اللغة العربية في برامج الأطفال في مؤسسات الإعلام الأردنية: واقعها وسبل النهوض بها
الدكتور ناصر يوسف جابر (شبانه)
قسم اللغة العربية
الجامعة الهاشمية
الأربعاء 9
ذو القعدة 1430هـ- 28 تشرين الأول 2009م
ملخص البحث:
يسعى هذا البحث إلى دراسة واقع اللغة العربية فيما يُعد للأطفال من برامج في وسائل الإعلام في الأردن، فقد بات لهذه الوسائل أثر كبير في حياة الطفل، إذ يقضي الساعات الطوال متنقلا فيما بينها، متأثرًا أشد التأثر بما تعرضه من برامج، ولعل أكبر الأثر واقع على لغته.وإذا كانت لغة الطفل من أهم المرتكزات التي يحرص المربون على إكسابها للأطفال، لحفظ ألسنتهم من الاعوجاج والانحراف، فإنه لا بد من الاهتمام الكبير بما يُعرض في هذه الوسائل للأطفال، ولا بد من وضع استراتيجية لغوية تشتمل على خطط وبرامج طويلة الأمد، من شأنها رفد الطفل بالزاد اللغوي اللازم لبناء شخصيته من جهة، وللحفاظ على اللغة العربية من جهة أخرى، بوصفها دعامة من دعامات الحضارة العربية الإسلامية، وأسًا من أساساتها.
وإذ يسعى البحث إلى توصيف الواقع اللغوي، فإنه لا يكتفي به، بل يسعى إلى اقتراح حلول، والخروج بتوصيات للنهوض باللغة العربية من جديد، من خلال الرقي بواقع اللغة العربية في المؤسسات الإعلامية التي تختص بتقديم برامج للأطفال، الذين هم معقد الآمال، ومنتهى الرجاء.
استهلال:
تُعد اللغة وعاء لحضارة الأمم، وملاذًا لآلامها وآمالها، وسجلاً لتاريخها وحوادث أيامها، فلا نهوض لها إلا بها، ولا خلوص من عثرات إنسانها، إلا بالخلوص من اعوجاج لسانها، ولذا؛ فقد حق للأمم ألا تدّخر وسعًا في الاحتفاء بلغاتها، وتكريس البحث والباحثين من أجلها. لتوطينها في النفوس، وتربية الأجيال تربية لغوية ضامنة حفظ الهوية، بما يمنحها المنعة والقوة بين لغات البشرية.
واللغة العربية من أشرف لغاتِ الأرض، فهي أكبرُها قدْراً، وأكثرُها خطراً، وأولاها حُجة ونظَرَاً، ولعلّ القرآن قد أضفى عليها قداستها، وقوّى من دلالتها وأبرز فراستها، غير أنها في الوقت الراهن باتت تعاني أعراض مرض خطير، وشر مستطير، فقد أهملها أبناؤها، وتكالب عليها أعداؤها، فهانت في كل عين، وكأنما أُصيبت بالعين، ولعلها باتت بأمس الحاجة إلى من يبعثه الله ليجدد للناس لغتهم، ويزيل عنهم غمتهم.
ولعل أجدادنا قد فطنوا إلى كل ذلك، فعملوا - ما وسعهم الجهدُ - في التأليف والتصنيف، في أبواب اللغة العربية المتعددة من نحو وصرف، وبيان وبلاغة وبديع، ولغة ومعاجم، وعروض وموسيقى، حتى تمت نعمتهم على لغتهم، تحصينًا لها من كل اختراق، وتأمينًا عليها من عوادي الأقدار وشذاذ الآفاق.
أما في عصرنا الراهن، فقد ظهر بين ظهرانينا من قيّضه الله للدفاع عن اللغة العربية، غير أنها لم تسلم من سهام المغرضين ممن تعمّدوا الإساءة للغة العربية من غزاة الثقافة، وأتباعهم من أبناء جلدتنا، مما بات معه لزامًا علينا أن نهيئ للجيل عدّته وعتاده من الزاد اللغوي الذي لم يعد مصدره مقتصرًا على الكتاب، وإنما بات لدينا من وسائل العصر ما يسعفنا – لو أحسنا الطوية – في إدارة شؤوننا اللغوية، بما يمكننا من التعامل مع النشء الجديد بما يحتاجه من الذخيرة اللغوية التي تحفظ هويته من جهة، وتنقله إلى آفاق من العصرية ليتعامل مع عصره بكل انفتاح وكفاءة من جهة ثانية.
وتُعد المؤسسات الإعلامية التي انتشرت على امتداد مساحة الأقطار العربية، وبات لها حضور كثيف في كل بيت، من أبرز الأدوات التي تُعرض للطفل العربي في ليله ونهاره، وتُقدّم له ضروبًا من الزاد اللغوي الذي من شأنه أن يرفع من حصيلته اللغوية، ويكسبه الأدوات والمهارات التي تجعله أكثر انتماء للغته، وأقدر على استعمالها الاستعمال الأمثل.
ويمكن حصر وسائل الإعلام التي سوف نتناولها بالحديث بما يلي:
1- وسائل الإعلام المقروء: وتشمل الصحف والمجلات.
2- وسائل الإعلام المسموع: وتشمل الإذاعة.
3- وسائل الإعلام المرئي: وتشمل (التلفاز والسينما والإنترنت).
ولا بد من الإنباه هنا إلى أن ثمة تداخلاً كبيرًا بين هذه الوسائل، فالتلفاز يشمل الوظيفة الإذاعية من حيث إنه مسموع كذلك، غير أن السمة الغالبة هي أنه مرئي، وكذلك (الإنترنت) الذي يمنح المزايا الثلاث السابقة، غير أن ما يميزه هو أنه مرئي.
وسوف تقتصر الدراسة على البرامج المخصصة للأطفال في هذه الوسائل في بقعة جغرافية محددة هي الأردن، لمعرفة واقع اللغة العربية فيها، بما يمكننا فيما بعد من صياغة التوصيات التي تجعلنا قادرين على تلافي العيوب والنقائص، وزيادة فاعلية هذه الوسائل بما يسهم في تحقيق الأهداف المتوخاة منها.
اللغة العربية ووسائل الإعلام في الأردن: نظرة عامة:
تُعد اللغة العربية مادة أساسية، ومرتكزًا مهمًا من مرتكزات العملية الإعلامية، وليس لنا أن نتصور وسيلة إعلامية تمارس مهامها بمعزل عن اللغة، وعلى الرغم من أننا نعيش عصر الصورة، وثقافة الصورة (1)، التي باتت تزاحم الكلمة، وتنافسها في التعبير، غير أن اللغة ظل لها القول الفصل في التعبير، وجلاء الفكرة، وتوصيل المشاعر والأحاسيس، فهي الأقل كلفة، والأسرع توصيلاً وتأثيرًا، وكما كانت الكلمة فستظل الوسيلة الأشيع للتعبير.
وتتفاوت وسائل الإعلام في مستويات توظيف اللغة، وإن كانت كلها تعول عليها وإن بنسب متفاوتة، فالإذاعة مثلاً تعول على اللغة بنسبة كبيرة جدًا، إذ لا بديل عنها للمستمع الذي يعول على أذنه في استقبال الصوت اللغوي، ولا مادة أخرى تسعفه في التواصل مع المادة الإذاعية سوى اللغة، أما التلفاز فإنه على الرغم من اتكائه على الصورة التي تستهدفها عين الرائي؛ غير أن المادة اللغوية تبقى مادة أساسية لا غنى عنها للمشاهد/المستمع، فالمتلقي يوظف حاسة السمع بالدرجة نفسها التي يوظف فيها حاسة الإبصار، وللمتلقي أن يتخيل نفسه أمام تلفاز قد تعطّل فيه جهاز الصوت، واكتُفي فيه بعرض الصورة، لا شك بأنه سيكتشف إلى أي مدى ستبدو الصورة صماء وغير مؤثرة بمعزل عن سياقها اللغوي.
أما المواد الإعلامية المقروءة، وأقصد بها الصحف والمجلات؛ فإنها تتكئ على اللغة بصورة أساسية في التواصل مع القارئ، وتأتي الصورة في المقام الثاني بنسب متفاوتة، ووفق القارئ الذي تتوجه له، والمادة التي تعرضها المجلة، ولعل للمراحل العمرية للطفل أثرًا بيّنًا في حسم هذا الجدل حول نسبة الصورة إلى المادة اللغوية، فكلما سار الطفل باتجاه مرحلة عمرية أعلى قلّت مساحة الصورة بالمقارنة بحجم المادة اللغوية التي ينتهي بها المطاف لتكون المسيطرة تمامًا على صفحات المطبوعة.
وللصحف والمجلات أثر كبير في حياة الطفل، ولعلها "أقرب الوسطاء إلى الكتب"(2)، فهي تستعمل الكتابة والرسم والصورة، غير أنه ينبغي توجيهها توجيهًا تربويًا لكي تحقق أهدافها وأثرها في الطفل، حيث ينبغي أن "تراعي الاعتبارات التربوية والسيكولوجية والفنية"(3)، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
لقد تعددت الوسائل الإعلامية التي اهتمت بتقديم برامج الأطفال، وظل هذا الاهتمام ينمو باطراد، بعدما شهد العالم اهتمامًا استثنائيًا بالطفل، وظهرت الاتفاقيات والمواثيق العالمية التي تنص على حقوق الطفل المختلفة (4)، ومنها حقه في العلم والثقافة، وتنبهت وسائل الإعلام بدورها إلى هذا الأمر، وباتت تخصص مساحات من اهتمامها وجهود القائمين عليها لتوفير المادة الثقافية والعلمية والأدبية للطفل، فعلى صعيد التلفاز بدأنا نرى اهتمامًا ملحوظًا ببرامج الأطفال منذ وقت مبكر، فثمة فترات للأطفال آخذة بالتزايد، وثمة برامج ترفيهية وتعليمية وتثقيفية راحت تنتشر أكثر فأكثر على مساحات الشاشة البيضاء، وعلى صعيد الإذاعة الأردنية، كذلك ثمة برامج متنوعة تتواصل مع الطفل، وتسهم في زيادة الوعي لديه بحقوقه الإعلامية، وتسد حاجته من الثقافة والأدب والتسلية.
وعلى صعيد الصحف والمجلات ثمة مساحات باتت تخصصها الصحف اليومية للأطفال على هيئة ملاحق أسبوعية، أو صفحات مفردة على أقل تقدير، وثمة مجلات آخذة في الظهور، كمجلة "وسام" التي تصدر عن وزارة الثقافة، ومجلة "براعم عمان" التي تصدر عن الدائرة الثقافية في أمانة عمان الكبرى، ومجلة "حاتم" التي تصدر عن جريدة الرأي، وكلها مجلات مخصصة للأطفال، أثبتت وجودها في الساحة الثقافية الأردنية، وقدمت زادًا ثقافيًا لا يُستهان به على مدى سنين طويلة وما زالت، ولعل مجلة "سامر" التي ظهرت عام ألف وتسعمائة وسبعة وسبعين(5) هي أولى مجلات الأطفال في الأردن، غير أنها للأسف لم تواصل الصدور، وكذلك مجلة "فارس" التي صدرت في النصف الأول من السبعينيات، غير أنها تعثّرت وتوقفت عن الصدور(6).
ولا ننسى ما يقوم به مركز زها الثقافي من دور ريادي في العناية بالأطفال، إذ خصص لهم ما يشبه المدينة المتكاملة المرافق التي تُعنى بهم، وتقدم لهم ما يلزمهم ويسد لديهم حاجات ثقافية ونفسية وعلمية، إذ يعتني بمواهبهم، ويبرزها وينميها، ويغرس فيهم القيم الأصيلة، ويشبع حاجاتهم العلمية من خلال الدورات التي ينظمها وخاصة في العطلة الصيفية، ولعل أبرز ما يذكر في هذا الصدد جريدة "زها" التي يصدرها المركز بانتظام، إذ تُعد رافدًا من روافد ثقافة الطفل وأدبه، لما تحتويه من مواد منوعة ومشوقة للأطفال. ولعل مما يجدر ذكره أن هذه الجريدة هي الوحيدة التي تصدر في الأردن.
وما يُعد ثورة حقيقية في هذا الصدد تواصل الطفل مع ما يسمى الشبكة العنكبوتية، إذ يُعد الأردن في مقدمة الدول العربية التي لم تتردد في توظيف التكنولوجيا الحديثة في الحياة، فوصل "الإنترنت" إلى كل طبقة من طبقات المجتمع الأردني، ومن بينها شريحة الأطفال، وبهذا تكسرت الحواجز وأُزيلت المعوقات، وبات الطفل قادرًا على التمتع بأعلى درجة من الانفتاح والمشاهدة والخبرة، غير أن المعتمَد الأكبر في هذه الوسيلة الخطرة كان على الصورة، إلا ما كان من تواصل لغوي هامشي من خلال قراءة بعض مواد لغوية، أو الاستماع إلى بعض مواد مسموعة.
وفي الوقت نفسه فإن هذا الضرب من الإعلام لم يكن خيرًا كله، فقد بات الطفل يئن تحت وطأة الإدمان على "الإنترنت"، وبات عرضة للاصطدام بما يعارض قيمه التي تربى عليها، فكان لا بد من الرقابة من قبل الأسرة، ولا بد من تجنيب الطفل الآثار السلبية لهذه الأداة شديدة الخطورة، ولعل أقلها أنها "تفسد علاقة الطفل بمن حوله من أفراد أسرته ومجتمعه" (7).
واقع اللغة العربية في برامج الأطفال:
يُعد إكساب الأطفال اللغة العربية السليمة هدفًا استراتيجيًا للقائمين على أمر برامج الأطفال في وسائل الإعلام لأي بلد كان، ذلك لأن اللغة هي محضن الوعي والثقافة، وهي الحصن الحصين الذي يحمي وعي الطفل من الاختراق من قبل الثقافات الأخرى، فليس ثمة لغة محايدة، وإنما تتشرب اللغة قيم المجتمع وسماته وأفكاره، والإخلاص للغة معينة يعني الإخلاص لكل ما تحمله من قيم ومعتقدات وأفكار، ولذلك وجدنا الأمم تتسابق في إعلاء شأن لغتها وتعظيمها ليس لدى أفرادها وحسب، وإنما كذلك لدى البلدان الأخرى، فمن أتقن لغة قوم آخرين فهو منهم.و"العربية لسان"، وإذا كان الأمر كذلك، فإن من أولى الأولويات أن نسعى إلى إكساب العربي العربية السليمة مشتملة على معاني الإخلاص والوفاء لهذه اللغة، لكي ينشأ الطفل على حب القيم الأصيلة التي تجسدها لغته وتاريخه وحضارته، وبعكس ذلك فإن علينا ألا نستغرب مما بتنا عليه من سوء الحال على جميع الصُّعد، فاللغة وجه الحضارة، الذي يحمل علامات التقدم والتفوق، أو الخمول والتراجع.
والطفولة هي مرحلة الإنسان الأولى، وبها يكون البدء في حفر أخاديد اللغة الأم في ذهن الطفل، فقد أجمع الباحثون على أن الطفل كالورقة البيضاء التي تحسن استقبال ما يخطّ عليها، وقد يكون من الصعوبة بمكان تغيير فكرة سقطت عليها، مما يعني أن الأمر يتطلب الكثير من الحذر، والمزيد من الدقة. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن عملية اكتساب اللغة وتعلمها تبدأ مع الطفل منذ مراحل تكونه جنينًا في بطن أمه، وإذا كنا حريصين على ألا نصل بالأمر هذا الحد من المبالغة؛ فإن لنا أن ننظر إلى البداية الحقيقية على أنها منذ خروج الطفل من رحم أمه إلى ميدان الحياة، إذ تبدأ حواسه بالعمل، ويغدو قادرًا على التعامل مع الأصوات والمرئيات بطريقة معينة، حتى ولو كان عاجزًا عن التعبير عن انطباعاته واستجابته بطريقة لغوية.ولا بد في هذا المقام من إبراز حقيقتين مهمتين: الأولى هي أن اهتمام القائمين على برامج الأطفال لم يصل إلى هذا الحد من العناية بأطفال مرحلة الطفولة الأولى والطفولة المبكرة، وإنما اقتصر ذلك الاهتمام على أطفال المرحلتين العمريتين: المتوسطة والمتأخرة (8)، وذلك إما ناجم عن فهم غير سليم للمراحل العمرية للطفل، وإما لغياب الوعي بالحقيقة السابقة من أن الطفل يبدأ اكتسابه للغة منذ ولادته، وأنه بحاجة ماسة لمن يتعامل معه لغويًا في مراحله الأولى، "فمن المعروف أن الأطفال لا يشكلون جمهورًا متجانسًا، بل يختلفون باختلاف المراحل العمرية، وقد ترتب على ذلك أن توفرت للأطفال في كل مرحلة من هذه المراحل ثقافة فرعية خاصة بها، تتوافق مع خصائص وحاجات الأطفال في كل طور من أطوار نموهم"(9).
أما الثانية فهي أن الطفل الأردني لا يقف تأثره عند حدود وسائل الإعلام الأردنية، وإنما يتعداه إلى سواه من وسائل إعلامية تبث من خارج حدود الوطن، فثورة الاتصالات الآخذة بالتنامي قربت كل بعيد، وبات لدى الطفل خياراته في التعامل مع ما يشاء مما يبثه الفضاء وأقماره الاصطناعية.
وبهذا يتسع ميدان البحث - لو شئنا أن نكون موضوعيين- ليشمل برامج الأطفال في مختلف بقاع العالم ما دام الطفل قادرًا على الوصول إليها، وما دامت جميعها في متناول يده، فما الفرق بين القناة الفضائية الأردنية وقناة "سبيس تون" للأطفال في تأثيرها على لغة الطفل ما دام الطفل قادرًا على الوصول إليهما بالدرجة نفسها من القدرة؟ بل إن لنا أن نتصور أن القنوات الفضائية التي تبث للأطفال من خارج الحدود ربما لها الأثر الأكبر في لغة الطفل، ما دام الطفل قد اختارها دون سواها من القنوات المحلية. ومن هنا تنبع الخطورة، إذ إننا أمام تحدٍّ كبير في أن نكون قادرين على منافسة كل ما يشمله الحيز الفضائي من برامج الأطفال، وإلا فلن نكون قادرين على إقناع طفلنا ولو بكل الحيل الممكنة بالتعامل مع برامجنا نحن بحجة أنها أكثر وطنية وحرصًا على الطفل.
إن الطفل يتجه بخبرته الخاصة، وميوله وحاجاته إلى حيث الأفضل، أو ما يراه الأفضل، ولعلي لا أبالغ إن قلت :إنه في تقييمه وأحكامه أكثر موضوعية من الكبار، فهو بوحي من فطرته التي لم تبلغها التشوهات، وسليقته التي ترفدها خبرات يسيرة ولكنها جديدة، قادر على أن يجد ما يريد دون توجيهاتنا التي تنبع أحيانًا من دوافع غير موضوعية في توجيه الطفل لحيز فضائي، قد نظن أنه أكثر فائدة للطفل في تنمية حسه الوطني على سبيل المثال، وهو ما قد يجر الطفل إلى مناطق من التحيز غير المحسوب.
ومع ذلك، وبما أن بحثنا مقتصر على دراسة واقع اللغة العربية في برامج الأطفال، فإنني سوف أمضي قدمًا في الفصل النظري بين المؤسسات الإعلامية في الأردن، ونظيراتها خارج الحدود، ولعل نظرة متفحصة على واقع اللغة العربية في هذه البرامج يأخذنا إلى حقيقة لاحبة، وهي أن اللغة العربية تعاني في هذا الواقع من مشكلات عديدة من أهمها ما يلي:
1- الازدواجية اللغوية:
تُعد قضية الازدواجية اللغوية(10) من أبرز القضايا التي تواجهنا حين التصدي لواقع اللغة العربية في برامج الأطفال، فالقائمون على أمر هذه البرامج منقسمون ما بين من يريد الوصول للطفل بأي طريقة ممكنة، ولو على حساب اللغة، فما اللغة في رأيه إلا طريق للوصول، متجاهلاً البعد الحضاري والمعرفي للغة، وبين حريص على اللغة يجعل إكسابها للطفل فصيحة سليمة في سلم أولوياته، ولعل هذا الصراع قد جسّده خير تجسيد صراع المخرج والكاتب (11)، ففي حين يحرص الكاتب على اللغة بوصفها قيمة، يرفض المخرج النظر إليها إلا على أنها وعاء للمعنى، وعلى ذلك فإنه يفضل توظيف اللغة العامية لأنها الأقدر على الوصول إلى الطفل، والأسهل والأمتع- كما يرى-، أما الأول فإنه على النقيض من ذلك يفضل استعمال الفصيحة في نصّه المعدّ للبرنامج، منطلقًا من حرصه على العربية، وحرصه كذلك على إكسابها للطفل، منطلقًا من بعد قيمي وحضاري.
للمخرج حاجاته المنطلقة من رغبته في الانطلاق والانتشار وترويج المنتج، وللكاتب أسبابه فيما يراه من حرص زائد على اللغة، حتى ولو لم يجد البرنامج قبولاً ورواجًا، والحق أننا بحاجة إلى طريقة وسطية في التفكير، لنتمكن من الوصول إلى صيغة تصالحية توفّق ولا تفرّق، ولعل ذلك يكون في البحث عن لغة ثالثة، تتوسط بين اللغتين، فلا التعويل على اللغة العامية بما يحمله من مخاطر قد يحل المشكلة، ولا الاتكاء على لغة النحويين والفقهاء يمكن أن يوصلنا إلى نتيجة، وهذا يعني أن الطريق قد تكون سالكة لحالة من تبسيط الفصحى لتناسب الطفل دون إسفاف العامية وابتذالها، فنحن بحاجة إلى الوصول إلى الطفل حاجتنا إلى إكسابه اللغة وحفاظه عليها.
والحق أننا واجدون اتجاهًا خطرًا صوب التحلل من اللغة العربية الفصيحة لقاء توظيف العامية في برامج الأطفال، فبمقارنة بسيطة بين ما كان يُعرض في أواخر القرن الماضي على شاشة التلفاز الأردني من برامج للأطفال وما يعرض الآن، سنستنتج - دون ريب - أن نسبة اللغة الفصيحة تنحسر لصالح اللغة العامية الطاغية، في انصياع تام لرغبات المخرج والمنتج الذي يبحث عن الربح المادي، والنجاح والانتشار ولو بأي ثمن، إن برامج من مثل "افتح يا سمسم"، و"المناهل" وغيرها من البرامج الرصينة التي كانت تُعرض على الشاشة البيضاء، كانت تفتح ذهن الطفل على لغة عالية ذات احترام وهيبة، في حين أن الساحة الإعلامية الآن تعج بما هبّ ودبّ من برامج لم يشترك في كتابتها كتاب متخصصون غيورون على اللغة، بل باتت ثمة طائفة من الأدعياء الذي ادعوا ما ليس لهم فراحوا يصوغون اللغة شعرًا ونثرًا دون حسيب أو رقيب.
ولعل مما زاد الأمر فداحة أن مؤسسة التلفاز لم تعد حريصة على إنتاج برامج الأطفال التي تدخل ضمن نطاق استراتيجيتها، وإنما عمدت إلى استيراد البرامج الجاهزة من الغرب بما تحمله من سمات الحضارة الغربية، وباتت تسلية الطفل هي الهدف الأبرز لدائرة البرامج بمعزل عن الهدف التربوي والحضاري، ولعل فيما تم عرضه على شاشات بعض الفضائيات من برنامج أثار جدلاً واسعًا لاحتوائه على شعارات دينية، ورموز ماسونية(12)، خير مثال على حالة الاستلاب التي وصل إليها أطفالنا من حيث لا يشعرون، ناهيك عن أن مسلسلات العنف المستوردة كفيلة بتبديد ثروة الأطفال الصحية والذهنية والإبداعية(13).
إن مساحة برامج الأطفال في التلفاز تعاني من شح كبير، وأقل منها البرامج التي ينتجها التلفاز الأردني بنفسه، ولعل نسبة ضئيلة من البرامج تُعد باللغة الفصيحة، مما يبقي المشكلة قائمة وملحّة، وتبحث عن حل ما، ولعل أخطر ما في هذه المشكلة أن الوقت المستقطع من حياة الطفل لصالح التلفاز إنما يأتي على حساب الكتاب، وحين يذكر أحد الدارسين أن أجهزة التلفاز تريح الطفل من عناء القراءة؛ فإنه لا يفطن إلى أنها تأتي أصلاً على حساب القراءة(14).
وكذلك الأمر في البرامج المسموعة، ففي الإذاعة ثمة نقص شديد في برامج الأطفال، وثمة انشغال بإمتاع الطفل وتسليته، وحرص على إيصال القيمة الإيجابية إلى الطفل، غير أن هناك عزوفاً عن توظيف اللغة الفصيحة في كل ذلك، وكأن هذه اللغة باتت غولاً يخشاه الطفل، أو كأن الطفل هو كائن غبي غير قادر على إدراك مغزى الدلالات، والحق أن لغة فصيحة مبسطة يمكن أن تحل هذه المشكلة، بشرط أن نتوقف عندها، وأن نعترف بوجودها، أما الادعاء بأن كل شيء على ما يُرام فإنه لا يفيد في شيء.
في الصحافة المقروءة، ثمة احتفاء أكبر باللغة الفصيحة، وثمة كتّاب حقيقيون يكتبون للأطفال، من شعراء وقصاص وكتاب سيناريو، وثمة غياب شبه كامل للغة العامية، ويبقى السؤال مرتبطًا فنيًا بمدى صلاحية اللغة الموظفة للأطفال، وما دامت الرؤية العامة سليمة، وتحرص على توظيف اللغة الفصيحة في اتفاق ضمني بين رؤساء التحرير لهذه المجلات والصحف؛ فإن مدى الملاءمة يظل موضع أخذ ورد، بحسب المادة المنشورة في المجلة، وقد وجدت تباينًا في قبول الأطفال للمادة المنشورة من طفل إلى آخر، فهناك المادة المناسبة والمقبولة، التي تلقى ردود فعل إيجابية من الطفل، وهناك المادة التي لم تنجح في اجتياز الاختبار في أن تلاقي القبول من مجتمع الأطفال.
والحق أن كاتب صحافة الأطفال ينبغي أن يعي حقيقة أدب الأطفال، فالطفل ليس مجرد راشد صغير(15)، والكتابة له ليست مجرد تبسيط لأدب الكبار، ولعلي أخالف من ذهب إلى أن تبسيط أدب الكبار يمكن أن يوصِل إلى أدب للطفل(16). وإنما للطفل سماته النفسية والبيولوجية، وعالمه المستقل عن عالم الكبار، ومعنى ذلك أنه بحاجة إلى أدب يلبّي تطلعاته، ويناسب تكوينه، وعلى كاتبه أن يتمكن من النزول إلى عالم الأطفال ليس في بساطته، وإنما في براءته، وليس في سذاجته، وإنما في فرادته، فإذا استطاع الكاتب أن يتمثّل عالم الطفل، ويتفهّم حاجاته، ويدرك طرائقه في التفكير، ويمتلك أدوات الكتابة له؛ فإنه قد يصل إلى هدفه، وقد يحظى بالثناء والإعجاب من لدن الطفل وأخدانه.
أما اللغة التي ينبغي أن يوظفها كاتب الأطفال، فإنها تلك اللغة "السهلة البسيطة لبساطة الأفكار التي يرغب في أن يوصلها إلى جمهوره من الصغار، والموافقة كذلك لبساطة العقول التي تتلقّى هذه اللغة" (17).
ولا بد من الالتفات في هذه المقام إلى ضرورة الاهتمام بوسائل الإعلام المدرسية كالصحافة المدرسية بوصفها وسيلة إعلامية مهمة تخاطب طفل المدرسة، سواء ما كان منها على هيئة مجلة حائط، أو مجلة مطبوعة تصدر بانتظام(18). وكذلك الأمر فيما يتعلق بالإذاعة المدرسية التي تُعد "وسيطًا ممتازًا لا يرهق الطفل، لأنه يعتمد على حاسة واحدة وهي السمع(19)، ولعل من ميزاتها أنها تفتح المجال للطفل للمشاركة فيها وليس فقط استقبالها.
2- لغة العلم ولغة الأدب:
ثمة قضية تبرز لدارس واقع اللغة العربية في وسائل الإعلام، ألا وهي لغة الخطاب بين العلم والأدب، فهل يعنينا أن نقدم للطفل مادة أدبية، وما نفعها؟ وهل ينبغي أن يقتصر الخطاب الموجه للطفل على اللغة العلمية التي تتقصّد نقل الفكرة فحسب، أم أن للطفل حاجاته من الزاد الأدبي كالكبار تمامًا؟
إن نظرة عامة على ما يُقدّم في وسائل إعلامنا من برامج للأطفال يجعلنا على يقين من أن التعامل مع الطفل يتم من خلال لغة توصيلية هامشية لا وظيفة لها سوى نقل الفكرة، فلا قيمة للغة بحد ذاتها، وإنما تكمن أهميتها في أنها حامل أو ناقل للفكرة أو المضمون، وبهذا انتقل الاهتمام من اللغة إلى دلالتها، ومن بهاء اللغة الأدبية الموحية المصورة إلى جفاف اللغة الناقلة ويباسها.
والطفل كائن جمالي، وهو لا ينظر إلى الأشياء إلا من زاوية جمالية، وتستهويه اللغة الخصبة اليانعة الجميلة، فيطرب لها، ويُسر بها، حتى ولو لم يدرك كامل مغزاها، إنه يتجاوب مع إيقاعات الشعر، وسجعات النثر، وصورهما الموحية، وتحمل مثل هذه اللغة زاده الروحي الذي هو بأمسّ الحاجة إليه، فلماذا ينكر عليه كثير من الناس حقه في هذا الزاد، بحجج واهية أبرزها أن اللغة الأدبية بعيدة المرمى، صعبة المنال؟
صحيح أن القيم والسلوك ركن من أركان ثقافة الطفل(20)، لكن اللغة الأدبية ليس هدفها الوحيد إيصال الفكرة، أو نقل المضمون، فهي ذات هدف جمالي يتماشى وطبيعة الطفل الباحث عن الجمال في مختلف أشكاله، وبإيجاز شديد فإن العلاقة بين الأدب والطفل علاقة متعة ومنفعة(21)، ولن يثني الطفل عن متابعة المادة الأدبية عدم إدراك معانيها المباشرة، وقد سمعت أطفالا صغارًا لم تتجاوز أعمارهم العامين يدندنون بأشعار وكلمات لا يفهمون من معانيها شيئًا، غير أنهم يستمتعون بها، ويطربون لها، وتلك هي وظيفة الأدب.
إنه لا بأس في تطوير وسائل نقل الأدب إلى الطفل، فقد تعرض القصيدة على هيئة أنشودة منغمة وملحنة، وقد تعرض القصة على هيئة حكاية مثيرة متلفزة، لكننا ينبغي ألا نغفل الجانب اللغوي المقروء، ولا بد من أن نقدم النص الأدبي مقروءًا ليكتسب الطفل لغته السليمة من خلال مفرداته وتراكيبه، وإذا كان الطفل – كما الكبير – يستسهل التعامل مع النص المغنى شعرًا، أو المصور قصة، فإن ذلك ينبغي ألا يكون على حساب النص المكتوب كي يتحقق الهدف اللغوي من استراتيجية القراءة، ولعل هذا ما دعا المربين إلى عدّ الطفولة صانعة المستقبل، والكتاب صانع الطفولة(22).
إن إدراك ما يحمله الأدب للطفل من أشكال جمالية، وقيم محمولة على أجنحة اللغة الموحية هو الكفيل بإقناع القائمين على الأمر بضرورة زيادة حصة المواد الأدبية في وسائل الإعلام، وليس فقط في الكتاب المقروء أو الصحيفة السيارة، فما المانع من استثمار الحكواتي طريقًا فنية لعرض حكاية أو قصة بلغة عربية سليمة؟ يتحلّق حوله الأطفال، يستمعون إليه، ويتحلّق الأطفال بدورهم حول التلفاز في محاكاة للطفل داخل التلفاز، مما يحقق الهدف القرائي، ويعرض اللغة في صورتها الصحيحة والمشرقة.
وينبغي الحذر الشديد من الوقوع فيما يقع فيه بعض القائمين على الأمر من توظيف لغة قديمة مهجورة، أو حوشية داثرة في مثل هذا الأمر، فإن من شأن ذلك أن يرتد سلبًا على اللغة العربية، ويؤدي إلى تنفير الطفل منها، فلتكن اللغة ملائمة للعصر، ومناسبة للطفل.
إن إهمال حاجة الطفل إلى الأدب بوصفها حاجة نفسية ومعرفية مهمة، سوف يحول حياة الطفل إلى ضرب من المهمات الثقيلة، فالفن والأدب هما ما يحول حياة الطفل إلى مساحة جمالية تكتظ بالأخيلة والرؤى والأحلام العذبة الجميلة، وفي خلال ذلك فإن اللغة السليمة تتسلل إلى لا وعي الطفل فيعجب بها، ويقلّدها، ويحفظ الكثير من مفرداتها وتراكيبها، كما أنه سيتبنّى بالضرورة ما تحمله من قيم وأفكار.
3- برامج الأطفال وغياب الاستراتيجية اللغوية:
تعاني برامج الأطفال غياب الاستراتيجية اللغوية التي تستهدف وضع الخطط طويلة الأمد للنهوض بلغة الطفل الموجهة للمراحل العمرية المختلفة، ولعل هذا الخلل هو المسؤول عن حالة من الفوضى تعمّ الساحة البرامجية، وتهيمن على وسائل الإعلام المختلفة، فثمة خليط عجيب من البرامج التي تعرض في وسائل الإعلام لا خيط ناظمًا لها، ولا إطار يجمعها سوى الرغبة في ملء فراغ فترة الأطفال.
فثمة برامج باللغة العامية وأخرى بالفصيحة، وثمة برامج عربية وأخرى معربة، وبرامج منتجة محليًا وأخرى مستوردة من الغرب، وكل هذا إنما يؤثر سلبًا على الطفل، ويجعله يعيش متاهة اللغة، فكلما سار في اتجاه ما انعطف انعطافة حادة في اتجاه مغاير، وكلما كاد يقبض على خيط ما أحسّ بانقطاعه من فوره، وكلما كاد يكتسب قيمة لغوية إذا هي تتلاشى باصطدامها بما يناقضها.
وتزداد حدة هذه الظاهرة حين نعرف أن الطفل بات منفتحًا على الفضاء الإعلامي كله، فلا سبيل لتقييده بوسيلة إعلامية معينة، ولا سبيل لربطه ببرنامج بعينه، فهو دائم التنقل بين هذا وذاك، لا يقوده في ذلك إلا مزاجه الخاص وذوقه الذي تشكله عوامل عديدة يصعب حصرها، ولذلك بات لزامًا على التربويين والإعلاميين أن يلتفتوا إلى ضرورة ربط الطفل بوسائل إعلامه الوطنية، ليس بالترهيب وإنما بالترغيب، فما من وسيلة تفعل ذلك سوى تحسين الأداء الإعلامي فنيًا وقيميًا، لتتحول الأداة الإعلامية إلى وسيلة جذب للطفل، ولا بد لذلك من صوغ خطط استراتيجية يتم من خلالها تحسين الأداء اللغوي للطفل باطراد.
ولعلها قليلة بل نادرة تلك البرامج التي سارت على هذا النهج، غير أنها للأسف لم تستمر، فكأنها جاءت بيضة الديك التي لم تجد ما يعضدها في تكريس التجربة. وكأني ألمح بقولي هذا إلى برنامج "مناهل" الذي عرض في التلفاز الأردني، وكان من إنتاج طائفة من الشباب الأردنيين الذين استطاعوا أن يكرسوه واحدًا من أشهر البرامج المُعدَّة للأطفال، بما يمتلك من خطة لتطوير لغة الطفل، ليس من خلال قالب تعليمي جامد، وإنما من خلال قالب كوميدي فكاهي يقدم المعلومة للطفل بطريقة لبقة ومؤثرة.
حقًا لو كنا نمتلك الرؤية اللغوية والحرص اللازم لإكساب الطفل لغته السليمة لقمنا بإعداد طائفة من البرامج الشبيهة التي تقدم للمراحل العمرية المختلفة من حياة الطفل، ولسدَّت مسد الكثير من البرامج التي يتابعها الطفل من أجل ملء الفراغ، وبمعزل عن طبيعة اللغة فيها، ولعل في ذلك برهانًا على أن اللغة الفصيحة لم تكن يومًا مشكلة الطفل، وإنما طريقة الأداء هي التي يمكن أن تنفّر الطفل من اللغة.
ترى أيهما سيكون أكثر قربًا إلى الطفل الأردني: اللغة الفصيحة المبسطة الموحدة، أم تلك اللهجات العديدة بعدد الدول العربية الآخذة في التزايد؟ أعتقد أن الاتفاق على لغة واحدة مشتركة هو الحل الذي لا حل سواه للتخلص من مشكلة العاميات التي قد تضطر الطفل الأردني للتعامل مع عامية تونسية أو عُمانية أو صومالية لا يمكن أن يفهمها.
وعلى الرغم من أن الواقع السياسي الذي يفرض التجزئة على الأقطار العربية له دور مهم في تكريس العاميات، في ظل غياب أي استراتيجية لغوية من شأنها توحيد الجهود من أجل النهوض بعربية واحدة؛ غير أن ذلك لا يعني أنه يستحيل القيام بجهود تخطيطية للتقليل من حدَّة هذه الظاهرة، وتقليص الخسائر قدر الإمكان، ولعل على مجامع اللغة العربية دورًا مهمًا في ممارسة دور تعبوي وتنسيقي بين المؤسسات المختلفة، خاصة وسائل الإعلام، للنهوض بهذا الدور في وضع خطة استراتيجية للنهوض بواقع اللغة في وسائل الإعلام في جميع برامجها، ومن ضمنها برامج الأطفال.
إن المتخصصين في اللغة العربية لا بد أن يكونوا جزءًا من اللعبة الإعلامية، ولعل غياب هؤلاء مسؤول إلى حد بعيد عما يحدث للغة العربية من ضياع البوصلة، والتخبط في الفوضى، إن الرقابة اللغوية على الأداء اللغوي للمؤسسات الإعلامية ينبغي أن تكون فاعلة ودائمة، ولا بد أن تكون دائرة "الرقابة اللغوية" - التي أقترح منذ الآن تأسيسها في كل مؤسسة إعلامية - ذات اليد الطولى في تنفيذ السياسات اللغوية، بعد وضع الخطط المناسبة لذلك.
ولن تكون مهمة هذه الدائرة فرض اللغة العربية الفصيحة بالقوة على المؤسسات الإعلامية، وإنما عليها أن تقوم بدور رقابي يميز الخبيث من الطيب، ويراقب أداء النص المكتوب، ويدرس مدى استجابة النص لحاجات الطفل اللغوية، ولا بأس في أن يستعين بمتخصصين آخر من خارج هيئة الرقابة، لهم علاقة وثيقة بأدب الطفل ولغته من المتخصصين في هذا الشأن.
ولعل مما ينبغي الالتفات إليه في هذا الصدد أنه لا بد من تعزيز شعور الانتماء للغة العربية عند العاملين في الشأن الإعلامي، فما دام العامل في هذا الشأن ليس لديه مثل هذا الشعور، فمن الطبيعي أن يشتط بعيدًا في النأي ببرنامجه الذي يعدّه أو يخرجه عن الهدف اللغوي، ويمكن تعزيز هذا الشعور مثلاً بجعل المتخصصين في مجال الإعلام من الطلبة مضطرين إلى دراسة عدد من الساعات المعتمدة في قسم اللغة العربية، فمن شأن هذا أن يقلل من أخطائهم في الأداء الإعلامي، كما من شأنه أن يرقى بانتمائهم اللغوي إلى مراق جديدة وسامقة، لها أثرها في الحرص على اللغة العربية والنهوض بها.
لقد قدر لي أن أتواصل مع إحدى مجلات الأطفال في الأردن، وهي المجلة التي تصدرها وزارة الثقافة، وقد لاحظت أنه تعاقب ما يقرب من ثلاثة رؤساء تحرير على المجلة في عام واحد، ولم أجد أحدًا منهم من المتخصصين في الكتابة للأطفال، لا من الناحية التربوية، ولا من الناحية الفنية، وكان لكل ذلك أثر سلبي على المجلة، إذ هو يؤكد غياب الاستراتيجية التي لن تكون قابلة للتطبيق – لو وجدت- بغياب الاستقرار الإداري، وبوجود الرجل في غير مكانه المناسب.
4- برامج الأطفال وغياب الخبرة:
ثمة طابع عام يطبع برامج الأطفال في مؤسسات الإعلام الأردنية، وهو غياب الخبرة والاحتراف في العمل البرامجي، ولعل مرد ذلك يكون إلى غياب الكوادر الخبيرة والمدرّبة على إنتاج برامج الأطفال، بالإضافة إلى ما ذكرت من غياب الاستراتيجية التي تحدد خط سير العمل البرامجي للأطفال.
إن العاملين في حقل برامج الأطفال في المؤسسات الإعلامية الأردنية – إلا قليلاً منهم- هم موظفون عاديون قُدِّر لهم أن يعملوا في حقل الإعلام، ثم انتقلوا لسبب ما – قد يكون تأديبيًا- للعمل في قسم برامج الأطفال، فوجدنا كثيرًا منهم يخبطون هنا وهناك من غير دليل يدلهم، أو خبير يرشدهم، فإما أنهم راحوا يقلّدون الآخرين في إنتاج برامج من النسخ المقلدة والأقل كفاءة، وإما أنهم اكتفوا بشراء البرامج الجاهزة من الدول الأخرى، وهو ما له عواقب وخيمة على ثقافة الطفل وذوقه.
والخبرة التي نحتاجها في مثل هذا العمل لها ثلاثة أوجه:
الوجه الأول مرتبط بالخبرة التربوية والنفسية التي تعالج البرنامج من ناحية المراحل العمرية المختلفة، وما يصلح لكل مرحلة منها، من لغة وقيم وخيال، والوجه الثاني مرتبط بالخبرة اللغوية والنقدية التي يغطيها رجال الأدب والنقد، لتحديد حاجة الطفل إلى اللغة، ولوضع الاستراتيجية اللغوية طويلة الأمد، أما الوجه الثالث فمرتبط بخبرات الإنتاج التلفازي والإذاعي والصحفي من إخراج وإنتاج وتحرير وتصوير، وكل هذا يستدعي وجود تصور بعيد المدى لتوفير كل هذه الكفاءات لتتمّ العملية الإنتاجية بطريقة صحيحة في كل المؤسسات الإعلامية.
لقد كان من أبرز إفرازات هذا الأمر وضع الأطفال كلهم في سلة واحدة، فلا يوجد فرز للمراحل العمرية، والمعروف أن حاجات الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة سوى حاجات طفل في مرحلة الطفولة المتأخرة، وما قد يناسب هذا قد لا يناسب سواه، غير أننا وجدنا وسائل إعلامنا ليس لديها إلا لغة واحدة في التعامل مع جميع الأطفال، ذكورًا وإناثًا، أطفالاً وفتيانًا، فليس ثمة مراعاة للفروق الفردية بين الذكور والإناث(23)، علمًا بأن حاجات الأنثى من البرامج مختلفة كثيرًا عن حاجات الذكر، ولعل من الحلول العملية والسريعة لهذه المشكلة أن يتم عقد دورات متخصصة للعاملين في حقل برامج الأطفال بما يمكنهم من استيعاب القضايا الأساسية المتعلقة بالطفولة.
كما أن على مؤسسات الإعلام أن تخرج من عباءة الترهل الإداري الذي يسم دوائر العمل العام، فلا بد من البحث عن الكفاءات وهي موجودة بين ظهرانينا، بدلاً من التعويل على الموظفين العاديين الذي عُيّن كثير منهم لاعتبارات سوى الكفاءة والخبرة، كما أنهم لم يحرصوا على تطوير أدواتهم الفنية، فظلوا على ما هم عليه من خبرات متواضعة عفا عليها الزمن، ولعل ما يصدّق هذا القول سؤال يتردد حول طريقة تعيين العاملين في هذه المؤسسات، فلم يصدف أن نشر إعلان مثلاً لتعيين موظفين في التلفزيون الأردني، وإن تم ذلك ثارت الشبهات حول تعيين الأقل كفاءة في هذا الشاغر، ولست هنا في موضع الانتقاد، وإنما بصدد كشف الخلل للوصول إلى حلول عملية للمشكلة.
إن عدم الوصول إلى قناعة بأن الطفل كائن أساسي في المجتمع، وأنه بحاجة لكل جهد ممكن في تهيئته للمستقبل، ربما يكون مسؤولا إلى حد بعيد عن هذه اللامبالاة في التعاطي مع الطفل، فكثر هم الذين يتصورون أن الطفل هو كائن هامشي، فهو في طور التكوين، ولا يجوز الاحتفاء به كثيرًا حتى يكتمل نموه، ويصل إلى مرحلة النضج، وقد يتصور الكثيرون أنه كائن غبي، ولا يميز الجيد من الرديء، فلماذا نعنّي أنفسنا في العمل من أجله؟
وإذا كان الطفل أبا الرجل – كما يرى أحد الدارسين- (24)؛ فإنه من غير محاولاتنا الجادة في تغيير قناعة المجتمع هذه في نظرته إلى الطفل فستظل المشكلة قائمة، ولا يمكن تخطّي كل العوائق الأخرى، إذ إن القناعة بأحقية الطفل وأهميته ومركزيته هي الأرضية التي يمكن أن ننطلق منها في صوغ استراتيجية قائمة على العمل الجاد والمضني والمكلّف في سبيل طفل اليوم، رجل المستقبل.
وحين يسود ظن عام بين الناس بأن الطفل يقبل كل شيء، وليس له أن يعترض على شيء، وأنه غير مؤهل أصلاً للحكم على الأشياء؛ فإن لنا أن نفسر هذا التراجع فيما يقدم للطفل من زاد إعلامي يُظن أنه كثير على الطفل، وإن لنا كذلك أن نشرع فورًا بتغيير هذه القناعات الراسخة والخاطئة في آن.
إذًا تهيئة القناعات الضرورية للتغيير، وتحضير الجو العام اجتماعيًا، ثم توفير الكوادر المدربة والخبيرة والحريصة على اللغة، قد يكون الطريقة المثلى للبدء بعملية التغيير، في سبيل النهوض بالعملية الإعلامية لغويًا بما يوفر للطفل العربي زاده اللغوي.
5- تغريب أم تأصيل:
من حق الطفل العربي في الأردن على القائمين على برامج الأطفال أن يوفروا له منها ما يزيد آصرته بتراثه وتاريخه وحضارته ولغته، ولعل ما يتعرض له الطفل الأردني من تغريب هو صورة طبق الأصل عما يتعرض له الطفل العربي في أقطار الوطن الكبير، وعما أراده له الغرب الذي ما زال ينظر إلى المشرق العربي بعين العداء والمواجهة.
وإذا كان الغرب قد قدر علينا ذلك؛ فإن من الغرابة بمكان أن ننصاع لرغباته ومكائده، فنمعن في عملية التغريب، ونقطع فيها شوطًا أبعد مما كان متوقعًا، مما أكمل الدائرة التي ابتدأت بالمأكل والملبس والمشرب، وانتهت بعجمة اللسان والثقافة، فقد بات طفلنا العربي يتعرض لأقسى موجات التغريب في ثقافته ولغته، وبات يُستورد له خصيصًا من البرامج ما يسدّد له اللكمة القاضية، ويغسل دماغه من كل ما قد يذكّره بتراثه وحضارته، وتاريخه.
وإذا كانت الصحافة الورقية ما زالت تحتفظ ببعض الوفاء لتلك القيم التراثية؛ فإن الإعلام المرئي قد ذهب بعيدًا في تشويه ثقافة الطفل فيما يُعرض عليه من شخصيات أجنبية في كل ملامحها، ابتداء من قصّات الشعر، مرورًا بالزي الغربي والسلوك الاجتماعي والاقتصادي، وانتهاء بلكنة اللسان وتشوهات الثقافة المستوردة، التي تفعل فعلها في ذهن الطفل، فبات يعاني حالة من "الشيزوفرينيا" (الفصام) بين قيم متصادمة، ومُثُـل لا يمكن أن تلتقي.
إن كل جهود المربين من والدين أو أقربين، يمكن أن تذهب أدراج الرياح تحت طائل ما يُعدّ للطفل في وسائل الإعلام، مما يجعل الطفل يرزح تحت طائلة الضنك النفسي، والتوتر والاضطراب، حين يتشعّب به الطريق الثقافي واللغوي إلى اتجاهين لا يلتقيان، وقد يقول قائل: وما الضير في أن يكتسب الطفل لغة ثانية من خلال التلفاز؟ وأقول: إن الطفل لم يكتسب بعد لغته الأم، فكيف نقدّم له لغة ثانية لن يكون من شأنها سوى تعويق الطفل عن اكتساب لغته الأولى والإلمام بها، بالإضافة إلى أن اللغة – كما قلنا سابقًا- ليست محايدة، فهي تحمل قيم المجتمع الذي تمثله، والطفل الذي لم تتضح بعد ولم تكتمل منظومة القيم لديه سوف يبادر إلى تبني قيم تبهره قادمة من بعيد، دون أن يفطن إلى أنها ليست جزءًا من منظومة القيم الخاصة به.
صحيح أن ثمة منظومة إنسانية عالمية من القيم تصلح لجميع الأطفال على هذه المعمورة، ولكنه صحيح كذلك أن ثمة قيمًا مدسوسة تقف خلفها نوايا شريرة تستهدف إفساد الأطفال، وتشويه قيمهم وثقافتهم، أليست فكرة برنامج الرسوم المتحركة الذي عرضه التلفاز الأردني طويلاً(25) يجسّد فكرة الرأسمالية التي ينادي بها الغرب منذ أمد بعيد؟ إنها فكرة الفرد القادر على كل شيء، في مقابل الجماعة التي لا تمتلك أي قدرات استثنائية، فالغلبة للفرد دائمًا، وما على الجماعة إلا أن تستجيب لذلك، ومعظم برامج الأطفال المستوردة من الغرب تجسّد هذه الحقيقة وإن تلبّست بلبوس حسن.
إنها فكرة تستدر الإعجاب بشخصية الفرد "السوبرمان" الذي يلحق الهزيمة بالجماعة، وليست القضية متوزّعة على ثنائية الخير والشر – كما يتوهم- ، وإنما هي تأتي في سياق الحرب الباردة بين مدرستين ظلتا تحكمان العالم وتتنافسان في السيطرة عليه، وحين انتهت الحرب بغلبة الاتجاه الرأسمالي؛ كان من الطبيعي أن نرى هذا الإعجاب الذي وصل إلى حدّ التقديس بالفكرة الرأسمالية في جوانب الحياة كافة ومنها الشقّ الثقافي، فتسللت برامج الأطفال التي تجسّد هذه الفكرة إلى وسائل الإعلام مما جعل الطفل العربي يقع ضحية هذا الصراع.
إن المطلوب من القائمين على الأمر في جميع المستويات ابتداء من السلطة السياسية ومرورًا بالسلطة الدينية والاجتماعية، وانتهاء بالسلطة الرابعة أن تنبش خلف الجذور الفكرية لمثل هذه البرامج التي تغزو شاشاتنا، فالأمر ليس بتلك البساطة التي نتصورها، حين نظن أن علينا أن نبحث عما يسلي الطفل ويدهشه ويثير إعجابه، فالأمر ليس كذلك، فهذا الستار الفني والجمالي يخفي خلفه مستويات من الثقافة والفكر الذي يتسلل إلى قناعات الأطفال، فيشوّه ثقافتهم، ويغيّر أفكارهم، حتى يغدو الطفل منقادًا كالمضبوع إلى حيث أريد له، دون أن يتمكن تحت سحر الفن من الاحتجاج أو الاعتراض.
والطفل – كما هو معلوم- مغرم بالتقليد لشخصيات يراها ناجحة أو خيّرة أو إيجابية، والشخصيات التي يحرص المنتجون على عرضها بطرق إيجابية ستكون عرضة لتقليده من قبل الطفل، الذي – في ظل غياب من يوجهه في اختيار برامجه- سيتحول إلى نسخة مشوّهة من تلك الشخصية، وسيحمل الكثير من قيمها وأفكارها ولغتها، ولعله يحمل اسمها شعارًا يزيّن به ثوبه أو ينقشه وشمًا على رقبته.
إن التنبّه لكل هذه الأمور ينبغي أن يكون في صميم العمل الإعلامي الذي يُعد للأطفال، وينبغي أن يكون جزءًا من خبرة العامل في مجال برامج الأطفال، كي يعرف أن عليه أن يتصدى لإنتاج برامج وطنية للأطفال تأخذ بعين الاعتبار كل المثل والقيم والأفكار التي ينبغي أن نربّي الطفل عليها، فالفنون ليست محايدة في حياة الطفل، إذ يتعين "خلق اتجاه" (26) للطفل حتى لا يشبّ وهو منعدم الاتجاه، مما يسهل وقوعه فريسة الاتجاهات الفكرية المختلفة.
إن غلبة طابع التسلية على البرامج التي تُعدّ للأطفال أو تُستورد لهم دون وجود استراتيجية ما لتقويم لغة الطفل أو قيمه، هو المسؤول عما آل إليه العمل المقدم للأطفال من مآل في غاية الخطورة والارتجال، وقد بدا لنا أن الجيل الحالي من الأطفال قد بات لديهم معجمهم الخاص من المفردات التي يستقونها من برامج الأطفال الأجنبية التي تُعرض لهم، فراحوا يرطنون بها في منحى غريب يزيدهم غربة إلى غربتهم، ويحرف ألسنتهم عن مسارها الصحيح.
وفي رأيي، أنه لا بد من أن يكون جزءًا من الاستراتيجية المنتظرة توجيهُ الأطفال نحو تراثهم وتاريخهم، من خلال تصميم برامج مستوحاة من النماذج العليا من تراثنا الديني والأدبي والعلمي، لكي لا تخرج قصة الطفل عن الحيز التربوي مهما تكن مكانتها عالية في سلم الفن(27)، وتُوظّف فيه لغة عربية وسيطة قريبة من الفصحى ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، فإذا أُعجب الطفل بالشخصية كان معجبًا بجزء من تاريخنا وحضارتنا وعقيدتنا، وإذا اعتاد لغة البرنامج كانت لغة عربية مبينة، وإذا تشبّث بقيمة ما كانت قيمة عربية إسلامية، وبغير ذلك سنظل نضرب في المتاه، وسيظل طفلنا مستلبًا وبعيدًا عن جذوره وأصوله، يعاني مما سمّاه سمر الفيصل "الاختراق الثقافي"(28).
ملاحق الأطفال في الصحف الأردنية:
سبق أن ذكرت أنه لا يوجد في الأردن صحف خاصة بالأطفال سوى صحيفة واحدة هي صحيفة "زها" التي تصدر عن مركز زها للأطفال، وعلى الرغم من أن هذه الصحيفة لا تحظى بانتشار جماهيري كبير بين الأطفال؛ غير أنها تصل إلى نسبة معقولة منهم، فهي تُوزّع مجانًا، وهي موجهة للفتيان، ويقل عدد صفحاتها عن عشرين صفحة غالبًا، وتتوزع بين الأخبار المحلية، وزوايا متعددة ثابتة منها: زاوية أدباء يكتبون لكم، ومناسبات ومنوعات، وعلوم وتكنولوجيا، ولنقرأ معًا. ومن الواضح أن المادة الأدبية قليلة جدًا في الصحيفة، كما أن اللغة العربية لا تحظى باهتمام لافت فيها سوى أنها لغة الكتابة فيها.
أما ملاحق الأطفال في الصحف اليومية فإن حالها لا يسرّ، فهي لا تشغل سوى صفحة واحدة من الجريدة، وبالمقارنة مع صفحات الرياضة العديدة والبارزة؛ فإن الأمر يغدو مدعاة للغرابة والدهشة، كما أن هذه الصفحة اليتيمة تنشر ما هبّ ودبّ من هنا وهناك، والأدعى للدهشة أنها تنشر ما سبق نشره في صحف أخرى، ولعل ما جرى معي شخصيًا دليل على ذلك، إذ فوجئت بنشر مادة لي في واحد من هذه الملاحق دون إذن مني، وحين سألت أحد المسؤولين عن واحد من هذه الملاحق باح لي بشكواه من عدم تخصيص موازنة لمثل هذه الملاحق، فلا مكافآت تُصرف للكتاب، مما جعلهم يعزفون عن النشر بها، ولا مساحات كافية للنشر مما حرم الملحق سمة التنوع والشمول، ولا خصوصية للملحق بألوانه أو خطوطه أو تصميمه، فالورق الأصفر ذاته، والخطوط الصغيرة التي لا تكاد تُرى، والنصوص الباهتة نفسها التي سبق نشرها، مما يجعل هذه الملاحق ضربًا من "رفع العتب" ولا قيمة لها سوى ملء هذه الصفحة بما تيسّر من المادة المخصصة للطفل.
وفي سبيل تغيير هذه الحال، فإنه لا بدّ من إعادة النظر في هذه الملاحق، فيُزاد في عدد صفحاتها تدريجيًا، وتُخصص لها ميزانية كافية، ويُجعل لها عدد كاف من الموظفين، ويُستكتب لها عدد من كتاب الشعر والنثر، ويُخصص لها زوايا جديدة وفريدة تجذب الأطفال، وتمتعهم وتفيدهم، وليشرَكْ الأطفال أنفسهم في التحرير والكتابة والرسم، ولتتميز صفحات الملحق بالألوان الزاهية والمفرحة، والخطوط الواضحة والملونة والجميلة، والهوامش الكافية، والرسوم المعبرة، وبهذا يغدو لدينا حقًا ما يمكن أن نسميه ملحقًا للأطفال.
ولعلي أعرج هنا على قناة فضائية لاقت اهتمامًا ملحوظًا من الأطفال وهي قناة "طيور الجنة الفضائية"، وهي قناة قام عليها شاب أردني هو خالد مقداد، وعلى الرغم من شحّ الإمكانيات استطاع أن يستثمر قدرات أفراد أسرته ليخرج بهذه القناة التي استطاعت أن تكون منافسة، وأن تستقطب اهتمام الأطفال من كل البلدان.
ولعل لهذه القناة استراتيجية ما نابعة من التوجّه الإسلامي الذي يوجّه الطفل نحو القيم الإسلامية السمحة بقالب ترفيهي فكاهي منوّع، غير أنه فيما يرتبط باللغة العربية فإن مما يبعث على الأسف ألا يكون ضمن استراتيجية القناة النهوض باللغة العربية، مما جعل معظم فقرات برامج هذه القناة تستعمل اللغة العامية، إذ التركيز على الفكرة والمضمون يطغى على الاهتمام باللغة العربية التي ينبغي أن نكسبها للأطفال.
والحق أن القائمين على هذه القناة بحاجة إلى من يوجههم توجيهًا إيجابيًا فيما يتعلق بالسياسة اللغوية، ولعل مجمع اللغة العربية قادر على القيام بمثل هذا الدور المهم، بوصفه المؤسسة الأبرز التي تُعنى باللغة العربية، ولعل القيام بزيارة إلى مقرّ هذه القناة له دور في توجيه برامجها وجهة لغوية مفيدة ولو على سبيل النصيحة.
وأخيرًا، فإن على الأسرة الأردنية أن تضطلع بدور مهم جدًا في توجيه الأطفال صوب البرامج الأنفع لهم على جميع المستويات، وبخاصة المستوى اللغوي، وأخص هنا ما تقدمه الشبكة العنكبوتية المسماة "إنترنت" من فضاء مفتوح يصعب على الطفل التعامل معه دون الوقوع في المحظورات، وهو ما يعني أن الأسرة هي الجهة الرقابية الوحيدة تقريبًا القادرة على تجنيب الطفل آفات هذه التقنية إن قامت بدورها المطلوب.
والأسرة الناجحة هي التي تضع خطة لما ينبغي أن يقوم به الطفل من أعمال لكي يمتلئ وقته بالنافع والمفيد(29)، فلا يطغى وقت المتعة على وقت العلم، ولا ترجح كفة التسلية على كفة الفائدة، ولا بد من العين البصيرة المميزة، التي توجه الطفل نحو القيمة المثلى، والفكرة السديدة.
إن التربية الأسرية هي وحدها الكفيلة بضمان حماية الطفل مما قد يتعرض له من مؤثرات سلبية في هذه الشبكة، فليس من الممكن وضع شرطي على كل طفل، وإنما لا بد من توجيه الطفل وتربيته التربية الحسنة التي تجعل من ذاته رقيبًا على عمله، فما رآه صوابًا تبنّاه، وما رآه خاطئًا تجاوزه إلى سواه، أما منع الطفل من استعمال هذه الأداة دون بيان السبب، فقد يجعل الطفل يبحث عنها خارج أسوار البيت، وهو ما يزيد الأمر خطورة حين يغدو الطفل معرضًا لكل الآثار الجانبية (للإنترنت)، ومنها تأثير رفاق السوء(30).
الختام والتوصيات:
لعلي استطعت في هذه الوقفة أن أرسم خريطة واقع اللغة العربية في برامج الأطفال في وسائل الإعلام المحلية، ولا يخفى أن من أبرز نتائج هذه الوقفة ما وصلت إليه من أن اللغة العربية تقبع في مأزق خطير، وتعاني غربة بين أهلها، لما تعانيه من الإهمال والتقصير من جانبهم، فثمة طغيان للغة التسلية والسوق على اللغة الرصينة السوية، وثمة فهم مغلوط أو ناقص لمرحلة الطفولة ومفهومها، وثمة غياب شبه تام لأي استراتيجية لغوية تنهض باللغة العربية في برامج الأطفال، وثمة غياب كذلك لجانب الخبرة والدربة التي ينبغي أن يتحلى بها من يعمل في هذا الجانب، كما أن ضعف الانتماء للغة العربية، لغة القرآن والبيان قد فاقم المشكلة.
ولعل المأزق الحضاري الذي تمر به الأمة مسؤول إلى حد كبير عن هذه المشكلة، فإذا كان التقدم شاملاً وكذلك التخلف، فمن الطبيعي أن تكون اللغة في مقدمة العوامل الحضارية التي تتأثر سلبًا بالتخلف الحضاري الذي تمر به الأمة.
ثمة وسائل إعلام عديدة وكثيرة، فمن الإذاعة إلى التلفاز إلى السينما، إلى الصحف والمجلات، إلى (الإنترنت)، كل ذلك له دور في الإسهام بتكوين ثقافة الطفل، غير أن كثيرًا من هذه الوسائل ترزح تحت طائلة التغريب التي تمر بها الأمة، مما جعل معظم برامجها مستوردة من الغرب، وتتماشى مع قيمه وأفكاره، حتى وهي تتناقض مع قيم الطفل وعقيدته، مما يستوجب ضربًا من الرقابة المجتمعية على هذه البرامج، للوصول إلى ضرب من التوازن بين الاتجاهات المادية السائدة، والقيم الدينية والروحية التي لا يستطيع الإنسان أن يحقق السعادة الحقيقية بدونها(31)، وهذه الرقابة تبتدئ بالأسرة، وتنتهي بتأسيس أقسام رقابية داخل وسائل الإعلام، لتقييم ما يقدم من برامج، وبخاصة من الوجهة اللغوية، بوصف اللغة وجهًا حضاريًا للأمة، وتجسيدًا لتراثها وأدبياتها وتاريخها ومنجزاتها.
وبناء على ما سبق فإنه يمكن الخروج من البحث بالتوصيات التالية:
لا بد من التخلص من مشكلة الازدواجية اللغوية من خلال البحث عن صيغة توافقية، أو توظيف ما يسمى باللغة الوسيطة التي تنأى عن لغة العامة والسوق، وتتخلص كذلك من سمات اللغة الفصيحة المتقعرة التي ينفر الطفل منها.
لا بد من زيادة حصة الطفل من المساحات البرامجية، والاحتفاء قدر الإمكان باللغة الأدبية المبسطة التي تلبّي لدى الطفل تطلعاته الجمالية، وتشبع ميوله الذوقية.
ينبغي وضع استراتيجية لغوية يشترك في وضعها ممثلون عن وسائل الإعلام ومجمع اللغة العربية الأردني وأقسام اللغة العربية في الجامعات الرسمية، ومندوب عن وزارة الثقافة الأردنية، وآخر عن رابطة الكتاب، لوضع الخطط طويلة الأمد لتزويد الطفل بزاده اللغوي الذي يزيد انتماءه لحضارته ودينه وأمته.
لا بد أن يضطلع مجمع اللغة العربية الأردني - بوصفه المؤسسة الأولى المعنية باللغة العربية - بدور ريادي يخوله التدخل في عمل وسائل الإعلام فيما يتعلق بالسياسات اللغوية، سواء من خلال القيام بجولات دورية يقدم فيها النصح لهذه المؤسسات، أو من خلال القيام بدور رقابي على عمل هذه المؤسسات.
ينبغي تعيين عدد من المتخصصين باللغة العربية في وسائل الإعلام لضبط هذه اللغة ومراقبة أداء العاملين عليها ابتداء من النص المكتوب، وانتهاء بالحلقة المسجلة، وكذلك تعيين متخصصين في مجالات الطفولة المختلفة، لدراسة مدى صلاحية البرامج المقدمة للأطفال لهم، وتقديم المشورة اللازمة للقائمين عليها.
أقترح تأسيس دائرة للرقابة اللغوية التي لا يُجاز أي برنامج للأطفال إلا بعد حصوله على الموافقة منها، وتتكون من متخصصين في اللغة والأدب والطفولة.
الشروع في تأسيس المزيد من الصحف والمجلات المعنية بالأطفال، وتصحيح مسار الكثير من الملاحق الثقافية المعنية بالطفل، أو إضافة مثل هذه الملاحق للمجلات والصحف التي لا تحتوي مثلها بالتنسيق المستمر مع رؤساء تحرير هذه الدوريات.
العمل على زيادة انتماء العاملين في وسائل الإعلام إلى لغتهم الأم، وذلك بعقد الدورات التدريبية، والمحاضرات والندوات التي تبين فضائل هذه اللغة ومزاياها، وغيرها من الوسائل.
توفير الكوادر التدريبية المدربة القادرة على القيام بأعباء العمل الإعلامي المخصص للأطفال، مع الأخذ بعين الاعتبار، حين تعيينهم، كفاءتهم اللغوية والأدبية.
السعي بكل السبل المتاحة إلى تغيير قناعات المجتمع الخاطئة حول الطفولة، ليزداد اهتمامًا بالأطفال وحقوقهم، ومن ذلك حقهم في العلم والأدب والثقافة.
السعي إلى إنتاج برامج محلية تجسّد القيم الأصيلة لمجتمعنا، وتستوحي النماذج العليا من تاريخنا وحضارتنا وتراثنا، والتقليل تدريجيًا من البرامج المستوردة التي تمثل قيم الآخر وحضارته.
نشر الوعي بين الأطفال بالطريقة المثلى للتعامل مع وسائل الإعلام من خلال النشرات الإرشادية التي تُوزّع عليهم في المدارس أو المؤسسات التربوية، أو تخصيص وقت محدد من الحصة الدراسية للحديث حول هذا الموضوع، للحدّ من تعرضهم للآثار السلبية التي تنتج عن التعرض لهذه الوسائل بطريقة عشوائية.
الهوامش
1- انظر كتاب: ثقافة الصورة في الأدب والنقد، منشورات جامعة فيلادلفيا، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2008.
2- أحمد نجيب، فن الكتابة للأطفال، دار الكاتب العربي، مصر، ط1، 1968، ص131.
3- نفسه، ص135.
4- تم عام 1979 الاتفاق على أن يكون هذا العام عام الطفولة الدولية. للمزيد انظر: راشد عيسى، شعر الأطفال في الأردن، منشورات أمانة عمان، عمان، ط1، 2007، ص15.
5- عمر الأسعد، أدب الأطفال، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2003، ص144.
6- أحمد المصلح، أدب الأطفال في الأردن- دراسة تطبيقية، وزارة الثقافة، عمان، ط2، 1998، ص190.
7- نفسه، 138.
8- علي الحديدي، في أدب الأطفال، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط7، 1996، ص110.
9- كمال الدين حسين، مدخل في أدب الطفل، مطبعة المعمدانية، القاهرة، ط1، 1999، ص29.
10- علي الحديدي، في أدب الأطفال، سابق، ص 153.
11- نفسه.
12- أُثيرت ضجة بين رجال الدين والتربية حول برنامج "بوكيمون" الذي حظي باهتمام غير مسبوق من قبل الأطفال، ووجد بعضهم فيه تشويهًا لثقافة الطفل من خلال رموز مشبوهة تُعرض خلال حلقات البرنامج.
13- طلعت الهابط، أدب الطفل – لماذا، العلم والإيمان للنشر والتوزيع، مصر، ط1، 2005، ص85.
14- أحمد حسن حتورة، أدب الأطفال، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، الكويت، ط1، 1989، ص207.
15- علي الحديدي، في أدب الأطفال، سابق، ص92.
16- سهير أبو محفوظ، تبسيط أدب الكبار للأطفال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1، 1991.
17- علي الحديدي، في أدب الأطفال، سابق، ص75.
18- أحمد نجيب، فن الكتابة للأطفال، سابق، ص135.
19- طلعت الهابط، أدب الطفل لماذا، سابق، ص81.
20- حسن شحاته، أدب الطفل العربي- دراسات وبحوث، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1991، ص57.
21- أحمد زلط، أدب الطفولة: أصوله، مناهجه، رواده، الشركة العربية للنشر والتوزيع، مصر، ط1، 1990، ص13.
22- عبد التواب يوسف، كتب الأطفال ومجلاتهم في الدول المتقدمة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1، 1985، ص151.
23- نيكولاس تاكر، الطفل والكتاب، دراسة أدبية ونفسية، ترجمة: مها بحبوح، وزارة الثقافة، دمشق، ط1، 1999، ص 248.
24- أحمد فؤاد درويش، سينما الأطفال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1، 1979، ص9.
25- ثمة برامج رسوم متحركة تجسّد فكرة الفرد الواحد مثل برنامج: "بوباي"، و"سوبرمان"، و"بات مان" وسواها.
26- أحمد درويش، سينما الأطفال، سابق، ص28.
27- سمر روحي الفيصل، أدب الأطفال وثقافتهم- قراءة نقدية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط1، 1998، ص56.
28- نفسه، ص83.
29- أحمد أبو عرقوب، محاضرات في أدب الأطفال، عمان، 1982، ص49.
30- كثيرًا ما يشير الدارسون إلى خطورة الإعلام على الطفل من خلال محاكاة الطفل لما يرى أو يسمع، حتى أن أطفالا ارتكبوا جرائم، محاكاة لما رأوا في التلفاز. انظر: أحمد حسن حتورة، أدب الأطفال، سابق، ص208.
31- أحمد نجيب، المضمون في كتب الأطفال، دار الفكر العربي، ط1، 1979، ص46.
التّعقيبات والمناقشات
سائد الرباونة/ ماجستير أساليب تدريس اللغة العربية
يرى أنه من البديهي أن اللغة الموجَّهة للأطفال ينبغي أن تتَّصف بصفات معينة حتى تحقِّق أهدافها، وتساءل عن ماهية هذه الصفات، وكيف يمكن أن نوظِّفها في وسائل الاتصال؟ وما هي اللغة التي يجدر أن نتَّخذها منطلقاً لنا في تعليمنا للأطفال، أنبدأ بالفصيحة أم بالعاميَّة؟
أ. د. أمين الكخن
أشار د. أمين إلى تجربة الأردن في برامج الأطفال، التي قُدِّمت باللغة العربية الفصيحة مثل: برنامج "المناهل"، "وافتح يا سمسم" وغيرها من البرامج الناجحة ويرى أن هناك برامج تُعرض في التلفزيون العربي السوري بالعربية الفصيحة وكثيراً ما تشدُّ أطفالنا، وتجذب انتباههم، ويقترح أن تُصمَّم برامج مماثلة لتُعرض على الشاشة الأردنية وتُخرج بالعربية الفصيحة.
أ.د. فواز عبد الحق
فيما يتعلَّق ببرامج الأطفال أشار د. فواز إلى رسالة دكتوراه في الولايات المتحدة، تناولت تحليل برنامج "افتح يا سمسم" وكيف أن هذا البرنامج ساهم في إثراء الذخيرة اللغوية لدى الأطفال.
ويرى د. عبد الحق أنه يجب أن نركِّز في قصص الأطفال وبرامجهم على ما يسمَّى بالمفردات الأكثر تداولاً وانتشاراً.
ولا بُدَّ من استخدام لُغة تناشد اهتمامات الأطفال وتُلبِّي رغباتهم، لغة مُيسَّرة وغير منفِّرة؛ لأننا إذا استعملنا العربية الفصيحة بالحركات وشدَّدنا عليها يكون هناك تقعرٌّ وبُعدٌ عن العربية.
رد د. إبراهيم حسين خليل بالإنابةِ عن د. ناصر شبانة
قال د. إبراهيم: إن الخلل في برامج الأطفال لدينا قد يكمن في عدم تحديد الفئات العمرية التي توجَّه لها البرامج، فقد تكون البرامج مثلاً، موجَّهة لفئات عمرية متأخرة ويشاهدها أطفال من فئات عمرية صغيرة، فلا تتناسب مع قدراتهم وإدراكهم ... وهكذا.
وفيما يتعلَّق بسمات اللغة المقدَّمة للأطفال، يرى د. إبراهيم أن نبدأ بالفصيحة المبسَّطة اليسيرة، وإن كان بالإمكان تحديد الفئة العمرية التي نوجِّه لها البرامج، وهنا يأتي دور الأسرة في رعاية ورقابة الطفل أثناء مشاهدة البرامج التلفزيونية، وتحديد البرامج التي تتوافق مع أعمار أبنائهم.
ويقترح احتواء هذه البرامج الروحَ الأدبية، فلا تكون جافّةً علمية ولا مبتذلة سوقية ولا عاليةَ المستوى؛ حتى تتناسب مع عمر الطفل وقدراته، فاللغة كالسلَّم درجات تصعد، كلَّما صعدنا بالعمر درجة تعلو اللغة درجةً وهكذا.




