها وتطويرها.
14. لابدّ أن يجتمع في كلّ مقرّر مكوّنات البرنامج الأربعة: الأكاديمي والتربوي والثقافي والتربية العمليّة؛ فبدلا من أن يدرس الطالب علم النحو، مثلاً، هكذا وحده كما هو حاصل الآن، يدرس مقرّراً اسمه "إعداد المعلِّم في علم النحو"؛ فيدرس المحتوى الأكاديمي، إضافة إلى الكفايات المهارية في علم النحو، والكفايات التربويّة المتعلقة بتدريس النحو، والنظريّات النفسيّة التي تعين في تدريس النحو وتوصيله للطلبة، وأن يكون هناك جانب عملي على تعليم النحو وتعلمه لِيُطبَّق فيه كل ما تقدم، وهكذا في كل مادّة.
15. الاستفادة من الأفكار الإيجابيّة في معايير الجودة الشاملة في تشكيل منظومة المعلِّم، وذلك بالتركيز على درجة تميز مرتفعة، من خلال حسن اختيار الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، وتحسين الخدمات المقدمة للطالب وإيجاد التطابق بين مواصفات الخريجين، وما ينتظر منهم من مهام في التدريس.
يقول (جيم دنلسون): "إن من أهم معايير جودة تقييم برامج تكوين المعلِّمين أن تكون أهداف المنهج وموضوعاته واضحة ومعلومة للأساتذة والطلاب، وأن تكون مرتبطة باحتياجات الطلاب والمجتمع، وأن يواكب المنهج ما يستجد من التغيرات المتسارعة في العلم الحديث"().
16. لغة للحياة: إنّ اللّغة بوّابة الحياة ونافذتها الأوسع؛ يقول ابن حزم: "لا سبيل إلى معرفة الأشياء إلاّ بتوسّط اللّغة"(). ويقول الإمام الغزالي: "ولا متكلّم إلا وهو محتاج إلى وضع علامة لتعريف ما في ضميره"()؛ فإعداد معلِّم اللّغة العربيّة معناه تكوين شخص قادر على تدريب الطلبة على التواصل مع الحياة تواصلا ناجحا وملائما ومقبولا؛ فيتعلّم الطالب المعلِّم كيف يعلّم طلبته أن يعبِّروا عن أفكارهم، وعن مواقف الحياة المختلفة كالتعزية والتبريك والحديث في ندوة، والحديث في برنامج تلفزيوني. بل كيف يعبِّرون عن حاجاتهم البسيطة بوضوح وإتقان وإبانة.
يقول طه حسين: "ما أقل ما نبذل من الجهد لنجعل اللّغة العربيّة لغة التعليم؛ فاللغة العربيّة لا تدرس وإنما يدرس شيء غريب لا صلة بينه وبين المتعلم وشعوره وعواطفه"(). وتقول الأستاذة بنت الشاطئ: "إن الأزمة ليست في اللّغة، وإنّما في كوننا نتعلّم العربيّة قواعد صنعة، وإجراءات تلقينية وقواعد صمّاء نتجرّعها تجرّعا عقيماً بدلاً من أن نتعلّمها لسان أمّة ولغة حياة. وقد تحكّمت قواعد الصنعة وقوالبها الجامدة؛ فأجهدت المعلِّم تلقيناً، والمتعلّم حفظاً دون أن تجدي عليه شيئا ذا بال في ذوق اللّغة ولمح أسرارها في فنّ القول"(). ومعنى أن تكون لغتنا للحياة أن نغيّر في طرائق تعليمها، وأن نحسن انتقاء النصوص المعبِّرة عنها، وإعادة النظر في مناهجها وأساليب تدريسها؛ ليتعلّم الطالب كيف يحيا بلغته وكيف يعبر بها عن كل ما حوله باقتدار.
17. معلِّم المستقبل: إنّ تعليم العربيّة في هذا العصر الجديد يقتضي أن نفيد من أحدث النظريّات العالمية في تعليم اللغات، ومن أحدث النظريّات التربويّة، ونظريّات علم النفس، ويقتضي هذا تحديث طرائق التدريس وأساليبه، ويقتضي الإفادة من تقنيات الحاسوب وشبكة الإنترنت، والإفادة من المواقع المتخصصة بتعليم اللغات، بل أن نستحدث مواقعنا الخاصة بجهد الأساتذة والطلبة معاً، وأن نوظف أحدث التقنيات في إعدادهم لينقلوا هم بدورهم كل هذا لطلبتهم، مع مواكبة كل ما يستجد في هذا الباب.
من جانب آخر لابدّ من إعادة صياغة المقرّرات التخصّصية والتربويّة في ضوء استعدادنا لعبور المستقبل بكفاءة. مع الاستفادة مما وصفته اليونسكو من مبادئ يستهدى بها في هذا العبور وهي():
1- تعلّم لتعرف: المهم كيف تعرف، وليس ماذا تعرف، فإتقان أدوات الحصول على المعرفة وأدوات التعامل معها والإفادة منها، هو المهم في عصر تتقادم فيه المعلومات بشكل جنوني، ولابد من ممارسة التعلّم الذاتي.
2- تعلّم لتعمل: من خلال ربط اللّغة بمطالب المجتمع والواقع، واعتياد العمل الجماعي، والتعلّم من خلال العمل ومن أجله واستخدام اللّغة أداة للإبداع.
3- تعلّم لتكون: أي أن نوظف اللّغة أداة للنمو الذهني والإبداع، والانفتاح على الآخر، وتكوين الطابع الشخصي المميز، وتنمية مَلَكة الحكم على الأمور، والمسؤولية الفردية، والتعلّم بالمشاركة، وآليات حل المشكلات، ورفع قدرة الطالب المعلِّم على إدراك البدائل والخيارات المتاحة أمامه.
4- تعلّم لتشارك: علينا أن نتعلّم اللّغة باعتبارها أداة لتحليل الخطاب.
وينبغي أن يقدِّم كل طالب مشروعا للتخرّج، وأن تكون هذه المشاريع في ابتكار كل جديد يخدم تعليم العربيّة، من مثل استحداث برمجيّات حاسوبيّة مناسبة لخدمة العربيّة؛ فالعربيّة غير مخدومة في هذا الجانب أبداً. ولنعمل على توفير "قواعد البيانات، ونظام النحو المحوسب، ونظام الصرف المحوسب، ونظام المعجم المحوسب، والمعالجة الآلية للغة"().
إن تربية عصر المعلومات، التي تتّسم بتضخّم المعرفة وتنوع مصادرها وطرق اكتسابها ووسائط تعليمها، تتطلّب إعداداً خاصّاً للمعلِّم، ينمّي لديه نزعة التعلّم ذاتياً، وأن ينمي قدراته ومعارفه، وأن يكون على اطلاع وثيق بمناهج التفكير وأسس نظرية المعرفة، وأن يكتسب مهارات إدارة الفصل والدرس والمواد التعليميّة المختلفة في بيئة الوسائط المتعددة. إن مهنة التدريس - خاصة تدريس اللّغة العربيّة وفق هذه الرؤية – ستصبح أكثر إثارة. وتكنولوجيا المعلومات ستوسع أفق الرؤيا والحركة للمعلِّم والتلميذ معاً. ويجب أن تدمج هذه التكنولوجيا في جميع مناهج الإعداد منذ السنة الأولى. وعلى برامج الإعداد أن تعد المعلِّم لدور مختلف، دور المشارك والموجّه والمرشد إلى موارد المعلومات، وفرص التعلّم المتاحة عبر الإنترنت. وإن نجاح مؤسّسة الإعداد في عصر المعلومات "يتوقف بالدرجة الأولى على نجاحها في إحداث النقلة النوعية في إعداد المعلِّم، وإعادة تأهيله وكسر حاجز الرهبة لديه في التعامل مع التكنولوجيا، حتى يتأهل للتعامل مع الأجيال الصاعدة التي رسخت لديها عادة التعامل مع هذه التكنولوجيا"().
من جانب آخر فنحن نجدد الدعوة مع (فورست وبيفرلي) إلى أن تتغيّر الظروف التي يعمل في ظلها المدرسون من مثل: ارتفاع المرتبات، وتأمينات العجز والشيخوخة، والتأمين الصحي. وأن يحظى المعلِّمون باستقلالية أكبر في التحكم بشؤون عملهم، ودور أوسع في صنع السياسات التربويّة. وأن يكون هناك قدرة أكبر على تمييز المعلِّمين الأكفياء، وأن تعالج خطط الأجور حسب الاستحقاق والجدارة، وأن يحقق معلِّمو المستقبل مستويات أحدث وأرقى من التخصّص. إن هذا يتطلّب الكثير من العمل الجاد و الأفكار الخلاّقة من المعلِّمين().
18. لابدّ أن تبتعد المواد التربويّة والنفسيّة والتخصّصية عن التنظير، وأن ترتبط بما سيجري في الفصول الدراسيّة في المدرسة. ولابدّ أن يُلغْى التكرار فيها، وأن يحدث فيها نوع من التكامل، مع إضافة موضوعات حديثة تسهم في تكوين معلِّم المستقبل، مثل:
· العربيّة والإنترنت.
· توظيف الحاسوب في تعليم العربيّة وتعلّمها.
· الإبداع وقضاياه في اللّغة العربيّة.
ولابدّ من تدريب المعلِّم على المهارات العقليّة المتّصلة بالقدرة على التعليم والتعلّم الذاتي، والقدرة على فهم مواقف جديدة، والتعامل معها، والقدرة على مواجهة المشكلات، والقدرة على التعلّم بالاكتشاف. مع الاهتمام بإضافة بعد رابع إلى جوانب الإعداد وهو الإعداد الاجتماعي والشخصي؛ وذلك أنّ شخصيّة المعلِّم تنعكس على التلاميذ. إنّ السمات الإيجابيّة للمعلِّمين تترك أثراً إيجابياً والعكس صحيح تماماً. كما ينبغي، إضافةً لإتقان مادّة التخصّص، أن يكون الطالب المعلِّم مقتدرا على إبراز علاقة العربيّة بمجالات المعرفة الأخرى، وإبراز وظيفة اللّغة وأثرها في حياة الفرد والمجتمع . أمّا عن ترتيب مواد الخطّة الدراسيّة فيجب أن يبنى على دراسات علميّة ذات دلالة إجرائيّة واضحة، ولا بأس من التجريب في المرحلة الأولى. أمّا نسبة التخصّصي إلى التربوي والثقافي فلم تعد مشكلة؛ لأنّنا نفترض أن توجد هذه الأطر في كل مقرّر، ولابدّ من إدخال الجانب التطبيقي والميداني في المقرّرات التربويّة والتخصّصيّة جميعاً.
19. لابدّ من تجهيز الكليّات بالمختبرات والورش والمكتبات المتخصّصة والوسائط وأجهزة الحواسيب. وأن يوفّر كلّ ما يلزم من بنية تحتيّة لإعداد معلِّم المستقبل، مثل: موارد المعلومات اللّغويّة، وقواعد الذخائر والنصوص للتراث اللغوي والأدبي، والمعاجم الحديثة. وندعو إلى إنشاء محطّة فضائيّة متخصّصة بشؤون تعليم اللّغة العربيّة وإعداد معلِّميها. بل أن يشارك أساتذة الكلية وطلبتها في هذه المحطة بإنجازهم وإنتاجهم.
عشرون: تمثِّل التربية العمليّة ركيزة أساسيّة في خطط إعداد معلِّم اللّغة العربيّة، كونها تشكِّل الإطار الذي سيتمّ فيه توظيف المعلومات النظريّة وتطبيق المبادئ التربويّة والنفسيّة، ومن خلالها يكتسب المتدرّب الاتّجاهات الإيجابيّة نحو مهنة التعليم، كما يكتسب مهارات التدريس الأساسيّة، ويتعرّف كذلك على المشكلات وكيفيّة مواجهتها؛ مما يساعد في التكيّف مع متطلّبات المهنة بظروفها وبيئتها المختلفة). إنّ الجانب النظري لا يصنع معلِّماً، خاصة في تخصّصٍ مبنّيٍ على التواصل للحياة مثل العربيّة. وهنا تقترح:
1- أن تكون التربية العمليّة جزءاً من كلّ مقرّر، وأن يتم جزء من ذلك داخل مؤسّسة الإعداد، وعلى شكل حلقات تعلّم صغيرة أو غيرها.
2- أن تبدأ التربية العمليّة منذ اليوم الأول وحتى التخرّج وفق تدرّج مقبول؛ "فأطفال مدارسنا ليسوا حقل تجارب"().
ويمكن أن نبدأ بمرحلة التحسّس ونطلق عليها اسم التدريب العملي (1)، بأن يتردّد الطالب على مؤسّسة مدرسيّة لمدّة أسبوع مثلاً. ويشارك في النشاطات الثقافيّة التي تقيمها المدرسة، وقد يحضر اجتماعاً للمعلِّمين، وقد يحضر اجتماع الآباء أو الأمهات، وقد يشارك في رحلة مدرسيّة، وقد يشارك في معرض مدرسي، وقد يراقب قاعات الطعام وساحة الاستراحة، وقد يشارك في الإعداد للإذاعة المدرسيّة. وهذه تسمح للمشرف بعزل الطلبة غير الجديرين كلّياً بمهنة التعليم، وينصحهم بأن يجدوا توجّهاً آخر. ثمّ في مرحلة لاحقة يمارس الطرق والتقنيات التربويّة والأسس النظريّة لعلم النفس، وتحضير الدروس، واستخدام التقنيات، وتنظيم دراسة للوسط الدراسي، ونطلق عليها اسـم التدريب العمـلي (2).
ثمّ مرحلة تحمّل المسؤولية، ويكون ذلك تدريجياً، بحيث يوضع المربّون الشباب في صفوف يقودها مستشارون تربويّون محنّكون ويتلقّون المساعدة في حال وجود صعوبات، ونطلق عليها اسم التدريب العملي (3)، مع إقامة حلقات دراسيّة حول الصعوبات التي يلاقيها المتدرّبون، ويجري معالجة الحلول المقترحة للمشاكل بشكل جماعي، ويتخلّل ذلك التعليق على زيارات الصفوف. عليه وفي التدريب العملي (4) يقيم الطلبة في المدرسة لفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وتحت إشراف أساتذتهم.
3- إطالة المدّة التي يقضيها الطالب المعلِّم في التربية العمليّة.
4- تنويع الأنشطة العمليّة التي يقوم بها الطالب المعلِّم.
5- التدقيق في اختيار المشرفين ممن تتوافر فيهم الخصائص الشخصيّة والخبرات الميدانيّة فضلا عن التميّز الأكاديمي.
6- التدقيق في اختيار المدارس المتعاونة، ووضع معايير لها من حيث التجهيزات والسمعة العلميّة، وتوافر التجهيزات وتميّز الإدارة.
7- توفير نماذج تقويم دقيقة لئلا تكون الدرجات عشوائية أو مزاجية، بل وفقاً لتحقيق الكفايات المنشودة.
21. التدريب أثناء الخدمة: سبق أن أشرنا إلى ضرورة وجود سنة امتياز بعد التخرّج، تتمّ تحت إشراف الكليّة، وأن تكون السنة الأولى للخرّيج في العمل تحت إشراف كلّيته كذلك، مع ضرورة تزويده بكل جديد من خلال الدورات التدريبية التي تعقد دورياً. خاصّة مع تطوّر نظريّات علم اللّغة والتربية وعلم النفس، وفي ضوء تطوّر تقنيات تعليم اللّغات؛ فالتعلّم والتدرّب ينبغي أن يكون مدى الحياة، ومن خلال منهجيّة تتضمّن مشاركة الكلية لعملية التدريب، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم.
22. الإعداد وفقاً لنظام الكفايات: نحن ندعو إلى استخدام التربية القائمة على الكفايات وتعرّف (باتريشيا) الكفايات بأنها "الأهداف السلوكية المحدّدة تحديداً دقيقاً، والتي تصف كلّ المعارف والمهارات والاتجاهات التي يعتقد أنّها ضرورية للمعلِّم، إذا أراد أن يعلّم تعليماً فعالاً، أو أنّها الأهداف العامّة التي تعكس الوظائف المختلفة التي على المعلِّم أن يكون قادراً على أدائها"().
إن التربية القائمة على الكفايات تشتمل على معايير لتقدير الإدراك وتقويمه، ومعايير لتقدير الأداء أو السلوك التعليمي وتقويمه، وهي تربية "تساعد المعلِّم على الإبداع" وفقاً لـِ " ليونارد"().
وفيما يتّصل بتعليم العربيّة فهناك جوانب من الكفاية المتّصلة باللّغة، وهناك جوانب تربويّة ونفسيّة؛ أما فيما يتعلق بالكفاية اللّغويّة فإن معيارها ينبغي أن يقسّم إلى المستويات التالية():
- المستوى الموضوعي (المعرفي) وينتظم: الأصوات، والصرف، والدلالة، والنظم، والإعراب، والبيان، ونظام الكتابة .
- المستوى الوظيفي: مثل: شكل أواخر الكلم، وضبط أبنية الكلم، والكتابة الصحيحة، والترقيم، والفهم والاستيعاب، والتلخيص، والتعبير .
- المستوى المنهجي: مثل: استعمال المراجع الأساسيّة، واستعمال المعجم، واستعمال المعاجم الاصطلاحية، وغيرها.
- المستوى التطبيقي الخاص: من مثل اكتشاف الأخطاء النحوية والصرفية وتصحيحها، وأحكام العدد، وأحكام همزات الوصل والقطع، وإسناد الأفعال إلى الضمائر وغيرها.
- المستوى الفني الإنشائي: من مثل تحرير نص للنشر، إنشاء نص: مقالّة، قصّة، تحويل السرد إلى حوار، وغيره.
أمّا تجليات الكفاية فينبغي أن تمرّ بنصوص من التنزيل، والحديث، والأمثال، والوصايا، والخطب، والحكاية، والمقامة، والسير، والرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية، والمقالة، والشعر والشعر الحديث، والإعلان().
ولابدّ من تمايز في مستويات المتخصّص. ترصدها نماذج التقويم في نظام الكفاية، وفي صياغتنا لكفايات النظام اللّغوي فإن علينا أن نسترشد بالنظريّة اللسانيّة في تفسير الظاهرة اللّغويّة من حيث هي نظام يأتلف من مستويات فرعيّة؛ صوتيّة، وصرفيّة، وتركيبيّة، وإعرابيّة، ومعجميّة، وأسلوبيّة، يترجم عنها نظام الكتابة في حال الرسم . وهذه المستويات تتمايز عند النظر لكنّها تترابط في الأداء ترابطاً عضويّاً، " إذا استدخل المتعلّم قواعدها حصلت له بها كفاية لغوية تمكّنه أن يصبح قادراً على الأداء اللغوي في مظاهرة الوظيفيّة المتعددة: القراءة الجهرية والصامتة، والاستماع، والتعبير الكتابي والتعبير الشفوي"().
فليس من الصواب تعليم العربيّة أشلاء متباينة؛ فإن الشكل والمضمون في اللّغة وحدة عضويّة لا تنفك، وإن تجزئة اللّغة من هذه الجهة لا يستقيم. وليس سديداً أن تعلّم الأصوات مفردة، وليس مجدياً أن تعلّم القاعدة بمعزل عن سياق استعمال حي أو نص مشرق؛ فلابدّ من رصد الكفايات المعرفيّة التي نحدّد فيها مكوّنات النظام اللّغوي ليستوعبها المنهاج، ويتناولها الكتاب بشكل متسلسل ومتكامل، ولابدّ من تحليل ذلك على شكل مهارات يسهل قياسها، ورصد مستوى الأداء فيها؛ أي لابدّ من "ائتلاف اللّساني والوظيفي"().
ولابدّ من تمثّل بنية اللّغة في وضع المناهج سواء في المدارس أو في مؤسسات الإعداد، وبالاستنارة بالمشروع اللّساني الذي وضعه د. نهاد الموسى؛ فإنّنا ندعو إلى أن يشترك فريق من العلماء (من اللّغويين والتربويّين) بضبط صورة العربيّة، بأصواتها وصرفها ونحوها ومفرداتها الدلالية وأنحائها الأسلوبية واعتباراتها السياقية، في عمل منهجي، وفي صورة إن جرى عليها المتعلّم أنشأ كلاماً فصيحاً لا تخالطه الشوائب، وأن نسوّي للعربية صورة رشيقة محدّدة الملامح متدرّجة العناصر، وفقاً لنسبة دورانها في الاستعمال، ووفقاً لمقاصدنا العلميّة من درس العربيّة وتدريسها .
"وبمثل هذا يكون مستوى الموضوع في تدريس العربيّة مستقّراً منضبطاً، وتصبح طريق السير في تدريسها بينّة المعالم متتابعة المراحل، تفضي بنا إلى غاياتنا بلا نكوص"(). ثم نحوّل هذه المعارف في المستوى الوظيفي إلى مهارات دقيقة محدّدة الملامح؛ فلا نكتفي بهدف عام مثل "أن يتقن الطالب القراءة الجهرية"، بل علينا أن نفصِّل هذا إلى أهداف محدّدة صغيرة يسهل قياسها. وتصبح المهارات الأربعة على شكل عناصر محدّدة متدرّجة متكاملة.
أمّا تقييم الكفايات فينبغي أن يعتمد على معيار دقيق يضمن إتقان التلميذ للنظام الصوتي والصرفي ونظام النظم والإعراب ونظام الكتابة في مستوى الأداء الوظيفي.
"ويتمظهر هذا الأداء في القراءة بالعربيّة قراءة جهرية جارية على وفق القواعد المتقدمة، شفافّة عن متباينات المعاني، تنأى عن الرقابة، وتتبين في: قراءة صامتة لمّاحة، واستماع متيقظ، وتعبير شفوي رشيق طبيعي عفوي مقنع، وتعبير كتابي موافق للمقام، مستقيم على قواعد العربيّة جميعاً"(). وتستتبع الكفاية اللّغويّة في المقصود بها هنا مطالب إضافيّة هي من مستلزمات ما تقدم، وأبرزها القدرة على استعمال المعجم اللغوي لتحقيق الدلالات وضبط الأبنية، واستعمال المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم وغيرها.
ويمكن أن نبدأ مع الطلبة المعلِّمين باستحضار وحدة من الكتاب في المنهج المقرّر لطلبة المرحلة التي سيدرسونها، ونعلّمهم كيف يعلّمون هذه الوحدة بتآلف نُظُم العربيّة مجتمعة، وعلى نحو يحقق جميع الكفايات .
23. التقويم: هذا البرنامج الطموح لا يعني شيئاً ما لم تتوافر له أنظمة تقويم دقيقة تضمن:
- تقويم البرنامج نفسه والعمل على تطويره باستمرار وتلافي الثغرات فيه.
- تقويم المخرجات / الطلبة.
فينبغي أن نعدّ للمهارات نماذج تقويم، وللكفايات المعرفية نماذج تقويم، وللتربية العمليّة نماذج تقويم. إنّ العمل بنظام الكفايات وصياغة الأهداف على شكل خطّة عمل واضحة مبرمجة يجعل إعداد نماذج التقويم أمراً تلقائياً؛ وبذا يقوّم البرنامج والطلبة بكل منهجيّة وموضوعيّة؛ فلا يتخرّج في البرنامج سوى الأكفياء.
هوامش البحث:
() عدس، عبدالرحمن، المعلِّم الفعّال والتدريس الفعّال، دار الفكر للطباعة والنشر، عمّان، ط1، 1996، ص13.
() التل، سعيد، التربية والتعليم في الأردن: نظرية وواقع وطموحات، عمّان، وزارة التربية والتعليم، مديرية المناهج، 1983، ص48.
() إبراهيم، مجدي عزيز، رؤية لإعداد المعلِّم في عصر المعلوماتية. وقائع المؤتمر العلمي الثاني "الدور المتغير للمعلِّم العربي في مجتمع الغد: رؤية عربية"، جامعة أسيوط (18- 20)/إبريل/ 2000، ص(257- 258).
() السيد، محمود، إعداد معلِّم اللّغة العربيّة، بحث مقدم إلى المؤتمر الخمسين لمجمع اللّغة العربيّة في القاهرة، 2009، ص3.
() دندش، فايز مراد، دليل التربية العملية، دار الوفاء، الإسكندرية، ط1، 2002، ص70.
() نفسه، ص113.
() أبودف، محمود خليل، صيغة مقترحة لتكوين المعلِّم العربي على أعتاب القرن الحادي والعشرين، وقائع المؤتمر الثاني "الدور المتغير للمعلِّم العربي في مجتمع الغد رؤية عربية"، جامعة أسيوط، 18-20/ إبريل، 2000، ص11.
() غنيمة، محمد متولي، سياسات وبرامج إعداد المعلِّم العربي، وبنية العملية التعليميّة التعلّميّة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1996، ص9.
() إبراهيم، محمد عبدالرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم في ضوء معايير الجودة الشاملة، دار الفكر، عمّان، ط1، 2003، ص16.
() عدس، المعلِّم الفعّال، ص45.
() رجب، مصطفى محمد، تعليم جديد لقرن جديد، الورّاق للنشر والتوزيع، عمّان، ط1، 2008، ص102.
() نفسه، ص102.
() الكندري، جاسم يوسف، إعداد المعلِّم بجامعة الكويت: الواقع والمأمول، مجلة العلوم التربوية والنفسيّة/ جامعة الكويت، المجلد 3، العدد 3، سبتمبر 2002، ص12.
(14)Higginson, Teacher roles and global change, The 45th session of the International conference on Education, (UNESCO/ GENEVA, 30 Sep- 5 oct), p.27.
() الأحمد، خالد طه، إعداد المعلِّم وتدريبه، منشورات جامعة دمشق، ط1، بلا تاريخ.
() تقرير أمّة معرّضة للخطر: تقرير اللجنة القومية للتعليم بالولايات المتحدة، ترجمة يوسف عبدالمعطي، الكويت، 1984، ص13.
() نفسه، ص23.
() الكندري، إعداد المعلِّم بجامعة الكويت، ص14.
() نفسه، ص14.
() إبراهيم، محمد عبد الرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم، ص195.
() الأحمد، خالد طه، إعداد المعلِّم وتدريبه، ص19.
() نفسه، ص21.
() انظر:
1. وقائع لقاء المسؤولين عن إعداد المعلِّم في دول الخليج، التقرير الختامي، البحرين، مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1987.
2. وقائع مؤتمر التطوير التربوي، وزارة التربية والتعليم، عمّان، 1997.
3. وقائع ندوة إعداد المعلِّم بدول الخليج العربي، الدوحة، مركز البحوث التربوية بجامعة قطر، 1984.
4. وقائع مؤتمر إعداد المعلِّم للألفية الثالثة/ جامعة الإمارات العربيّة، 21- 23 /أكتوبر/2003، دبي.
5. وقائع المؤتمر التربوي العربي/ تربية المعلِّم العربي في القرن الحادي والعشرين/ الجامعة الأردنية، كلية العلوم التربوية، 2-5/ تشرين أول/ أكتوبر/ 1995.
6. وقائع المؤتمر الثاني بجامعة أسيوط: "الدور المتغيّر للمعلِّم العربي في مجتمع الغد: رؤية عربية" جامعة أسيوط، 2000.
7. وقائع المؤتمر الثاني لوزارة التربية والتعليم والمعارف العربي/ المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم، دمشق، 2000/ مدرسة المستقبل.
() مدرسة المستقبل، المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم، وقائع المؤتمر الثاني لوزراء التربية والتعليم والمعارف، العرب، (29- 30) تموز/ 2000، ط1، دمشق، 2000، ص67.
() الكندري، ص16.
() إبراهيم، محمد عبدالرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم، ص195.
() أبودف، محمود، صيغة مقترحة لتكوين المعلِّم العربي، ص13.
() الأحمد، خالد طه، إعداد المعلِّم وتدريبه.
() كتش، محمد، فلسفة إعداد المعلِّم، مركز الكتاب للنشر، القاهرة، ط1، 2001، ص267
() نفسه، ص267.
() غنيمة، محمد متولّي، سياسات وبرامج إعداد المعلِّم العربي، ص167- 168.
() عدس، المعلِّم الفعّال، ص52.
() عبدالله، عبدالرحمن صالح، دور التربية العملية في إعداد المعلِّمين، دار الفكر، دمشق، ط2، 1979، ص69.
() نفسه، ص69.
() الأحمد، إعداد المعلِّم وتدريبه، ص21.
() حجّاج، عبدالفتاح، رؤى مستقبليّة لإعداد المعلِّم العربي في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين، مجلة كلية التربية، جامعة الإمارات المتحدة، عدد خاص بمؤتمر تربية الغد، 1996، ص173.
() نفسه، ص174.
() نفسه، ص174.
() الأحمد، إعداد المعلِّم وتدريبه، ص23.
() حجّاج، رؤى مستقبلية لإعداد المعلِّم العربي، ص190.
() الأحمد، إعداد المعلِّم وتدريبه، ص23.
() إبراهيم، محمد عبدالرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم العربي في ضوء معايير الجودة الشاملة، ص182.
() حجّاج، عبدالفتاح، رؤى مستقبليّة لإعداد المعلِّم العربي، ص179.
() نفسه، ص180.
() فورست باركيه وبيفرلي، فن التدريس، ترجمة نور الدين ساسي، من إصدارات المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم، إدارة التربية، دمشق، 2000، ص325.
() الأحمد، إعداد المعلِّم وتدريبه، ص22.
() ميالاريه، غاستون، إعداد المعلِّمين، تعريب فؤاد شاهين، منشورات عويدات، بيروت، ط1، 1996، ص6.
() الأحمد، إعداد المعلِّم وتدريبه، ص22.
() حجاج، رؤى مستقبلية لإعداد المعلِّم العربي، ص190.
() ميالاريه، المعلِّم الفعّال، ص45.
() عدس، المعلِّم الفعّال، ص45.
() نفسه، ص46.
() الأحمد، إعداد المعلِّم وتدريبه، ص16.
() نفسه، ص18.
() انظر: محمود أبو دوف، صيغة مقترحة لتكوين المعلِّم العربي، ص13، والكندري، إعداد المعلِّم بجامعة الكويت، ص(16- 17).
() ميالاريه، ص(5-9).
() كتش، محمد، فلسفة إعداد المعلِّم، ص248.
() مرعي، توفيق، الكفايات التعليميّة في ضوء النظم، ص15.
() حول النبذة التاريخية عن إعداد المعلِّمين في الأردن، انظر:-
- عبدالرحمن، صالح عبدالله، دور التربية العمليّة، ص35 وما بعدها.
- سليمان، عبيدات وعبدالله الرشدان، التربية والتعليم في الأردن منذ عام (1921- 1993)، جمعية عمال المطابع الأردنية، ط1، 1993، ص(297- 309).
- الرشدان (عبدالله)، والهمشري (عمر)، نظام التربية والتعليم في الأردن (1921- 2002)، دار صفاء للتوزيع والنشر، عمّان، 2000، ص132 وما بعدها.
- التل، أحمد يوسف، التعليم العام في الأردن، منشورات لجنة تاريخ الأردن، سلسلة الكتاب الأم في تاريخ الأردن رقم 7، ط1، 1992، ص82.
- عمايرة، محمد حسن، التربية والتعليم في الأردن، دار المسيرة، عمّان، ط1، 1999، ص93.
- الطعاني، حسن أحمد، النظام التربوي الأردني، وفق رؤية تطويرية، مركز يزيد للنشر، ط1، 2004، ص (165- 169).
() سليمان عبيدات وعبدالله الرشدان، التربية والتعليم في الأردن، ص165. والطعاني، النظام التربوي الأردني، ص195.
() عبدالله، عبدالرحمن صالح، دور التربية العملية، ص37.
() الرشدان والهمشري، نظام التربية والتعليم في الأردن، ص300.
() سليمان عبيدات والرشدان، التربية والتعليم في الأردن، ص166.
() الطعاني، النظام التربوي الأردني، ص195.
() عمايرة، التربية والتعليم في الأردن، ص199.
() الطعاني، النظام التربوي الأردني، ص198.
() كلية تأهيل المعلِّمين العالية، وزارة التعليم العالي، عمّان، 1990، ص(9- 22).
() عبيدات والرشدان، التربية والتعليم في الأردن، ص161.
() عدس، عبدالرحمن والشيخ، عمر: التعليم في الأردن وفلسطين، بلا تاريخ أو دار نشر، ص17.
() نفسه، ص17.
() عمايرة، التربية والتعليم في الأردن، ص168.
() عدس والشيخ، التعليم في الأردن وفلسطين، ص16.
() عمايرة، خليل، نحو اللّغة وتراكيبها، عالم المعرفة، جدة، 1984، ص55.
() علي، نبيل، الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة، العدد 276، ديسمبر، 2001، ص8.
() نفسه، ص12.
() دندش، فايز، دليل التربية العلمية، ص70.
() الرّباعي، عبدالقادر، لغة للحياة وحياة اللّغة، ورقة مقدّمة لندوة الجامعة الهاشميّة "اللّغة العربيّة العامّة، متطلّباً جامعياً، 15/4/2001.
() المبارك، مازن، نحو وعي لغوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979، ص53.
() خليفة، عبدالكريم، تأمّلات في تعليم العربيّة وتعلّمها: قراءة وكتابة، ورقة مقدمة لمؤتمر المجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة، 2009، ص2.
() غنيمة، محمد متولي، سياسات وبرامج إعداد المعلِّم العربي، ص213.
() نفسه، ص249.
() نبيل علي، الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، ص6.
() الرّباعي، عبدالقادر، لغة للحياة وحياة اللّغة، ص2.
() الهوية والعولمة، تحرير صالح أبو إصبع وزميله، جامعة فيلادلفيا، 1999، ص389.
() قورة، حسين سليمان، منطلقات أساسية في تعليم اللّغة العربيّة، مجلة كلية التربية، قطر، مجلد 17، عدد2، 1996.
() توصيات المؤتمرات التعليمية الإسلامية العالمية الأربع، المركز الإسلامي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1983، ص96.
() نبيل علي، الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، ص268.
() فورست وباركيه، فن التدريس، ص131.
() عصفور، جابر، التنوع البشري الخلاّق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997، ص200
() انظر قائمة المصادر والمراجع في هذا البحث.
() الكندري، برامج إعداد المعلِّمين في جامعة الكويت، ص18.
() حجاج، رؤى مستقبلية لإعداد المعلِّم العربي، ص191.
() تقرير أمة في خطر، ص30.
() الكندري، برامج إعداد المعلِّمين بجامعة الكويت، ص17.
() عدس والشيخ، التعليم في الأردن وفلسطين، ص47.
() الرشدان والهمشري، نظام التربية والتعليم في الأردن، ص52.
() نفسه، ص48.
() كتش، فلسفة إعداد المعلِّم، ص213.
() غنيمة، محمد متولي، سياسات وبرامج إعداد المعلِّم العربي، ص166.
() كتش، فلسفة إعداد المعلِّم، ص225.
() نفسه، ص266.
() ميالاريه، ص12.
() عمايرة، إسماعيل، نظرات في التعليم الجامعي في أقسام اللّغة العربيّة، ورقة مقدمة إلى ندوة "اللّغة العربيّة: متطلباً جامعياً، الجامعة الهاشمية 15/4/2001، ص1.
() نفسه، ص2.
() نفسه، ص3.
() نفسه، ص4.
() نفسه، ص4.
() نفسه، ص4.
() نفسه، ص5.
() نفسه، ص6.
() طعيمة، رشدي أحمد، والناقة، محمود كامل، اللّغة العربيّة والتفاهم العالمي: المبادئ والآليات، دار المسيرة، عمّان، ط1، 2009، ص84.
() عبدالرحمن، عائشة، لغتنا والحياة، دار المعارف المصرية، القاهرة، 1969، ص7.
() كتش، محمد، فلسفة إعداد المعلِّم، ص248.
() عدس والشيخ، التعليم في الأردن وفلسطين، ص16.
() ميالاريه، ص7.
() نفسه، ص7.
() نفسه، ص12.
() أبودف، صيغة مقترحة لتكوين المعلِّم العربي، ص22.
() د. نهاد الموسى، الأساليب مناهج ونماذج في تعليم اللّغة العربيّة، دار الشروط، ط1، 2003، ص166.
() كتش، فلسفة إعداد المعلِّم، ص270.
() جلهوم، عدلي عزّازي، فعالية برامج إعداد المعلِّم اللّغة العربيّة في كليّات التربية، وقائع المؤتمر الثاني لجامعة أسيوط، الدور المتغيّر للعالم العربي في مجتمع الغد، أسيوط، 2000 ص137.
() إبراهيم، محمد عبد الرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم، ص205.
() نفسه، ص206.
() نفسه، ص206.
() ميالاريه، ص35.
() إبراهيم، محمد عبد الرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم، ص205.
() بشارة، جبرائيل، متطلّبات الثورة العلميّة والتكنولوجيّة في التكوين المهني للمعلِّم، المجلّة العربيّة للتربية/ الإمارات العدد الأوّل، 1983، ص(110- 111).
() كتش، فلسفة إعداد المعلِّم، ص270.
() نفسه، ص270.
() غنيمة، متولّي، سياسات وبرامج إعداد المعلِّم العربي، ص135.
() تقرير أمة في خطر، ص23.
() حجّاج، رؤى مستقبلية لإعداد المعلِّم العربي، ص200.
() كتش، فلسفة إعداد المعلِّم، ص133.
() غنيمة، متولّي، سياسات وبرامج إعداد المعلِّم العربي، ص201.
() كتش، فلسفة إعداد المعلِّم، ص270.
() غنيمة، متولي، سياسات وبرامج إعداد المعلِّم العربي، ص199.
() عدس والشيخ، التعليم في الأردن وفلسطين، ص16.
() حجّاج، رؤى مستقبلية لإعداد المعلِّم العربي، ص198.
() نفسه.
() عدس، المعلِّم الفعّال، ص47.
() نبيل علي، الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، ص23.
() عدس والشيخ، التربية والتعليم في الأردن، ص261.
() دندش، دليل التربية العلمية، ص261.
() غدنانة سعيد البنغلي وسمير يوسف مراد، تطوير برنامج التربية العملية في خطّة إعداد المعلِّم، مجلّة مركز البحوث التربوية، جامعة قطر، السنة 12، العدد 23/يناير/2003، ص(29- 65).
() عبدالرحمن صالح عبدالله، دور التربية العمليّة، ص82.
() إبراهيم، محمد عبد الرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم، ص208.
() نفسه، ص213.
() غدنانة سعيد البنغلي وزميلها، ص64.
() إبراهيم، محمد عبد الرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم، ص213.
() دندش، ص261.
() إبراهيم، محمد عبد الرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم، ص218.
() نفسه، ص219.
() ماري ميشيل كوترمان، وزملاؤها، تكوين معلِّمين مهنييّن، من إصدارات المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (ترجمة نور الدين ساسي)، دمشق، 1998، ص3.
() نفسه، ص6.
() الكندري، إعداد المعلِّم بجامعة الكويت، ص13.
() الشيخ (عمر)، المعلِّم الذي نريد للقرن الحادي والعشرين، ضمن كتاب المدرسة الأردنية وتحديات القرن الحادي والعشرين، دار الفارس، عمّان، ط1، 1999، ص95.
() عبدالسميع، (مصطفى) وحوالة، (سهير محمد)، إعداد المعلِّم: تنميته وتدريبه، دار الفكر، عمّان، ط1، 2005، ص16.
() شحاته، حسن، نحو تطوير التعليم في الوطن العربي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 2003، ص27.
() عدس والشيخ، التربية والتعليم في الأردن، ص45.
() حجّاج، ص132.
() نفسه، ص133.
() الكندري، إعداد المعلِّمين بجامعة الكويت، ص15.
() الكندري، إعداد المعلِّمين بجامعة الكويت، ص16.
() مزعل (جمال أسد) ومحمد (داود ماهر)، تقييم أداء مؤسّسات إعداد المعلِّمين في عمليّة إعداد المعلِّم، المجلّة التربويّة، جامعة الإمارات العربيّة المتحدة، العدد الخامس، 1985، ص37..
() علي، نبيل، الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، ص262.
() الأحمد، إعداد المعلِّم وتدريبه، ص39.
() راشد، علي، اختيار المعلِّم وإعداده ودليل التربية العملية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1996، ص19.
() أبودف، محمود، صيغة مقترحة لتكوين المعلِّم العربي، ص13.
() الشيباني، تكوين المعلِّم العربي، مجلة كلية التربية، جامعة الإمارات العربيّة المتحدة، عدد خاص بمؤتمر "تربية الغد"، 1996، ص192.
() ميالاريه، ص11.
() علي، نبيل، الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، ص262.
() الخولي، أمين، محاضرات عن مشكلات حياتنا اللغوي، معهد الدراسات العربيّة، القاهرة، 1958، ص3.
() علي، نبيل، الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، ص272.
() نفسه، ص273.
() نفسه، ص285.
() نفسه، ص286.
() نفسه، ص290.
() نفسه،
() حجّاج، رؤى مستقبليّة لإعداد المعلِّم، ص192.
() المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم، واقع إعداد المعلِّمين في الوطن العربي، تونس، 1982.
() السيد، محمود، تعليم العربيّة في الجامعات العربيّة بين الواقع والطموح، مجلّة المعرفة، وزارة الثقافة، دمشق، ص7/1984، مجلد 23، العدد 270.
() إبراهيم، محمد عبدالرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم العربي، ص132.
() عدس، المعلِّم الفعّال، ص47.
() الكندري، برامج إعداد المعلِّمين في جامعة الكويت، ص17.
() نفسه، ص25.
() نبيل علي، الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، ص242.
() د. نعيمة عيد، حلقة تعليم اللغات الأجنبيّة في التعليم العام والفني في البلاد العربيّة، دمشق، 1974، ص54.
() إبراهيم، محمد عبد الرزّاق، منظومة تكوين المعلِّم في ضوء معايير الجودة الشاملة، ص20.
() نفسه.
() ابن حزم الأندلسي، التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامّة والأمثلة الفقهية، تحقيق إحسان عباس، بيروت، 1959، ص155.
() الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، ط1، 1937، ص29.
() طه حسين، في الأدب الجاهلي، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1937، ص23.
() عائشة عبد الرحمن، لغتنا والحياة، ص119.
() مدرسة المستقبل، ص112.
() نبيل علي، الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، ص271.
() نفسه، ص273.
() فورست وبيفرلي، فنّ التدريس، ص324.
() ميالاريه، ص42.
() الفتلاوي، سهيلة، الكفايات التدريسية، دار الفكر عمّان، ط1، 2003، ص28.
() نفسه، ص29.
() د. نهاد الموسى، الأساليب مناهج ونماذج، ص243.
() نفسه، ص244.
() نفسه، ص247.
() نفسه، ص249.
() نفسه، ص251.
() نفسه، ص254.
التّعقيبات والمناقشات
سعاد عبد الرحمن/ طالبة دكتوراه/ الجامعة الأردنية
وجَّهت سؤالاً للدكتورة خلود تقول فيه: إذا كان واقع الحال التعليمي كما عرضتم، وكما نشهد، فما هو الحل في ظل هذه الظروف، وكيف يمكن تنفيذه على أرض الواقع؟
مصطفى الغرابلي/ طالب دكتوراه/ الجامعة الأردنية
يشير السيد مصطفى إلى تجربة في وكالة الغوث فيما يتعلَّق ببرامج إعداد المعلمين، إذ يكون الخرِّيج غير مؤهّل تربويَّا؛ فيخضع في هذا البرنامج لمئة وخمسين ساعة تدريبيَّة على مدار سنة كاملة في برنامج تأهيل للمعلمين، يتناول فيها المواد التربوية والمواد المسلكية وبعض المواد التخصصيَّة التي تساعدهُ في تنفيذ البرنامج الذي يدرسه بيسر وسهولة، فيُفرَّغ الخرِّيج يوماً في الأسبوع ليلتحق بهذا البرنامج.
موفَّق الكفاوين/ مشرف تربية إسلاميَّة
يرى أن ضعف اللغة العربية عند المعلمين متأتٍّ من الجامعات، مشيراً في ذلك إلى مقابلات أُجريت مع معلمي لغة عربية جُدد رُشِّحوا للتعيين في وزارة التربية والتعليم، وقد طُرحت عليهم أسئلة أثناء المقابلات الشخصية، والمفاجأة في الإجابات التي كانت تُثير الضَّحك أحياناً، فلا يمكن أن تصدر مثل هذه الإجابات عن خريجي لُغة عربية.
جابر الشراري/ طالب دكتوراه/ كلية العلوم التربوية
أشار إلى أن برامج التأهيل للمعلمين في الأردن جيدةٌ إلى حدٍّ ما، لكن هناك فجوةٌ بين ما يُعطى في هذه البرامج وبين ما يُمارس على أرض الواقع. وقد يكون السبب هو النظام التعليمي في الأردن: إمَّا بازدواجية تحديد معايير اختيار المعلمين (فقد أصبح التعليم مهنة من لا مهنة له)، وإمَّا بأساليب تقويم أداء المعلمين فعندما يؤهَّل المعلم مسلكياً في الكليات قد لا يُتابع وظيفيَّاً.
أ.د. أمين الكخن
تحدَّث فيما يخص إعداد المعلمين، ورأى أهمية الجمع بين النظرية والتطبيق في كل مادة من مواد تعليم اللغة العربية.
رد د. خلود العموش
دعت د. خلود إلى إعداد متينٍ للمعلم قبل الخدمة، كأن يدرس الطالب في الجامعة ضمن تخصص اللغة العربية المادة التربوية والنفسية إلى جانب المادة اللغوية، وأشارت إلى برنامج في جامعة اليرموك جُمعت فيه المادة اللغوية بالتربوية والنفسية لطلبة الدكتوراه، وهكذا في برنامج ماجستير في الجامعة الأردنية، ولكنها ترى أن هذا جاء في مرحلة متأخرة والأولى أن يكون في مرحلة البكالوريوس، فندرّس، مثلاً، مادة علم النفس اللغوي لطالب اللغة العربية في مرحلة البكالوريوس لخدمة التخصص.
وتقترح د. خلود متابعة المعلم الخرّيج بعد الخدمة من قِبل كلية التربية لمدة سنة على الأقل، كسنة الامتياز التي يجتازها الطبيب.
وفي سياق ردّها على السؤال حول واقع الحال التعليمي تقول: الواقع أمرُّ مما وصفنا، وتورد نقلاً عن د. نهاد الموسى (أستاذ النحو في الجامعة الأردنية) واصفاً حال القراءة لدى طلبة اللغة العربية قوله: "كنت إذا طلبت من أحد الطلبة في كلية اللغة العربية وآدابها قراءة نصٍّ ما، كأني أوقع نفسي في ورطة كبرى، وأشعر والطالب ينطلق في قراءة النص كأنني في سيارة ينطلق بها سائق فَقَد السيطرة عليها، وهي تتسارع بنا إلى قاع وادٍ سحيق؛ إذ كانت الأخطاء تترى على نحو ٍ يتعذّر السيطرة عليه؛ فهو يقرأ وكأنه لا يقرأ!!! يحوّل الرموز المكتوبة بين يديه، لا يبالي أفهم أم لم يفهم، بل يقرأ دون أن تعني له قراءته أنه مسؤول عن فهم ما قرأ، فقد يقرأ نصَّاً يدعو مضمونه إلى الأسى، أو نصّاً يستضحك الثكلى أو نصّاً غرائبيّاً جريئاً، فيمرّ به على إيقاعٍ صوتيٍّ رتيب دون أن يُبدي أيّ انفعال، وهو يغفل عن تصحيح الإعراب، حتى إعراب المواضع الأولية الواضحة التي يعرف قواعدها- لا ريب- لو سُئل عنها سؤالاً مجرّداً؛ إذ تنخسف لديه هُوّة سحيقة بين النظرية والتطبيق.
وترى أنّ الحل هو إنشاء كُليَّة متخصصة للغة العربية تقدِّم خدمات على مستوى الوطن العربي، تجمع بين خبرات اللغويين والتربويين إلى جانب التقنيات الحاسوبية الحديثة. ولا بُدَّ من مادة لسانيات حاسوبية لتوصيف النحو والصرف للحاسوب، والتقريب بين كل هذه الرؤى المتباينة لدى اللغويين والتربويين وغيرهم، وتُرفد هذه الكلية بالمال اللازم والخبرات لتنهض باللغة العربية.
19- أساليب التدريس:




