اللغة العربية في الشبكة العنكبوتية في المؤسسات الأردنية واقعها وسبل النهوض بها
الدكتور رائد جميل عكاشة
جامعة الإسراء
الأربعاء 9
ذو القعدة 1430هـ- 28 تشرين الأول 2009م
مقدمة:
تبحث هذه الدراسة في واقع اللغة العربية في الشبكة العنكبوتية في الأردن، متخذة من المؤسسات التعلمية والتجارية والخدماتيه مجالاً للدراسة، لتبيّن تمثّلات اللغة العربية في هذه القطاعات من خلال مواقعها على الشبكة العنكبوتية. وتتفحص الدراسة موقع الهوية في هذه المؤسسات، وتعالق اللغة العربية مع هذه الهوية، ومدى انسجام فكر المؤسسة مع دورها في بناء الذات، وموقع اللغة العربية من خطابها، خاصة أن بناء مجتمع المعرفة -في عالمنا العربي- يتطلب السماح للمستخدم العربي بالوصول إلى المعلومات العربية وغير العربية من خلال استخدام اللغة العربية، ولعل التحدي الأكبر كامن في أن المحتوى بالعربية على الشبكة العنكبوتية لا يتجاوز 1%، في حين تشكل الإنجليزية 68% من المحتوى، فضلاً عن أن مستعملي الشبكة العنكبوتية من الناطقين بالعربية لا يتجاوزون (11 مليون نسمة)، أي ما يعادل 1.4% من مجموع مستعملي الشبكة العنكبوتية في العالم .
ما من شك في أن للتطور التقني، وظهور الأدوات والآليات التقنية دوراً مهماً في التفاعل الحضاري، والثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والتقني، إلخ.() إلا أن ثمة تخوفاً على الهوية، فقد تختفي –أحياناً- البصمة الثقافية لمجتمع ما؛ إذ تضمر الهويات القومية أمام موجة العولمة العاتية، " فعلى (الإنترنت) نادراً ما يكون البلد الذي ينتمي إليه المرء مهماً، فمجرد وجود المرء على الإنترنت يشكّل رابطاً ثقافياً كبيراً، وإن صفحته الخاصة تمثل له موطنه الروحي."()وسيصوغ الدراسة إطاران: نظري, وتطبيقي, قد يتحدان تارة، وقد يستقلان تارة أخرى، وسيتشكل الإطار النظري من مفردات عديدة منها: اللغة والهوية، وأهمية اللغة العربية في تشكيل الشخصية، واللغة القومية أواللغة الأم، واللغة الأجنبية، واللغة والثنائية، واللغة والازدواجية، والسياسة اللغوية ودورها في بناء الذات، وما هي اللغة المناسبة للخطاب المعاصر.
أما الإطار العملي، فهو انفتاح على تجربة المؤسسات الأردنية، وقياس دورها الحضاري وقدرتها على تمثّل الأسس الحضارية التي صاغتها، والتشريعات القانونية التي حثّت على أهمية اللغة العربية في بناء المجتمع الأردني، الذي وصفه الدستور بأنه شعب مسلم ذو حضارة عربية إسلامية.
أولاً: رؤية كُلّية في اللغة والهوية
كثر الحديث منذ منتصف القرن الماضي عن اللغة وأهميتها في صنع الهوية، ولعل الحديث يتنامى كلما كان هناك شعور بالتحدي الذي تواجهه اللغة العربية، ومردّ هذا التحدي" الشعور المبالغ فيه بأهمية اللغة الأجنبية الناتج غالباً عن الانبهار بكل ما هو أجنبي، والظن الزائف بأن التقدم لا يأتي إلا عن طريق إتقان اللغة الأجنبية للجميع، بل والتحدث بها بين العرب أنفسهم، وغني عن الذكر أن هذا الشعور يأتي من الإحساس بالهزيمة النفسية التي يعاني منها الإنسان العربي في هذا العصر، والإعجاب المتنامي بصانع الحضارة المعاصرة الذي يمثل المنتصر الغالب."()
1- هوية اللغة ولغة الهوية:
قد تكون الهويات مستقرة في مجتمع ما، ولكن الخطاب (واللغة أحد تمثّلاته) هو الذي يبرزها سلباً أوإيجابًا، ولا تكون الهوية عندئذ موجودة إلا بشكل مستقل عن المتكلمين باسمها، وبذلك يعاد إنتاج الهوية؛ أي إنتاج ثقافة تعكس العلاقة مع الآخر، كما تعكس العلاقة مع الذات، وهي علاقة يؤدي فيها التخيّل مهمة مركزية يتمّ من خلاله تكوين رؤية للمجتمع تحرص على إخفاء الذاتية، والرجوع إلى الأصل ذي النقاوة، والابتعاد -ما أمكن- عن التلوث بالآخر، ابتغاء المحافظة على طهارة المجتمع، فهو خطاب رؤية مشوبة بالتخيّل سرعان ما يتحول إلى ممارسة ثقافية واجتماعية وسياسية، إلخ.
والهوية بحسب هذا الخطاب، تصبح مفهوماً مكتملاً، ولم يتبق سوى البحث عن صيغة التطابق مع المثال (الماضي) لتحقيق الوجود (الحاضر). وهذا ما يدعونا إلى التمييز بين الهوية وخطاب الهوية، فإذا كانت الهوية حقيقة رمزية يعيشها الأفراد والمجتمعات، فإن الخطاب المُنشأ عن الهوية هو خطاب (أيديولوجي) يتجه نحو الآخر، بغية تأكيد الذات، ورفض تماهيها مع الآخر وتمثلاته، فكُنه الذات لا يتم إلا عن طريق الآخر، ومن خلاله. من هنا فإن خطاب الهوية يطرح نفسه بوصفه خصوصية, ومن مهمة المجتمع -في صيرورته-أن يحافظ عليها, وعلى الآخر ألا يهددها أو يعمل على اختراقها. وبناء عليه تصبح الهوية البُعد الصامت الساكن, ويغدو خطاب الهوية البُعد الفّعال المتحرك. وبذلك تتمحور اللغة لتصبح واسطة تجعل من الأمة مجتمعا متخيّلاً، وتربط الفرد مع أبناء أمّته ممن لم يرهم أو يقابلهم.
والبحث في هوية اللغة "يهتم بكل تلك المميزات للمنطوقات التي يستعملها المستمع، بهدف قراءة حقائق عن المتكلم، ويشمل ذلك الأصول الجغرافية والاجتماعية، والمستوى التعليمي، والجنوسة gender، والجنسية sexuality، والذكاء... إن ما يعنيه هذا هو أنه كلما عزلنا اللغة عن متكلميها ومؤوليها، وعن السياق الذي يتكلم فيه هؤلاء الناس ويؤولون فيه هذا اللغة، أخفقنا في أن نقترب أكثر من بعض جوانب حقيقتها الجوهرية."()وتكتسب اللغة هويتها من ماهيتها وأهميتها ووظيفتها؛ فاللغة ليست حروفاً وكلمات فحسب, بل هي حاضنة فكرية، وعامل مهم في تجسيد خصائص الأمة، وحافظة لتاريخها وداعمة لاستمراريتها، وتماسك مجتمعها وأفرادها، وأداة لنقل المعرفة والعلم، ولها مقاصد كُلّية متمثلة في: الوحدة والتجانس والتماسك. وتغدو بذلك حلقة وصل مهمة بين الماضي والحاضر والمستقبل، لذلك تجدها في حالة سيرورة وصيرورة، لا سيما إذا كان ثمة وعي متنامٍ مع هذه السيرورة والصيرورة، فلغة الوعي لا تتولد إلا بالوعي باللغة وبإمكانياتها. وتبرز هوية اللغة –كذلك- في قدرتها على تشكيل الشخصية فـ "على الرغم من أن اللغة تتصرف بوصفها قوة مسؤولة عن عملية التنشئة الاجتماعية، وقوة منظّمة، فإنها تعتبر في الوقت ذاته العامل المعروف المستقل الأكثر فاعلية في نمو الشخصية الفردية. "()واللغة أيقونة مهمة في تحديد الرؤية؛ إذ إن "اللغة التي تنتمي إلى مجتمع بشري معين، والتي يتكلمها أبناؤه، ويفكرون بواسطتها، هي التي تنظم تجربة هذا المجتمع، وهي التي تصوغ بالتالي عالمه وواقعه الحقيقي، فكل لغة تنطوي على رؤية خاصة للعالم."()
إن أي مصطلح أو مفهوم يختزن في طياته دفقاً ثقافياً واسعاً، ويكون مشحوناً بهذه الأبعاد الثقافية، ليكوّن بصمة ثقافية تميزه عن غيره. واللغة قادرة على ممارسة هذا الاستيعاب، بل وتجاوزه إلى رؤى تمثل خطاب اللغة وخطاب الهوية، لتتشكل آنذاك الهوية الثقافية، التي تعني -بصيغة أو بأخرى- الانتماء إلى جماعة لغوية محلية أو اقلمية أو وطنية بما لها من قيم متميزة.()
ولأن الهوية صيغة ثقافية، واللغة تُعدّ ركناً من أركان الثقافة، فـ"هوية كل مجتمع تتأسس على لغته؛" () إذ يشعر المرء بالأمن والاطمئنان في كنف لغته، "فإذا حرم الإنسان من موطنه على الأرض, فإنه يجد موطناً روحياً في لغته القومية التي يحسها دائماً وأبداً بكل حواسه, والتي -لهذا السبب- سوف تصبح قوة حقيقية تمكنه يوماً من الحصول على موطن على الأرض."() ومن هنا نجد هذا التماثل بين اللغة والثقافة؛ إذ غدت أقونماً من أقانيمها؛ "لأنها تكون بمثابة الدم داخل الجسد الحي، فهي تحمل كل خصائص مجتمع ما إلى كل فرد من أفراده، وهي بمثابة شبكة تواصل وقنوات نقل للتراث والمعرفة الوافدة إلى الذات، والناقلة من الذات إلى الآخر، فلا جرم أن يعتصم كل مجتمع بهويته الثقافية من خلال تنشئته بلغته."()
وللهوية لغةٌ وتجلّ وتمثّلٌ نتلمسه، وقد تكون للمجتمع الواحد هويات متعددة، وقد تكون في الوقت نفسه متناقضة، وهذا نابع من تنوع خطاب الهوية، كما أسلفنا، فيتمثل عندنا خطاب الهوية الشخصية، وخطاب الهوية المُعبَّر عنها، أي ماهية الأنا من خلال الذات، وماهية الأنا من خلال الآخر، وبين الماهيتين بُعد كبير، فـ "الهوية المُعبّر عنها، بوصفها مفهوماً موحداً، تقدم ثقلاً موازياً للهوية الشخصية، ومفيداً لإزاحة هذه الهوية من مكانها الذي يتمتع بامتياز فريد، والهوية المُعبّر عنها: أي من أنا في تصور الآخر، تفتقر إلى مؤوّل مميز، بل إن لها مؤوّلاً مجرداً من الامتياز على نحو فريد هو الذات، وإنني آخر شخص مرجح يعرف ماهيته في تصور الآخرين، وهو قد يطابق تصوري لماهيتي أو يخالفه؛ لأن مسألة من أكون في متخيلاتهم تعيق رأيي/ تصوري."()
وقد يحدث انسجام بين اللغة والهوية، فتغدو لغة الهوية مُشبَعة بهوية اللغة، وتصبح هوية اللغة علامة بارزة لهذه اللغة، وكلتاهما سيدتان ومسودتان, فصحيح أن الإنسان هو الذي يصنع اللغة، إلا أنه أسير لها ولا يخرج عن قوانينها، واللغة "سبيل المرء إلى معرفته لذاته ومحيطه، وهي في الوقت نفسه تفرض على المرء قيوداً تمنعه من تخطيها، فإذا أراد شخص أن يعبّر عن مكنوناته، أو أن يتواصل مع إخوانه، أو أن يعي ما يجيش في نفسه، فإنه يستعمل في ذلك ما تُقدّم اللغةُ إليه من مفردات وتراكيب، وهو يبقى في ذلك أسير هذه المفردات والتراكيب. "() والهوية هي التي تنقل اللغة من مرحلة القوة إلى الفعل؛ أي من حروف وكلمات وجمل إلى تعبير عن الذات تجاه الذات، والذات تجاه الآخر.
إن ثمة ارتباطاً وثيقاً بين اللغة والهوية يقوم على ثلاث حجج هي: ()
أ- الحجة الأساس: وتتمثل في الارتباط الفطري والوعي القومي والشخصية الجماعية.
ب- حجة التأسيس: فاللغة ذاكرة تتعامل مع النصوص التراثية الحضارية لصياغة أصول الذاكرة الحضارية، وفقه اللغة، وعمليات التجديد والإحياء التراثي، وأدواره في صياغة شخصية الأمة وأصول هويتها.ج- حجة التأصيل والتفعيل: اللغة مفهوم ثقافي وفكري وحضاري، يؤصل معاني القدرة على المواجهة والممانعة الحضارية من جانب، وترشّح مداخل الفاعلية الحضارية وأصولها من جانب آخر.
الحجة الأساس: اللغة والهوية ارتباط فطري ووعي قومي
توضح لنا الحجج السابقة مهمة اللغة وماهيتها ودورها في البناء الحضاري؛ إذ تنبو عن كونها أداة تواصل صوتي وصرفي ومعجمي ودلالي، لتغدو أداة وعي ونقل لخطاب الهوية (الماضي) أو الأنموذج وأداة للحفر المعرفي، ومحّفز للعودة إلى الذات, فضلاً عن دورها الحيوي في تكوين الرؤية وتفعيل الساكن المتحرك في الذات العربية، أي استفزاز الذات العربية نحو التكامل لتكون قادرة على المواجهة وعلى المثقافة، وبذلك تحقق اللغة مع الهوية ضرورتين حضاريتين هما: الاستيعاب والتجاوز.
وقد يحدث شرخ وحالة فصام نكد بين اللغة والهوية، وهو ما يمثل فسخ الهوية؛ أي حدوث قطيعة مع اللغة في سياقات تقطع الذات عن اللسان، ومن ثم هي حالة تحاول تغريب اللسان بالمعنى الواسع، وفسخ الهوية يؤدي إلى قطيعة مع الأصل وإلى قطع الذات عن العلاقات الفطرية ومجالاتها الحيوية، وما من شك في أن حالة الفصام تؤدي إلى انسلاخ الإنسان عن ذاته وذاكرته، ضمن محور يحاول محو الذاكرة الحضارية، وقطع النفس عن ذاكرتها التراثية، لتتشكل في وعي ولا وعي أبناء اللغة أن لغتهم سبب رئيس في تخلفهم وفقدانهم فاعليتهم الحضارية.() فينشأ جيل لا يستطيع صوغ ذاته وشخصيته، ولا يقدر على رسم حدود الانتماء, فهو ابن الهوية والحضارة والجغرافيا والزمان، ولكنه يستعير لساناً آخر غير قادر على إعادة تشكيله؛ إذ إن اللسان في منزلة (تفوق) منزلة الهوية، والذات ترغب هذا اللسان، واللسان يأبى ذلك، فتحدث عندئذ حالة المسخ التي تمثل صيغة موحشة للذات، التي تشعر بالاغتراب، فلا هي ابنة اللسان، ولا هي ابنة الهوية.
وهذا ما نلاحظه في مساحات واسعة من الشبكة العنكبوتية؛ إذ تنتج لغة هجينة تصوغ ذاتها من قطع فسيفسائية غير منسجمة، فقد نجد كتابة الكلمات بالحروف الإنجليزية مثل: (marhaba) أو( assalaamo 3laikom)، وقد تكتب الكلمات الإنجليزية بحروف عربية مثل (الشات) فضلاً عن كثير من سفك دم اللسان والهوية، مما يدق ناقوس الخطر تجاه اللسان والهوية.2- جدلية اللغة والتواصل (القوة والفعل):
إن الغاية التقليدية للغة تتمثل في أمرين:
أ- التواصل: ويتم ذلك من خلال التواصل مع الآخر
ب- التمثُّل: أي أن نتمثل الكون في عقولنا، كي نستطيع تصنيف الأشياء وتمييزها من خلال ما توفره لنا اللغة.وتقاس قوة اللغة -في جانب من جوانبها- بمدى انتشار أحد هذين المفهومين في المجتمع, فكم نسبة الذين يستعملون اللغة (الأم) لغة تواصل أو تمثُّل، وكم نسبة الذين يستعملون اللغة الثانية لغة تواصل أو تمثُّل؟ وفي أي مجالات الحياة تختار الذات إحدى الوظيفتين؟ والنتيجة ستعطي إيحاء مهماً حول قدرة اللغة على صوغ الذات، وقدرة الذات على تمثُّل اللغة ضمن علاقة جدلية مركبة وصعبة في بنيتها الداخلية، إلا أنها واضحة المعالم للمجتمع.
صحيح أن وظيفة التواصل من أهم وظائف اللغة "نظرا لكونها تحقيقاً صوتياً لميل الإنسان إلى رؤية الواقع بطريقة رمزية."() وبفضلها "تكوّنت الجماعات الإنسانية، فتاريخ البشرية منذ بدايته يفترض وجود اللغة."() إلا أن ثمة فارقاً بين اللغة والتواصل، فعلى الرغم من أهمية وظيفة التواصل وحيويتها وضرورتها، إلا أنها لا تمنح اللغة خصوصية؛ إذ إنها متحققة بين الكائنات الأخرى بالقدر الذي تحتاجه، وبهذا فالتواصل لا يأخذ دوره الفعلي والجوهري، إلا إذا تعالق مع الفكر، ليشكلا هوية واضحة قادرة على تحقيق الانسجام بين الماضي والحاضر والمستقبل. ولعل الاقتصار على دور اللغة في التوصيل -بمعناه البسيط- أدّى إلى خلل واضح في فهم مقصدية اللغة، وعدّها أداة لتوصيل المعنى فحسب، غاضين الطرف عن الأخطاء والركاكة؛ إذ لا يؤثر هذا في وصول المعنى واستيعابه.
وهذا الفرق بين اللغة وإحدى وظائفها (التوصيل) يساعدنا على إحداث الاتساق بين القوة والفعل؛ فالقوة شيء كامن في ذاتنا فهو ممارسة داخلية، وربما نستطيع أن نصفه بـ: (الكفاية), أما الفعل فهو نمط الممارسة الخارجية الذي يمثل حبل الوصل بين الذات والآخر، والداخل والخارج، ونستطيع أن نصفه بـ: (الأداء)، ولعل الفرق بين القوة والفعل ظاهر في عالم اللغة، فعلى الرغم "من أن اللغة العربية قطعت شوطاً كبيراً في التطور باتجاه أن تكون الفصحى اللغة العملية للحياة اليومية، فإنه من الصعب القول بأن العربية الفصحى تُعدّ لغة الحديث اليومية، أي لغة التعامل اليومي: الاقتصادي والسياسي والتعاقدي، فمن الملاحظ أننا نفكر تجارياً ونحسب مالياً بالعامية، ولكن حين يتطلب الأمر توثيقاً خطياً، نترجم ما تمّ الاتفاق عليه، وكثيراً ما نستعين بمترجمين؛ لأننا لا نستطيع الكتابة بالعربية الفصحى."()
ونجد هذا الفصام النكد في كل مناحي الحياة؛ فـ "اللغة التي يتعلمها الطالب العربي هي غير اللغة التي يسمعها في البيت أو الطريق... وما يسمعه من معلم العربية غير الذي يسمعه من معلم الجغرافيا، بل إن معلم اللغة العربية يعلمه أشياء ويستخدم أشياء غيرها... كل شيء حول العربية في(الفصل) مضادّ لها في البيت والمدرسة والشارع، وكأنما هناك هذه القربة المقطوعة، تملأ من أعلاها, فينهمر الماء من جوانبها المتهرئة والممزقة."()
وقد يكون من أسباب هذا الفصام بين اللغة الوقتية(لغة الصف أو المحاضرة)، ولغة الحياة(التعايش مع المجتمع والأسرة) أن اللغة القومية(الوقتية) تؤخذ تلقيناً، في قوالب صمّاء دون أن يكون لها أثر في استثارة ذائقة المتلقي، وجعله معايشاً لها، ومحاوراً إياها، وصديقاً لها، فاللغة التي نتعلمها اليوم "تُجهد المُعلم تلقيناً والتلميذ حفظاً، دون أن تكسبه ذوق العربية ومنطقها وبيانها."()
3- الانتماء والارتماء (مثلث اللغة: اللغة القومية(الأم), الثنائية, الازدواجية):
تعد قضية الانتماء إلى اللغة والهوية من القضايا الشائكة, التي تؤرق العاملين في حقل السياسة اللغوية أو التخطيط اللغوي في أي زمان ومكان؛ إذ تتمحور هذه القضية حول موقع الفرد وموقفه من هويته، والأسس المعرفية والاجتماعية التي صاغ منها شخصيته، وعلاقته مع الآخر بمعينه كله، فها هو ابن حزم الأندلسي يرى أن العلاقة بين ارتقاء اللغة وارتقاء الأمة علاقة وطيدة؛ إذ إن "اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم... فإنما يقيّد لغة الأمة علومها وأخبارها قوةُ دولتها ونشاط أهلها وفراغهم." وهذه نظرة عميقة من ابن حزم في الربط بين اللغة ومكانتها، ودور الأمة في سمو اللغة. ورفعة اللغة مبنية على وحدة لغة الخطاب، والتكامل القومي، والحق في تقرير المصير؛ فالوحدة اللغوية تصنع إرادة واحدة على النطاق الدولي، وهي تتعامل مع الداخل فتنشئ تكاملاً قومياً، وتتعامل مع الخارج فتنشئ وحدة نظامية ذات إرادة واحدة، ومن ثم تستحق هذه الوحدة النظامية أن تكون (أمّة) تملك حق تقرير المصير.()
وتحدث ابن خلدون عن هوية الأمة، وتفحص علاقة الأمة المغلوبة بالغالبة، وفسّر مظاهر الاستلاب الثقافي والاستتباع الفكري؛ إذ تتقمص الأمة المغلوبة شخصية الغالبة، وتحاول التماهي معها في مناحي الحياة كلها: المعنوية والمادية، فهو يقول: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شِعاره وزيّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده, والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد في من غلبها وانقادت إليه, إما لنظره بالكمال بما وفر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتّصل لها اعتقاداّ، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به، وذلك هو الاقتداء، أو لما تراه، والله اعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، وإنما هو بما أنحلته من العوائد والمذاهب... ولذلك ترى المغلوب يتشبه بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها وفي سائر أحواله."()
وفي الحديث عن تجليات الانتماء، تَبرزُ المعالجة اللغوية مظهراً مهماً من مظاهر الشعور بالانتماء، أو اتباع سنن الثقافة الدخلية أو الثقافات الأخرى. وستحاول الدراسة أن تتحدث عن هذه المعالجة في محوريين هما :لماذا اللغة الأم، والثنائية والازدواجية.
أ- لماذا اللغة الأم:تعاني الذات –أحياناً- من شعور بالتفسخ ما بين الماضي والحاضر. وقد يدفع هذا الشعور تلك الذات إلى محاولة إعادة تشكيل الهوية التي تمنحها صفة الانسجام، مما يدفع الذات إلى الاحتماء باللغة الأمّ شكلاً من أشكال الهوية؛ إذ يُعدّ هذا الأمر غريزة يشعر بها المرء بالاطمئنان، ويستطيع من خلالها أن يبثّ همومه، وينقل أفكاره وعاداته وتقاليده. وفي ذلك يقول ساطع الحصري: "إن اللغة سواء قلنا إنها خلقت دفعة واحدة من قبل الله، أم ذهبنا إلى أنها تكونت تدريجياً بعمل العقل، فلا يمكن أن نشك في أنها -في الحالة الراهنة- هي التي تخلق العقل، أو على الأقل تؤثر في التفكير تأثيراً عميقاً، وتسدده وتوجّهه توجيهاً خاصاً، فاللغة القومية تعتبر بمثابة الوعاء الذي تتشكل به، وتحفظ فيه، وتنتقل بواسطته أفكار الشعب. إن لغة الآباء والأجداد مخزن لكل ما للشعب من ذخائر الفكر والتقاليد والتاريخ والفلسفة والدين، فقلب الشعب ينبض في لغته وروحه، وتكمن في بقاء هذه اللغة."()وفي استعمال اللغة الأم (القومية) فوائد عديدة، فهي -كما لاحظنا- ملاذ نفسي للذات، ومُنَمِية للشعور القومي، ومخزن للفكر، ولها كذلك ضرورات, فهي:
- ذات نفع مادي، "فمعرفة القراءة والكتابة بلغة الأم مفيد جداً؛ إذ يعود بالنفع على ميداني التجارة والأعمال."()
- ذات بُعدٍ تفكيكي بنائي توحيدي، فهي تفكك منظومة العاميات المتعددة، وتقوم ببناء منظومة لغوية واحدة مشتركة في القوانين والمشاعر والأهداف، فـ"عدد العاميات العربية يتعدى عدد أقطار العروبة، بل ويتعدى عدد مناطقها، وقد يتعدى عدد مدنها وأحيائها وقبائلها، وأن الجامع الوحيد الذي يضفي عليها طابع العربية، هو ذلك الخيط الذي يشدّها إلى الفصيحة, فاللغة الفصيحة هي التي تعطي للأمة العربية هويتها، وهي نموذج لغوي ثابت من حيث الصرف والنحو والتراكيب، ولكنه نامٍ ومتطور من حيث المفردات والأساليب." (25)
- وهي ضرورة في إحداث التجانس المجتمعي؛ إذ إن المجتمع القوي يعتمد على ركيزتين أساسيتين هما: الولاء الذي يتجه إلى الأمة، بوصف هذا الولاء عنصراً من عناصر تشكل الأمة. (26) والركيزة الثانية هي اللغة؛ إذ تؤدي مهمة عظيمة في إحداث التجانس، فهي لغة واحدة للخطاب تؤشر على حقيقة الاتصال والتواصل، وهي خطاب يتم عبر رموز واحدة تمثل حقيقة تكاملها وتمايزها، وهي تتمثل في نسق للقيم يفضي إلى حقائق اختصاصها وأصول هويتها، وهي تعابير اجتماعية تمثل مع كل ما سبقها محوراً للعملية الاتصالية بين الجماعة القومية، وتميز الجماعة القومية عن غيرها. (27)
- وهي ضرورة للمحافظة على النقاء والأصل، فهي تحفّز المجتمع على العودة إلى الذات، وتستثير فيه روح المقاومة، ورَفْض الاستلاب الثقافي والتبعية الفكرية؛ إذ تفسح المجال أمام إنتاج نصوص حرّة تعبّر عن روح حُرّة.
نصوص حّرة تخلق بإرادتها جهاز مفاهيمها وتعبيراتها
ولعل في التجربة اليابانية عبرة في تمثّل لغة المقاومة، فقد أخضعت أمريكا اليابان لمجموعة من التغييرات السياسية والاقتصادية والتربوية والتعليمية، إلا أن اليابان ما تخلت عن "لغتها اليابانية رغم نظامها الكتابي المعقد، وبقيت لغتها القومية وسيلة لنظام تعليمها، وعملية تحديثها، ونهضتها العلمية والصناعية، حيث جعلتها لغتها الفصيحة في التعليم في مختلف مراحله وتخصصاته، وكذلك لغة الإعلام، وعلى رأسه قناتها التلفزيونية الحكومية المعروفة باسم NHK التي كان لها دور كبير في انتشار اللغة اليابانية الفصيحة، وترسيخها بين اليابانيين على اختلاف لهجاتهم."()أما عندما تغيب لغة المقاومة فستتعرض الأمة إلى الغزو الثقافي، والميل الوادع إلى المحتل؛ "إذ ينظر المغزووّن إلى واقعهم من خلال نظرة الغزاة لهم، وبقدر ما يقلدون هؤلاء الغزاة بقدر ما يطمئن الغزاة إلى وضعهم، ولأجل أن يتحقق هدف الغزو لا بدّ أن يقتنع هؤلاء المغزوون أولاً بدونيتهم؛ لأن في اقتناعهم بالدونية اعترافاً بعلوية الغزاة، وفي هذا الاعتراف يكمن التحول الذي يؤدي بالمغزوين إلى تمثل خطى الغزاة في طرائق مشيهم ولبسهم وسلوكهم الاجتماعي، وفي ذلك يتحقق الازدواج في شخصياتهم، وهذا الازدواج هو الذي يوضح لماذا يتعايش المقهورين في بعض المراحل مع قاهريهم."()
ب- الثنائية والازدواجية :
تعني الثنائية في اللغة بشكل عام: استعمال لغة ثانية بجانب لغة الأم (القومية)، وهي ظاهرة تكاد تكون منتشرة في معظم الدول التي خضعت للاستعمار؛ إذ تبرز لغة المستعِمر إلى جانب لغة المستعَمر في مختلف جوانب النشاط الحياتي لمجتمع المستعمَر.* وتقاس قوة الثنائية وتجلياتها في مجتمع المستعَمر بقابلية هذا المجتمع للاندماج في بنية المجتمع المستعِمر، وقدرة الدولة القومية على الاستقلال السياسي والاقتصادي، ومدى انتماء المؤسسة ووفائها إلى الجوهر التاريخي للغة وللهوية، ومدى الشعور بالدونية والنقص من الهوية؛ إذ يدفع هذا الشعور إلى استعارة هوية أخرى تعبّر عن انتماء المستعَمر إلى ثقافة المستعِمر.
وتصوير مسألة الثنائية أنها لا تخرج عن كونها تقليداً لغوياً مقتصراً على الكلمات والجمل والتعابير، ومستخدَماً من معظم المستويات، هو تصوير ساذج يَنمُّ عن أحد دافعين: دافع بسيط لا يعي أن اللغة شكلٌ سامٍ في التعبير عن الهوية. ودافع خبيث يرى أن الإثنية اللغوية شكل من أشكال التفاعل الثقافي والحيوية الثقافية والحوار الحضاري،() وبدرجة أعلى شكل من أشكال الحتمية اللغوية خاصة في عصر التقنية.()
وقطار الحداثة لن يُقلَّ من ابتعد عن مواكبة التحديث والعولمة اللغوية، فاللغة القومية للمجتمع التابع غير قادرة على تحقيق النمو والارتقاء بأفراد المجتمع. وقد تؤدي لغة الغالب أو الحداثة مهمة أخلاقية في نقل المغلوب أو التابع من مرحلة التيه والاستجداء المعرفي وعدم معرفة الكينونة إلى مرحلة المشاركة والصنع المعرفي والحضاري،() ولعل هذه النقطة خطيرة جداً؛ إذ تمنح الغالب حرية مطلقة في نقل معرفته إلى الآخر؛ طوعاً أو كرهاً، فهو ينطلق من منظومة قيم وأخلاق تؤهله للقيام بأي فعل في سبيل نقل ثقافته، كما كان يفعل المستعمرون الأوروبيون في انطلاقاتهم الاستعمارية في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر؛ إذ أنتجوا عبارة WHITE MANS BURDEN .لأجل ذلك ترتبط قضية الثنائية بالحديث عن المصير وحق تقريره، ومفهوم الأُمّة والمواطنة، والمشاركة الوجدانية، والحس المشترك، والانتماء إلى الذات، ونقاء الهوية، وهذه المصطلحات هي في ذاتها مصطلحات بريئة، تأخذ دلالاتها السامية أو الوضيعة من سياقات استخدامها، وبذلك يصبح الحديث عن اللغة والثنائية "المعيار المركزي أو المصيري أو ربما المعيار الوحيد لأمة محتملة."() ومن هنا تظهر إشكالية طغيان اللغة على أخرى، لا على مستوى النطق فحسب، بل على مستوى الهوية أيضاً، فـ"عدم التوازن في استعمال اللغتين في أغلب الحالات يعني "أن واحدة من هاتين اللغتين والتي سنسميها اللغة الرئيسة سوف تسيطر على حياة الشخص ثنائي اللغة. واللغة الرئيسة هي اللغة التي يعتبرها الشخص ثنائي اللغة لغته الخاصة، ويمارس بها علاقاته الشخصية المهمة، ومن ثم فهي اللغة التي يعرفها أكثر ويتحدثها أفضل، ويستخدمها بكل سهولة ويسر، وعادة ما تكون هذه اللغة من ناحية زمنية اللغة التي يتم اكتسابها أولاً، وكلمة (عادة) التي جاءت في الجملة السابقة مهمة في هذا المضمون، لتأكيد أن الوصف الذي قدمناه للغة الرئيسية يصدق في أغلب الحالات، وليس بالضرورة في كلها، فهناك بعض الأشخاص ثنائي اللغة يمارسون علاقاتهم الخاصة والشخصية جداً بلغتين، ومثل هؤلاء الأشخاص الذين تشّربوا اللغتين لا يفرقون بوضوح بينهما، ولا يشعرون بخصوصية إحداهما دون الأخرى."()
ويرى المهتمون ببناء مجتمع المعرفة، والعاملون في التخطيط اللغوي، أن ثمة دوافع لحدوث الثنائية، ولعل أهمها: الدافع الاندماجي والدافع الأداتي (النفعي)، والمقصود بالدافع الاندماجي أن الغرض من تعلُّم اللغة الأجنبية الثانية هو الاندماج في بنية المجتمع الأجنبي (القوي – المهيمن)، وقد ينشأ هذا الدافع عند الذين يذهبون إلى بلاد أجنبية للعمل أو الدراسة، إلخ،() وعند من يشعر بأن هويته دونية لا ترقى إلى اللغة الثانية، فيظن أنه وُجد في المكان الخطأ، وأنه استمرار لثقافة اللغة الثانية، ومنتمٍ إليها لا اللغة الأولى وهي الأم. أما الدافع الأداتي (النفعي)، فهو يرى في تعلم اللغة المهيمنة تحقيقاً لأهداف نفعية خالصة، كالرقي الاجتماعي، والحصول على وظائف ذات دخل مرتفع، وربما محاولة قراءة الآخر في مختلف جوانب نشاطه.ولعل هذا التأرجح في الهوية ومحاولة الهيمنة اللغوية، وإفقاد اللغة القومية(الأم) جوهرها التاريخي هو ما نطلق عليه مصطلح( التدمير الخلاّق للغة العربية)؛ أي تفتيت المجتمعات العربية عن طريق تدمير اللغة ونشر الثنائية والازدواجية.() وبناءً عليه هل يحق للمجتمعات العربية أن تنظر بعين الريبة والشك تجاه الأفكار التي تنادي بالتحديث والحداثة، وما بعد الحداثة، واللغة الكونية، إلخ من تلك المصطلحات والمفاهيم التي تجعل من اللغة الإنجليزية شريكة لأية لغة قومية، وقد تتفوق عليها كما هو الحال في تجربة الفلبين؛ إذ أصبحت اللغة الإنجليزية المهيمنة على اللغة القومية المسماة بـ(البلبينو) فغدت اللغة الإنجليزية لغة الصفوة والسياسة والاقتصاد والعلم، وغدت البلبينو لغة عامة، لأجل ذلك يجب أن يكون ثمة وعي بالفروق الجوهرية بين وظيفة اللغة القومية بوصفها أداة فكر وهوية وتواصل، واللغة الأجنبية بوصفها أداة تواصل مع فكر الآخر، إن استعصى على أهل اللغة نقل المعارف إلى لغتهم القومية.
تعتمد نظرية التحديث على منطلق رئيس وهو أن المجتمعات المتخلفة يجب أن تُحدِث قطيعة مع البنيات المؤسسية التقليدية التي تعرقل التطور والازدهار الاقتصادي، وبهذا ترى نظرية التحديث أن أفضل طريقة ممكنة لتجاوز التخلف تنحصر في تبني مؤسسات وأنماط سلوك شبيهة لما يوجد في المجتمعات الصناعية. وظاهر للعيان هيمنة الإنجليزية على باقي اللغات،() ما دفع البعض إلى القول بأن الإنجليزية هي لغة التحديث؛ لأنها لغة المعرفة والتواصل. ويرى مؤيدو هذا الرأي أن أنظمة المعلومات الحديثة تتطلب سيادة لغة واحدة وهي اللغة الإنجليزية، وذلك لثلاثة أسباب:
أولاً: لأن المعلومات التي يتوقف عليها التطور التكنولوجي الحديث ذات صبغة تراكمية، فمن أجل متابعة العلماء -وغيرهم من المعنيين بالبحث والتطوير- ما يستجد، ينبغي أن يصلوا إلى البحث الذي يجري في العالم، ولهذا فوجود لغة بحث مشتركة أمر مفيد، ويلاحظ بشكل متزايد أن الإنجليزية هي اللغة المهيأة للقيام بهذه المهمة.
ثانياً: تتطلب عملية البحث والتطوير والتطبيق النفاذ إلى آخر ما استجد في عالم البحث، وهكذا ينظر مرة أخرى إلى الإنجليزية أداة فعّالة في هذا النفاذ.
ثالثاً: يشهد تنامي المعلومات توسعاً ملحوظاً، ويتطلب ذلك أنظمة استرجاع ونفاذ عالية التقنية، تستطيع أن تنشر على وجه التقريب يومياً سبعة آلاف مقالة علمية. وتشير الفيدرالية الدولية للتوثيق – وهي أحد فروع اليونسكو التي تتعامل مع المعلومات العلمية- إلى أن 85% تقريباً من كل المعلومات المخزنة أو المختزلة في جميع أقطار العالم لغتها الإنجليزية. إن القدرة على النفاذ إلى مثل هذا النظام المعقد من المعلومات، والتحكم فيه، يتطلب مهارات لغوية معتبرة على مستوى الوطني، ويعني هذا أن كل بلد ينبغي أن يتوافر على طاقم ضخم ممن يتقنون الإنجليزية.()إن عملية نقل العلوم لا تقتصر على لغة دون غيرها، فكم من أمم في الماضي والحاضر استطاعت أن تنهض بلغتها عن طريق الترجمة؛ إذ اعتمدت هذه الأمم على ركيزتين أساسيتين هما: الاستيعاب والتجاوز، وما النهضة اليابانية والصينية إلا مثال ناصع على قدرتهما في تحقيق التقدم العلمي على الرغم من استفحال الإنجليزية في الشبكة العنكبوتية. وقد حاول مجمع اللغة الأردني أن يبرهن على قدرة اللغة العربية في استيعاب تقنيات العصر والتفاعل معها وتجاوزها، وإنتاج جهاز مفاهيمي قادر على رفد المجتمعات العربية بما يلزمها لكي تواجه مستجدات العصر.() وحاول عدد غير قليل من المفكرين اللغويين والتقنيين العرب أن يفنّدوا الاتهامات التي وُجّهت إلى العربية من أنها عاجزة عن أن تكون لغة علم وتقنية، متخذة تلك الاتهامات من الحرف العربي مثالاً على هذا العجز.()
لا يشكل الحديث عن الازدواجية في موضوع اللغة العربية في الشبكة العنكبوتية في المؤسسات الأردنية شيئاً يُذكر، وهو أقلّ بكثير مما هو في باقي التقنيات مثل: التلفاز، أو الإعلانات، أو المذياع، أو الهواتف الخلوية، إلخ. ولعل مردّ ذلك إلى ماهية الازدواجية؛ إذ تعني الازدواجية وجود العامية إلى جانب الفصحى، أي ضمن اللغة ذاتها. والعامية لغة الكلام، ومجال استعمالها في الشبكة العنكبوتية ضئيل جداً خاصة على المستوى الرسمي أو الأكاديمي والثقافي، مما يُصعّب قياسها. وقد توجد على مستوى البريد الإلكتروني أو مواقع التواصل والمنتديات، وهذه لا حدود لها ولا جغرافيا، لذلك آثرت الدراسة عدم التطرق إليها – على خطورتها- مكتفية بالحديث عن الثنائية؛ لأنها مجال رحب للقياس والتحليل.4- رؤية كُلية في تطوير اللغة:
يقول ابن خلدون: "اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة، ولا بلغة أهل الجيل، بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها، بعيدة عن لغة مضر، وعن لغة هذا الجيل الذي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد. وأما أنها لغة قائمة بنفسها، فهو ظاهر يشهد له فيها من التغاير الذي يُعدّ عند صناعة أهل النحو لحناً."()
إن التسارع المعرفي والتقني الذي يشهده العالم اليوم يفرض على المجتمعات أن ترى مكانها في هذا التسارع، وتراجع أساليب تعاملها مع الذات ومع الآخر، فلقد علمنا التاريخ أن المراجعة القائمة على التفكير –بوصفها مؤشراً على إنسانية سوية- لا تستقيم مُلبية منطقها بغير قدرتها على معالجة كل مستهدف في الواقع عن طريق التصدي له، كما أنها لا تساير طبيعتها دون جرأة صاحبها على فِعْل هذه المراجعة. وليس من مراجعة مثمرة بغير قابلية أصحابها، وليس من ذهن تُتاح له سعة التفكير بغير وجود للحراك في الواقع، وليس من واقع يتحرك ليتغير ما دامت مسوغات صعود الأفراد على ما هي عليه؛ منكفئة في ظل دائرة ضيقة تكاد تخنقها. لذلك لا بدّ من تطوير اللغة، على ألا يفقدنا هذا التطوير الاتصال بالتراكم المعرفي التراثي، وأن تكون هذه اللغة قادرة على تمثُّل مفهومي الاستيعاب والتجاوز.ولكن عن أي لغة نتحدث؟ وعن أي مستوى للغة نتعامل؟ وإن كانت ثمة مستويات فهل نستطيع أن نوالف بينها؟ وماذا تمسُّ عملية التطوير ألبذور أم الجذور أم الورق؟ وما هي اللغة الواقعية؟ أهي المستعملة أم المجرّدة؟ وكيف نستطيع أن ننتج الرعشة اللغوية؟ وهل عدم الالتزام بالمستوى العالي الرفيع أو الفصحى له علاقة سيكولوجية تتعلق بقانون الاقتصاد في الجهد مما يجعل الناس يخففون الألفاظ؟
لم يعد هذا الموضوع خافياً على أحد، خاصة بعد الانتشار الكبير لتقنيات التواصل الشفهي والمرئي والكتابي، وغدت المعمورة بيتاً يستطيع فيه الجميع أن يسمعوا ويناقشوا بعضهم بعضاً. وتنبهنا نظرية التلاؤم() إلى ضرورة مراعاة الفروق الاجتماعية واللغوية والاقتصادية عند التخطيط اللغوي، وضرورة الحيوية اللغوية حتى تنشأ لغةٌ تبتعد عن المعاظلة التي تقف سداً أمام وصول المعنى، وتبتعد كذلك عن الابتذال الذي يقلل من قيمة التوقعات.
يقارن اللغويون غالباً بين ثلاثة مستويات للغة العربية: مستوى اللغة الفصحى العليا وهي المستخدمة في الأوساط الأكاديمية والعلمية. ومستوى الفصحى الإعلامية(العربية الوسطى). ولغة العامة. ولعلنا عندما نبحث في وضع مستويات لشيء ما، فإننا نضع المستوى الأعلى، ويقابله نقيضه المستوى الأدنى، ويتوسطهما المستوى الذي نَعدُّه –مرحلياً- موائماً لطبيعة المجتمع الذي يتفاعل مع المستجدات، وابتعد عن المعيار أو الأنموذج. وبما أن هذا المستوى المتوسط ينحت من المعيار أو الأنموذج ومن البيئة، فمن الطبيعي أن يستحوذ على اهتمام اللغويين. ومن هنا كان الحرص على "إجراء دراسات مقارنة بين العامية والعربية الوسطى من جهة، وبين العربية الوسطى والعربية من جهة أخرى، لتحديد العلاقة في هذه المستويات الثلاثة، والكشف عن مقدار التطور الذي تمثله العربية الوسطى في الانتقال من العامية إلى الفصحى، وتعيين العوامل التي أدت إلى ولادة هذا المستوى اللغوي (العربية الوسطى)."()ورأى بعض الباحثين أن هناك فصحى معاصرة تمثل مرحلة زمنية معينة من المراحل التي تواردت على العربية التراثية، وهي امتداد للفصحى التراثية؛ إذ تلتزم بقواعدها، وهي منتشرة في لغة الصحافة والإعلام.() وبناء على ما سبق تقترح الدراسة ملامح العربية الحديثة أو الفصحى المعاصرة أو العربية الوسطى:
- فهي أصولية في بنيتها المعرفية وقواعدها النحوية والصرفية والبلاغية، ولكنها لا تتبع بالضرورة القول بـ: قُلْ ولا تَقُلْ في التعبير عن مفردات النحو والصرف والبلاغة؛ إذ تحتمل العربية الكثير من التأويلات النحوية والصرفية والبلاغية دون الخروج على الأصول. وبناء على ذلك تظهر بشكل واضح حدود القواعد وحدود المُستخدِم، وتتضح العلاقة بين المُنتِج والمُنتَج، وتصبح حرية المُستخدِم مضبوطة بأصول اللغة، ويغدو بذلك وفياً لجوهر اللغة. وهي بهذا المفهوم ليست ثورية تهدف إلى تلويث اللغة، والخروج عليها.
- وهي دقيقة في التعبير عن مفرداتها وقواعدها؛ إذ إنها تخاطب مستويات متعددة من الدائرة اللغوية نفسها، ومن دوائر لغوية أخرى، وهذا يجعلها تبتعد عن الإغراق في المجاز والكناية والفذلكات اللغوية والنحوية والصرفية. ولا يعني هذا أن نجعلها جامدة وعلمية مثل لغة الرياضيات والفيزياء، ولكنها لغة فكر ومتعة، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. وبما أن التسارع التقني يفرض تسارعاً في نشاطات الحياة ومنها النشاط اللغوي، فإن هذا يحثُّ اللغة على إيصال الفكرة بجهد عقلي مقبول يتواءم ومسألة التسارع. والمجاز والكناية وغيرها من أنماط الأعمال العقلية تبطئ وتيرة الجهد اللغوي في مواكبة هذا التسارع، ففي الكناية نحتاج إلى أكثر من خطوة للوصول إلى المعنى المراد.
- وهي لا تجعل للحركات الإعرابية الأصلية(الفتحة والضمة والكسرة) موقعاً مميزاً، إلا إذا استدعى الأمر أن يتعاشق المتلقي معها؛ إذ تبطئ –كذلك- من وتيرة الجهد اللغوي. وهنا يجب أن نفرق بين المشافهة والكتابة، فقد يظهر للحركات موقع مميز محتفى به في المشافهة، إلا أن بريقه يضعف عند الكتابة. والشبكة العنكبوتية في أغلبها لغة تواصل كتابي.- وهي قادرة على الاندماج في بنية التقنية؛ إذ تساعد في بناء برامج حاسوبية للتصحيح اللغوي والصوتي والتركيبي والنحوي والصرفي والأسلوبي، من خلال استحداث القاموس الدلالي الذي يشكل مرتكزاً جيداً لتعامل اللغة مع التقنية.
- وهي توسعية بالمعنى الاشتقاقي والتوالدي؛ إذ تستخدم وسائل عديدة للتعبير ونقل المعرفة، وتسمح بقبول الآخر اللغوي، فهي تقبل الاشتقاق ولكن طبقاً لقواعدها، وتقبل التطوير في الأساليب والتراكيب طبقاً لمعيارها. وفي هذا الموضوع يذكر الدكتور إبراهيم السامرائي، في بحثه الموسوم بـ" مع لغة الصحافة" أن كثيراً من الأساليب والتراكيب قد دخلت إلى العربية وهي ليست فصيحة، ولكنها مقبولة، ويعطي أمثلة على ذلك ومنها: هو يلعب دوراً خطيراً، فهذه جملة غير فصيحة ولكنها مقبولة.(45)
- وهي متسامحـة، وعندها القابلية لكي تأخذ بالمباح والمندوب من اللغـة (كأس – كاس، صحراء – صحرا).ثانياً: دراسة مسحية لواقع اللغة العربية في الشبكة العنكبوتية في المؤسسات الأردنية:
تمحورت هذه الدراسة حول تساؤلات عن واقع اللغة العربية في الشبكة العنكبوتية في المؤسسات الأردنية. ولعل أهم هذه التساؤلات ما يلي:
- هل تمثلت المواقعُ الإلكترونية للمؤسسات الأردنية-حكومية أو خاصة- البعدَ القومي أو الإسلامي للمجتمع الأردني خاصة والمجتمع العربي عامة ؟
- وهل ساعدت المواقع الإلكترونية لهذه المؤسسات على النهوض باللغة العربية، بوصفها لغة هوية وفكر وانتماء وتواصل؟
- وهل يشعر المتصفح للمواقع الإلكترونية للمؤسسات الأردنية أنه يتصفح مواقع عربية في المبنى والمعنى؟
- وهل استطاعت هذه المؤسسات أن تتحرر من التبعية والاستلاب المتمثلين في الازدواجية والثنائية؟
- وإن كان ثمة تلوث للعربية بالثنائية والازدواجية، فأين تمثلاته في المؤسسات الأردنية؟
- وهل استطاع الدستور الأردني والقوانين والتشريعات أن تكون عاملاً أساسياً في نهضة اللغة العربية على الشبكة العنكبوتية؟ وما مدى سلطة الدستور على الذين نبذوا اللغة العربية وراء ظهرانيهم واستبدلوها لغة أخرى؟
- وهل هناك رقابة حكومية أو من ينوب عنها في ضبط عمليات الخروج على اللغة العربية ومحاسبة المخالفين؟
- وما هي اللغة الأم في المؤسسات الأردنية؟
- وإن كان ثمة تغيير لمفهوم لغة الأم عند بعض المؤسسات، فما هو موقف الدستور أو المُشرِّع من هذا التغيير، بوصف الدستور حامياً للغة الأم؟
- ولماذا تلجأ بعض المؤسسات إلى الثنائية في اللغة؟
- ومن هو المخاطَب الذي تقصده المواقع الإلكترونية لهذه المؤسسات، أهو الأردني أم العربي أم الأجنبي؟
وقد حاولت الدراسة أن تجيب عن هذه التساؤلات باستقصائها عدداً غير قليل من المواقع الإلكترونية لمؤسسات أردنية متنوعة مثل: الجامعات، والمدارس، والوزارات، والإعلام، والمصارف، والفنادق، والمؤسسات الفكرية والثقافية، والمكتبات، إلخ.
وتمثل المحدد المنهجي لهذه الدراسة في دراسة المواقع الإلكترونية من خلال:
1. الصفحة الرئيسة للمؤسسة على الشبكة العنكبوتية؛ إذ تعطي الصفحة الرئيسة المتصفحَ تصوراً مهماً وعميقاً عن البصمة الثقافية للموقع وصاحبه، ومدى انتماء المؤسسة إلى تراثها ولغتها، ومَن هو المُخاطَب الذي تستهدفه المؤسسة.
2. عنوان المؤسسة، ومدى تغلغل الثنائية فيه. وللعنوان شخصية خلاقة، وهو يعطي أبعاداً معرفية مهمة، فإن كُتب عنوان المؤسسة بالعربية فقط، فلهذا دلالة معينة، وإن كُتب بالإنجليزية أو بغيرها فله دلالة أخرى، وإن كُتب بالعربية وبغيرها فسيعطي دلالة مغايرة للاثنتين.
3. اختيار لغة أخرى؛ إذ تحتوي بعض المواقع أيقونة تمنح المتصفح حرية قراءة الموقع بغير اللغة التي فتح بها، وجَعَلها لغة رسمية للمؤسسة. وهذا له اعتبارٌ كبير؛ إذ تُسفِر عن طبيعة المؤسسات التي تريد أن يُقرَأ موقعها، ومن هو المُخاطَب الذي تستهدفه المؤسسة، وهل ثمة دوافع عقدية (أيديولوجية) وراء اختيار لغة دون أخرى؟! (انظر الملحق 1).
أما محتوى الموقع فهو لا يخرج عن هذه المحددات المنهجية؛ إذ يحدد اختيار اللغة المحتوى الذي يريد متصفح الموقع أن يقرأه أهو بالعربية أم بغيرها. (انظر الملحق2) وقد تلجأ بعض المواقع إلى أن تكون محايدة في اختيار الموقع، وتمنح المتصفح الحرية كي يختار اللغة التي يريدها من لغات الاختيار المتوفرة. (انظر الملحق3).
وبناء على الإطار النظري الذي رسمته الدراسة منطلقاً فكرياً لها، نستطيع أن نتبين ملامح الهوية والانتماء والثنائية في هذه المؤسسات، متكئين على المعلومات الواردة في مواقعها الإلكترونية، لكي نُسفر عن خطابات هذه المؤسسات، وموقع اللغة العربية في منظومتها المعرفية. وتؤكد الدراسة أنها لن تنطلق من نظرية (المؤامرة)، وليست ثمة تصورات قبلية تحكم نتائجها وتُسيّر حركة بحثها، بل انطلقت من تساؤلات معرفية وميدانية يلمسها ويشاهدها من يهتمون باللغة والفكر والهوية والتخطيط الاستراتيجي.
عربية البقاء (اختلال مفهوم اللغة الأم):
عندما نتحدث عن اللغة الأم، فإننا نقصد بذلك الحديث عن تلكم اللغة التي اتخذتها الأُمّة ميداناً فسيحاً للتعبير عن هويتها، وغدت الشكل المتجلي للتواصل بين أفرادها، واتخذتها الدولة لغة تواصل في إدارتها ومؤسساتها ومراسمها، وهي التي نصّ عليها الدستور. وثمة فرق جوهري بين اللغة الرسمية(الأم) واللغة الوطنية، فاللغة الوطنية هي لغة جماعة كبيرة من الناس داخل الدولة، وليست بالضرورة أن تكون لغة الأغلبية، ولا ينص عليها الدستور لغةً رسميةً أو لغةً أمّاً.
وإذا تأملنا حضور اللغة العربية في الدستور الأردني والقوانين والتشريعات نجدها صورة مشرقة؛ إذ هي لغة رسمية للدولة ولغة الأم فيها، فالمادة الثانية من دستور المملكة ينص على أن الإسلام دين المملكة، وأن اللغة العربية لغتها الرسمية. ونصّت قوانين الجامعات على جعل اللغة العربية لغة التدريس في كلياتها، ويُترك لمجلس الجامعة تقدير استعمال لغة أخرى إن اقتضت الضرورة ذلك.() مع السعي إلى تعريب تدريس المواد التي تستعمل لغة أخرى غير العربية.() وألزمت المادة(66) من الفصل العاشر من قانون التربية والتعليم المؤسساتِ التعليميةَ الخاصة-خاصة المدارس الثانوية- على أن تُدرِّس اللغة العربية، والوطن العربي، والتاريخ العربي، وجغرافية البلاد العربية، والتربية الوطنية في جميع الصفوف، حسب المناهج والكتب التي تُقررها الوزارة، ويجب أن يكون تدريس هذه المواد وامتحان الطلاب فيها باللغة العربية.
وبناء على هذا الوعي (الرسمي) لمنزلة اللغة العربية، وقيمتها في المجتمع، فمن المتوقع أن نرى تمثلاتها وتجلياتها في المؤسسات الحكومية أوالرسمية خاصة، والنشاط المجتمعي عامة، وأن نستشعر وجود اللغة العربية لغة أُمّاً مهيمنة على غيرها من اللغات، خاصة الإنجليزية. وستحاول الدراسة أن تُظهر موقع اللغة الأُم في أربعة قطاعات مهمة وحيوية، ولها حضورها في المجتمع الأردني مقارنة مع باقي قطاعات المجتمع، وهذه القطاعات هي: القطاع التعليمي والثقافي (جامعات/ مدارس/ مؤسسات ثقافية/مكتبات)، والقطاع الحكومي (وزارات)، والقطاع الخدماتي(المصارف/الفنادق)، والقطاع الإعلامي(صحف/ تلفاز). وتوصلت الدراسة إلى أن للغة العربية-بوصفها اللغة الرسمية- حضوراً متفاوتاً في القطاعات مجال الدراسة، وهي على النحو الآتي:
أ- القطاع الإعلامي: نلمح حضوراً واضحاً للغة العربية في القطاع الإعلامي، خاصة في موقع التلفزيون الأردني، ومواقع الصحف الكبرى الأوسع انتشاراً(الرأي، الدستور، الغد، السبيل)؛ إذ إن مواقعها باللغة العربية، واسمها موشَّح بالعربية فقط، ولا يحتوي الموقع على لغة أخرى. (انظر الملحق4) وربما يعود السبب في عدم وجود لغة أخرى إلى التكلفة المالية العالية للترجمة، وإلى وقت طويل للقيام بهذه الترجمة. وثمة صحف موجهة للآخر الذي لا يَعدُّ العربية لغة أُمّاً له مثل Jordan Times / Jordan Daily Theوهي لا تحتوي على خيار لغة أخرى، وربما يعود ذلك إلى السبب نفسه الذي منع الصحف العربية من القيام بعملية الترجمة. (انظر الملحق5).ب- القطاع الحكومي (الوزارات):
تتسم القطاعات الحكومية غالباً بالتعبير الكبير عن رؤية الدولة والدستور والتشريعات، فهي التمثيل الأكثر التصاقاً بالدستور والقانون، فمن أصل(20) وزارة هناك (17) وزارة صفحتها الرئيسة بالعربية، و(10) وزارات كتبت اسم الوزارة على الشبكة العنكبوتية باللغة العربية، و(11) وزارة اختارت اللغة العربية لغة أمّ لها، واللغة الإنجليزية لغة اختيار لقراءة المحتوى بلغة غير عربية. ويلاحظ أن ثمة وزارت صبغت موقعها بصبغة عربية خالصة، من حيث الصفحة الرئيسة، والعنوان، واختيار اللغة، وهذه الوزارات هي: التعليم العالي، والأشغال والإسكان، والأوقاف والمقدسات الإسلامية، والطاقة والثروة المعدنية. (انظر الملحق6) وثمة وزارات جعلت موقعها بالإنجليزية، وجعلت العربية لغة اختيار، وهذه الوزارات هي: التخطيط والتعاون الدولي، والتنمية السياسية.(انظر الملحق7) وبعضها كان محايداً مع إيحاء صوري بالتحيز إلى الإنجليزية، ويمثل هذا النمط وزارة السياحة. (انظر الملحق8).
وما يلفت النظر في المعطيات السابقة أن جزءاً كبيراً من مكونات المجتمع (بوصفه مخاطَبَاً) قد اختفى في مواقع بعض الوزارات، فمن هو المخاطَب في الموقع الإلكتروني لوزارة التخطيط والتعاون الدولي، والتنمية السياسية، والسياحية؟! فإن كان الإنسان الأردني العربي فهذا مخالف لطبيعة الحراك الفكري والثقافي للمجتمع الذي تحتضنه ثقافة عربية إسلامية، وإن كان الآخر هو المخاطَب، فإن في ذلك ابتعاداً عن مفهوم الهوية، وإخلالاً بمفهوم اللغة الأم (الرسمية)، وقطعاً للاتصال مع البناء الداخلي.
ج- القطاع الخدماتي (المصارف والفنادق)():
لاحظت الدراسة أن المصارف والفنادق تُعدّ من أكثر القطاعات ابتعاداً عن مفهوم تمثُّل هوية الأُمّة، فالمتصفح لمواقع المصارف والفنادق على الشبكة العنكبوتية لا يخال أنه يتصفح موقعاً عربياً؛ إذ يلاحظ تغلغل الإنجليزية في بنية المواقع الإلكترونية للمصارف والفنادق؛ فقد شكلت الإنجليزية ما يقارب 98% من لغة المحتوى والصفحة الرئيسة في المصارف، وما يقارب 99,9% في الفنادق. وثمة ملاحظات على المصارف والفنادق نجملها فيما يلي:
1) الصفحة الرئيسة للبنك المركزي(الذي يُعبّر عن رؤية الدولة) باللغة الإنجليزية(انظر الملحق9)، واضعاً الموقع بالعربي خياراً لمن يريد التصفح باللغة العربية. وهنا يعود التساؤل عن موقع اللغة العربية من الخطاب الرسمي، وهل تتسق المواقع الرسمية على الشبكة العنكبوتية مع نصوص الدستور والتشريعات والقوانين؟!
2) معظم المصارف ثنائية العنوان، وتجعل اللغة العربية خيارَ لغةٍ لا أساس موقع(انظر الملحق10).
3) اللافت للنظر أنّ مصرفَي العربي والإسلامي قد جعلا الإنجليزية أساساً لموقعهما(انظر الملحق11) وهذا يثير تساؤلاً حول مكانة اللغة في مشروع (العربي) و(الإسلامي) بوصف اللغة أُسّاً من أسس القومية والحضارة العربية والإسلامية.()
4) نسبة الفنادق التي تجعل الإنجليزية اللغة الأساس مع اختيار لغة أخرى نسبة قليلة؛ إذ كانت الإنجليزية هي اللغة الوحيدة في معظم الفنادق. (انظر الملحق12).
5) ثمة فنادق تستخدم لغات أخرى في عملية حجز الغرف، وليس في قراءة المحتوى، ولا تكون العربية إحدى هذه اللغات؛ إذ نجد الفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية والصينية واليابانية.(انظر الملحق13)
6) لا تبتعد كتابة أسماء الفنادق في الشبكة العنكبوتية عن صورتها في الواقع ()، فثمة أسماء كُتبت بالإنجليزية لفظاً وكتابة مثل: Crown Plaza، وبعضها كُتب بالعربية بلفظ إنجليزي مثل انتركوننتال، وبعضها كُتب بالإنجليزية وبلفظ عربي مثل Liwan.ث- القطاع التعليمي والثقافي:
يحتوي القطاع التعليمي والثقافي على ميزات قلّما تتوفر في قطاع آخر؛ إذ تناط به مهمة نقل التراث والإفادة منه، وهو جسرللتواصل مع الحاضر وبناء المستقبل، ويضم في جنباته الجزء الأكبر من نسيج المجتمع من: طلبة، ومدرسين، ومهندسين، إلخ. وبذلك يكون خطابُه مُشَكِّلاً للشخصية، ومؤثرا فيها. ولعل التطور الهائل للتقنيات فرض على هذا الخطاب أن يستعين بهذه التقنيات لكي يعبّر عن رؤيته وهويته، لذلك نرى حضوراً كاملاً لهذا القطاع على الشبكة العنكبوتية. وقد استُخدمت مكونات هذا القطاع بدرجات متفاوتة، وستحاول الدراسة أن تأخذ الجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية والمكتبات الجامعية مثالاً على حضور اللغة العربية في مواقعها على الشبكة العنكبوتية.
فعلى مستوى الجامعات نلاحظ ما يلي:
1. تدمج بعض الجامعات بين اللغتين العربية والإنجليزية؛ إذ تُمثل العربية المحتوى، بينما تُمثل الإنجليزية العناوين، ومثال ذلك: آل البيت والبلقاء التطبيقية والأردنية"الموقع الإنجليزي" والهاشمية والبتراء والعلوم والتكنولوجيا والحسين بن طلال.(انظر الملحق14).
2. ثمة جامعات لا تكتفي بخيار لغة واحدة كما هو متعارف عليه، بل تتعداه إلى لغتين كما هو ماثل في الجامعة الألمانية؛ إذ جعلت اللغة الإنجليزية هي اللغة الأم، واللغتين العربية والألمانية لغة اختيار.(انظر الملحق15).
3. جعلت بعض الجامعات اللغة العربية لغة الصفحة الرئيسة ولغة المحتوى، مثل اليرموك والإسراء والشرق الأوسط والزرقاء والزيتونة والعلوم التطبيقية وجدارا وإربد وجرش.(انظر الملحق16).
4. اختارت بعض الجامعات موقعها كاملاً باللغة الإنجليزية (محتوى وعنواناً)، مع اختيار لغة أخرى لمن أرد تصفح الموقع باللغة العربية مثل: مؤته وعمان العربية للدراسات العليا.(انظر الملحق17).
5. سخّرت بعض الجامعات خطابها للداخل، فلم تضع أيقونة اختيار لغة أخرى، وجاء موقعها عربياً خالصاً مثل: الإسراء وعمان الأهلية. (انظر الملحق18).
6. حاولت بعض الجامعات أن تكون محايدة، فجعلت موقعها ثنائياً جزءاً بالعربية، وجزءاً أخر بالإنجليزية في الصفحة ذاتها، كما هو الحال في جامعة فيلادلفيا(انظر الملحق19)، أو في الصفحة الرئيسة كما هو الحال في جامعة الطفيلة التقنية() (انظر الملحق20)، أو في الصفحة القبْلية والتمهيدية للانتقال إلى الصفحة الرئيسة كما هو الحال في الجامعة الأردنية. (انظر الملحق21)
7. الجامعات الخاصة أكثر ارتباطا مع اللغة الأمّ في الشبكة العنكبوتية؛ إذ جاءت الصفحة الرئيسية لـ(23) جامعة حكومية وخاصة على النحو الآتي:
- الصفحة الرئيسة باللغة العربية (10) جامعات، منها (9) خاصة، و(1) حكومية.- الصفحة الرئيسة باللغة الإنجليزية (8) جامعات، منها (2) خاصة، و(6) حكومية. - الصفحة الرئيسة ثنائي اللغة
(5) جامعات، منها (1) خاصة، و(4) حكومية.وجاء العنوان على النحو الآتي:
- عنوان الجامعة باللغة العربية
(5) جامعات، منها (4) خاصة، و(1) حكومية.
- عنوان الجامعة باللغة الإنجليزية
(5) جامعات، منها(2) خاصة، و(3) حكومية.
- عنوان الجامعة ثنائي
(13) جامعة، منها(4) خاصة، و(9) حكومية وجاء اختيار اللغة على النحو الآتي:
- العربية + اختيار لغة أخرى
(6) جامعات، منها(5) خاصة، و(1) حكومية.
- الإنجليزية + اختيار لغة أخرى
(8) جامعات، منها(2) خاصة، و(6) حكومية.
- الاقتصار على العربية
(4) جامعات، كلها جامعات خاصة.
- ثنائية الاختيار (5) جامعات، منها (3) خاصة، و(2) حكومية.ومما له علاقة بالجامعات مكتبات تلكم الجامعات، فقد لوحظ أن عدد الجامعات التي توفر خدمة بحث لمحتوياتها قليل، ومعظمها حكومية. ولوحظ كذلك تفاوت الجامعات في حرصها على جعل اللغة العربية لغة أمّ في الصفحة الرئيسة لموقع المكتبة، ولغة أساس في قطاع البحث، ويظهر هذا التفاوت على النحو الآتي :
- مكتبات جعلت لغة الموقع باللغة العربية، ولكن لغة البحث والدخول إلى قواعد البيانات باللغة الإنجليزية، فالعنوان باللغة الإنجليزية، وتُعدّ اللغة العربية خيارَ لغة لا أساس موقع، ومن هذه المكتبات: مكتبة الجامعة الأردنية واليرموك ومؤته والحسين بن طلال وآل البيت. (انظر الملحق22).
- مكتبات جعلت موقعها باللغة الإنجليزية، ويستطيع متصفح الموقع أن ينتقل إلى اللغة العربية ليتصفح مقتنيات المكتبة، ومثال ذلك مكتبة الجامعة الهاشمية. (انظر الملحق23).
- مكتبات جعلت موقعها باللغة العربية، أمّا لغة البحث فهي محايدة وثنائية، ويستطيع المتصفح أن يختار اللغة العربية أو الإنجليزية كما هو في جامعة فيلادلفيا.(انظر الملحق24).أما فيما يتعلق بالمدارس فثمة ملاحظات نجملها فيما يلي:
- مواقع المدارس الحكومية على الشبكة العنكبوتية باللغة العربية، بدءاً وعنواناً، وربما يعود ذلك إلى صعوبة عمل نسخة إنجليزية، وإلى العدد الكبير للمدارس في المملكة.(انظر الملحق25).
- تتصف بعض المدارس الخاصة بقدرتها المادية والتقنية على وضع موقعها باللغة العربية، مع إمكانية تصفح الموقع بالإنجليزية. (انظر الملحق26).
- ثمة مدارس خاصة لا تتخذ اللغة العربية وسيلة للتواصل والخطاب، وغالباً ما تستمد هذه المدارس هويتها من إداراتها المركزية، التي غالبا ما تكون أجنبية، فعلى سبيل المثال لا الحصر يتصف موقع المدراسة الأمريكية الحديثة على الشبكة العنكبوتية بخلوّه من أي حرف عربي في صفحته الرئيسة، أو العنوان، أو حثّ المتصفح على قراءة الموقع باللغة العربية. (انظر الملحق27) وقد نجد مدارس أجنبية تُحيل متصفح موقعها إلى قراءة الملف باللغةالعربية. (انظر الملحق28) ولعل هذا النمط من المدارس الأجنبية يثير تساؤلات عديدة حول دور هذه المدارس في بناء الشخصية والنهوض بالأمة. وإلى من توجّه خطابها الثقافي والتعليمي.أما المؤسسات الثقافية، فهي في معظمها على اتّصال واضح مع اللغة العربية بوصفها لغة أمّ، أو لغة رسمية، ولكن ثمة ملاحظة تستحق التأمل، وهي أن بعض المؤسسات الثقافية تعاني من ثنائية واضحة في تأسيس موقعها على الشبكة العنكبوتية؛ إذ إن الدخول إلى الموقع عن طريق محرك البحث Google يكون بالإنجليزية وليس بالعربية، وعندما نتصفح الموقع في صفحته الرئيسة نجده بالعربية، ويمثل هذا النمط مؤسستان فكريتان لهما صلة وثيقة باللغة العربية، هما منتدى الفكر العربي، ومؤسسة آل البيت،(انظر الملحق29)، فعنوان منتدى الفكر العربي على محرك البحث Google
هو:
Arab Thought Fourm> home أو
almuntada.org.jo
وعنوان مؤسسة آل البيت على محرك البحث Google
هو:
The Royal Aal –Bayt Institute for Islsmic Thought
خاتمة وتوصيات:
تبين لنا مما سبق أن اللغة العربية في الشبكة العنكبوتية في المؤسسات الأردنية تعاني اغتراباً بين أهلها، وخرجت عن وصفها تعبيراً عن هوية الأمة وثقافتها، ولم يكن الدستور والقوانين والتشريعات كافية لإخراج اللغة من حالة الاغتراب. وتُثار تساؤلات عديدة حول قدرة القوانين والتشريعات على ضبط التهرب اللغوي، ودور هذه القوانين في مكافحة الغزو اللغوي والثقافي.
وقد يتبادر إلى الذهن أن عملية التغيير والتطوير عملية فوقية فحسب، فمخطئ من يظن هذا، بل هي عملية تحتية كذلك؛ إذ يكون للفرد دور كما هو للمؤسسة، مع مراعاة سرعة الإنجاز وحجمه. ومخطئ من يظن أن عملية التطوير والتغيير تتطلب ضريبة باهظة ممثلة في الانسلاخ من ثقافة الأضعف والارتماء في ثقافة الأقوى. ولعل الدراسة لاحظت هذا الخلل التربوي؛ إذ إن التفاعل مع اللغة، والحرص عليها، ومحاولة تطويرها على الأصول تربية. ومخطئ من يظن أن الخلل فني؛ إذ تحتاج التقنيات إلى لغات معينة (لغة معينة) قادرة على أن تستجيب لهذه التقنيات، فهذا مرتبط بفاعلية الفرد وقدرته على النهوض بلغته، وما اللغة اليابانية إلا مثال حي على روح التحدي، وإخضاع التقنية للغة؛ لأن التقنية إنتاج بشري لا يتسم بالسكون، بل هو في تجدد مستمر.
وترى الدراسة أن ثمة سبلاً تساعد على تحسين واقع اللغة العربية على الشبكة العنكبوتية في المؤسسات الأردنية، ونستطيع أن نجملها في الآتي:
1. وضع معجم في ألفاظ الحياة الحضارية يعتمد الشائع وما كان له أصل في الفصيحة، أو ما كان معرّباً على قياس، أو مستخرجاً من مواد المعجم القديم.()
2. تفعيل القوانين والتشريعات الأردنية التي تنصّ على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في المؤسسات الأردنية، وإرسال برقية إلى المعنيين بذلك.
3. تنظيم العلاقة مع القطاعات الأردنية التي تتخذ من غير العربية لغة لها، وإجبارها على جعل الصفحة الرئيسة لموقعها باللغة العربية .
4. إجبار القطاعات الوطنية من: مدارس، وجامعات، وفنادق، ومصارف، إلخ على جعل اللغة العربية لغة أُمّاً ورسمية لموقعها على الشبكة العنكبوتية، وجعل اللغات الأخرى لغات اختيار للتصفح.
5. توعية الشباب الجامعي على الدور الفاعل للسانيات الحاسوبية، واعتمادها مقرراً جامعياً في مرحلة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.
6. تنظيم مسابقات إبداعية ترتقي بمستوى اللغة العربية على الشبكة العنكبوتية في الأردن، وتخصيص جائزة لأفضل موقع يتمثل اللغة العربية هوية وثقافة ووسيلة تواصل.
7. التعاون مع الشركات العالمية المختصة بمحركات البحث لتطوير المواقع باللغة العربية.
8. تأسيس وحدة في مجمع اللغة الأردني لمتابعة ما يحدث على اللغة من تطور، لرفد الشبكة العنكبوتية باللغة القادرة على التواصل.
التّعقيبات والمناقشات
أ. د. فواز عبد الحق
يرى د. فواز فيما يتعلَّق بالمواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية، أنَّ الجامعات ليست بالضرورة من يصرُّ على عدم إظهار الهوية العربية، بل هناك مشكلة فنية لوجستيكيَّة، فمن يُشرف على تصميم المواقع هو مركز الحاسوب، وهذا الأخير لا يُلقي بالاً للغة العربية، فلا يرى أنها سياسة متعمَّدة من الجامعات، وإنما ما تيسَّر كُتب. ويقترح د. فواز، لكي تعكس المواقع الإلكترونية هوية الجامعات وسياسة الدولة، أن يكون في مركز اللغات ومراكز الحاسوب مختصون، ليس فقط باللغة الإنجليزية بل وباللغة العربية أيضاً.
أ. د. أمين الكخن
قال إن الأمثلة التي ضربها د. رائد في الازدواجية في اللغة هي أمثلة وظيفية حيَّة.
أ.د. محمد زكي خضر
أيّد فكرة د. فواز عبد الحق فيما يتعلَّق بمواقع الجامعات الإلكترونية. ويقترح إرسال نسخة من بحث د. رائد عكاشة إلى كل الجهات التي شملها البحث، لكي يطَّلع رؤساء هذه المؤسسات على واقع هذه المواقع الذي يعكس صورة مؤسساتهم، وإصلاح ما فيه من عيوب، فكثير من المسؤولين لا يعرفون مدى صورة موقع مؤسستهم بالمقارنة مع المواقع الأخرى. ويظنُّ أنه إذا وُجِّهت هذه المؤسسات لا بُدَّ وأن توجِّه الفنيين فيها لإصلاح ما يتعلَّق باللغة العربية وغيرها من الانتقادات، فواجبنا أن نعكس هذه الأمور لمن يهمُّهم الأمر أوَّلاً.
رد د. رائد عكاشة
في سياق ردِّه على د. فواز عبد الحق قال د. عكاشة: أظنُّ أن مركز الحاسوب هو جهة منفِّذة وليست جهة صانعة للقرار. فصانع القرار هو المنظِّر وهو المفكِّر. فنستطيع أن نمدَّ مركز الحاسوب بالمعلومات التي نريد ومركز الحاسوب قلَّما يجتهد، واجتهاده يكون اجتهاداً تقنيَّاً.
ووعد د. عكاشة بإرسال نسخة من بحثه إلى جميع الجهات التي شملها البحث إيماناً منه بأن عملية النجاح تحتوي على أربعة محاور وهي: التخطيط والتنظيم والتنفيذ والتقويم (وهو ما ينقصنا في العادة).
تعقيب رئيس الجلسة أ. د. يوسف بكَّار
اقترح د. بكار بأن تُرسل نُسخ البحث باسم رئيس المجمع إلى الجهات المعنية، حتى تأخذ صفةً رسمية.




