تعـريب التعـليم الجـامعـي (الجامعة الأردنية نموذجاً)
الأستاذ الدكتور حميد أحمد الحاج
قسم العلوم الحياتية/ الجامعة الأردنية
الأربعاء 9 ذو القعدة 1430هـ- 28 تشرين الأول 2009م
الأستاذ الدكتور عبد الكريم خليفة/ رئيس مجمع اللغة العربية الأردني
أصحاب المعالي والعطوفة
السيدات والسادة
بداية أجد لزاماً عليّ تقديم الشكر الجزيل للأستاذ الفاضل الدكتور عبد الكريم خليفة أن شرفني بالحديث عن "تعريب التعليم الجامعي: الجامعة الأردنية نموذجا ..." وأرجو أن أكون عند حسن ظنه وظن الحضور الكرام.
عندما علمت برغبة الأستاذ الدكتور خليفة في أن يكون موضوع محاضرة اليوم عن تعريب العلوم في الجامعات الأردنية، شعرت بثقل المسؤولية، ذلك أن الحديث عن هذا الموضوع ضمن هذه الدائرة الواسعة من الجامعات الأردنية، وعددها تسع جامعات رسمية، وعشرون جامعة خاصة يتطلب فريق عمل ولفترة ليست بالقصيرة، وبعد المناقشة مع سيادته في جلستين، تم الاتفاق على تغطية هذا الموضوع ضمن دائرة الكليات العلمية في الجامعة الأردنية، وعددها تسع.
وكانت الخطوة التالية، وهي اختيار آلية تنفيذ هذا المشروع، وهنا اخترت أسلوب التعامل المباشر مع أعضاء هيئة تدريس في الكليات المذكورة، وكان ذلك بلقاءات مباشرة، أو باتصالات هاتفية، كان يستغرق كل منها بين 15-20 دقيقة، وبذلك استبعدت الطريقة التقليدية في الحصول على المعلومات من الجهات المعنية، وأقصد بذلك توزيع استبيانات على المعنيين التي باعتقادي لا يُتعامل معها بجدية.
استغرقت فترة البحث ثلاثة أشهر، قابلت واتصلت خلالها بستين عضو هيئة تدريس، ممن يحملون رتبة الأستاذية في كليات: العلوم والزراعة والطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض وعلوم التأهيل والهندسة وتكنولوجيا المعلومات، وبالنظر إلى الجدول رقم 1، يتضح أنني قابلت واتصلت بـ28% من حملة رتبة أستاذ. وأود أن أبين أنني اخترت هذه الشريحة لاعتقادي أنها تحرّرت من ضغوط ومتطلبات الترقية، وبأن أصحابها بلغوا من النضج العلمي والراحة النفسية ما يمكنهم من المساهمة في عملية التعريب، سواء أكان ذلك بالترجمة أم التأليف أم التدريس باللغة الأم، وأكد لي حوالـي 70% ممن قابلتهم في كليتَي العلوم والزراعة (25/35) إيمانهم بتعريب العلوم التي يدرّسوها، وترجموا هذا الإيمان إما بالتأليف أو الترجمة والتدريس باللغة العربية، وتظهر مساهماتهم في الجدول 2.
جدول رقم1: توزيع أعضاء هيئة التدريس فيالكليات العلمية/ الجامعة الأردنية
التسلسل الكـلـية أستاذ أستاذ مشارك+ مساعد المجموع
1 العلوم 59 64 123
2 الزراعة 45 43 88
3 الهندسة 45 73 118
4 الطب 38 103 141
5 الصيدلة 08 25 33
6 طب الأسنان 09 25 34
7 التمريض 01 21 22
8 تكنولوجيا المعلومات 03 26 29
9 التأهيل 02 11 13
المجموع 210 391 601
وأما 30% من تلك العينّة، فقد أعربوا عن عدم قناعتهم بتعريب موادهم العلمية في هذه الظروف، وسأتطرق إلى هذا لاحقاً. وأما الزملاء في الكليات العلمية الأخرى (الطب، وطب الأسنان والتمريض وعلوم التأهيل والهندسة)، فقد أعرب 80% (20/25) عن عدم قناعتهم التدريس باللغة العربية، ولهم أسبابهم. وكانت مساهمة النسبة المتبقية (20%) سواء بالترجمة أو التأليف قليلة، غير أن إيمانهم باستخدام اللغة العربية في إيصال المعلومات لطلبتهم كان جيداً.
أما الأسئلة التي تمّ التركيز عليها مع الزملاء الذين اتصلت بهم فشملت:
أولاً: دوافع الزملاء لاستعمال اللغة العربية في تدريس موادهم العلمية.
ثانياً: مساهمات الزملاء في ترجمة أو تأليف كتب علمية.
ثالثاً: الصعوبات والمعوقات التي يواجهها الزملاء في عملية التعريب.
رابعاً: توجهات طلبة الكليات العلمية بالنسبة للتدريس باللغة العربية.
خامساً: سبل النهوض بتعريب العلوم على المستوى الجامعي.
سأعتبر هذه الأسئلة عناصر أساسية في هذه المحاضرة، ولكن قبل الخوض فيها أود أن أشير إلى سؤالين هما:
أ- ما المقصود بتعريب العلوم، ولماذا التعريب؟
ب- ما بدايات هذه العملية في الجامعة الأردنية؟
وللإجابة عن السؤال الأول، يرى الكثير من المؤمنين والمهتمين بتعريب العلوم أن التعريب يعني: استخدام اللغة العربية في جميع مراحل التعليم وفي البحث العلمي لمساعدة الدارسين على الفهم والاستيعاب وذلك لتحقيق الأهداف التالية:
أ- خلق شخصية عربية إبداعية تمتلك القدرة على إنتاج العلم ونقله إلى شرائح المجتمع.
ب- توحيد الثقافة والمجهود العلمي والفكري في الوطن العربي.
ج- القدرة على المشاركة والتفاعل في الحضارة العالمية المعاصرة.
وبالنسبة للسؤال الثاني أقول: إن بدايات تعريب العلوم في الجامعة الأردنية كانت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، أي قبل حوالي 30 سنة، وهنا لا بد من الإشارة إلى ثلاث شخصيات رائدة لها الفضل في انطلاق هذه العملية، ففي عام 1979، وبرعاية من عميد كلية العلوم آنذاك، المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد سعيدان، وبتشجيع من رئيس الجامعة الأردنية في تلك الفترة، وأقصد معالي الأستاذ الدكتور إسحاق الفرحان الذي كان سباقاً في الحث على تعريب العلوم، وذلك باحتساب أي كتاب يؤلف أو يترجم في أي تخصص علمي لأهداف الترقية، وكان لذلك فعله الإيجابي في تحفيز بعض الزملاء للانخراط في هذه العملية، أما الشخصية الثالثة فهي الأستاذ الدكتور عبد الكريم خليفة رئيس مجمع اللغة العربية الذي عمل على ترجمة تلك الحماسة للتعريب بتبني المجمع ترجمة كتب علمية في كل من مجالات علوم الحياة العامة، والفيزياء، والرياضيات والكيمياء لاستعمالها بتعليم طلبة العلوم في السنة الأولى، وتم بالفعل اعتماد تلك الكتب في العام الجامعي 1980- 1981، كذلك قام المجمع بدعم نشر كتب علمية عِدَّة على مستوى السنة الثانية في مجالات الفيزياء والأحياء والرياضيات، غير أن تلك التجربة أُجهضت وتوقفت بعد سنة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أداء طلبة العلوم في تلك السنة كان مميزاً؛ إذ ارتفعت نسبة العلامات الجيدة إلى 75%، وانخفضت نسبة الرسوب إلى 4%، بينما كانت قبل ذلك بحدود 16-20%، وذلك حسب دراسة موضوعية قام بها الدكتور يعقوب الحلو والدكتور لطفي لطفية من جامعة اليرموك عام 1984.
وفي أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وتحديداً بين عامي 1982-1984 دخلت شركة John Wiley، وهي مؤسسة نشر عالمية، على خط تعريب العلوم، ونشرت كتابين في الكيمياء للدكتور عادل جرار، وكتابين لي في مجال التحضيرات المجهرية الضوئية، وذلك ضمن برنامج الشركة الذي سُمّي Arabook program .
وبين أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي افتتحت جامعة القدس المفتوحة، وطلبت من زملاء في كلية العلوم تأليف عدة كتب علمية، وتم إنجاز ستة كتب في مجالات علوم الحياة والكيمياء والفيزياء وعلوم الأرض والرياضيات.
بعد هذا الاستعراض الموجز لبدايات عملية تعريب العلوم في الجامعة الأردنية، أنتقل إلى الحديث عن: دوافع الزملاء لتعريب العلوم ومدى مساهماتهم في هذا المضمار، إضافة إلى الصعوبات والمعوقات التي واجهتهم، ثم أتطرق إلى توجهات طلبة الكليات العلمية بالنسبة لتعريب موادهم العلمية، وأنهي بالحديث عن سبل النهوض بتعريب المواد العلمية.
أولاً: الدوافع لتعريب العلوم
نتيجة اتصالي بزملائي من مختلف الكليات العلمية في الجامعة الأردنية الذين يؤمنون بتعريب العلوم تدريساً وبحثاً، وبالإجماع، تبين لي بأن دوافعهم لذلك هي:
أ- دينية وقومية.
ب- تأمين بيئة تعليمية تؤدي إلى سلاسة الاتصال بين الطلبة والمدرّسين، بحيث لا يفكر الطالب بلغة ويعبّر عن ذلك بلغة أخرى، كما أن ذلك يوفر بيئة مريحة للتقارب بين الطالب والمدرّس، ويساعد الطلبة على التعبير عن أنفسهم بدون حرج.
ج- توطين المعرفة العلمية في الثقافة العربية.
د- تطوير عملية التأليف والنشر وتحسين صناعة الكتاب العلمي العربي.
هـ- توفير عملة صعبة، لأن كلفة إنتاج كتاب علمي عربي بمواصفات عالمية تكون أقل بـ50% من كلفة كتاب أجنبي.
ثانياً: مساهمات هيـئة الـتدريس بالتعـريب
كما ذكرت سابقاً فإن عدد أعضاء هيئة التدريس من رتبة أستاذ، الذين ساهموا في تأليف أو ترجمة كتب علمية بلغ 42، أي ما نسبته 70% ممن اتصلت بهم، وبالنظر إلى الجدول رقم 2 يتضح مدى هذه المساهمات حسب الكليات العلمية المبيّنة. وتجدر الإشارة إلى أن الذين ساهموا في هذه الإنجازات يستخدمون اللغة العربية في تدريسهم بدرجة جيّدة، وبأن مساهمة كلية العلوم هي الأعلى، يلي ذلك كلية الزراعة.
جدول رقم 2: مساهمات أساتذة الكليات العلمية في تعريب كتب علمية
تسلسل الكـليـة عدد الكتب جـهـة الـنشـر
عمادة البحث العلمي دور نشر خاصة
1 العلوم 105 11 94
2 الزراعة 73 20 53
3 الطب 07 07 00
4 طب الأسنان 00 00 00
5 الصيدلة 00 00 00
6 التمريض 00 00 00
7 علوم التأهيل 00 00 00
8 الهندسة 15 10 05
9 تكنولوجيا المعلومات 02 00 02
المـجمـوع 202 48 154
ثالثاً: الصعـوبات والمـعـوّقـات
بيّن الزملاء المعنيون بتعريب العلوم أنهم واجهوا عدة صعوبات ومعوّقات خلال فترة انخراطهم في هذه العملية، ومن أبرزها:
1. محاصرة التعريب من قبل بعض المسؤولين، وقيل لي إنه كانت تصل لزملاء في بعض الكليات تعليمات تمنع تدريس المواد العلمية باللغة العربية، وقد كان لي تجربة شخصية في هذا المجال، إذ إنني تسلمت كتاباً خطياً من عميد كليّتي آنذاك، وقد كان ذلك قبل سبع سنوات، حيث طلب فيه التوقف عن استخدام اللغة العربية في تدريس مادتي الأجنّة وعلم الأنسجة، وكان ذلك استناداً إلى طلب من رئيس الجامعة في تلك الفترة، وباعتقادي أن ذلك كان مبنياً على تحريض من مستوى إداري أدنى.
2. نظرة بعض الزملاء والطلبة إلى الذين قدموا إنجازات في التعريب، سواء أكانت تأليفاً أم ترجمة، أنها مؤشر على عدم قدرة المعرّبين على استخدام اللغة الإنجليزية في تدريس موادهم العلمية، مع العلم أن الغالبية العظمى من أولئك المعربين حصلوا على الدكتوراه من جامعات أميركية أو أوروبية مرموقة.
3. نظرة بعض الزملاء والطلبة إلى المعرّبين أن هدفهم هو إنتاج كتب بهدف التسويق والربح، والحقيقة أن هذا الادعاء منافٍ للواقع، إذ إن المردود لعملية التعريب شبه معدوم ولأسباب سأذكرها لاحقاً.
4. عدم وجود جهات متخصصة بإنتاج ونشر وتوزيع الكتب المعرّبة، والجهات المعنية بهذا الموضوع هي إما رسميّة، وتتمثل بعمادة البحث العلمي والدراسات العليا التي تتصف ببطء الإنتاج وضعف التسويق، أو دور نشر خاصة تتعامل مع طباعة ونشر الكتب وكأنها سلعة عاديّة، يُنفق عليها أقل الأسعار، وبالتالي تكون جودتها أقل من الوسط، والأدهى من كل ذلك تلاعبها بعملية بيع الكتب وإشعار المؤلفين بأن تسويق تلك الكتب ضعيف، وليس له أي مردود، علماً بأن بعضهم يسوّق أضعاف ما يفصح عنه، بل ويطبع من هذا الكتاب أو ذلك طبعات عِدَّة دون إعلام صاحب العلاقة. إضافة إلى ما تقدم، فإن عملية إنتاج الكتب، سواء أكانت معرّبة أم غيرها، بطيئة جداً، وقد يستغرق إنتاج كتاب ما سنة أو سنتين.
5. عدم وجود مردود معنوي أو مادي يتناسب مع الجهد المبذول في التعريب. فمثلاً، لا يحتسب في الترقية الواحدة إلاّ كتاب واحد، وكما أسلفت، فإن دور النشر الخاصة لا تتعامل مع المؤلف أو المترجم بشفافية، وتمارس معه نوعاً من الالتفاف على حقوقه المادية.
6. عدم وجود فرق عمل تتكامل قدراتها العلمية لإنتاج أعداد معقولة من الكتب المعرّبة وبنوعيّة مميّزة وسرعة فائقة.
7. ندرة وجود معاجم خاصة بالمصطلحات العلمية تساعد المعربين في عملهم وتسرّع في إنتاجهم، وإذا ما توافرت هذه المعاجم فإن الإعلام بشأنها شبه معدوم. كما أن بعض المعاجم المتوافرة غير حديثة، وإذا ما طوّرت فإنها لا ترى النور إلا بعد مرور وقت طويل، وقد خبرت ذلك شخصياً عندما دُعيت للمشاركة بتطوير معجم مصطلحات العلوم الحياتية والزراعة بتكليف من مجمع اللغة العربية الأردني، وكان ذلك قبل اثني عشر عاماً ضمن فعاليات اتحاد مجامع اللغة العربية بدمشق، وحتى الآن لا أعرف ماذا تم من إجراءات لتطوير هذا المعجم.
8. الأعباء التدريسية الكبيرة التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس، التي تمنعهم أو تحد من مساهمتهم في التعريب بشكل أفضل.
9. ضعف تمويل عملية تعريب العلوم.
10. عدم وجود رأي عام يدعم عملية التعريب، ويضغط باتجاه وضع خطة متكاملة ومحكمة لبرمجة وتنفيذ خطة وطنية وقومية؛ لدعمها ودفعها بقوة لتساعد في اللحاق بالنهضة العلمية العالمية المتسارعة.
رابعاً: توجهات طلبة الكليات العلمية بالنسبة لتعريب العلوم
أجمع الزملاء الذين اتصلت بهم وفي جميع الكليات العلمية، على أن نسبة الطلبة الذين يفضلون تعلّم موادهم العلمية باللغة العربية تتراوح بين 75-85%، شريطة أن تستعمل المصطلحات العلمية باللغة الإنجليزية؛ وذلك لسهولة فهم تلك المواد واستيعابها بشكل أفضل.
واسمحوا لي أن أستعرض تجربتي الشخصية في هذا الموضوع. فمنذ حوالي أربعة عشر عاماً درست 2000 (ألفي طالب و طالبة) ولمدة 40 فصلاً دراسياً علوم الأجنة والأنسجة والتحضيرات المجهرية باللغة العربية. وقد درست المصطلحات العلمية في هذه العلوم باللغة الإنجليزية وما يقابلها باللغة العربية. وكنت في بداية كل فصل دراسي أعطي الطلبة حرية الاختيار بين اللغتين العربية والإنجليزية، كوسيلة تواصل معهم وكان جواب 90% منهم أنهم يريدون تعلم هذه المواد باللغة الأم.
وفي آخر استطلاع للطلبة خلال الفصل الحالي، في مادتي علم الأجنة وعلم الأنسجة اللتين سجل فيهما مائة وعشرون (120) طالباً وطالبة، تجدد سؤالي لهم عن طريق (استفتاء دون ذكر اسم الطالب) عن لغتهم المفضلة في التدريس وكانت نسبة من يرغبون باللغة الأم 92% . وفي الاستفتاء نفسه طلبت منهم بيان الأسباب التي تدفعهم لهذا التفضيل فكانت إجاباتهم كالتالي:
أ- إنه من البديهي تعلم العلوم باللغة الأم، وذلك لأسباب دينية وقومية وثقافية.
ب- إن اللغة الأجنبية تشكل عائقاً يحد من درجة استيعابهم وفهمهم للمواد التي يدرسونها، وتقيّد من مشاركتهم في المناقشات الصفيّة.
ج- إن التعليم باللغة الأم يمكِّن الخريج من سلاسة الاتصال مع شرائح مهمة في مجتمعه، مثل طلبة المدارس, خاصة أن قسماً كبيراً من خريجي كليات العلوم يعملون بسلك التعليم. كذلك، فإن التعلم باللغة الأم يساعد خريجي أية كليّة علمية في التعبير عن أنفسهم حول أمور علمية مع الأهل وشرائح مختلفة في المجتمع بيسر، وفي ذلك تعميم للفائدة العلمية، ورفع مستوى الثقافة العلمية في هذا العصر الذي تتسارع فيه الإنجازات العلمية التي تمس حياة الإنسان.
أما الطلبة المعارضون للتعريب، فكانت نسبتهم تتراوح بين 6-9%، وكانت أسبابهم:
أ. إن التعلم باللغة الإنجليزية ييسّر عليهم البحث في المصادر العلمية العالميّة والاستفادة منها.
ب. إن التعليم باللغة الأجنبية يمكّن الطلبة من متابعة الجديد في العلوم، كما أنه يساعد في استكمال دراساتهم العليا في الغرب دون عناء. وكان ردّي على هؤلاء أن بعض الطلبة الذين درّستهم ثلاث مواد علمية باللغة العربية، وهي علم الجنين وعلم الأنسجة والتحضيرات المجهرية تمكنوا من الحصول على درجة الدكتوراه من جامعات غربية مرموقة بكل يسر، بل إن بعضهم درّس مختبرات الأنسجة والأجنة لطلبة أميركيين وغيرهم بكل اقتدار.
خامساً: سبل النهوض بتعريب التعليم الجامعي
يتطلب النهوض بتعريب التعليم الجامعي إجراءات عِدَّة، نستعرض فيما يلي أبرزها:
1. اتخاذ قرار أكاديمي جريء من أعلى سلطة مسؤولة عن التعليم الجامعي، بتفعيل قانون الجامعات الأردنية الذي ينص صراحة على استخدام اللغة العربية في التدريس، وإلزام هيئة التدريس بذلك.
2. الطلب من أعضاء هيئة التدريس ممن هم في رتبة أستاذ مشارك وأستاذ بإنتاج كتاب علمي خلال فترة لا تتعدى السنتين، وتعزيز ذلك بمحفزات معنوية ومادية.
3. تفرغ أعضاء هيئة التدريس المعنيين بالتعريب، إما جزئياً أو كلياً؛ لإعطاء موضوع التعريب حقه من الوقت والتركيز.
4. رصد ميزانية خاصة بشؤون التعريب في كل جامعة لتأمين المراجع والمعاجم المطلوبة.
5. زيادة كفاءة مجامع اللغة العربية والمؤسسات العربية الرسمية والخاصة من حيث التعريف بأنشطتها المتعلقة بالتعريب، والعمل على تسريع إنجازاتها.
6. نشر ما صدر من مصطلحات علمية تقرّها مجامع اللغة العربية بحيث تصل للمعنيين بالسرعة القصوى.
7. وضع قواعد بيانات بأسماء المهتمين بتعريب العلوم في الجامعات العربية، وإنشاء رابطة بينهم يكون أهم أهدافها تعريب العلوم في الجامعات العربية.
8. تأسيس علاقة وطيدة بين الأكاديميين المنخرطين بتعريب العلوم ومجامع اللغة العربية.
9. تشجيع التفاعل بين المشتغلين بالتعريب في الأقطار العربية، وذلك بعقد مؤتمرات دورية يتم فيها تبادل الخبرات في هذا المجال.
10. تشجيع التعريب بإجراءات معنوية ومادية مجزية على المستوى العربي، كما فعلت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.
11. إنشاء أكاديميات عربية مهتمة بشؤون التعريب يكون من مهامها عقد دورات تدريبية منتظمة؛ لتأهيل أعضاء هيئة التدريس في الشؤون المتعلقة بتعريب العلوم، وذلك أثناء خدمتهم.
12. إصدار كتب ومجلات علميّة مبسطة لتثقيف شرائح واسعة من الشعب.
13. تخصيص نسبة معقولة من ميزانية كل جامعة لدعم التأليف والترجمة للأمور العلمية باللغة العربية.
المراجع
1. همام غصيب، مساهمة في ندوة حول تجربة مجمع اللغة العربية الأردني في تعريب التعليم العلمي الجامعي، الموسم الثقافي الأول مجمع اللغة العربية الأردني، 1985، ص 32- 37.
2. همام غصيب، تجربة مجمع اللغة العربية الأردني في تعريب التعليم الجامعي: الإنجازات، والصعوبات، والتحديات، الموسم الثقافي الخامس والعشرون، مجمع اللغة العربية الأردني، 1428هـ، 2007م.
3. محمود السمرة، تجربة مجمع اللغة العربية الأردني في تعريب العلوم، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، 1982، 96-101.
4. منصور السيجمي، تعريب العلوم بين القبول والرفض، إذاعة هولندا العالمية 2006.
5. سليم العوا، تعريب العلوم بين الحلم والواقع، (إسلام أون لاين).
6. منى السعيد الشريف، تعريب العلوم ضرورة حضارية، مجلة الجندي المسلم، 2007.
7. محمود أحمد السيد، إشكالية تعريب العلوم، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، العدد 81.
8. عبد الكريم خليفة، اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، مجمع اللغة العربية الأردني، ط2 1408 هـ 1988م.
التّعقيبات والمناقشات
أ.د. عبدالقادر عابد
رأى أن مهمة التعريب في التعليم الجامعي تقع على عاتق الأساتذة أنفسهم، فإن أخذوا زمام المبادرة بذلك، فستكون الخطوة الأولى نحو التعريب. وأشار هنا إلى تجربة شخصية خاضها وما زال، فهو يدرِّس طلبته في السنتين الثانية والرابعة المادة العلمية باللغة العربية ولا أحد يتدخَّل بشأنه. ويطالب د.عابد الزملاء بأن يحذوا حذوه وألا ينتظروا الإذن من جامعاتهم لتعريب التعليم.
أ.د. عبدالله الكيلاني
نوَّه د. الكيلاني لدور الإعلام فيما يخصُّ التعريب الجامعي، فالإعلام حالياً يشكل قوة ضاغطة، ونحن بأمسَّ الحاجة إلى مثل هذه القوى الفاعلة لتتبنّى ما يُقال ويصدر من توصيات عن هذه المؤتمرات.
أ.د إسحق الفرحان
يرى أنه مهما كان تقصير المجمع والجامعات في قضية التعريب، فالتقصير الحقيقي هو تقصير سياسي، فلو صدرت إرادة سياسية بتعريب التعليم لما استغرق ذلك من الوقت أكثر من ثلاث سنوات.
وأضاف أنه في العصر الحديث لغاتٌ أقل من اللغة العربية عُمراً وشأناً تبنّت لغتها في التعليم، مع احترامنا لجميع اللغات والتي يُعدُّ تعدُّدها حكمة إلهية في الخلق كلغة الفيتناميين مثلاً، فبمجرد خروج أمريكا من فيتنام، في السنة التالية مباشرة كانت اللغة المستخدمة في التعليم الجامعي هي اللغة الفيتنامية.
ويرى د. إسحق أنَّه لو أصبح من أساليب ترقية الأستاذ أو على الأقل الأستاذ المساعد والمشارك إلى درجة أستاذ أن يُترجِمَ كتاباً إلى العربية في علمه ومجال تخصصه؛ لصدرت عشرات الكتب الحديثة الموثوقة المترجمة إلى اللغة العربية، ومن ثم يستفيد منها طلبتنا في الوطن العربي.
إحدى الحاضرات، وهي طبيبة
ترد المتحدِّثة على من قال إن اللغة العربية تقفُ عائقاً أمام طلبة الدراسات العليا في الخارج، مستشهدة بالتجربة السورية في تدريس الطب وغيره باللغة العربية، وتشير إلى الريادة التي حققها خريجو الجامعات السورية في الخارج، وهي واحدةٌ من الذين فاقوا غيرهم وحصلوا على الزَّمالة البريطانية قبل كثير من الزملاء الذين تعلَّموا الطب باللغة الإنجليزية.
أ.د. أمين الكخن
يرى أن يكون اقتراح د. إسحق الفرحان – فيما يتعلَّق بالترجمة إلى العربية وأن تصبح أسلوباً من أساليب ترقية الأستاذ المساعد أو المشارك- توصية من توصيات المؤتمر.
وتوجَّه بسؤال لـِ د. حميد الحاج يقول فيه: إلى أيِّ مدى يوجد تعاون بين أعضاء الهيئات التدريسية في الأردن ومنظمة التربية والثقافة والعلوم؟
د. راجي قبيلات
أيّد ما اقترحه د. إسحق الفرحان بخصوص الترجمة إلى العربية والترقية، وأشار إلى تجربة شخصية مرَّ بها وقد قضى فترةً طويلة من حياته العملية خارج الجامعات يقول: "لقد قمت حتى الآن بتأليف ثلاثة كتب منها (كتاب العلوم الطبيعية)، وهو كتاب 60% منه معرَّب، وقد مضى على إرساله للجنة التحكيم أربعة أشهر ولهذه اللحظة لم تردني نتيجة التحكيم". مشيراً بهذا إلى التعقيدات التي يواجهها الباحث والمؤلف في بلادنا.
ويرى د. راجي أنَّ اللغة العربية لغة حيَّة تستمد حياتها من القرآن الكريم، وحسب الدراسات الحديثة فإن العربية ستكون لغة رئيسة كالإنجليزية وغيرها من اللغات على صفحات (الإنترنت)، ويدعو المخلصين والمنتمين أن يساهموا في هذا المسار لتكون العربية لُغة العلم.
رد أ.د. حميد الحاج
في ردّه على تساؤل د.أمين الكخن عن علاقة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالتعريب أشار إلى مأساة التواصل عندنا بين المؤسسات وقال: "على الصعيد الشخصي لا علاقة تربطني بهذه المؤسسة مع أني – وبكل تواضع- قدَّمت سبعة كتب معرَّبة، ولكن على ما يبدو فإن هذه المؤسسة تدعو أشخاصاً لا علاقة لهم بالتعريب، فلم توجَّه لي أي دعوة للاشتراك في مؤتمرات التعريب، وهنا ندخل بشخصنة الأمور والعلاقة مع الإداريين؛ فإن كانت هذه العلاقة جيدة دُعيتَ للمشاركة بصرف النظر عن علاقتك بالتعريب، وإن لم يكن لك علاقة أصلاً لا من قريب ولا من بعيد، وهذه هي الحقيقة المُرَّة يا سادة".
وضرب د. الحاج مثالاً حَيَّاً على ذلك بأنه والدكتور عبدالقادر وزملاء آخرين لم يدعهم أحد وأخذوا مبادرة ذاتية، ودفعوا الثمن. فهو مثلاً: ألَّف كتابين في التحضيرات المجهرية ليحصل على الترقية الأولى، وكان جهده المكثَّف في التعريب بعد حصوله على درجة أستاذ.
ويؤيد د. الحاج د. سرى سبع العيش في أنّه من يكون ذا مستوى جيد في اللغة العربية يكون كذلك في بقية المواد.
وأيّد أيضاً د. عبدالله الكيلاني بأننا نفتقد إلى وسائل إعلام ضاغطة؛ لهذا تقع على عاتقنا مسؤولية كبرى في ظل ضعف الإعلام في هذه الناحية. ورأى أنه من يؤمن بالتعريب؛ فلينطلق ولا ينتظر قراراً سياسياً، خاصة وأن القانون الأردني لا يمنع التعليم باللغة العربية حتى لو فرضت الجامعات ذلك، فنحن لسنا مخالفين للقانون، فلنكن أقوياء بالحق.
تعليق رئيس الجلسة د. عبدالمجيد نصير على قضية التعريب
برأيه أن المشكلة تكمن في تغيير القوانين، فالقوانين التي تصدر كثيرة، فمثلاً: قانون الجامعات في سنة 1987م، كان يقرُّ التدريس باللغة العربية إلى جانب لغة أجنبية أخرى في حالة الضرورة القصوى لذلك، ثم جاء قانون مؤقت سنة 2001م حذف هذه المادة نهائياً، والقانون النافذ الآن هو أنَّ العربية هي لغة التدريس، فالقضية إذاً، ليست قضية سياسية فقط، إنما هي قضية أكاديمية أيضاً، فالأساتذة بإمكانهم أن يعلِّموا بالعربية، فيتسع هذا المجال.
وأشار د. نصير إلى مشروع قدَّمه لجامعة العلوم والتكنولوجيا وهو تأليف كتاب في تاريخ الرياضيات باللغة العربية، والكتاب الآن شبه جاهز في حوالي ألف صفحة. والجامعة منحته مكافأة مجزية على تأليف هذا الكتاب، مشيراً بهذا إلى حاجتنا الماسَّة إلى المبادرات الشخصية أكثر من القرارات السياسية.




