اللسانيات الحديثة في الجامعات الأردنية وأثرها في تنمية اللغة العربية ومعالجة قضاياها ( الواقع وسبل النهوض )
الأستاذ الدكتور سمير شريف استيتية
عضو مجمع اللغة العربية الأردني
الأربعاء 9
ذو القعدة 1430هـ- 28 تشرين الأول 2009م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحمودُ: هو الله جلّ ثناؤه، تباركت صفاته وأسماؤه، والمُصَلـّى عليهم: رسلـُه وأنبياؤه، والمدعُوّ له بخير ٍ: الوطنُ العربيّ وأبناؤه، وبعد،
فهذه المحاضرة حصيلة تدريس العلوم اللسانية، في بعض الجامعات الأردنية والعربية خمساً وعشرين سنة، وخلاصة نشاطات أكاديمية أخرى منها: الإشراف على مائة وعشرين رسالة دكتوراه وماجستير، والاشتراك في مناقشة مائة وثلاثين غيرها، والاشتراك في تقويم ما يزيد على ثلاثمائة بحث في العلوم اللسانية، بغرض النشر في مجلات علمية محكمة، وتقويم أعمال علمية بغرض الترقية إلى درجتي الأستاذية، والأستاذ المشارك، في الجامعات الأردنية، والجامعات العربية، والاشتراك في ندوات ومؤتمرات علمية في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية العربية والعالمية. وقد تأتـّى لكاتب هذه السطور أن يطلع على قدر كبير من البحوث والأعمال العلمية، في اللغتين العربية والإنجليزية، في شتى الفروع اللسانية، مما يعني أن مادة هذه المحاضرة لن تكون في اختيار أعمال معينة، يجري الحكم عليها، ولكنها خلاصة تجربة علمية في هذا الميدان. وسيكون كل ما اطلع عليه وقرأه ونظر فيه من الأعمال اللسانية في الجامعات الأردنية، محل فائدة ونظر.
بدايات البحث اللساني في الجامعات العربية والأردنية:
ينبغي أن نفرّق – باديَ الرأي – بين الدرس اللغوي في تراثنا، والدرس اللساني المعاصر، فهما ليسا شيئاً واحدًا، حتى نكتفي بأحدهما عن الآخر. ومع ذلك، فهما ليسا متعارضين متناقضين بالضرورة. وهما ليسا في مضمار السباق، لنقرر السبق لتراثنا، ثم نغضَ الطرف عما آل إليه البحثُ اللساني الحديث. ونحن لسنا في معرض تجاهل الحقائق التي قررها علماؤنا، لنُيَمّم وجوهنا شطر الغرب، وما انتهى إليها البحث اللساني الغربي. إنهما منهجان مختلفان. واختلافهما قد يكون سبيلا إلى القطيعة بينهما، وقد يكون سبيلا إلى تكاملهما. ومن المؤكد أن اختلاف المناهج اللغوية، لا يخرجها عن كونها معالم موجَّهة (بفتح الجيم المشددة) للبحث اللغوي، مثلما هي موجِّهة له ( بكسر الجيم المشددة). ولما كان الأمر كذلك، كان لا بد من البحث عن السبيل التي تجعلها تتكامل ولا تتفاضل. وسيكون ذلك متاحاً عندما نعمل على بناء نظرية لسانية عربية.لا نستطيع أن نعزل البحث اللساني في الجامعات الأردنية، عما كان يجري في أواسط القرن الماضي في الساحة الأكاديمية المصرية. فقد وفـَد على مصر عدد من الطلبة الأردنيين، في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وتلقـّوا العلم على أيدي الرّوّاد المصريين، ومنهم إبراهيم أنيس ، وكمال بشر، وتمّام حسان، وعبد الرحمن أيوب، وعبده الراجحي، ورمضان عبد التواب، جزاهم الله جميعاً، عنّا وعن هذه اللغة، وهذه الأمة كل خير.
كان هؤلاء الرّوّاد قد تلقـّوا العلم في الغرب، حيث استكملوا الطلب في الميادين اللسانية، في جامعات غربية مشهود لها. وكان البحث اللساني في الحقبة التي تلقى فيها هؤلاء الرواد العلم في الغرب، يتـّشح بالوصفية، والتوجه الوصفي الذي كان يحمل طابع الثورة على المنهج التقليدي المعياري في دراسة اللغة في الغرب . وقد وقع بعض تلامذة هؤلاء الرّوّاد في غفلة التسرع، نتيجة عدم تحديد المقصود بهذين الوصفين المطلقين غير المحدّدين: المنهج الوصفي، والمنهج المعياري. وسنرى أن عدم تحديد المقصود بهذين المصطلحين، كانت له آثار سلبية في التطبيق على العربية بخاصة.
أما الوصف فكان المقصود به عندما أطلق في الغرب أول مرة، ضرورة التقيد بأربعة مبادئ ينبغي الوقوف عندها ومناقشتها:
أولها: دراسة اللغة دراسة واصفة، تبتعد عمّا وقع فيه النحاة التقليديون في اللغات الغربية، من استنباطات غير مبنية على استقراء الظواهر اللغوية. فقد كان اللغويون الغربيون لا يعبأون باستقراء الظاهرة اللغوية، وكان أهم ما يعنيهم هو أن تتحول الظاهرة النحوية أو اللغوية إلى قاعدة قدّروها تقديرًا. لم يكن النحو العربي كذلك، فلا شك أنه كان مبنياً على استقراء الظواهر اللغوية من أفواه أبناء اللغة. وقد كان النحاة متشددين في هذا الأمر، فلا وجه للمقارنة بين النحو التقليدي في اللغات الغربية، والنحو العربي. ومن هنا لم يكن وجه السوء واحدًا حتى تكون الثورة واحدة.
ثانيها: دراسة اللغة من الداخل. وقد عبّر بعضهم عن ذلك حين قال: "علم اللغة هو دراسة اللغة بذاتها لذاتها ". وترتب على ذلك رفضُ استخدام النظر العلمي في أي ميدان من ميادين الحياة العلمية على دراسة اللغة. فلا يجوز نقل المفاهيم النفسية والاجتماعية إلى اللغة. ومن عجب أن بلومفيلد وسائر التركيبيين الذين ينتمون إلى مدرسته، قد تبـنّوا المفاهيم النفسية في المدرسة النفسية السلوكية، بل كان التوجه الذي التزم به اللغويون الوصفيون في تلك الحقبة، والنفسيون السلوكيون واحدًا تقريباً في ما يخص اللغة.
وكان لهذا أثر سيئ جدّا في تأخر علم الدلالة، لأن السلوكيين لا يؤمنون بوجود المعنى،فهو ليس أكثر من سلوك يتحكم به سلوك آخر، فالمثيرstimulus يتحكم بالاستجابة response ، وقد تعود الاستجابة نفسها لتكون مثيرًا فتتحكم بالاستجابة، وهكذا. وليس عندي شك في أن هذه مماحكة لفظية. لأنه لا أحد ينكر أثر العلاقة بين المثير والاستجابة في إحداث المعاني، أو تخزينها في ذهن الإنسان. ورأس مال القوم أنهم يرفضون أن تسمى هذه العلاقة معنى.بل يرفضون القول بوجود شيء يسمى الجانب الذهني من اللغة. فاللغة سلوك يتحكم به المثير والاستجابة لا غير.ثالثها: أن التقدير مرفوض جملة وتفصيلا، بل ينبغي أن يكون الوصف المحايد هو ديدن العالم اللغوي. وهذا القول فيه تدليس كبير أيضاً، لأن المادة اللغوية فيها عناصر بارزة، وفيها عناصر غير بارزة. فكيف يمكن وصف العناصر غير البارزة دون تقدير؟ بل إن العناصر البارزة تحتاج هي الأخرى إلى تقدير. فالتقدير والتأخير أمران بارزان، والتعبير عنهما تقدير. فالذي يرفض هذا القول لأنه تقدير، يرفض ما هو موجود مرئي لا مجال لإنكاره.
رابعها: أن المعيارية مرفوضة، إذ إن اللغة لا تـُحكم بالقاعدة، بل تـُحكم بالممارسة، والممارسة لا يمكن الوقوف على حقيقتها بالمعايير العقلية، بل بالوصف، وبالوصف فقط. وهذا القول فيه تدليس كبير أيضاً، فإن القاعدة لا تحكم الممارسة اللغوية، ولكنها تؤدي وظيفتين:
أولاهما: استقراء الظاهرة اللغوية، وحصر معالمها الأساسية في القاعدة، يعني أن القاعدة تلخيص مُحْكم للظاهرة، ولا يعني أن القاعدة تحكم اللغة. وقد أدرك النحاة العرب ضرورة تلخيص الظاهرة في القاعدة تلخيصاً محكماً، ولم يكن ذلك بغير استقراء. قد يكون الاستقراء غير تام أحياناً. ولكنه استقراء على كل حال. ربما لم يكن الأمر كذلك في الدراسات اللغوية الغربية، لكنه كذلك في النحو العربي، فلا وجه للمقارنة إذن.
ثانيتهما: أن بناء القاعدة يهدف إلى تسهيل ضبط الظاهرة بمحدداتها ليسهل تعلمها وتعليمها. وإذا لم يكن الأمر كذلك في الدراسات اللغوية الغربية، فلا ينبغي الوقوع في غفلة التسرع واتهام النحو العربي، تقليدًا للوصفيين الغربيين.
تأثر الدارسون العرب بالأساتذة الرّواد، وبلغ من شدة إعجابهم بهم – وهم يستحقون الإعجاب – أنهم أخذوا يطبقون المقولات الوصفية التي حفظوها عنهم، على اللغة العربية والنحو العربي. وعندما رجع هؤلاء إلى بلادهم – ويعنيني من هؤلاء الدارسون الأردنيون – أخذوا يبثون الأفكار التي تلقوها في أيام الطلب، ويلقنونها لطلابهم، ويكتبون أبحاثهم التي يطبقون فيها هذه المقولات على العربية. وانتشرت في أعمال الباحثين الأردنيين التي قرأنا كثيرًا منها، في الكتب والأبحاث المنشورة في مجلات علمية محكمة، مقولاتٌ يغلب عليها التسليم المطلق بمقولات الوصفيين الغربيين، فإذا النحو العربي معياري، والمدرسة الكوفية وصفية أو أقرب إلى الوصفية، والمدرسة البصرية معيارية أو أقرب إلى المعيارية. وإذا الصرف العربي علم معياري. وأصبح نقد النحو والصرف العربيين وسيلة من يريد أن يظهر تفوقه على الخليل بن أحمد، وسيبويه، وسائر الأعلام من أئمة اللغة والنحو والصرف.ظهر ذلك وما هو مثله، في أبحاث وكتب، وألقيت المقولات والأفكار التي تمثل ذلك على طلبة الجامعات الأردنية، وكانت تصورات التوجه الوصفي، المنقولة إلينا نقلا خاطئاً مشوهاً، محاور لرسائل دكتوراه وماجستير. بل إن بعض فضلاء الأساتذة يحملون على كل من لا يلتزم بهذه المقولات، ويعدّون الخروج عليها خروجاً على العلم، وتـَوَلــّياً عنه. وقد أسرف من أسرف في رفض التقدير، فأخذوا يقولون إن الوصف والتقدير لا يجتمعان. ولسنا بحاجة إلى تقرير حقيقة علمية مؤداها أن أدقّ الوصف هو الذي ينفذ إلى أعماق الظاهرة اللغوية، وأنـّى يتـأتـّى ذلك دون تقدير؟ وإنه لمن أشد الأمور بديهية أن ما يلجأ إليه هؤلاء، مما يسمونه وصفاً، هو في حقيقته تقدير. ومع ذلك، فإنّ من هؤلاء أساتذة أجلاء، لا يرقى إلى مستواهم المتحذلقون بأنصاف المعلومات، المتنطعون بما لا عِلم فيه، المتشدقون بمنطق لا منطق فيه.
وأما ما يأخذه هؤلاء الأساتذة على كون النحو والصرف معياريين فإنني أتساءل: أين هو العلم الذي يمكن أن يكون علماً دون ضوابط ومعايير؟ وكيف يمكن أن يكون النحو والصرف علمين دون هذه الضوابط والمعايير؟
نشأت في الجامعات الأردنية – منذ الثمانينات من القرن الماضي وحتى الآن – خمسة اتجاهات، في دراسة اللسانيات،لها صلة لها بالمكوّنات العلمية لأصحابها. هذا على الرغم من أن مكوّنات أغلب هذه الاتجاهات، لا تكفي أن تجعل منها مدرسة قائمة على أصول راسخة من الاستقلال، وعدم التبعية، والتمكن في العلم. وهذا أمر متوقع، عندما يلغي الباحث، أيّ باحث، فكرَه بأفكار غيره، وعندما لا يرى في رموز العلم، إلا أنهم أحسن منه رِئــْياً. على كل حال، هذا بيان موجز عن هذه الاتجاهات الخمسة:الاتجاه الأول: يمثله فريق من حملة الشهادة الجامعية الأولى، وربما الثانية، في تخصص اللغة الإنجليزية أو الفرنسية. وقد ذهب هؤلاء إلى الجامعات الغربية، للحصول على الدكتوراه في أحد العلوم اللسانية، أو في اللسانيات العامة general linguistics ، ولم يكن أكثر هؤلاء على معرفة كافية بالعربية الفصيحة، ولما وصلوا إلى مرحلة كتابة الرسالة، أرادوا أن يقطفوا العلم من أقرب متناوَل، فإذا بهم يكتبون رسائلهم عن اللهجات المحلية، فهناك أطروحة عن لهجة يطة، وثانية عن لهجة المفرق، وثالثة عن لهجة دير أبي سعيد، ورابعة عن لهجة الأغوار، وخامسة .. وعاشرة.. وقد وصف الدكتور محمد حسن باكلا، نظائر هذه الفئة في الجامعات العربية – وهم فيها كثيرون أيضاً – فقال "وبعضهم ليس لديه خلفية قوية وراسخة في الدراسات اللغوية العربية القديمة. وقد يكون هؤلاء من المرموقين في حقول تخصصاتهم. إلا أن إنتاجهم اللغوي وثيق العُرى بالدراسات اللغوية الغربية...ولا يكادون يأتون بشيء جديد يمكن أن يضاف إلى قائمة الابتكارات اللغوية " (النظام الصوتي والصرفي في اللغة العربية، ص 1).وقد توجّه بعضهم إلى ترجمة بعض الأعمال اللسانية إلى العربية. وقد وقفت على بعض هذه الترجمات،وأقدّم مثالا واحدًا لها، هو كتاب:
Articulatory and Phonological Disorders : الاضطرابات النطقية والفونولوجية الذي ترجمه عالمان فاضلان إلى العربية، وهو كتاب غير ذي أهمية علمية، في هذا التخصص، بل إن فداحة الأخطاء العلمية الموجودةِ فيه، واضطرابَ منهجه، وتخلفَ معلوماته، تجعل الكتاب ساقطاً في لغته الأصلية. وقد جاء في الترجمة قدرٌ غير يسير من الأخطاء الفادحة، في ترجمة بعض المفاهيم وتعريب المصطلحات، وسوء اللغة. ولكني لا أشك في أن المترجمين الفاضلين قادران على أن يخوضا عُباب هذه التجربة، أعني الترجمة، في أعمال قادمة يخدمان بها هذا العلم، خدمات جُلــّى، بإذن الله.الاتجاه الثاني: وأصحابه ممن تخصصوا في الشهادة الجامعية الأولى وربما الثانية، باللغة العربية، ولعدم تمكنهم من اللغة الإنجليزية لم يوغلوا في دراسة العلوم اللسانية، فرجعوا بها ضعافاً. ولا أعذر الجامعات التي درس بها هؤلاء، فإن أقسام اللغة العربية في الجامعات الغربية، لا تؤهل خريجاً متمكناً في العلوم اللسانية. فالعلوم اللسانية لا تؤخذ من أقسام اللغة العربية، أو من أقسام دراسات الشرق الأوسط ، بل تؤخذ من أقسام اللسانيات، ومن جامعات مرموقة في هذا المجال. وأزيد على ذلك فأقول إن بعض العلوم اللسانية لا تؤخذ إلا بالتلقين، ولا تكفي القراءة في الوصول إلى فهمها حق الفهم، كعلم الأصوات، والنظريات الحديثة في علم التراكيب، والدلالة.
وقد أشار محمد حسن باكلا إلى نظائر هذه الفئة في الجامعات العربية الأخرى فقال: "كما أن هناك طائفة كبيرة من الباحثين، مهتمة بالتراث اللغوي العربي الخالد، وقليل منهم من هو على اطلاع بالنظريات الحديثة... فهم يرددون النظريات القديمة دون ربطها بالجديد، أو الاستفادة منها في استخلاص نظريات جديدة " ( النظام الصوتي والصرفي في اللغة العربية، ص 1).
وقد انتزع هؤلاء أنفسَهم من المعاصرة، فظنوا أن التمسك بالتراث لا يكون إلا بربط النظر العلمي في العربية، بالمنهج التراثي في اللغة. ومثل هذا الأمر كان قد أشار إليه الأستاذ الدكتور صبحي الصالح، سقت جدثه غوادي المُزن – وهو من هو في علوّ كعبه في العلم – فقال: " لا شيء يمنعنا إذن، من التمسك باصطلاحات علمائنا المتقدمين في تسمية حروف الفصحي وألقابها، والتمييز بين مخارجها وصفاتها. ولا شيء يدعونا إلى تفضيل التسميات الحديثة، أو الأخذ بالتقسيمات العصرية التي يعمد إليها بعض العلمـاء اليوم " (فقه اللغة، ص 281). وكان الأستاذ صبحي الصالح قد قال هذا في معرض دفاعه عن وصف الهمزة والقاف والطاء بأنها (حروف) مجهورة في وصف علمائنا المتقدمين.الاتجاه الثالث: وأصحاب هذا الاتجاه ممن سلكوا المنهج المقارن بين العربية، واللغات التي تنتمي إليها، وهي اللغات التي سماها المستشرقون: "اللغات السامية". وقد تبيّن بطلان هذه التسمية. وقد أوسعتـُها نقدًا في كتابي: اللسانيات – المجال والوظيفة والمنهج. وقد أخذ أصحاب هذا الاتجاه العلم عن المستشرقين في بعض الجامعات الغربية، أو عن بعض الأعلام الذين أخذوا عنهم، مثل أستاذنا المرحوم الدكتور رمضان عبد التواب.المنهج الذي يقوم عليه البحث العلمي في هذا الاتجاه، في الجامعات الأردنية والعربية، لم يعد له البريق الذي كان له في أواسط القرن العشرين، وحتى العقدين الأخيرين منه. وجلّ ما يقوم عليه النظر العلمي عند أصحاب هذا الاتجاه، مقارنة أصوات عربيتنا، بأصوات اللغات التي انبثقت عنها، كالأكادية، والحبشية، والأوغاريتية، والكنعانية، والآرامية. ومن الواضح أنه لا مطمح لهذا الاتجاه بأن يبلغ مبلغاً أكبر من مقارنة هذه الأصوات بعضها ببعض، ومقارنة كلمة من هذه اللغة، بأخرى أو أخريات من اللغات المذكورة آنفاً. والبحث عن المترادفات والأضداد بين تلك اللغات. وإذا تجاوز ذلك فلا خوض في أكثر من العموميات. والحاصل أن معرفة أكثر أصحاب هذا الاتجاه باللغات المذكورة، لا تمكن الواحد منهم أن يتكلم بها دقيقة واحدة، أو أن يكتب بها غير ما استظهره من نصوص قصيرة، لا صلة لها بالحياة المعاصرة. ولا تمكنهم معرفتهم بتلك اللغات من مقارنة النظم التركيبية في تلك اللغات. وأما ما سمّوه النحو المقارن، فلايزيد على أن يكون مقارنة بين بعض الموضوعات العامة كالضمائر، والتذكير والتأنيث، والعدد، وما شاكل ذلك.
وليس أساتذة هذا الاتجاه من المستشرقين الغربيين، الذين أخذ عنهم تلامذتهم العرب، على درجة واحدة من الخبرة العلمية، بالبحث اللساني الحديث. ولذلك نجد عندهم أخطاء علمية فادحة في وصف الأصوات، انتقلت إلى تلامذتهم المُنْبـَثين في الجامعات العربية والأردنية. فهذا بروكلمان يجعل الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء أصواتاً حلقية.
وقد نجد الخطأ الواحد يتكرر عدة مرات في الأعمال العلمية. فعلى الرغم من أنه قد ثبت ثبوتاً قطعياً، أن العربية ليس فيها إلا صوتان حلقيان هما: العين والحاء، نجد بعض من يكتبون في اللغات المذكورة أعلاه، أو بعض لهجاتها، يقعون في الخطأ نفسه الذي يجعل الغين والخاء، والهمزة والهاء، أصواتاً حلقية. وأكثر من هذا أن بعض أفاضل هذا الفريق إذا كتب في علم الأصوات، أو في العلوم اللسانية الأخرى، جاء بالويلات والعجائب، لكن مع ثقة مؤكدة، بأن ما يقولونه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
الاتجاه الرابع: أصحاب هذا الاتجاه فئة من الباحثين الذين لم يُعَدّوا الإعداد العلمي الكافي الذي يمكنهم من البحث في العلوم اللسانية، فأخذ بعضهم يكتب في كل شيء، فتراهم يكتبون في الأصوات، وفي النحو، وفي تعليم العربية للأجانب، وفي اللغات التي يسمونها سامية، وفي السيمائيات، وفي التداولية اللغوية، وفي نحو النص، وفي الخطاب، ونقد الشعر نقدًا لسانياً، وفي القراءات القرآنية،واللسانيات الحاسوبية، وفي النظريات اللسانية الحديثة: التوليدية التحويلية، ونظرية القواطع Tagmemics ، ونحو العلاقات relational grammar ، وكل ما شئت من أرحام اللسانيات الحديثة. وعندما تنظر في أعمال بعض فضلاء هذا الاتجاه، تجد أن لديهم طموحاً واضحاً، في أن يجاروا مستحدثات العصر، ولو كان ضعف إعدادهم فيها لم يمكنهم من فهم أساسيات العلوم اللسانية. حاول بعضهم أن يخترق أسوار العلم الذي لم يُعَدّوا فيه إعدادًا كافياً، فظنوا أنهم قد اكتشفوا ما لا قِبَل للأولين والآخرين به، فكأنّ العلمَ باللغة ونحوها وصرفها كان نسياً منسياً، فجاء نصر الله والفتح، بما ظنوه فتحاً مبيناً، لينسخوا به ما تقدم وما تأخر، وليس في أكثر الذي يقولون، شيء من عِلم يُقدّم أو يؤخر.لقد قلت وأكرّر إن بعض العلوم اللسانية لا يؤخذ إلا بالتلقين. وحتى هذا وحده لا يكفي، فإن علم الأصوات مثلا، علم تلقيني مخبري. وإذا لم يكن الدارس قد قضى وقتاً في المختبرات الصوتية في مرحلة الدراسة، فإنه لن يقف على شيء في التحليل الفيزيائي للأصوات اللغوية. ولكننا مع ذلك نجد من لا يكاد يقيم جملة، وأقولها غيرَ مُبالِغ، يتحدث في المفاهيم الفيزيائية للصوت اللغوي.
الاتجاه الخامس: يمثل هذا الاتجاه فريق من العلماء في الجامعات الأردنية، أساتذة وباحثون أبحروا بعكس اتجاه التيار، يغالبهم التيار بقوة دفعه، ويغالبونه بقوة العلم والإعداد، وهم على قلتهم كثيرون. وإذا قدّر لهؤلاء أن يرثهم تلامذتهم بما تعلموه منهم، فلا شك أن التغيير باتجاه الأمثل والأفضل كائن بإذن الله. لقد وقفت على مجموعة جيدة، من الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية الأردنية المحكمة. ولا تقاس جودة هذه الأبحاث، بنسبتها المئوية إلى ما ينشر في تلك المجلات، فهي نسبة ضئيلة جدًا، ولكنها تقاس بما فيها من فكر حصيف،وعمق في النظر، وجدّة في الموضوعات، وتجديد في الجمع بين التراث في أعمق تجلياته، والنظر اللساني الحديث في أحدث إبداعاته.
سـُبـُـل النهــوض:
ليس التدنّي في البحث اللساني في الجامعات العربية والأردنية، حِجرًا محجورًا عليها، فإن في هذه الجامعات من الطاقات والإمكانات، ما لا قِبَل لأحد أن يبلغ الحق بإنكارها، ولا أن يدنو من الصواب في تجاهلها. ولا شك أن ما نصبو إليه، غيرُ ما نحن عليه. إنه التناقض الذي يصنع التغيير، ويدير عجلة التطور. ولولا التناقض بين الواقع واستشراف المستقبل، لما كان للعلم أي مستقبل. ولا يجوز أن يكون هذا التغيير مرتجلا، بل لا بد أن يكون قائماً على تخطيط لغوي. وأهم معالم هذا التخطيط في المخطط الآتي:
أولاً: في إعداد الخطط الدراسية في العلوم اللسانية
الخطة الدراسية هي التصور الذي بمقتضاه يكون الإعداد العلمي. وينبغي أن يتوافر في كل خطة عدد من المبادئ الأساسية التي تجعل طالب الدراسات العليا بخاصة، قادرًا على فهم أظهر هذه المبادئ. وحتى نتمكن من إعداد الخريجين إعدادًا علمياً في العلوم اللسانية، لا بد من العمل على تنفيذ التوصيات الآتية:
1 . ينبغي أن تكون الخطة شاملة للفروع اللسانية المختلفة، بحيث يكون الطلاب قادرين على تناول القضايا الأساسية في فروع التخصص، ومناقشتِها والتعمق ِفيها. وهذا لا يتأتّى إلا إذا كانت اللسانيات فرعاً مستقلاً، لا مساقات تكميلية، أو ثانوية، في أقسام اللغة العربية والإنجليزية في الجامعات الأردنية. وأقسام اللغة العربية أكثر تجاهلا للسانيات، لأن كثيرين من أساتذة هذه الأقسام، ما زالوا يتساءلون: ما اللسانيات؟ وما الذي فعله أهل اللسانيات للعربية؟ وما الشيء الذي لم يكن معروفاً في الدرس النحوي واللغوي العربي، فوقف عليه اللسانيون؟
إنه لمن المؤسف أن الخطط الدراسية في بعض أقسام اللغة العربية، في الجامعات الأردنية الكبرى، لا ترقى مساقاتُ اللسانيات فيها إلى مستوى المساقات التكميلية، في تخصص اللغة والنحو. وما نعنيه بالمساقات التكميلية: المساقات التي يستكمل بها الطلاب جانباً غير ضروري من التخصص، كالمدارس اللسانية في المرحلة الجامعية الأولى، أو تاريخ النحو في المرحلة المذكورة. ولا يكون في تخصص اللغة والنحو، في الدراسات العليا، في بعض هذه الجامعات، إلا مساق واحد، أو اثنان في اللغة والنحو. وهذان المساقان لا يرقيان إلى أدنى مستوى في إعداد اللسانيّ المتمرّس الذي يقدر على التعامل مع الدرس اللساني الحديث.
2 . ينبغي أن تركز الخطة على النظرية والتطبيق معاً. وإذا كان هذا ضروريًا في العلوم كلها، فإن ضرورته في العلوم اللسانية، لا تقل عن ضرورته في العلوم التطبيقية، بسبب حاجة الجامعات الأردنية، إلى علماء قادرين على سدّ الثغرة الكبيرة، بين الدرس اللساني في الجامعات الأردنية والعربية، والدرس اللساني في الجامعات الغربية الراقية. ولا يكفي تناولُ الجوانب النظرية، والخوضُ فيها، بل لا بد من التطبيق، وتدريب المتعلمين على التطبيق.
يشمل التطبيق جانبين أساسيّين، في العلوم اللسانية، أولهما: التطبيق على العربية. فمن المسلم به الآن أن العلوم اللسانية المعاصرة أصبحت متطورة جدًا، وكل يوم تصدر عشرات الدراسات في العلوم اللسانية، في كل بلد غربي. ومن سمات البحث الغربي في اللسانيات، أنه بمجرد أن يصدر تصور نظري جديد، في أي فرع من فروع العلوم اللسانية، يبدأ تطبيق المفاهيم النظرية على اللغات الغربية. وفي ضوء هذا التطبيق، تظهر مشكلات يستعصي حلـّها بمقتضى المفاهيم التفصيلية للنظرية، فتكتب البحوث والدراسات التي تستقصي هذه المشكلات،فيلجأ صاحب النظرية، أو تلامذته، إلى تعديلها بما يتلاءم مع ما يقتضيه التطبيق. وهذا هو الذي حدث مع نظرية تشومسكي التي عدّلها صاحبها ستّ مرات، حتى انتهت في المرحلة الأخيرة، على خلاف ما كانت عليه في المرحلة الأولى. وحدث مثل هذا أو قريب منه مع فيرث Firth الذي كان يركز على قضية السياق، في بناء نظريته اللغوية، فجاء تلامذته من بعده، وبنوْا على ما قال، وتطورت النظرية حتى أصبحت شيئاً آخر، وهي اليوم نظرية اللسانيات النظامية systemic linguistics .وثانيهما: الدراسات المخبرية، في علم الأصوات بخاصة. وما جعلت المختبرات الصوتية إلا من أجل دراسة الأصوات دراسة تطبيقية. فلا يكفي أن نتمسك ببعض المفاهيم العامة، وأن نزعم أن أجدادنا وصلوا في الأصوات إلى ما لم يصل إليه علماء الأصوات المعاصرون. إن دراسة أصوات العربية في مختبرات الأصوات، باستخدام أحدث الأجهزة الصوتية وأدقها، يمكن أن يساعدنا في الوصول إلى اكتشافات لم يصل إليها أحد. بل إن كل صغيرة وكبيرة في العربية، قابلة لأن تكون نافذة على الاكتشافات العلمية، وبابا مُشْرَعاً من طبيعته أن يظلّ كذلك، وألا يوصد يوماً في وجه التقدم العلمي.
3 . ينبغي أن تكون الخطط التي توضع لتدريس العلوم اللسانية قابلة للتحديث والتطوير. ومن المؤسف أن مثل هذا غير كائن حتى الآن بالصورة المطلوبة. فالعلوم اللسانية متطورة باستمرار، وينبغي أن تكون درجة التخصص فيها، بخاصة في الدراسات العليا، على أعلى درجات التطوير والتحديث.
4 . ينبغي أن تكون خطط العلوم اللسانية متكاملة مع خطط تدريس النحو والصرف، فالصرف مثلا، لا يمكن تدريسه تدريساً ناجحاً، بمعزل عن علم الأصوات، ولا ينبغي أن يُدرس الصرف قبل الأصوات، بل العكس هو الصحيح.
ثانياً: في البرامج التعليمية والتأهيل
من المعلوم أن الإدارات التعليمية هدفها خدمة التعليم، وتطويره وتحديثه. وهذا ينطبق دون شك، على الإدارات الجامعية. ولذلك فإن من المطلوب من هذه الإدارات أن تستدرك على ما كان، وأن تجعل ما هو آت، خيرًا مما فات، وأن تضع البرامج التي تصلح التعليم الجامعي، ويعنينا من ذلك في هذا المقام، تحديث تدريس العلوم اللسانية. وهذه أهم المعالم التي يمكن أن يستنار بها:
1 . لا بدّ من إعداد الكوادر العلمية، المؤهلة تأهيلا تخصصياً، في الفروع اللسانية كافة، وذلك بابتعاث المتميزين من طلبة اللغة العربية، إلى الجامعات الغربية العريقة في تدريس اللسانيات.
2 . لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف، أن يُعهد تدريس أيّ فرع من العلوم اللسانية، إلى غير المتخصصين في هذه العلوم، بحجة أن الحاصلين على مؤهل علمي في اللغة العربية، قادرون على تدريس ما تقدمه أقسام اللغة العربية، من مساقات في مختلف مراحل الدراسة الجامعية. أليس من العار أن يُعهد إلى بعض أساتذة الأدب الجاهلي، في بعض الجامعات الأردنية الرسمية، تدريسُ مساقات في اللسانيات، في برامج الدراسات العليا، والإشرافُ على رسائل ماجستير ودكتوراه في اللسانيات؟ فكما أنه من المنقصة أن يعهد تدريس الأدب الجاهلي، إلى غير هؤلاء الأساتذة، فإنه من المنقصة أيضاً، أن يعهد إليهم تدريس اللسانيات. وما هو أقرب من ذلك أنه ليس من الحكمة ولا منطق العلم، أن يعهد إلى أساتذة النحو تدريس اللسانيات، ولكنّ ذلك كله كائن في بعض الجامعات الرسمية والخاصة.
3 . لا بدّ أن يكون في الساحة الأكاديمية الأردنية مجلة علمية محكمة متخصصة، في العلوم اللسانية، ولا يكفي أن يكون في المجلات المتخصصة بعلوم اللغة العربية وآدابها، وجود ضعيف للبحث اللساني. وإذا كان مثل هذا الوجود محكوماً بظروف آنية، يُمليها ضعف الوجود اللساني في جامعاتنا الأردنية، فإن التخلص من هذا الضعف ضرورة علمية، مثلما أنها ضرورة وطنية.
4 . لا بدّ أن تكون لدينا استراتيجية أكاديمية، نعمل بمقتضاها على مواكبة التطور والتقدم العلميين، في اختيار أكثر الموضوعات أهمية، لدراستها في رسائل الماجستير والدكتوراه. فلا يجوز أن نسترسل في دراسة الموضوعات التي استهلكت، ولم يعد لها قيمة في حياتنا المعاصرة، أو أن البحث فيها لا يوصل إلى نتيجة، والموضوعات التي قـُتـِلت بحثاً.
وهذا ينطبق على الأبحاث التي يكتبها أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، لأغراض الترقية. فلا يجوز أن تكون موضوعاتها، مما أكل عليه الدهر وشرب، ومما لا طائل من الخوض فيه.
ينبغي أن نحرص على الموضوعات ذات القيمة العلمية العملية، كاللسانيات الحاسوبية التي تهدف إلى جعل الحاسوب مطواعاً للعربية، بحيث نتمكن من خدمة العربية بدراستها حاسوبياً، واستنباط قواعد لغوية حاسوبية، تمكننا من فهم أسرار العربية بصورة أجلى وأبهى، وتمكننا من تعليم العربية للناطقين بها وبغيرها. ولا بأس أن أشير هنا، إلى أن ثمة محاولات موفقة بفضل الله تعالى، في هذا الاتجاه.
5 . ينبغي أن تحرص الجامعات الأردنية على تشجيع الإبداع في العلوم اللسانية، وأن تعمل على إجراء مسابقات علمية في هذه العلوم، وأن تعمل على طباعة رسائل الماجستير والدكتوراه التي يتوصل فيها أصحابها إلى اكتشافات علمية. وإلا فما قيمة أن توضع هذه الرسائل على رفوف المكتبات، دون أن تُوظف في تطوير البحث اللساني، والإسهام في تحديث وجهته ومضمونه؟
6 . من الضروري ترجمة البحوث والكتب والدراسات اللسانية، من اللغات الأجنبية إلى العربية، وأن تتبنى مراكز البحوث في الجامعات الأردنية، هذا الاتجاه بكل جدّ وحرص.
7 . لا بدّ من تعاون أقسام اللغة العربية مع الأقسام الأخرى التي لها صلة باللسانيات، كأقسام اللغة الإنجليزية، والحاسوب. وقد أثمر مثل هذا التعاون في جامعة اليرموك، في إنتاج عدد من رسائل الدكتوراه، منها رسالة في برمجة المصادر القياسية في العربية، فقد توصل صاحب الرسالة إلى استنباط مائتين وأربعين قاعدة لسانية – حاسوبية. ومنها رسالة أخرى في برمجة أسماء الفاعلين والمفعولين، إذ توصلت صاحبة الرسالة إلى استنباط مثل هذا العدد من القواعد اللسانية – الحاسوبية. ومنها رسالة ثالثة في برمجة الاسم المنسوب في العربية، وما زال صاحبها في طور الدراسة والكتابة.8 . لا بدّ من استقطاب الأساتذة المتميزين في المجالات اللسانية للتدريس في الجامعات الأردنية، إما عبر استدعائهم لقضاء سنوات التفرغ في الجامعات الأردنية، وإما للتدريس فيها مدة محدودة، وإما بإلقاء المحاضرات في موضوعات لسانية حديثة.
9 . لا بدّ من التركيز على تدريس مجموعة من العلوم اللسانية، في مجموعات متتالية من المساقات، بحيث تكون هذه المساقات متدرجة في المستوى،ومن أهم هذه العلوم: الدلالة، علم المصطلح، اللسانيات التداولية، السيمائيات، اللسانيات التواصلية. فالعلوم اللسانية علوم تراكمية. ومن شأن العلوم التراكمية أنها تكون متدرجة في المستوى. أليس من المخجل أن يقدم الأستاذ الجامعي لطلبته في الماجستير ما كان قد علمهم إياه في المرحلة الجامعية الأولى، وأن يلقنهم في مرحلة الدكتوراه ما كان قد وقف عليه من أوليات في العلوم اللسانية، وكان قد أعطاهم إياه في المرحلتين السابقتين؟ ولكن مثل ذلك كائن، كائن، كائن.
010 لا بدّ أن تحرص الجامعات الأردنية والعربية، على ابتكار نظرية لسانية عربية، تجمع بين التراث والمعاصرة، بحيث لا تجعل التراث وراءها ظِهْرِيًا، ولا تتأبّى النظر اللساني الغربي الحديث. ولا شك أننا إذا أخذنا بما وضحته من سبل للنهوض بالبحث اللساني، قادرون – بإذن الله تعالى – على الوصول إلى ما ينبغي أن يكون عليه واقعنا.11. لا بدّ أن تحرص الجامعات الأردنية والعربية، على استثمار الدرس اللساني في تدريس العربية للناطقين بها والناطقين بغيرها، فلا يظل هذا المجال محل ارتجال وتخبط ، أو محل اجتهاد بعض الأفراد غير المعدّين لمثل هذا الاجتهاد، فيعملون بمعزل عن النظريات اللسانية الغربية التي أثبتت جدواها في ذلك. وحين يترك الأمر للأفراد يعملون ما يشاءون، فسيظل الارتجال والتخبط على النحو الذي نراه. وسيظل ادعاء الكشف عن المجهول الذي لم يعرفه أحد، وإماطة اللثام عما هو غائب ومنسيّ، ديدن من لم يدخل للعلم ساحة، فظن أنه لا ساحة للعلم إلا ما تقف عليه قدماه.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
التّعقيبات والمناقشات
أ. د. أمين الكخن
أشاد بالدور الكبير الذي أدَّاه د. سمير استيتيَّة في تطوير مناهج اللغة العربية قبل ذهابه إلى الولايات المتحدة، وبما يكتبه في مجال اللسانيات الحديثة وخاصة تحليل القصائد الشعرية الجميلة.
وتوجَّه بسؤال لـِ د. سمير قائلاً: هل تعتقد أن معالجة النصوص الموجودة في الكتب الدراسية سواء في المرحلة الأساسية أو الثانوية، أفادت الإفادة الكافية من اللسانيات الحديثة؟؟.
أ. د. سرى سبع العيش
تُحمِّل كثيراً من المسؤولين في بلادنا المسؤولية بخصوص دعم اللغة العربية في الخارج، وسردت تجربة شخصية بيّنت فيها تقصير المسؤولين في هذا الجانب فتقول: "قبل عشر سنين ذهبت إلى شيكاغو لحضور مؤتمر عالمي حول طب العين، وكانت قد صدرت في ذلك الوقت مجلة اسمها "إضاءات في طب العين وجراحتها"، فذهبت إلى الناشر وقلت له: إنها قد صدرت بست لغات أجنبيَّة، فلِمَ لا تصدر باللغة العربية والعرب جزءٌ كبيرٌ من هذا العالم، وجزءٌ كبيرٌ منهم يرغب في قراءة هذه المجلَّة، فتعجَّب من طلبي قائلاً: هذه أول مرَّة أسمع أحداً يطالب بنشر المجلة باللغة العربية، وسأستشير بعضاً من زملائي في هذا الخصوص، وبالفعل استشار رئيس المجلس العربي لطب العين في ذلك الوقت، فقال: لا حاجة للبلاد العربية لإصدار المجلة باللغة العربية؛ لأنهم جميعاً يعرفون اللغة الإنجليزية.
محمد الجاغوب / الجامعة العربية المفتوحة
قال إننا نشهد حقبة اللسانيات الحديثة التي تذكرنا بحقبة اللسانيات التراثية، فالدكتور تمام حسان ينظر إلى النحو العربي على أنه بنيوي ود. عبد الراجح ينظر إليه أنه توليدي ود. أحمد المتوكِّل يراه نحواً وظيفيًّاً.
- فهل من الممكن أن يتشكَّل النحو العربي القديم؛ وفقاً لانتماءات قرَّائه من المحدثين؟
- وهل يمكن اعتبار حقبة اللسانيات الحديثة تمرُّداً على اللسانيات التراثية، خاصةً ونحن نرى بعضهم- أمثال د. محمد الحنَّاش- يشكِّك أو يجادل في نسب النحو العربي وينكر البنيويَّة فيه، ود. محمد عبد القادر الفاسي الفهري يرى أنَّ اللغة العربية نظامٌ فاسدٌ يحتاج إلى إصلاح ولا يتمُّ إصلاحه إلا باللسانيات العربيَّة؟
رد أ. د. سمير استيتيَّة
قال إن مشكلة النظريات الغربية، في أنَّ الواحدة منها تركِّز على قضية معينة، فالوظيفيون يركّزون على وظيفية اللغة أو وظيفية الفكرة أو وظيفية الجملة، والتوليديون يركّزون على قضية التوليد والتحويل، والآخرون يركّزون على القضية البنيويَّة. أمَّا النحو العربي فهو نحو بنيوي وظيفي توليدي قواطعي دلالي، أي يجمع كل ما في النظريات الغربية الحديثة، ولكن هذا لا يعني الانتقاص من النظريات الغربية. وفي معرض حديثه يقول: قال لي أحد أساتذتي- وهو من كِبار المنظّرين في أمريكا عندما أعطيتهم محاضرة عن التفكير النحوي عند سيبويه، وكيف ترد أفكار سيبويه بعض الكلام الموجود في نظرية القواطع، وكيف يتجاوز سيبويه مقولات النحويين الغربيين المعاصرين جميعاً- قال لي: سأتعلَّم العربية يوماً لأتمكَّن من معرفة هذا الذي حدَّثنا عنه سيبويه.
وبخصوص الإفادة من اللسانيات في وضع منهاج اللغة العربية يقول: كان هذا عندما كنت مسؤولاً عن مناهج اللغة العربية مع أخي د. عبد الجليل عبد المهدي.




