مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

اللغة العربية في الدواوين والمخاطبات والمراسلات في المؤسسات العامة والخاصة في الأردن: واقعها وسبل النهوض بها

إرسال إلى صديق طباعة

 

 

 

 

 

اللغة العربية في الدواوين والمخاطبات والمراسلات في المؤسسات العامة والخاصة في الأردن: واقعها وسبل النهوض بها

 

الأستاذ الدكتور سمير محمود الدروبي

جامعة مؤتة/ قسم اللغة العربية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخميس 10

ذو القعدة 1430هـ- 29 تشرين الأول 2009م

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مما لا شك فيه أن تاريخَ اللغة العربية واستخدامِها على نطاق واسع في المكاتبات والرسائل مُرتبطٌ بنشوء الدولة وتأسيسِ الدواوين. ولذا فإن قيامَ الحكومة النبوية في المدينة المنورة قد أدى إلى استخدام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يزيد على أربعينَ كاتباً يقومون بأعمال الكتابةِ التي تحتاج إليها هذه الدولة الجديدة، فكان أبي بن كعب أولَ من كتب لرسول الله في الرسائل والإقطاع، وكتب له أيضاً زيدُ بنُ ثابت، وعبدُالله بنِ الأرقم، وكان علي بن أبي طالب يكتب له كُتبَ العُهودِ والصلح. وكان زيدُ بنُ ثابت الأنصاري كاتبَه إلى الملوك، وتُرجُمانَه من اللغات الأخرى كالسريانية والعبرانية والفارسية().

وفوق ذلك، فإن كُتاب الدواوين في عهد الخلفاء الراشدين، ثم في عصر بني أمية، كان لهم أكبرُ الدور في تعريب الأمصار المفتوحة، ونَشرِ العربية بين أبنائها، وذلك عندما كانوا يكتبون في البلاد المفتوحة بالعربية والفارسية، أو بالعربية والرومية (اليونانية)، أو بالعربية والقبطية في بداية الفتح، ثم أخذوا بالتخلص تدريجياً من اللغات الأعجمية. حتى نصل إلى نهاية العصر الأموي فإذا بالكتابة الديوانية قد أصبحت خالصةً في الخراج والأموالِ والأعمال().

أما في العصور التالية: العباسية والبويهية والسلجوقية والأيوبية والمملوكية، فإن كِبارَ الكُتاب كابن العميد، والصاحب بن عباد، والقاضي الفاضل والشهاب محمود الحلبي، وابن فضل الله العمري، قد حافظوا على حياة اللغة العربية في الدواوين، على الرغم من أن العُجمةَ وتياراتِها القويَة المتمثلة في الحكام الأعاجم قد سيطرت على مقاليد الحُكمِ والسلطة().ويكفي أن ندللَ على مَبلغِ الخطر العظيم الذي تهدد العربيةَ لغةً رسميةً في الدولة بما قاله ابن منظور المصري في مَطلعِ القَرن الثامنِ الهجري، عندما شاهدَ ميلَ اللغويين ورجال الدولة إلى اللغات الأعجمية، وانحرافَهم عن العناية بالعربية، يقول في مقدمته لمعجمه الخالد (لسان العرب): "وصار النطقُ بالعَربية من المعايب معدوداً، وتنافسَ الناسُ في تَصانيفِ التَّرجُمانات في اللغة الأعجميَّة، وتفاصحوا في غير العربية، فجمعتُ هذا الكِتاب في زَمَن أهلُهُ بغير لُغته يفخرون، وصنعتُه كم صَنَع نوحٌ الفُلكَ وقومُهُ منه يسخرون، وسميّتُه (لسان العرب)"

().

قلت: إن ما ذكره ابنُ منظور ليس بغريب على زماننا، ومقولَتُه هي صرخةُ دِفاعٍ لجندي مستبسل في ديوان الإنشاء الذي مَكثَ فيه نَصفَ قَرنٍ، يُصحح كلُّ مخاطبة تصدر عنه، لتكون مُبّرأةً من أيِّ عيبٍ أو لَحنٍ أو انحرافٍ في الصياغة والتركيب.

وأدى العراكُ الذي نَشب في معركة مرج دابق في مطلع القرن العاشر الهجري بين العثمانيين والمماليك إلى سقوط دولة المماليك، ووقوع بلاد الشام والجزيرة العربية ومصر والعراق والمغرب العربي تحت السيطرة العثمانية التي حملت الغَيثَ والعيثَ في آن واحدٍ.

نعم، إن الأتراك حافظوا على وحدةِ البلاد العربية، ومنعوا سقوطها الوشيك بيد الأسبان والبرتغاليين، ورُدت العربية إلى العراق على أيديهم، وتعلم كثيرٌ من الترك اللغةَ العربيةَ التي أصبحت لغةَ العلمِ في دولتهم، ولم يتدخلوا في لغة الإدارة في الولايات العثمانية حتى نهاية العصر المجيد، عصر السلطان عبدالحميد الثاني عندما استولت جمعية الاتحاد والترقي على الحكم في سنة 1908م ومارست سياسةً خطيرةً ضد البلاد العربية، وقد تجلى ذلك في فرض اللغة التركية لغةً رسمية في البلاد العربية، وجعلها لغةَ الإدارة والحكم، والمحاكم والتعليم. وقد أشار أحدُ الباحثين إلى النتائج الخطيرة المترتبة على هذا القرار الخطير: "ثم يعرّض بصعوبة تَعلمِ اللغةِ التركية كي يستطيعَ العربيُّ إجادتَها حتى يَصبحَ موظفاً، وأنه لا بُدَّ من مُضي رُبع قرن حتى يمكنَ إيصالُ جيل من العرب يتقن التركية، ومعنى ذلك حِرمانُ العرب طول هذه المدة من المشاركة في حياة الدولة العامة"
().

وقد سجل مؤسسُ الأردن الحديث عبدالله بن الحسين - طيب الله ثراه – بعض خواطره أثناء إقامته في إسطنبول إبانَ غطرسة الاتحاديين، وتحكمِهم في رقاب الأمة بعد خلعهم السلطان العظيم العادل عبدالحميد الثاني، ومن خواطره التي رواها بأسى وحزن قَولُه : (ولكن يؤمُنا رجالٌ لا يدرون معنى ما يقرأون، ولا يفقهون مرامي ما يتلون. ترى العالم العلامة من العرب يَؤمُه من لا يحسن اللفظَ العربي ولا الأصلَ الفقهى...)().ولم يقتصر الأمر على أُمور الإمامةِ والخطابة والفقهِ، بل تعداه إلى شؤون التعليم، يقول: (وابتدأنا دروسنا الجديدة على الطراز الجديد، وحُظِر علينا الكلام باللغة العربية. أما الدروسُ فهي هذه: اللسانُ التركي، الجغرافيا، مختصرُ التاريخ العثماني والإسلامي، الصرفُ العثماني، القراءةُ بالتركية...)

().

وقد سجل رَشيد رضا –وهو من أكبر رواد النهضة العربية في تلك الفترة– اعتراضَه على سياسة قمع اللغة العربية التي رفع الاتحاديون راياتِها المنكوسةِ قائلاً: (إن السوادَ الأعظم من العرب يدينون دينَ الإسلام، واللغةُ العربيةُ هي لغة هذا الدين، فلا تَصحُ لمسلم عِبادةٌ بغير هذه اللغة، فبالدولةِ العربية تحيا لغةُ القرآن)().أما علي الطنطاوي فقد عَاصرَ أخرياتِ ليالي الاتحاديين المظلمة، ووصف لنا حالةَ التعليم في مدارس دمشق، يقول ساخراً من سياسة التتريك الطورانية الظالمة: ( حتى قواعد اللغة العربية (النحو والصرف) فقد درسناها آخر المدة على معلم تركي)

()، ويخلص بعد عرض طُرق من واقع الحال المؤلم يومذاك إلى نتيجة مفادُها: (ولكن الأتراكَ مسلمون، وإن كان حكامُنا وحكامُهم يومئذ من الاتحاديين أعداءِ العربية، وكدتُ أقولُ أعداءَ الدين) ().

وبناء على ما سبق بيانه من حال المجابهة الصريحة التي أعلنها الاتحاديون على العرب لغةً وحضارةً وتاريخاً، إضافة إلى خروج الاتحاديين عن خط الخلافة الإسلامية التي لولاها ما خضع العرب للترك، فإن العرب وجدوا أنفسهم في أُتون الحرب الكونية الأولى مدفوعين إلى الخروج على الترك، وإعلانِ الشريف الهاشمي الحسين بن علي الثورة على الأتراك في سنة 1916م إلى جانب الحلفاء لتخليص البلاد العربية من الترك وحلفائهم الألمان.

وعندما وضعت الحربُ أوزارَها 1337ﻫ / 1918م، دخل الملكُ فيصلُ بنُ الحسين دمشقَ (فاستقبله أهلها استقبال المخلص... ثم نودي به ملكاً دستورياً على البلاد السورية سنة 1338ﻫ/1920م)
()، وفي العام نفسِه احتلَ الفرنسيون سوريا بعد معركة ميسلون، وخرج فَيصلُ منها، ثم تولى ملك العراق في سنة 1921م.

وعندما تنكَّر الحلفاءُ لوعودهم للشريف الحسين بن علي، وتم تمزيق بلاد الشام بين الانتداب الفرنسي والإنجليزي، توجه عبدالله بن الحسين الملك المؤسس من الحجاز إلى مَعان، ووصلها بعد رِحلةٍ شِاقةٍ دامت شهراً لخراب سكة حديد الحجاز في 11 ربيع الأول 1339ﻫ الموافق 21 تشرين الثاني 1920، فاستقبله أهالي معان وغيرهم من وجها الأردن مُرحبين، وعاقدين الآمال على تحرير سوريا من الاحتلال الفرنسي.

وقد أطلق عبدالله بن الحسين منشوره الأول من معان في ربيع الأول سنة 1339ﻫ، ولهذا المنشور قيمة تاريخية كبرى، فهو يمكن ان يُعدّ أول كتاب صادر عن الدولة الأردنية الحديثة عند تأسيسها، كما أنه استثار في منشوره نخوةَ عرب سوريا، بل العرب جميعاً على عدم الرضا بالذل والهوان الذي ألحقه بهم المستعمرون، يقول فيه:(لا أجد في نفسي أدنى رَيب أو أقلَ شُبهة، في أن أبناء الوطن السوري. فليعلم أبناءُ سوريا أن ما أصابهم من الضياع المحزن، من اعتداء رجال الاستعمار الفرنسي على وطنهم، ومبادرتهم بُسرعة فظيعةٍ غَريبةٍ لهدم عرشهم، في أول سعيهم لتشكيل حكومتهم التي وضعت أساسها على سياسة الولاء والصداقة لكل الأمم على الإطلاق، وفي الوقت نفسه نعلم علماً يقينياً ان أبناءَ سوريا الكرام هم من جُملة المفاخرِ العربية، وركنِ الجامعة القحطانية والعدنانية، لا يرضون بالذل، ولا ينقادون إلى من جاء لاهانتهم في عقر دارهم...)
()، إلى أن يقول : (كيف ترضون بأن تكون العاصمةُ الأمويةُ مُستعمرةً فرنسية ؟!...)().

وبعد أن يشحذ عبدالله بن الحسين هِممَ أبناء الأمة العربية، ونخوتهم العدنانية والقحطانية، مذكراً إياهم بأمجادهم العظيمة عندما كانت جيوشُ بني أمية على مشارف باريس في مطلع القرن الثاني من الهجرة، ويعلن بأنه: قد قبل تجديدَ بيعةِ مليكهم الأول فيصلِ بن الحسين().وقد بدأ عبدالله بن الحسين مكاتباتِه لنواحي البلاد السورية، ودعوته أعضاء المؤتمر السوري، وضباط الجيش السوري إلى الحضور إلى معان، ثم انتقل في سنة 1921م إلى عمان، فاستقبله حَشدٌ من أهالي الأردن وشيوخهم مهللين مرحبين، ثم زار القدس فاستقبله حَشدٌ من أهالي فلسطين ووجهائهم بمثل ما استقبل به في عمان

().

ومن عمان استطاع عبدالله بن الحسين أن يجمع أطرافَ الأردن بعد أن مزقها الانتداب البريطاني إلى مدن متفرقة، رافعاً شعاره المعروف الذي ورثه من الرومان ( فرق تسد ).

ونجح الأميرُ الهاشمي في تَوحيدِ الأردن تحت رايةٍ واحدة وقيادة واحدة، يقول : ( فجمعنا كل هذه النواحي
* ووحدناها وزال الخلاف بينها() )، ثم تمكن من ضم معان والعقبة إلى إمارة شرقي الأردن في سنة 1925م().

وعندما استقر رِكابُه الشريف في عمان، وفي أوائل نيسان من سنة 1921م ألّفَ أول حكومة في شرقي الأردن، وأطلق على رئيسها اسمَ (الكاتب الإداري) الذي رأس (مجلس المشاورين)، وأصدر مرسومه الأميري بأن يكون رشيدَ طليع الكاتب الإداري، ورئيس مجلس المشاورين ومشاور الداخلية.

وفي منتصف نيسان من السنة المذكورة أعلاه تألفت حكومةٌ جديدةٌ برئاسة مظهر بك رسلان، وأبدل اسمْ مجلس المشاورين، وأصبح مَجلسَ المستشارين. ثم جرى تغييرٌ آخر لألقاب كبار الدولة في سنة 1923م، وبُدّل لقبُ رئيس المستشارين إلى لقب رئيس مجلس الوكلاء، ولقبُ قاضي القضاة إلى وكيل الأمور الشرعية، ولَقبُ المستشار المالي والقضائي إلى وكيل الأمور المالية ووكيل المور العدلية، ثم جاءت حكومةُ حسن خالد باشا أبي الهدى الصيادي فأصبح رئيساً للنظار، وعاد لقبُ قاضي القاضي من جديد، ولقب كل من المستشارُ المالي، والمستشار والقضائي ﺒ ناظر الماليةِ وناظرِ العدليةَ على التوالي
().وفي سنة 1928م نُشر القانون الأساسي لشرقي الأردن، وصدرَ قانونُ انتخابِ أعضاء المجلس التشريعي، وأطلق لقبُ رئيسِ الوزراء على حسن خالد باشا أبي الهدى الصيادي، وحُوِّل لقبُ ناظر إلى لَقبِ وزيرِ أو مدير().

وبناء على سرعة التغييرات في ألقاب كبار رجال الحكومة في العقد الأول من نشوء الدولة الأردنية الحديثة، فإنه يمكن للدارس أن يَخرج بالملاحظات التالية:

أولاً: إن الملكَ المؤسسَ عبدُالله بن الحسين كان مطلعاً على الثقافة العربية الإسلامية إطلاعاً واسعاً، كما أنه نشأ وترعرع في نهاية العصر العثماني، وكان ممثلاً لمكة المكرمة في مجلس النواب أو (المبعوثان) العثماني في سنة 1327ﻫ /1909م
() كما أنه تخرج من المدارس العثمانية كما أسلفنا. ولذا فإنه كان ملماً بالمصطلحين العربي والتركي فيما يتعلق بدواوين الدولة والكتابة فيها، علماً بأن كاتبَ هذه السطور قد بين في دراسة سابقة أن حَركة الترجمة والتعريب في ديوان الإنشاء المملوكي قد ساهمت في (نقلِ كثير من مصطلحات الكتابة وأساليبِها ومصطلحاتِها العربية إلى دواوين الإنشاء المغولية والتركية والفارسية)().

ثانياً : إن الرعيل الأول من رجال إمارة شرق الأردن من خريجي المدارس العثمانية، وكانوا على علمٍ تام بالمصطلح الإداري والكتابي لدولة الترك، وكانوا من المتحمسين لقضية التعريب لما شاهدوه من أهوال سياسة التتريك.

ثالثاً: إن حكومة شرق الأردن قد عملت بموجب بعض القوانين العثمانية، فقد نشر في العدد 447 من الجريدة الرسمية الصادر في 19 جمادي الأولى 1353ﻫ الموافق 29 آب 1934، ص374 ما نصه : (بما أن أحكامَ المادة 58) من القانون الأساسي لشرق الأردن المؤرخ في 16 نيسان 1928 تنص على أن القوانينَ العثمانيةَ المنشورةَ بعد اليوم الأول من تشرين الثاني 1914م والتي ظلت مرعية الإجراء في شرق الأردن تبقى نافذةَ المفعول على أن يُنشر إعلانٌ بذلك بمقدار ما تسمحُ به الأحوال، إلى أن تلغيها أو تعدلَها السلطةُ التشريعيةُ بمقتضى القانون الأساسي، لذلك ينشر للعلم بأن القوانينَ والأنظمةَ المبينة في الجدول الملحق بهذا الإعلان نافذةُ المفعول في شرق الأردن، ومعمولٌ بها تماماً)()

.

ولكن مع مرور الزمن وتوطيد أركان الدولة تم تعديلُ بعض مواد القانون العثماني، حيث جرى تعديل المادة ( 214) من قانون الجزاء العثماني لسنة 1934(). وجرى إبطال بعض هذه القوانين والتعليمات العثمانية، حيث صدر في سنة 1932 ما نصه: (لا يعمل بعد الآن في شرق الأردن بتعليمات التفتيش القضائي العثمانية)()

.

 

 

أنواع المخاطبات والمراسلات في الدواوين الأردنية منذ تأسيس الإمارة وحتى وقتنا الماثل:

- المناشيرُ: وهو ما يكتبه الأميرُ أو الملك إلى شعبه أو أمته موضحاً لهم فيه ما يتهددهم من أخطار، وعادة ما يحمل المنشور دعوتهم إلى أمر ما، وسبق أن ذكرنا أن أولَ منشورٍ في الدواوين المنشور الذي وجهه الأمير عبدُالله بنُ الحسين للسوريين كافة من مَعان سنة 1921م().

- البيانات: وهي ما يلقيه رأس الدولة على شعبه أو من يمثلُه من وفود، وعادةً ما يبين لهم موقف الدولة من قضية وطنية ما.ويتضمن البيان تطميناً للمواطنين، ويؤكد على عناية الدولة بقضاياهم.

ومثال ذلك البيان الذي ألقاه عبدالله ابن الحسين على الوفود المستقبله له وعلى الشعب الأردني بعد رجوعه من أوروبا سنة 1923، أثر اعتداء الوهابيين أو ما يسميهم عامة الناس بالإخوان على جنوب الأردن سنة 1922م().

- الأنظمة: ومفردها نظام، وعادة ما يصدرها رئيس الوزراء أو الوزير المعني، ويكون النظامُ مستنداً في صدوره إلى قانون، ويكتب في أعلاه كلمة نظام في وسط السطر، وبعض هذه الأنظمة قصيرة موجزة وبعضها يصل إلى عدة صفحات، ومن الأمثلة:

 

نظام()

صادر بمتضى المادة التاسعة من الفصل الخامس

من قانون الجنسية الأردنية

أنا رئيس وزراء حكومة شرق الأردن

بناءً على الصلاحية المخولة لي بموجب المادة التاسعة عشرة من الفصل الخامس من قانون الجنسية الأردنية آمر بتعديل الأنظمة المنشورة في... 9/1/1932.

رئيس الوزراء

عبدالله سراج

- الإرادات السنية: وعادة ما يصدرها الملك في مناسبة سعيدة، وتتضمن أمراً أو أكثر بالعفو أو المسامحة، أو تنزيل الأحكام
()، ومثال ذلك:

إرادة سنية بالعفو

نحن عبدُالله بن الحسين أمير شرق الأردن

بمناسبة زواج ولدنا الأمير طلال وبما لنا من صلاحية... نأمر ما يلي:

(عبدالله)

- الإعلانات: ومفردها إعلان، وعادة ما يستند الإعلان إلى مادة من مواد القانون، وعادة ما يتضمن تصريحاً أو أمراً بإضافة موضوع ما
().- الاتفاقيات: وغالباً ما تكون بين الدولة الأردنية وطرف آخر، ويشتمل الاتفاق على عددٍ من المواد الموضحة لموضوعه، وقد يصاغ الاتفاق باللغة العربية وغيرها من اللغات، فقد جاء في ملحق الاتفاق بين بريطانيا وشرق الأردن المادة الرابعة -: (لقد صيغ الاتفاق الحاضر في لغتين الإنجليزية والعربية، وقد وقعَ المندوبانِ المفوضانِ للفريقين الساميين المتعاقدين على نسختين إنجليزيتين ونسختين عربيتين، ويكون للصيغتين عَينُ المقام من الاعتبار، وإنما عند الاختلاف بينهما في تفسير مادة من مواد هذا الاتفاق يكون للصيغة الإنجليزية التقدم) ().

- الاعترافات: وهو أن تعترف الدولة الأردنية بقيام دولة أخرى، أو أن يكون الاعتراف متبادلاً بين الدولة الأردنية وغيرها، فقد قرر رئيس الوزراء عبدالله سراج: (الاعتراف بصاحب الجلالة الملك عبدالعزيز ملكاً على المملكة العربية السعودية التي تشتمل على الحجاز ونجد وملحقاتها) في سنة 1933، وذلك بعد الاعتراف من الجانب السعودي.

- المعاهدات: وعادة ما تتم بين دولتين كان العلاقةُ بينهما قَائمةً على النزاع والخصومة والتوتر، ثم يحل بينهما السلام والصداقة، ومن ذلك مَعاهدةُ الصداقة وحُسنِ الجوار التي أبرمها مفوضو إمارة شرق الأردن والمملكةِ العربية السعودية، وتم تبادل وثائق الإبرام بتاريخ 21
/12/1933 في القاهرة().

وأنواع الكتابة في دواوين كثيرة ومتنوعة تشتمل على: كتابة محاضر الجلسات والاجتماعات، والمذكرات، وقرارات التعيين، والتعاميم الرسمية، والتعليمات الإدارية والبرقيات ومشاريع القوانين، وغيرها. وهي تختلف باختلاف طبيعة عَملِ كل مؤسسة وحدود صلاحياتها وسلطاتها.

وتمتاز لُغةُ الدواوين في الدولة الأردنية منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا بالتزام العربية الفصحى، وعدم الإخلال بها، ويعود الفضل في ذلك إلى تبني الملك المؤسس لقضية لغة العرب، ومحافظة أبنائه وأحفاده على هذا الإرث العظيم.

وتمتاز كتابة الدواوين في الدولة الأردنية في عقودها الأولى بقوة العبارة، وإشراق الديباجة، والمحافظة على مصطلح المكاتبات الديوانية العربي مع الإفادة من المصطلح العثماني المأخوذ أصلاً عن الدواوين العربية.

وقد تسرب عَددٌ من المصطلحات والمفردات الأعجمية إلى هذه المكاتبات في المراحل الأولى، علماً بأن هذه الألفاظ لم تكن قد عُربت مثل: البرستو، الباشيونات، التياترات، البندرول، المالجروف، التونترال، ميجر وغيرها
() من المصطلحات الحديثة التي تتصل بأسماء المخترعات الحديثة والرتب العسكرية والأطعمة والمشروبات المستوردة.

ومما لا شك فيه أن مكاتبات الدولة مهما جلت أو دقت، فإنها تبقى وثائقَها وذاكرتَها الحسيةَ وتاريخَها الذي لا ينسى، وأدبها الإداري الذي يدل على مبلغ عناية أبنائها بلغتهم.

ومن خلال ما وقع بين يدي من وثائق، فإن الباحثَ يستطيع من خلالها أن يتعرف على تطور دواوين الدولة، ومؤسساتها، وعلى تقسيماتها الإدارية، وأحوالها الاقتصادية والعمرانية، ويتمكن من قراءة تاريخها السياسي، وعلاقاتها بغيرها من دول العالم.

ومثل هذه المكاتبات سِجلٌ دقيق للتاريخ الاجتماعي والصناعي والديني والتعليمي، والسكاني، والحضاري.

ومما يؤسف عليه أن كثيراً من هذه الوثائق قد سقط من يد الزمن، ولم يجد العناية الكافية من الدوائر والمؤسسات والوزارات
وربما كان الأمر عائداً لعدم إدراك قيمة هذه المكاتبات على الرغم من كثرة البلاغات الرسمية الصادرة عن رؤساء الوزارات والتي يطلبون فيها عدمَ إتلاف أيّة وثيقة حكومية إلا بعد إطلاع المكتبة الوطنية على ذلك، وآخرها بلاغ رسمي رقم (5) لسنة 2008 ومؤرخ ﺒ19/3/2008، وموقع من رئيس الوزراء نادر الذهبي.

ومما هو جدير بالذكر، أن رئيس الجامعة الأردنية في سنة 1979م قد تنبه إلى ضرورة الحفاظ على المراسلات والوثائق في دواوين الدولة، فأرسل خطاباً إلى رئيس الوزراء الذي أصدر بلاغاً رسمياً مؤرخاً بـ24/1/1979م، ورقمه (7) لسنة 1979م، وقد وجهه إلى وزير الثقافة، ونصه: "تصل إلى الجامعة الأردنية باستمرار العديد من الرسائل من مختلف أجهزة الدولة، يطلبون فيها إرسال ممثل عن الجامعة للمشاركة في اختيار الأوراق والملفات الواجب حفظها قبل إتلافها.

وبما أن وزارة الثقافة والشباب قد أنشأت مديرية الوثائق الوطنية والمكتبات كجهاز متخصص بهذا الأمر.

يرجى من مختلف الدوائر والأجهزة الحكومية الكتابة إلى وزارة، الثقافة والشباب عندما ترغب في إتلاف أية وثائق حكومية، لارتباط ذلك بصلاحيات مديرية الوثائق الوطنية والمكتبات".

والكتابة الديوانية في المؤسسات العامة والخاصة بحاجة إلى مزيد من العناية والتطوير، وخاصة بعد أن وصل الأردن إلى ما وصل إليه في كثرة الجامعات، والخريجين، والموظفين، وأعضاء الهيئات التدريسية، ولكن العبرة في الكيف لا الكم كما يقال.

وأود أن أتقدم بالاقتراحات التالية التي أرى أن ستسهم في الارتقاء بمستوى الخطاب والكتابة في المؤسسات والدوائر والوزارات، وتمكن اللغة العربية تمكيناً تاماً من الازدهار والرقي، والبقاء على ألسنة أبنائها، وخاصة بعد العولمة الجديدة التي فرضت الإنجليزية، وجعلت منها قوة طاغية في مجال الإعلام والدعاية والتدريس، وحتى الخطاب العادي بين الناس.

وأهم المقترحات التي أرى ضرورتها للارتقاء بالعربية في المؤسسات العامة والخاصة:

أولاً: عقد دورات تدريبية جادة ومكثفة للموظفين، تكون غايتُها تدريبهم على الكتابة والإنشاء، وهو ما كان معمولاً به في زمن الحكومة العربية في دمشق إبان عهد الملك فيصل بن الحسين من 1918
1920م، وقد أعلن الأمير عبدالله بن الحسين في منشوره الذي أصدره في معان سنة 1920م قبوله لتجديد بيعة الملك فيصل الذي اعتدى الفرنسيون على استقلال دولته العربية. مما يعني وجود سند تاريخي مشروع لهذه الدعوة.

ثانياً: تعيين منشئين ومحررين ومدققين لغويين في كل دائرة حكومية، ويكون ذلك التعيين بناءً على ما لديهم من مواهب في الكتابة وقدرات في اللغة، ومؤهلات علمية عليا أقلها درجة الماجستير، ولا يكون هذا التعيين إلا بعد الاختبار الدقيق الذي تجريه لجان علمية متخصصة. أي أن وظيفة المدقق اللغوي يجب أن تكون وظيفةً ذات شأن واعتبار مادياً ومعنوياً، وتكون مبنيةً على تقديم الأكفياء لأهليتهم، لا لشهاداتهم التي لا تدل في كثير من الأحيان على مستوى التحصيل المعرفي.

وقد وجدت هذه الأمر معمولاً به في وزارة التربية والتعليم، وقابلت ثلاثة من المحررين اللغويين من حملة الدكتوراه والماجستير، وعلمت أن تعيينهم كان بعد اختبارات دقيقة، وهم تابعون لمديرية المطبوعات التربوية، ويقومون بإصدار الكتاب السنوي الذي يتضمن إنجازات وزارة التربية والتعليم، وإصدار المطبوعات ذات الموضوعات التربوية والتعريفية بإدارات الوزارة ومهامها وأقسامها، ويقومون بمهمة تحرير رسالة المعلم وتدقيقها لغوياً، إلى غير ذلك من الجهود المشكورة في خدمة اللغة العربية.

ثالثاً: التشديد على الموجهين التربويين في مادة اللغة العربية وغيرها من المواد الدراسية، بضرورة إلزام المدرسين بتدريس موادِهم باللغة العربية الفصحى، وعدم استخدام العامية في التدريس، لما في ذلك من إخلال بَيّن في مستوى التحصيل العلمي للطلبة.

وعلمت من بعض المدرسين أن الحديث باللغة الفصحى قد يثير سخرية الطلاب من المعلم، والتندر بطريقته في التعليم. ولعل منشأ هذه العادة الغريبة بين الطلاب، إلى أن التدريس بالعامية قد أصبح القاعدة والأساس، وأن التدريس بالفصحى قد أصبح الاستثناء الذي يشذ عن القاعدة. وعلمت من بعض المدرسين أنهم قد أصروا على تدريس المواد العلمية بالفصيحة لا العامية، مما جعل الطلاب يألفون ذلك، وكانت النتيجة ارتفاع مستوى التحصيل عندهم وخاصة في المواد العلمية.

رابعاً: إبراز أهمية اللغة العربية من خلال المناهج التربوية، ويمكن غرس حب العربية في نفوس الطلاب، وتنمية هذا الغرس المبارك ونموه، ثم إثماره مع التدرج في المراحل الدراسية المختلفة. ومما هو مستغرب أن موادَ التاريخ، واللغة العربية والتربية الإسلامية والتربية الوطنية والثقافة العامة قلّما تُشير أو تعرضَ أو تُفرد دروساً خاصة لبيان أهمية اللغة العربية، ودورها في وحدة الأمة ونهضتها.

وتأييداً لما أقول، فإنني قد استعرضت كتاب الثقافة العامة الذي يدرس في أعلى صفوف المرحلة الثانوية، ولجميع التخصصات العلمية والأدبية، فلم أجد فيه سوى إشارة إلى خطاب الملك فيصل الأول أمام المؤتمر السوري عام 1920م حيث قال : " سنسعى بصورة مخصوصة لنشر المعارف، وجعل المدارس في حالة يمكنها أن تخرِّج البلاد رجالاً مشبعين بحب الوطن، وسلامة الفكر، وسنهتم بإغناء خزائن علومنا بترجمة كتب العلوم والفنون الحديثة وتأليفها"
().وهناك إشارة أخرى جاءت في معرض إنجازات الملك المؤسس عبدالله بن الحسين التي منها: (إنشاء المجمع العلمي العربي عام 1923 بهدف النهوض باللغة العربية وبعث تراث الأمة)().

قلت: إن مثل هاتين الإشارتين المهمتين تستحقان دروساً مفردة تبرز مدى عناية الدولة الأردنية عند نشوئها باللغة العربية من جانب، وتبين أهمية لغتنا العربية في الرقي بمستوى الأمة علماً وأدباً وتاريخاً وحضارة، وحاضراً ومستقبلاً.

خامساً: - الحفاظ على الأداء اللغوي السليم في الإذاعات المدرسية التي غالباً ما تعرض أداءَها باللغة العامية، ويمكن للإذاعات المدرسية أن تذكي بين الطلاب روح المنافسة الأدبية والمبارزات الشعرية، والمسابقات التشجيعية، مما يكون له أكبر الأثر في احترام اللغة العربية، ومحاولة الكتابة بها، وحفظ أشعارها، وقد يكون رَصدُ بعض المبالغ المالية من التبرعات المدرسية دافعاً لكثير من الطلاب على الإبداع الأدبي وحفظ القرآن الكريم الشعر والخطب.

وفوق ذلك، فإن تفعيل دور المكتبات المدرسية، وذلك بتحفيز الطلاب على ارتيادها، والاستعارة منها، وخاصة أن العناية بالكتاب أصبحت قليلة أو معدومة بعد أن زحفت الشبكة العنكبوتية، وأصبحت منافسة للكتاب، وأصبح الطلاب يحصلون على واجباتهم وتقاريرهم من خلالها، وهو عمل روتيني هم الطالب فيه إنجاز ما هو مطلوب منه دون إعمال عقله وفكره وقلمه، ودون الرجوع إلى الكتاب، أي أن طالبنا يتخرج من مدارسنا وهو زاهد في القراءة والاطلاع، وقلما قرأ كتاباً أو اطلع عليه، ولن يقرأ كتاباً بعد تخرجه من المدرسة، فإن الدراسات تشير إلى أن استهلاك الفرد العربي من الورق لا يزيد على 2كغم، واستهلاك الغربي يتجاوز الأربعين.

أما حالة القراءة والإطلاع على الكتب والمصادر في الجامعات، فهي في أدنى حدودها، بل دون المستوى المطلوب، وتجد كثيراً من الطلاب يتباهون بأنهم لم يدخلوا مكتبة الجامعة

سادساً: منع الشركات والمحلات التجارية، والإذاعات ومحطات التلفزة والفضائيات، من الإعلان باللغة العامية، أو استخدام التسميات الأعجمية، أو كتابة أسمائها بالحروف اللاتينية على مداخلها؛ لأن ذلك يقوي اللغة المستوردة، والثقافة الدخيلة على حساب اللغة الفصحى، والثقافة العربية الأصيلة، بل إن الأمر قد وصل إلى حدّ الاستخفاف بالعقلية العربية الأردنية الواعية المتنورة التي لا تتخلى عن الفصحى الجميلة، ولا ترضى بديلاً لها، ولا تقبل أن يتعدى على أهم مقوم من مقومات وحدتها مع أمتها، ألا وهو لغتنا.

ومما هالني أنني وفي طريقي من عمان إلى الجامعة الهاشمية، أدرت المذياع على إحدى المحطات المحلية، وطوال الطريق التي استغرقت نصف ساعة تقريباً، لم أسمع من المذيع الذي يتكلم باللهجة العامية اللبنانية وبعض العامية الأردنية كلمة بالعربية الفصحى، بل إن حظ العامية كان ضئيلاً مع الكلمات والعبارات الإنجليزية، والغريب أنه يذكر الكلمة بالعامية ثم يتبعها بالكلمات الدالة عليها باللغة الإنجليزية، أي أنه يقوم بترسيخ العامية، وتعليم الإنجليزية في آن واحد، وخاصة إذا علمنا أن أكثر مستمعي هذه المحطات من صغار الشبان والفتيات!

ومما هو لافت للنظر أن مثل هذه الإعلانات بالعامية، والكتابة بالحروف الأعجمية، لا تعبر عن رأي الأغلبية، بل هي انعكاس لثقافة فئة محدودة، تعيش في أحياء معينة من الوطن.

وقد حاول أحد الكتاب الأردنيين أن يفسر جذور هذه الظاهرة قائلاً: (... أقترح الفهم والتفسير التالي: يخاطبُ المعلنون بشكل أساسي، الشريحة البورجوازيّة الجديدة، الأكثر إنفاقاً من بقية المجتمع، والتي كانت قد استفادت من أجواء الخصخصة، والمضاربة، واقتصاد الخدمات، فتمكنت من الإثراء الفاحش والسريع خلال السنوات الماضية. ولذلك فهم يكلّمونها باللغة، التي أرادت أن تميز نفسَها بها عن غالبية الشعب)
().وبيّن أحد الدارسين خطورة الإعلان بالعامية، وأنه جسر موصل إلى انهيار حقيقي للسلطات اللغوية العربية، وأن عامل الربح والكسب المادي هو الدافع الحقيقي لمن يمارسون الاعتداء على حرمة اللغة الفصحى، يقول: (وينظر الإعلانيون، وأصحاب الشركات الإعلانية المنتجة الكبرى إلى الأعلى من زاوية عدد المشاهدين، والجذبِ والإغراء، والمردودِ المالي، فلا يعلنون إلا بما يتناسب وعادات الناس وحاجاتهم ولهجاتهم المحلية الضيقة. والمعلنون هم وجه سُلطانِ الإعلام الأقوى الخفي الذي لا يرضيه سوى سهولة إيصال الرسالة، بهدف المزيد من الأرباح، ومضاعفة دورة الاستهلاك)().

سابعاً: إلزام مدرسي الجامعات بتدريس المساقات الدراسية باللغة العربية، لأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في الأردن، وفقاً لمنطوق المادة الثانية من دستور المملكة الأردنية الهاشمية والتي تنص على أن (الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية). وأكد الميثاق الوطني الأردني على أن "للغة العربية هي لسان الأمة، ووسيلة التعبير عن هويتها الحضارية، وهي وعاء الفكر والعلم والقيم، وأداة نقل المعرفة، مما يتطلب الحفاظ على تطويرها....".()

ومما يؤسف عليه أن داء العاميات الكريهة قد عشش في غالبية الجامعات الأردنية علماً بأن الأردن من أكثر بلدان العالم في عدد جامعاته وزحف هذا الخطر حتى وصل إلى أقسام اللغة العربية ما عدا استثناءات قليلة.وقد تنبه منذ أشهر خَلت الدكتور خالد الكركي رئيس الجامعة الأردنية التي هي أمُّ الجامعات الأردنية إلى تلك الداهية الدهياء المتمثلة في استعمال العامية في الجامعة الأمر الذي يهدد هوية الأمة وأساس بقائها، وقال في رسالة وجهها إلى أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية في الجامعة: (... ولمّا كانت اللهجات العامية قد أخذت تتفشى في الآونة الأخيرة في الأوساط العلمية والثقافية والرسمية، حتى تسللت إلى ألسنة طلبة العلم وأساتذته، وحطت رحالها في جامعاتنا العزيزة، واستساغ كَثيرٌ من الطلبة وبعضُ أعضاء هيئة التدريسِ الحديثَ بها في قاعات الدرس، فأنه لابُد من التنبيه إلى أن انتشار هذه الظاهرة ينذر بكثير من المخاطر، فهي أولاً وأخيراً تتعارض مع رسالة الجامعة في الارتقاء بالمستوى الفكري والتعبيري والاتصالي للطلبة، والمضي بالمجتمع إلى آفاق رحبة من التطور والتميز، والاضطلاع بمسؤولية الحفاظ على الهوية الثقافية للأمة التي تشكل اللغةُ ركناً أساسياً من أركانها)

().

قلت: إن رسالة الكركي نابعة من قلب مفكر عربي مخلص للغة أمته التي تهددها العامية في أمنع حصونها، ألا وهي جامعاتها. وأقترح أن تكون هذه الرسالة برنامجاً ثقافياً لكل الجامعات الأردنية، وأن نتبع القولَ العملَ.

وعلاوة على ذلك، فإنه قد وضعت شروط جديدة لترقيات أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات، ومن أهم هذه الشروط اجتياز امتحان (التوفل) باللغة الإنجليزية.

قلت: أليس هذا من المفارقات العجيبة؟
نعم، إن إتقان لغة أجنبية مهم للباحث، ولكن من باب أولى أن يتقن لغته أولاً حتى ينجح في نقل فكره وعلمه إلى أبنائها.

ثامناً: التأكيد على عقد امتحان الكفاية لخريجي أقسام اللغة العربية من كل الجامعات الأردنية، حيث أجرت وزارة التعليم العالي قبل عدة سنوات هذا الامتحان، وكانت الوزارة تقوم بتشكيل لجان من كبار الأساتذة في الجامعات، تكون مهمتُهم تصميمَ الاختبار في اللغة، ثم يُجرى الامتحان، وتُعرف نتيجةُ كل طالب، ودرجته من بين المتقدمين.

وقد كشف هذا الامتحان عن نتائج خطيرة فيما يتعلق بمستوى الجامعات، ومستوى الطلبة، وحتى أعضاء الهيئة التدريسية في كل جامعة. واضرب مثالاً على ذلك: مادة العروض، أو الصرف، أو الصوتيات لها خمسة أسئلة من مائة سؤال، وعندما تكون نتيجةُ طلاب أحدِ أقسام اللغة في هذه المادة متدنية جداً في جامعة ما، فإن الخاطر الأول الذي يتبادر إلى الذهن من هو مدرس هذه المادة؟ وهل الذي درسها كان متخصصاً في هذا الموضوع؟

تاسعاً: إصدار التشريعات التي تحمي اللغة العربية من منافسة اللغات الأجنبية، وأن يكون هناك قانون يحمي لغة الأمة في أرضها العربية
وهو أقل المأمول

عاشراً: وضع دساتير أو قوانين للمكاتبات في دواوين الدولة بحيث تكون دالةً للكُتاب على أصول المكاتبات، وقواعدها ولغتها. وهو الأمر الذي كان معمولاً به في دواوين الرسائل والإنشاء في العهود العربية السالفة.

حادي عشر: تفعيل دور المؤسسات الأردنية وتشجيعها على نشر اللغة خارج البلاد، وهو الأمر الذي كانت تعنى به وزارة التربية والتعليم وغيرها من الوزارات في القرن الماضي، فقد وقفت على وثيقة موجهة من وزير الشؤون الاجتماعية والعمل إلى وزير التربية والتعليم بتاريخ 23/9/1968 نصها: "لدى زيارتي الرسمية الأخيرة لبريطانيا قمت بزيارة مؤسسة بستالوزي للأطفال التي تعنى [كذا] بأطفال اللاجئين والفقراء من مختلف جنسيات العالم، وقد وجدت قسماً كبيراً منها يحتوي (26) طالباً وطالبة أردنيين من اللاجئين والفقراء مع ستة معلمات أردنيات. ولما كان معظمهم مسلمين، وبحاجة لدراسة اللغة العربية والدين الإسلامي، فقد طلبوا مني أن نزودهم بعشرين كتاباً بالدين الإسلامي لمنهج الصف الثالث الإعدادي، وعشرين كتاباً لتدريس اللغة العربية بإرسالها إلى المعهد المذكور".

وقد قامت وزارة التربية بتلبية الطلب وإرسال الكتب المطلوبة، وفوق ذلك، فإنني قد وقفت على وثيقة مهمة تدل على عناية الحكومة الأردنية بنشر اللغة العربية في البلاد الإسلامية، والرسالة صادرة عن وزارة الخارجية ورقمها (16/9/6979)، ومؤرخة بـ 27/6/1951م، ومرسلة من وزير الخارجية إلى فخامة رئيس الوزراء، والرسالة عبارة عن تغطية لكتاب عبد المنعم الرفاعي (الوزير المفوض) أي السفير الأردني في باكستان، وموضوعها:"اللغة العربية في الباكستان" ومما جاء فيها: "تتمخض الباكستان اليوم عن مساعٍ مختلفة لاقتباس لغة رسمية للبلاد والدولة، وللغة العربية في الباكستان أنصار ومشايعون، وهذه حركة خطيرة ومهمة لو تقدرها الدول العربية حق قدرها؛ لأن تعميم العربية في الباكستان يعني تعريب ثمانين مليوناً من البشر ثقافة وقومية....الخ".

قلت: إن في مثل هذه المذكرات والتقارير والمراسلات أدلة دامغة على عناية الدولة الأردنية بالعربية ونشرها في خارج البلاد. والمأمول أن يتعمق هذا النهج في داخل البلاد وخارجها، وأن لا يسمح للهجات العامية وللغات الأعجمية بالتغول على حساب الفصحى، وخاصة الإنجليزية التي حذرت منظمة اليونسكو من خطرها على بقية لغات العالم. وإن نجاح حماية الفصحى لا يكون إلا بترسيخ الثقافة الشعبية التي تحملها، وقيام المؤسسات الإدارية والعلمية والأكاديمية التي تتبناها.

 

 

 

المصادر والمراجع

 

توفيق علي برو:

- العرب والترك في العهد الدستوري العثماني، ط1، معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة، 1960م.

الخزاعي التلمساني، علي بن محمد (ت 789هـ/1387م):

- تخريج الدلالات السمعية. تحقيق: أحمد محمد أبو سلامة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1981م.

رشيد رضا:

- مختارات سياسية من مجلة المنار. تقديم وتحقيق: وجيه كوثراني، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1980م.

الزركلي، خير الدين: الأعلام. ط4، دار العلم للملايين، بيروت، 1979م.

سعود قبيلات:

- مقالة عن العامية في جريدة الرأي الأردنية، الجمعة 25/7/2008م.

سمير الدروبي:- الترجمة والتعريب بين العصرين العباسي والمملوكي، ط1، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 1428 2007م.

-مقدمة في دراسة الترجمة والتراجمة في ديوان الإنشاء المملوكي. ط1، أمانة عمان، 1429هـ/2008م.

-من جهود المستشرقين في دراسة الأدب الإداري عند العرب ونشره. مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، السنة (20)، العدد (50)، 1416هـ/1996م.

سهيل صابان:

- المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية. ط1، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1421هـ/2000م.

عبد الله بن الحسين:

- الآثار الكاملة للملك عبد الله بن الحسين. الدار المتحدة للنشر، بيروت، بلا تاريخ.

علي الطنطاوي:

- ذكريات. ط2، دار المنارة، جدة، 1409هـ/1989م.

غازي محمد طلال عبد الله وآخرون:

- الثقافة العامة(المرحلة الثانوية، المستويان الأول والثاني). وزارة التربية والتعليم في الأردن، عمان، 2009م.

مجلة الضاد: العدد (27)، السنة التاسعة

نيسان-حزيران، 2009م.

محمد توفيق سنو:

- مجموعة القوانين والأنظمة. ط1، المطبعة الوطنية، عمان، 1934م.

ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم (ت 711هـ/1311م):

- لسان العرب. دار صادر، بيروت، بلا تاريخ.

الميثاق الوطني الأردني (كانون أول 1990م). وزارة الثقافة، عمان، 1990م.

نسيم الخوري:

- الإعلام العربي وانهيار السلطات اللغوية. ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005م.

الوثائق والمراسلات والمذكرات: اطلع الباحث على عدد كبير من هذه الوثائق في المكتبة الوطنية. وزارة التربية والتعليم وغيرها من المؤسسات وسمح له بتصوير بعضها، ومنع من تصوير بعضها الآخر.

 

التعقيبات والمناقشات

د. سعود عبد الجابر

يرى أنَّ الكتابة الفنية الأدبية من ناحية تاريخية، وإن كانت قد بدأت بداية حقيقية مع الإسلام ومنذ الدعوة، إلا أنَّ الكتابة الفنية الحقيقية قد بدأت مع عبد الحميد الكاتب ودعوته. فمن الأوْلى الإشارة إليه وخاصةً برسالته المعروفة الموجهة للكتَّاب وغيرهم .

وكان أيضاً، لعبد الملك بن مروان دور كبير في تعريب الدواوين، القضية التي كان لها الدور الكبير في مجال الكتابة.

وفيما يتعلَّق بموضوع الكتابة في الأردن وخاصةً أثناء الحكم العثماني يعتقد د. سعود أن الانحدار لم يكن فقط مع جماعة الاتحاد والترقِّي، وإن كانت هذه المجموعة المشبوهة أرادت تدمير الدولة من داخلها، وقد نجحت في أداء هذا الدور، وبسببها تأخَّر ركب التعليم في الأردن، فلم تتجاوز أعداد المدارس حتى قيام الإمارة عدد أصابع اليد الواحدة، ولم تكن هناك مدرسة ثانوية واحدة، وكلُّ هذا دليلٌ على تخلُّف امتدَّ لفترةٍ طويلة زمن الحكَّام العثمانيين .

ويرى د. عبد الجابر فيما يخص المرحلة الحالية في الأردن أن هناك لوناً من ألوان العيب اللغوي في الكتابة في مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا الحكومية والخاصة، وهذا ليس بحاجة لمدقق لغوي وحسب، وإنما بحاجة لقضية كبيرة تتمثَّل في روح المجتمع ورسالته ومحطَّاته المختلفة، وصحافته، وإعلامه المرئي وغير المرئي .

وفيما يتعلَّق بقضية تدريس اللغة العربية للأجانب الذين يقيمون في البلاد العربية يرى أن البلاد العربية يأتي إليها كثيراً من الأجانب، عاملين وطلاَّباً... الخ . وهؤلاء يجب أن يأخذوا نصيبهم من اللغة العربية.

والجامعات الأردنية والعربية تقوم بدورٍ كبير في هذا المجال، وخصَّ بالذكر الجامعة الأردنية التي ازدحم فيها الطلبة الأجانب حتى أنهم في المعهد الدولي يفكرون بإنشاء بناء جديد حتى يستوعب هذه الأعداد المتزايدة .

وعَرَّج على قضية الخادمات في البيوت اللواتي يلعبنَ دوراً كبيراً في تربية هذا النشء ولغته أيضاً، فهُنَّ يخاطبنهم باللهجات العامية أو بالفلبينيَّة والأندونيسيَّة... وغيرها.

أ.د. عبد الحميد الأقطش

تحدَّث فيما يتعلَّق بلغة الوثائق، إذ يرى أن الوثائق ليست على سواء، فالوثائق السياسية الرسمية والإدارية عندنا وعند غيرنا ستبقى لغة رسمية تُكتب بالفصيحة وخاليةً من الأخطاء . أمَّا الوثائق التي أصبحت اليوم ليست إدارية وإنما هي (سكرتاريا) بينما الوثائق التي تكون لحفظ ديون أو غيره، فيمكن كتابتها بالعاميَّة.

رد أ.د. سمير الدروبي

في معرض ردِّه على د. سعود عبد الجابر بداية ظهور الكتابة الحقيقية، يرى د. سمير أنَّ الرأي الشائع بين الناس هو ظهور الكتابة زمن عبد الحميد الكاتب وهذا امتدادٌ لرأي بعض المستشرقين الذين يردُّون الكتابة العربية في نشأتها الفنية لأصلٍ فارسي أو يوناني، ولكنَّ الثابت أن عبد الحميد الكاتب توفي سنة 132هـ وكانت الكتابة العربية قد نضخت، فعبد الحميد وابن المقفُّع هما إفرازٌ حقيقي لثقافةٍ عربية أصيلة نشأت في زمن الرسول (
) وامتدّت مع عصور بني أميَّة (وروح بن زنباع) رجل الدواوين الأول هو عربي من الأردن وكان له أكبر الأثر في الكتابة العربية . وقد درس أحد الكتَّاب القدماء لغة ابن المقفَّع، فوجدها مستمدَّة من الشعر الجاهلي والأدب الإسلامي والأموي . ولا أحد ينكر أن عبد الحميد الكاتب وابن المقفع هما أعلامٌ في الأدب . وكليهما رأس مدرسة وعبد الحميد الكاتب هو صاحب الرسالة المشهورة التي تعدُّ دستور الكُتَّاب.

ويؤيد د. الدروبي د. عبد الجابر فيما يتعلَّق بالاتحاديين وما اتخذوه من وسائل وأساليب شتَّى لمحاربة اللغة حتى أنهم جعلوا من هذه المحاربة السياسية الرسمية للدولة في المحاكم الشرعية والتعليم، حتى النحو العربي يدرَّس باللغة التركية وهنا كانت الخطورة .

وفيما يتعلَّق بتدريس العربية للطلبة الأجانب والخادمات يرى أن هذه قضيةٌ غاية في الأهمية، مع مراعاة أن يكون تدريس اللغة الفصيحة؛ لأنَّ الذين يدرسون في مصر يدرسونها بالعاميَّة المصرية وفي سوريا بالعاميَّة السورية وهكذا، فالخوف أن ينسحبَ هذا الأمر على تدريسنا العربية للأجانب في الأردن، فهؤلاء هم رسلٌ للعربية في الخارج .

ويرى أن الأغنية الهابطة تلعب دوراً كبيراً وخطيراً ومؤثِّراً في تراجع اللغة وضعفها عند أبنائنا.

ويرى أنه من الخطأ الكبير أن نكتب أي وثيقة أو مكاتبة رسمية بالعاميَّة، فمجرد ذكر أسماء الأشخاص أحياناً يُعتبر وثيقة رسمية ؛ لهذا يجب أن يجري قلم التحرير والتدقيق على كل رسالة، علماً بأن هناك وثائق رسمية صادرة من أعلى الجهات في الدولة، نجدُ فيها أخطاء لغوية ونحوية وبعضها صدر قريباً.

 

 

 

 

البحث

تسجيل الدخول

الأرشيف

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 42 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 2095
المحتوى : 858
عدد زيارات المحنوى : 2732899