مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

وضع اللغة العربية في عصر العولمة وتحدياتها

إرسال إلى صديق طباعة

وضع اللغة العربية في عصر العولمة وتحدياتها





الأستاذ الدكتور عبد العلي الودغيري
المملكة المغربية





الأربعاء 27 ذو الحجة 1432هـ- الموافق 23 تشرين الثاني 2011م





   تعرفُ الساحةُ الثقافيةُ نقاشاً مُتواصلاً حول وضع العربية في عصر العولمة المتعدِّد المخاطر، وآفاقِ مستقبلها الذي تكثُر حولهُ التَّكهُّناتُ السلبية والإيجابيةُ. وفي خِضَم هذا النقاش المُحتَدِم، يمكن أن نلاحظ من جهة أولى، وجودَ تيّارٍ ـ يمثِّلُه عددٌ من الكُتّاب والباحثين العرب ـ تصدرُ عنه دعَوَاتٌ مُخيفةٌ أحياناً، تتحدَّث عن انتحار العربية أو نَحرها تارةً، أو قُربِ مَوتها وانقراضها تارةً أُخرى(). وهناك في الجهة المُقابلة آراءٌ أُخرى مُتفائِلةٌ، ترى العربيةَ في خيرٍ وعافيةٍ، ولا داعِيَ لهذا القَلَق المُبالَغِ فيه، مع اعترافها بوجود عدد من التحدِّيات والعراقيل التي لا تُؤثِّر في مُجملها تأثيراً كبيراً على الوضع العام للغتنا، أو أنها يمكن التغلُّبُ عليها وحَسمُها مع الأيام. والحقيقة أن مرجع الخلاف بين وجهَتَي النظر هاتين قد يكمُن في نوعية المعايير التي يستعملها كلُّ منهما، وفي زاوية النظر التي ينطلقُ منها هذا الطرفُ أو ذاك. وفي أحيانٍ كثيرة قد لا تكون عند بعض من يخوضون في الموضوع أيةُ معايير أو مقاييس موضوعية، وإنما هنالك مجردُ انطباعات عامة تتكوَّن لديهم نتيجةَ مُلاحظاتٍ سريعة وعابرة، أو نتيجة مَيلٍ وعاطِفة، فتكونُ الأحكامُ ذاتيةً محضةً.
سيحاول هذا البحثُ أن يشُقَّ طريقَه في هدوءٍ بين هذين التَّيارَيْن من المُتفائلين جداً والمُتشائمين جدًا، ليقول كلمتَه حول وضع اللغة العربية في هذا العصر الذي يسمى عادةً عصرَ العولمة والتحدِّيات لكل اللغات العالمية الكبرى والصغرى وليس للعربية وحدَها. والهدفُ الذي جعلناه نُصبَ أعيُننا هو أن نحاول الإجابة عن مجموعة الأسئلة الآتية:
ـ هل اللغةُ العربية في أزمة حقيقية؟ وإذا كنت هنالك أزمة، فهل هي أزمةُ لغةٍ أم أزمةُ مجتمَع؟
ـ أين تتجلَّى مظاهرُ هذه الأزمة إن وُجِدتْ؟ وهل هي أزمةٌ داخليةٌ ناتجةٌ عن طبيعة العربية وخاصيّاتها اللَّصيقة بها والمُمَيِّزة لها، أم هي أزمة خارجيةٌ لا مسؤوليةَ لها فيها؟ ثم ما هي مخاطرُ هذه الأزمة ونتائجُها وانعكاساتُها، وأسبابُها وعواملُها؟
ـ ما هي الآفاقُ المستقبليةُ للغة العربية في ظل التحديّات التي تواجهُها؟ 
  1 ـ هل هنالك أزمةٌ ؟
يَلجأُ عُلماءُ اللسانيات الاجتماعية عادةً إلى جملة مُؤشّرات قياسية للجواب عن مثل هذا السؤال ومعرفة "وَزن" لغةٍ وثِقلها في فترة معيَّنة، واستخلاصِ ما يدلُّ على قُوتها أو ضَعفها. وأهميّتها بين اللغات الأخرى، وما يُتَوَقَّع لها في المُستقبَل من ازدهار أو ذُبُول وانحدار. وقد ازدادت الحاجةُ إلى استعمال مثل هذه القِياسات الموضوعية نسبياً ـ كما سنرى ـ وكثُر الحديثُ عنها بمناسبة اللَّغَط الشديد الذي صار حول ما سُمِّي بالخطر الذي يُهدِّدُ أغلبيةَ لغات العالَم، ولاسيما الصُّغرى والمَحلّية ولغات الأقلِّيّات، مما استدعى صُدورَ عدد من النِّداءات عن منظَّمات دولية (كمنظمة اليونسكو) وحُقوقية وإنسانية وتجمعات دولية (مثل الاتحاد الأوروبي). 
عددُ هذه المؤشِّرات التي يستعملونها لقياس وضع اللغات، قد يصل إلى العشرات أحياناً(). لكنها غيرُ موحَّدةٍ بين جميع الباحثين المُختصِّين وإنما تختلف باختلاف زاوية النظر التي ينطلقون منها أو الهدف الذي يريدون الوصول إليه، أو طبيعة البحث والموضوع الذي هُم بصَدَده. ورغم ما قُلناه، هنالك من المقاييس والمعايير ما يكادُ يكون الإجماعُ واقعاً حوله، مثل: عدد الناطقين باللغة ومُستعمليها ـ التوزيع الجغرافي للغة ـ عدد الدول التي تجعل من هذه اللغة أو تلك لغتَها الرسمية ـ معيار النموُّ السُّكّاني ونسبة الخُصوبة في المجتمع المُستعمِل للغة ـ الترجمة من اللغة وإليها ـ حَرَكيةُ اللغة أو ديناميَّتُها (استعمالها في السِّياحة والأعمال والتجارة والخَدَمات والمقاولات والبُنُوك والشركات والإدارة وإنجاز الدراسات...) ـ المعيار الاقتصادي (ويدخل تحته معدَّل الدَّخل الفردي والدّخل القومي الخامِّ للمجتمع المُستعمِل للغة، والمستوى المَعيشي لأفراد هذا المجتمع.. الخ) ـ مؤشِّر التنمية البشرية ـ المؤشّر الثقافي والعلمي (امتلاك المعرفة وإنتاجُها باللغة المَقيسة -عدد الكتُب والمكتبات ـ المطبوعات ـ الدوريات العلميةـ مراكز البحث..الخ) ـ استعمال الشابِكة والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصُل الاجتماعي ـ نسبة التَّمَدرُس ومَحو الأمية باللغة المدروسة - العامل اللساني (مَعيَرةُ اللغة وتَنميطُها وكتابتُها) ـ نسبة حضور اللغة في وسائل الإعلام ـ عدد المجالات التي تُستعملُ فيها اللغة ـ سلوك الدولة وأفراد المجتمع تُجاه اللغة (التخطيط اللغوي ـ التدخل لصالح لغة أو ضدها، ترسيمُها، تقويَّتُها أو تهميشُها، الاعتزازُ بها أو التفريطُ فيها...). وهناك مؤشِّر الهيمنة العسكرية وما يتبعها وينتجُ عنها، لما له من دور ملموس في انتشار لغة معيَّنة وتوسُّعها أو في تراجعها وانحسارها()... إلى غير ذلك من المؤشرات الأخرى(). وقد انتقَى تقريرُ الخبراء الصادر عن منظمة اليونسكو عام 2003 حول حيوية اللغات واندثارها، تسعة معايير ـ من جملة ما هو مُتداول بين المتخصِّصين ـ لقياس حَيويّة لغةٍ من اللغات ومقدار قُربها أو ابتعادها عن خطر الانقراض، سنأتي على ذكرها لاحقاً.
وبجانب هذه المعايير والمؤشِّرات التي يستعملها علماءُ اللسانيات الاجتماعية، هناك معاييرُ أخرى استبعدوها من مجالات الدراسة العلمية، وهي تلك التي يمكن إدراجُها جميعاً تحت عنوان (أحكام القيمة الذاتية أو العاطفية)، كالقول بصعوبة لغة أو سُهولتها مقارنة مع غيرها، أو وُضُوح لغةٍ ودقَّتها في التعبير أكثر من غيرها، أو جمالية هذه اللغة وامتلاكُها لصفات فطرية لصيقة بها لا تمتلكُها الأخرى. فما هو من قبيل هذه المعايير لا يصلح أن يُستعملَ لمقارنة وضع لغة أو وزنها بوضع لغات أخرى.
الآنَ، إذا رجعنا إلى سؤالنا الأساسي: هل العربيةُ في أزمة؟ واحتَكَمنا إلى جملة من هذه المعايير والمؤشِّرات التي أشرنا إليها، وركَّزنا بصفة خاصة على المقاييس والمعايير الكَمِّية، لتشخيص حالتها في مرحلتنا الراهنة، لوجدنا أن أغلبها -أو الأهمَّ منها على الأقل- يُظهر بكل جلاءٍ أن العربية في حَيوية ونشاطٍ ملحوظين: الدماءُ تجري في عروقها بشكل عاديٍّ، ونَبُضُها طبيعي، وسُحنَتُها لا تُنبئُ بما هو خطيرٌ، وكذا مُجملُ "الكُشُوف"و"الصُّور"الخارجية، لا تدل على وجود عِلة قاتِلة. إنها ـ بصفة إجمالية ـ في صحة وعافية، ولاسيما عند مقارنتها مع آلاف اللغات الأخرى. 
فنحن لو استعملنا ـ مثلاً ـ في قياس "وزن"العربية، مؤشِّرَ عدد الناطقين بها في العالَم، لوجدناها بكل تأكيد، في الصفِّ الأمامي ضمنَ كوكبة العَشر الأوائل من اللغات الكبرى التي تُهيمِنُ على باقي لغات الكَون البالغ عددها قرابة سبعة آلاف لغة(). وبعضُ الدراسات تبيِّن أن اللغات الستَّ المُعتمَدة في هيئة الأُمَم المتحدة (والعربيةُ واحدةٌ منها)، تحتكر وحدَها نسبة 42% من عدد سكان العالَم، مما دفَع بعضَهم إلى اعتبار هذا التوزيع اللغوي العالَمي غيرَ عادلٍ، والمطالبة بإقامة نظام لغوي عالمي جديد على غِرار المطالبة بنظام اقتصادي عالمي جديد، ونظام إعلامي عالمي جديد. 
ورغم أن مقياس عدد المتكلِّمين أو المُستعمِلين ليس وحدَه المعيارَ الكافي للحُكم على مكانة لغةٍ أو قوَّتها ووزنها الحقيقي ـ كما أشرنا من قبل ـ وأن هناك مقاييسَ أخرى كثيرةً يجب أن تُضاف إلى المقياس الكَمِّي، حين الحُكم الموضوعي على وزن كلِّ لغة، إلا أنه يبقى أحدَ المؤشِّرات الدالة على وضع اللغة في فترة معيّنة ومَدى تقدّمها وانتشارها أو تراجعها وتقلُّصها. فكثرةُ استعمال العربية ـ مثلاً ـ وكونها تحتلُّ اليوم تلك المرتبةَ المتقدمة بين اللغات العشر الأولى في العالَم، لهما دليلٌ واضِحٌ على حيويتها ومُرونتها وقُدرتها المستمرة على المقاومة والمُنافَسَة والتكيُّف مع الواقِع، رغم كلِّ الصعوبات والتحدِّيات التي تواجِهُها، ومؤشِّرٌ ـ لا يُمكنُ تجاهلُه ـ على أنها ما تزالُ تتمتَّع بقُوة جَذبٍ هائلةٍ. وتلك مزايا لا تتوفَّر إلا لعدد قليلٍ من لغات العالَم. ولولا ذلك لكانت قد أصبحت في جملة اللغات المهدَّدة بالموت والانقراض().
ومهما يكن، فإن أغلبية الإحصائيات والبيانات الخاصة بعدد مُستعمِلي لغاتِ العالَم فيما اطلعنا عليه()، تُبيِّن بجلاء أن مرتبة العربية بين اللغات الإنسانية تتأرجحُ ـ وفق هذا المعيار ـ بين الثانية()  والثالثة() والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة. وقد تتأخر إلى التاسعة، ونادراً ما تأتي بعد هذه المرتبة. والسبَبُ في هذا الاختلاف بين مصادر المعلومات يرجع إلى أمور منها: أ) التفاوُت بين تواريخ إجراء الدراسات والإحصاءات أو نشرها(). ب) عدم وجود إحصاءات لغوية دقيقة في أغلب الدول المعنية يمكن الاعتمادُ عليها. ج) اختلاف المعايير في إحصاء عدد المُستعملين للعربية الذي يتفاوت (حسب المصادر) ما بين 186 و 422 مليونٍ، وقد يزيد العددُ أو ينقُصُ. فهناك مثلاً من يقتصر في إحصائه على الناطقين السَّليقيّين الذين يستعملون العربيةً لغةً أُولى، ومَن يُضيف إليهم مَن يستعملُها لغةً ثانية. وهناك مَن يقتصرُ على سُكان الدول العربية المُنخرِطة رسمياً في الجامعة العربية، وعددُها اثنتان وعشرون دولة، ومَن يُخرِجُ من هذه المجموعة العربية ثلاثَ دول وهي الصومال وجيبوتي وجزر القَمَر، باعتبار أن الناطقين فيها بالعربية قلةٌ قليلة، ومن يَزيدُ عليها دولاً أخرى تتَّخذُ العربيةَ لغةً رسمية أو وطنية (إيريثيريا ـ تشاد ـ إسرائيل)، وقد يتوسَّعُ آخرون فيُضيفُون دولاً فيها أقلِّياتٌ عربيةٌ أو مُعرَّبة مُعتبَرةٌ(). وإن كان هؤلاء الذين يتوسِّعون هم أيضاً لا يأخذون في الاعتبار العدد الحقيقي لمُستعملي العربية الموزَّعين عبرَ مناطقَ أخرى من العالَم، ولاسيما العالَم الإسلامي الذي عرَفَ في العُقود الأخيرة إقبالاً مُنقَطِعَ النَّظير على تعلُّم العربية وحِفظ القرآن وفتح المئات من المدارس العربية وعدد آخر من الجامعات وأقسامِ الجامعات التي تُعنَى بالعربية والثقافة الإسلامية. ومن المعلوم أن العربية تنتشرُ أُفُقياً حيثما انتشرَ الإسلامُ وحيثما وُجِدَ المسلمون. 
أما إذا قارَنّا وضعَ العربية ببقية اللغات الكبرى المُستعمَلة في البحر الأبيض المتوسط، لوجدناها تحتل المرتبة الأولى بلا منازِع من حيث عدد الناطقين بها. وهذا ما يستطيع كلُّ شخصٍ أن يستنتجه بكل بساطة بمراجعته لمجموع سكان دول المنطقة. لكن لوي كالفي في دراسة له خاصة حول الموضوع، وضع قائمتين ترتيبيَّتين للغات المتوسِّطية التسع (العربية، الفرنسية، التركية، الإيطالية، الإسبانية، اليونانية، العبرية، القَطلانية، المالطية) وخرج في كل واحدة منهما بنتيجة مختلفة. ففي الأولى (حين لا تُعتبر الإنجليزيةُ من لغات المنطقة) نجد أن الفرنسية هي التي تحتلُّ الرتبة الأولى وبعدها تأتي العربيةُ في الترتيب. وفي الثانية (حين إدخال الإنجليزية ضمن لغات المنطقة) تحتلُّ العربيةُ الرتبة الأولى وبعدها الفرنسيةُ. ونحن في الحقيقة لا نرى كيف أمكنَ أن تحتل الفرنسيةُ (في الحالة الأولى) الرتبةَ الأولى بين لغات حوض المتوسط مع أن مجموع سكان فرنسا لا يزيد عن 65 مليوناً، وسكانُ مصر وحدها يزيد عن ثمانين مليوناً(). كما لا ندري كيف اعتُبرت الإنجليزيةُ (في الحالة الثانية) من لغات البحر المتوسط مع عدم وجود دولة واحدة تستعملها لغةً أولى أو رسمية. 
وباللجوء إلى مقياس آخر من المقاييس المُعتمدة، وهو عددُ الدول التي تستعمل هذه اللغة أو تلك لغةً رسمية لها (أولى أو ثانية). سنجد اللغة العربية أيضاً تحتلُّ مرتبةَ ثالثِ أكبر لغة بهذا الاعتبار. فهناك خمسٌ وعشرون دولة تستعملها لغةً رسمية (22 دولة عربية يُضاف إليها كلٌّ من إسرائيل وأريتيريا وتشاد). وترتيبُها هذا يأتي مباشرة بعد الإنجليزية (45 دولة) والفرنسية (30)(). وإذا كان هذا المقياسُ صالحاً لكي يُعتمَد من ناحيةً أخرى في معرفة مدى الانتشار الجغرافي للغة المدروسة، مما يقوِّي وزنَها ويُدعِّم وضعَها، فعلينا أن نعود للتذكير بالملاحظة السابقة وهي إغفالُ الباحثين ـ عرَباً وغيرَ عربٍ ـ لمساحاتٍ جغرافيةٍ شاسعة ودولٍ كثيرة غير عربية تُستعملُ فيها لغةُ الضاد بين أوساط الجاليات والأقلّيات العربية والمُسلِمة(). أما عن الدول الإسلامية التي تعتبر العربيةَ لغةَ قُرآنها وشريعتها وتَعبُّدها وصَلاتها، فنحن نسأل: لماذا لا يقع الاهتمامُ بدراسة وضع هذه اللغة في 35 دولة أخرى غيرِ عربية كلها منخرطة في منظمة المؤتمر الإسلامي؟ ولماذا لا يُهتَمُّ أيضاً بوضع العربية في غيرها من الدول ذات الأقليات الكبيرة من المسلمين كروسيا والصين والهند التي يُقدَّرُ عددُ المسلمين فيها بالملايين؟ ومن شأن إغفال هذه المساحات الجغرافية والمجالات الواسعة التي تُستعملُ فيها العربيةُ بشكل أو بآخر، أن يحجُب عنّا كثيراً من الأرقام والحقائق التي لا تكتمل بدونها صورةُ انتشار العربية في العالَم. 
ولو جمعنا مقياسَ الانتشار الجغرافي ومقياس عدد المتكلِّمين أيضاً، ونظرنا إلى نتيجة ذلك في القارة الإفريقية على سبيل المثال، لوجدنا أن العربية هي اللغة التي يتكلَّم بها ثُلثُ سكان هذه القارة (والثُّلُثُ كثيرٌ) باعتبارها لغةً أولى أو ثانية. وبحُكم أن حوالي نصف سُكان هذه القارة مسلمون، فهي إذن تَهُمُّ هذا العددَ الهائل من السُّكان الذي وصل تَعدادُه عام 2008م حسب تقديرات منظمة الوحدة الإفريقية إلى مليار ومئة مليون (1.1) نسمة()، وإن لم يكونوا جميعاً يتكلمونها. وبمقارنة العربية مع اللغات الإقليمية الأكثر انتشاراً في القارة، نجدها تحتلُّ الرتبة الأولى بلا مُنازِع، وبعدها تأتي السواحيليةُ والهَوسا والفُلاّنية وبقية اللغات التيُ يُقدَّرُ مجموعُها بحوالي ألفي (2000) لغة (). 
وباستعمال معيار جديد، وهو وضعُ اللغة في الهيئات والمُنظَّمات الدولية، سنجد أن العربية تُعَدُّ من بين اللغات الستِّ المُعتمدة رسمياً في هيئة الأُمم المتحدة وكلِّ الهيئات والمنظمات المتفرِّعة عنها مثل اليونسكو ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية وغيرها. ومجموعُ متكلِّمي هذه اللغات السِّتِّ يَشكِلُ وحده نسبةَ 42 % من سكان العالم كما أشرتُ سابقاً. يُضافُ لذلك أنها لغةٌ رسميةٌ أيضاً في هيئات إقليمية أخرى كمنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة دول الساحل والصحراء، وكل الهيئات المتفرِّعة عنها، كمنظمة الألكسو والإيسيسكو وغيرهما. وإذا كانت المقارنةُ التي تمَّت بين استعمال هذه اللغات الست، ما بين 1992 و1999م، قد بيَّنَت أن العربية تَراجعَ استعمالُها في الأمم المتحدة بنسبة ضئيلة (من 10.9 إلى 9.5 %)، فإن هذا التراجع في الحقيقة لم يكن خاصاً بالعربية، وإنما شمَلَ كلَّ اللغات الأربع الأخرى أمام تقدُّم الإنجليزية. فالفرنسية تراجعت بنسبة خطيرة (من 18.9% إلى 13.8%) )، والإسبانية (من 12 إلى 10%)، والروسية (من 4.2% إلى  2.1%). ولذلك التراجع في الاستعمال العامِّ لكل اللغات الخمس (باستثناء الإنجليزية) له أسبابُه الواضحة وأهمُّها تَصاعدُ عدد الدول المُنخَرِطة في الأمم المتحدة بين العامين المذكورين، إذ انتقل العددُ من 164 إلى 188(). وهذه الدول الجديدةُ أغلبُها تُفضِّل استعمالَ الإنجليزية على غيرها. أما عددُ الدول العربية فظل بين الفترتين جامداً لأنه لم تُضَف أيةُ دولة إلى هذه المجموعة.
ووضعُ اللغة في الشبكة العنكبوتية العالَمية أصبح اليوم من أهم المقاييس التي يُلجَأُ إليها في الحُكم على مكانة هذه اللغة وقياس مدَى حيويّتها وتكيُّفها وتطوُّرها مع مُستجدّات العصر، لدرجة أنه أصبح يُقالُ: كلُّ لغة في هذا العصر "ليس لها حضورٌ في الإنترنت (...) تُعَدُّ خارجَ نطاقِ الحركة تماماً. أي أنها بعبارة واحدة تُعتبر غيرَ موجودة"(). ورغم أن دخول العربية إلى الشابِكة ومُحرِّكات البحث المشهورة ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، ما يزالُ طَريّاً جداً، ولم تمضِ عليه سوى سنواتٍ قليلة، إلا أن سُرعة انتشار استعمالها، ربما أدهشَ الكثيرين. فهي اليوم أصبحت، من هذه الناحية، تحتلُّ موقعاً متقدِّماً بين اللغات العشر الأوائل في العالَم، وتختلفُ رتبتُها ـ في الأغلب ـ بحسب اختلاف المصادر والمعايير المستخدمة في الإحصاء، من السابعة إلى التاسعة، وقد تتأخر عن هذه الرتبة قليلاً() حسب تقديرات أخرى. لكنها بالتأكيد ماضيةٌ نحو كَسب المواقع المتقدمة خلال الأعوام القادمة كما تدلُّ على ذلك التوقُّعات المستقبلية التي سنعود إليها في ختام هذا البحث. ولا أدل على ذلك من كون المعلومات المنشورة في هذا الموضوع لا تتضمَّن إحصاءات 2011م الذي شهد بكل تأكيد ارتفاعاً كبيراً في عدد مستخدِمي الشابكة ومواقعها، بفعل عوامل كثيرة منها ما أصبح يُعرَفُ باسم "الربيع العربي"الذي اعتمد شبابُه أساساً على الشابِكة والمواقع التواصلية الاجتماعية. ومن الأدلة على ذلك ما ورد في تقرير وكالة رويترز. وهو أن عدد مستخدمي (الفيسبوك) في العالم العربي وصل في شهر غشت 2011م ما يقرب من 32 مليون مستخدِمٍ بمعدل نُموّ قدرُه في الوطن العربي، خلال الربع الأول من العام نفسه، 50%، وأن مصر وحدها أضافت أربعة ملايين مُستخدِم منذ بداية 2011م. كما ارتفع عددُ مستخدمي (تويتر) في الوطن العربي خلال الربع الأول من العام نفسه بشكل لافِتٍ جداً(). وفي الوقت نفسه صرَّحت الرئيسةُ التنفيذية لشركة (ياهُو) في بداية صيف 2011م أن شركتها أصبحت تُدرك وجودَ فُرَصٍ هائلة في المنطقة بفضل نموُّ استعمال الشابِكة، واعتبرت الأسواقَ العربية في هذا المجال أسواقاً واعِدةً "فخلال عام واحدٍ من شراء (ياهو مكتوب) ارتفعَ عددُ المستخدمين في المنطقة من 30 مليون شخص إلى 50 مليوناً، وأصبحت صفحة (ياهو مكتوب) العربية في نوفمبر الماضي (2010) خامسَ أكثر صفحات (ياهُو) الرئيسةِ شعبيةً في العالَم حالياً"(). وحسب ما جاء في أحد المواقع التي أوردت تصريح مديرة (ياهُو)، فإنه بعد ستة أشهر على إطلاق الصفحة الرئيسة لموقع (ياهو مكتوب) بالعربية، أصبحت هذه الصفحة هي ثاني أكبر وجهة إخبارية في المنطقة العربية بعد موقع (الجزيرة) الإخباري.
ومن الشواهد والأدلة الكثيرة في هذه النقطة، ما ورد في تقرير عن موقع (هِسْبريس) المغربي الذي ينشر مقالاته وتقاريره بالعربية ـ ويُقال إنه أكبرُ موقع إلكتروني في المغرب ـ وهو أن عدد زُوّاره يناهزُ 1.600.000 شهرياً، وأنه بهذا العدد اليومي من الزُّوار يتجاوز عددَ النُّسخ المطبوعة يومياً (وليس المَبيعة) لجميع الصُّحُف المغربية. وبذلك يكون هذا الموقع المغربي الذي مضى عليه أقلُّ من أربع سنوات (تأسس عام 2007)، قد أصبح في سرعة فائقة من المواقع التي تُعدُّ مرجعاً عالَمياً والبالغِ عددُها 31 ألف موقع إلكتروني عالمي(). 
وإذا كانت الفقرةُ السابقةُ قد تحدثت عن موقع العربية في نوع جديد من وسائل الإعلام، وهو الذي يمكن أن نسميه بالإعلام الإلكتروني أو الإعلام الضَّوئي، فهناك مقاييسُ أخرى يمكن استعمالُها لوزن قيمة مختلف اللغات في العالَم في الوسائل الإعلامية التقليدية كالصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية. فمن المؤكَّد أن وفرة الصحف المطبوعة والإذاعات المسموعة والقنوات الفضائية وانتشارها وتعددّها بلغة معيَّنة، يُعدُّ من أهم المعايير التي تُستعمَل في تقويم لغةٍ من اللغات الحيَّة. ولنكتَفِ الآن بقياس العربية عبر عدد المحطات الإذاعية العالمية. فمن خلال إحصاء أُنجِزَ على عيِّنة محصورة في 115 إذاعة تبثُّ بمختلف اللغات عبر العالَم، اتضحَ أن العربية تحتلُّ فيها الرتبةَ الرابعةَ بعد الإنجليزية والفرنسية والرُّوسية (كالفي 2010). ولا شكَّ أننا لو أضفنا إلى هذا عددَ ما يصدر يوميا وأسبوعياً وشهرياً من الصُّحف والمجلات العربية المكتوبة في كل أنحاء العالَم العربي وخارجَه أيضاً، وعدد القنوات التَّلفَزية المُستعمِلة للعربية التي تبثُّ بواسطة الأقمار الصناعية أو بغيرها، وعدد ساعات بَثِّها، سنجد أن وضع العربية في كل هذه المجالات الإعلامية، من حيثُ الكمُّ على الأقل، عدداً وافِراً جداً ومؤشِّراً قويّاً على حضور هذه اللغة المُتزايد في مختلف وسائل الإعلام الدولي. فبفضل هذه الوسائط الإعلامية وصلت العربية إلى أقصى نقطة في العالَم.
وهنالك معيارٌ آخر عادةً ما يُستعملُ في قياس وزن اللغات، وهو نسبة خُصوبة المجتمع المُستعمِل للغة المدروسة، لأن عامل النموُّ السُّكانيِّ (كثرةُ التناسُل أو قلَّتُه) مُهمٌّ في دراسة مستقبل اللغات ومدى نموّها أو تراجعها. ومن الظواهر المعروفة في العالَم العربي (والإسلامي أيضاً)، أن نسبة التوالُد فيه عاليةٌ. وهذا ما يجعلُ لغتَه العربية في حياةٍ متجدِّدة ومستمرة وأبعد ما تكون عن شبح الانقراض أو الموت. ولا شك في أن نتائج الإحصاءات التي رأينا نماذجَ منها في الفقرات السابقة، قد أوضحت أن أحد أهم أسباب احتلال العربية لتلك الرُّتَب المتقدمة بين بقية لغات العالَم هو هذا العاملُ الذي نتحدثُ عنه.
وأخيراً، لا بد من التذكير بالمكانة الخاصة التي تحظى بها العربيةُ في نفوس كل المسلمين من عرب وغيرهم، وهو ما يمنحُها سَنَداً قوياً لا تتمتَّع به لغةٌ أخرى من اللغات الحية، ويُضيف مؤشّراً آخر على قوة حُضورها ووضعها الجيّد.  
هذا إذن، هو وضع العربية بين كبريات لغات العالَم إذا احتكمنا إلى كل معيار على حدة، أما لو أردنا أن نعرف مكانتَها باستعمال طريقة أخرى، وهي الجمع بين عدد من المؤشِّرات، لوجدنا هذه اللغةَ لا تخرجُ أيضاً عن صفِّ اللغات العشر الأوائل في العالَم. 
ففي دراسة سابقة نشرها لوي كالفي، وقد لجأ فيها لاستخلاص وضعية اثنتَي عشرة لغة هي الأولى في العالَم، من خلال الجمع بين المعايير الثلاثة الآتية: 
ـ ترتيب هذه اللغات حسب عدد الناطقين بها.
ـ ترتيبها حسب التطوُّر المتوقَّع لعدد السكان.
ـ ترتيبها حسبَ اعتبارها لغاتٍ رسميةً للدول المُستعملة لها.
وجدنا أن العربية تحتلُّ في المُحَصِّلة الرتبةَ الثالثة (بعد الإنجليزية والإسبانية وقبل الفرنسية التي احتلت الرتبة الرابعة) في درجة متساويةٍ مع الصينية().
وفي دراسة أخرى نشَرها المجلسُ البريطاني 1997م، قام المُشرِف عليها وهو اللغوي الإنجليزي دافيد جرادول، باستخلاص وضعية 12 لغة كبرى في العالَم سنة 1995 وضِمنَها العربية، باستعمال منهجٍ خاصٍ يعتمد على الجمع بين خمسة معايير كبرى وهي: 1) العامل الاقتصادي (مدى قوة اقتصاد الدولة أو الدول التي تستعمل اللغة اعتماداً على مؤشِّر الدخل الوطني الخام). 2) نسبة النموُّ السُّكّاني في المجتمع اللغوي، ويرتبط به عاملٌ آخر هو نسبة التَّمدُّن والهجرة من القرى إلى المراكز الحَضَرية الكبرى لما لذلك من تأثير على التغيُّر اللغوي. 3) اختفاء اللغات أو موتها وأثره على تعدد الألسنة. 4) عامل التنمية البشرية الذي يرتكز بدوره على عدد آخر من المؤشرات كنسبة التعليم ومستوى المعيشة ونوعية الحياة.
والنتيجة العامة التي وصل إليها صاحبُ الدراسة هي أن العربية تحتل            - بالجمع بين كل هذه المعايير وإدماجها في بعضها واستخلاص المعدل العام منها- على الرتبة السابعة بعد الإنجليزية والألمانية والفرنسية واليابانية والإسبانية والصينية، على التوالي().  
 2 ـ أين الأزمةُ إذن؟   
كلُّ هذه المقاييس والمؤشِّرات السابقة، بيَّنَت بما لا غُموضَ فيه ولا لبس، أن العربية في مرحلتنا هذه ـ مرحلة الصراع الحضاري والثقافي، ومرحلة الهيمنة الغربية على كل المجالات الثقافية والإعلامية واللغوية فضلاً عن المجالات الاقتصادية والمالية والعسكرية، ومرحلة العولمة الكاسِحة بكل تحدِّيّاتها وتهديداتها ـ تعيشُ حياةً طبيعيةً من النشاط والحيوية والقدرة على المُنافسة الشّرِسة وفرض الوجود في كل المجالات. وأنها بأكثر المقاييس استعمالاً، تحتلُّ مرتبةً متقدمة، ربما لم يكن الكثيرون يتوقَّعونها، بين كُبريات اللغات المُسيطِرة على العالَم، وتتقدَّم على كثير منها (كالفرنسية مثلاً) في عدد من الحالات وكثير من المجالات، ولاسيما حين نجمع بين كل المؤشِّرات المذكورة. 
إذا كان الوضعُ على ما هو عليه، فأين المُشكِلُ إذن؟ أين تتجلَّى أزمةُ العربية ومشاكلُها والتحدِّيّاتُ الكبيرة التي عادةً ما نجدُهم يتحدثون عنها بمرارة وحَسرة ويُحذِّرون الناسَ منها ويُثيرون المخاوفَ والرُّعبَ حولَها لدرجة توقُّع الموت والانقراض والانتحار للعربية؟ 
لا يمكننا أن نُجيب عن هذا السؤال/ الأسئلة بالقول: إن كلَّ ما يتحدثون عنه من مخاوف ويتوقَّعونه من مخاطر، إنما هو مجرَّدُ أوهامٍ ومُبالغاتٍ وتهيُّؤات لا أساسَ لها من الصِّحة ولا وجود لها في عالَم الواقع. دَعنا نفكِّرْ في الأمر مَلِيّاً. ودَعنا أيضاً نَرجِعْ إلى نتائج تلك الإحصاءات والمعلومات الموزَّعة على مصادر مختلفة، لنتفَحَّصها ونتأمَّل فيها قليلاً. إذ ذاك سنرى أن مُشكلة العربية ليست مُشكلةَ انتشار وامتدادٍ أُفُقيٍّ أو جُغرافيٍّ، وليست مشكلةَ كمٍّ وعدَدٍ. وإن كانت لنا، حتى من ناحية الكَمِّ، أرقامٌ ومعايير أخرى تُبيِّن الثَّغَراتِ وأوجهَ النَّقص والخلَل التي لم نلتفت إليها ونحن في نَشوة الفَرَح بما لدينا من عدد وفيرٍ من مُتكلِّمي العربية ومُستعمليها وعدد الدول التي تجعل منها لغةً رسمية، والمنظمات الدولية التي تعتمدُها، والمساحة الجغرافية التي تمتدُّ عليها، والإذاعات والقنَوات التَّلفزية التي تَبُثُّ بها، وعدد مُستعمِلي الشابكة ومُتَصَفّحيها، والمكانة الإجمالية للعربية بين بقية لغات العالَم باعتبار تلك العناصر كلِّها.
حين نغرَقُ في التفاؤل بما تُمِدُّنا به المعاييرُ والمؤشِّرات الكمّية السابقة من أَخبارٍ مُبَشِّرة ومُريحة، ننسى أن نطرح على أنفسنا أسئلةً من نوعٍ آخر ربما قد يكون في الجواب عنها ما لا يُريحُنا وما لا نُريدُ سَماعَه. بل قد ننسى أصلاً أن الأسئلة السابقة ليست هي كلَّ الأسئلة المُمكِنة. وإذن، لا بُدَّ أن الأجوبةُ المُحصَّل عليها ليست هي كلّ الأجوبة الكافية لإقناع الجميع بسلامة وضع العربية في المرحلة الراهنة والاطمئنان عليها في المستقبل، وليست وحدها القادرةَ على رسم جوانِبِ الصُّورة من كلِّ أبعادها. هنالك بالتأكيد معاييرُ أخرى لم نستعملها ولم نطَّلع على نتائجها. وهناك بقيةُ أسئلةٍ لم نطرحها ولم نُجِبْ عليها. 
أُعطي أَمثلةً:
حين تحدثنا عن الانتشار الواسع لعربيَّتنا التي قد يكون عددُ مُستعمليها تجاوزَ الأربَعَ مِئةِ مليونِ شخصٍ أو قارَبَ الخَمسَ مِئةٍ في القارات الخمس، وعن وضعها الوازِنِ  والمرموق بين كافة لغات العالَم الكُبرى في المجالات التي ذكرناها آنِفاً، كان علينا ـ لكي تكتمل أمامنا الصورةُ ـ أن ننتظر الجواب على بعض الأسئلة الأخرى وإن كانت مُزعِجةً وحارِقة. وأولُها أن نسأل: عن أيةُ عربية نتكلّم؟ هل نتحدث عن العربيةُ الفُصحى المُشتركة أم عن العربية المَحلِّية اللَّهَجية، أم عن العربية بصفة عامة بمستوياتها المتعدِّدة من فصيحة وعامية، أم عن هَجينٍ ممسوخٍ فيه من كلِّ لغة ولهجةٍ أَمشاجٌ وأخلاطٌ؟ وما هي أخطارُ انشطار العربية إلى فروع ولهجات عديدة ومتباعدة على مستقبل هذه اللغة؟ إن السؤال الذي يبحث عن مَدى تَماسُك اللغة (وهو علامةُ قوة) أو تفكّكِها وانحلالِها إلى لَهجات ثم إلى لُغَيّاتٍ مُتنافِرة ومُتباعدة فتكون مصدرَ تهديدٍ لوحدة اللغة ومستقبلها (وهو علامة ضعف)، لهو سؤال على درجة كبيرة من الأهمية، يستحقُّ الإجابة، كما يستحقُّ أن يكون على رأس أهم المؤشِّرات لقياس وزن اللغات ومدى قُوتها أو ضَعفها مُستقبَلاً.
سؤال  آخر: ما مدى سيادة اللغة وبَسط نُفوذها داخلَ أوطانها، وتَغَلغُلها في أجهزة الدولة وطبقات المجتمع، وقُدرتها على فرض وجودها في كل مرافق الحياة العامة والخاصة؟ وبالتالي: ما هو وضعُها الصِّحِّي داخلَ مُناخ الثُّنائية غير المُتكافئة الذي يكادُ يخنِقُها بهوائه الفاسد، وفي بيئة التعدُّدية اللغوية المُلَوثَّةِ القاتِلة؟ وما درجةُ استقرارها واطمئنانها على حاضِرها ومُستقبلها وقدرتها على المقاومة والتحدِّي، والحالُ أَنها مُحاصَرةٌ بحِرابِ هذه اللغات المُتربِّصة بها من كل جانب، تُقاسِمُها المَسكنَ، وتُنازِعُها البَقاءَ، وتُزاحِمُها على مراكز النُّفوذ داخلَ مجالها التُّرابي، بالشارِعَ والمَعملَ والمدرسة. وتُنافِسُها في مجالات التعليم والإدارة والاقتصاد والتجارة والصناعة والمقاولات والبُنوك والشركات والتكنولوجيا والإعلام والفنون وغيرها من المجالات الحيوية؟ ما أخطارُ ذلك إذن في الحال والمآل على لغة الضاد؟ ما وضعُ العربية في مواجهة تحديات العولمة وسَلبياتها وتهديداتها للغات؟ أو بعبارة أخرى: ما هو وضعُها في الصراع الدائر بين العولمة اللغوية التي ترفع شعار الأُحادية اللسانية (لصالح الإنجليزية) من جهة، وبين الدعوة إلى التعدُّدية المتوحِّشة والثُّنائية المفروضة عليها من قوى أجنبية أخرى مُهيمِنة، من جهة أخرى؟
سؤالٌ ثالث: إذا كانت اللغةُ أساسَ الهُوية، فما مدى اعتزاز أهل العربية بلغتهم وتشبُّثهم بها، وحرصهم على المحافظة عليها وتطويرها وتنمَّيتها؟ وإلى أيِّ حدٍّ ما تزالُ الشُّعوبُ العربيةُ أو الناطقة بالعربية تعتبر هذه اللغةَ جزءاً أساسياً من هُويّتها وكينونتها ووجودها وليست مجرد أداةٍ من أدوات التواصل التي يمكن استبدالُها بأية لغةٍ أخرى؟
سؤالٌ رابع: ما دورُ العربية في اكتساب المعرفة وتوطينها؟ وما حِصَّتُها من الإنتاج العلمي والفكري ونشرِ الكُتُب والمؤلَّفات والدَّوريات العلمية؟ وما موقعُها وأهميّتُها في البحث العلمي عامةً؟ وما مكانتُها في حقل الترجمة منها وإليها، والحالُ أن الترجمة من أهم معايير تقييم اللغات وقياس وزنها؟
سؤال خامس: ما هو وضعُ العربية من منظور مجموعة أخرى من المعايير -غير المعيار الكَمِّي- التي وضعها تقرير خبراء اليونيسكو (2003) لقياس مدى حيوية اللغات ودرجة قُربها أو بُعدها من مخاطر الاندثار؟().
وهكذا تتناسلُ الأسئلةُ. وبتناسُلها وتشعُّبها، نُدركُ أن المسألة ليست بالسهولة التي بَدَت لنا من خلال عناصر الاطمئنان و"أقراص التَّهدئة"التي تناولناها في القسم الأول من هذا البحث. ولا شك في أن محاولة البحث عن أجوبةٍ مُقنِعةٍ لمثل هذه الأسئلةً المُزعِجةٍ و"المُهَيِّجة"، لَمِن شأنه أن يكشف لنا كثيراً من الثَّغرات في جِدار اللغة العربية الذي قد يبدو للبعيد سليماً مُعافى، ويبدو للقريب على حقيقته مليئاً بالثُّقُوب، كواحدٍ من أسوار مُدُننا وقِلاعِنا العتيقة. ولا شكَّ أيضاً في أن النَّبش في مثل هذه الثُّقُوب والنُّدُوب هو الذي سيكشف أن عدداً من جُمَل الاعتراض والتحفُّظات والمَخاوف التي يُفصِحُ عنها كثيرٌ من الكتّاب والباحثين والمُشفِقين على مستقبل العربية، هي جُمَلٌ ذاتُ معنىً ولها مَحلٌّ من الإعراب. 
 فلنواصل البحث. ولنَخُض في بحث هذه المسائل، وإعرابِ هذه الجُمل إذن، في تَحدٍّ سافِرٍ ومُستَفِزٍّ لوصية النُّحاة القُدامى بأن الجُملَ الاعتراضيةَ لا محلَّ لها من الإعراب.  
1 ـ 2: وضعُ العربية في مناخ التعدّدية اللسانية والثُّنائية غير المُتكافِئة: 
الغزوُ اللغوي الأجنبيُّ لبلدان العالم العربي والإسلامي بدأَ مع الاكتساح الاستعماري لهذه البلدان في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، واستمرَّ في تصاعُدٍ إلى منتصف القرن الماضي. ثم تجدَّد في صيغة أخرى مع التَّبَعية الاقتصادية والسياسية والثقافية التي خضع لها العالَمُ العربيّ طيلةَ مرحلة ما بعد الاستقلال(). فالاستعمارُ الاستيطاني فرَضَ لغتَه بالقَهر والقُوة. والدولُ العربيةُ بعد الاستقلال احتضَنَت هذه التَّرِكةَ اللغويةَ والثقافية الأجنبية وتولَّتها بالرِّعاية تحت الضغوط الأجنبية القائمة على المساومات وتبادل المصالح(). والنُّخبةُ المُتعلِّمةُ بالخارج أو المُتخَرِّجةُ من مدارس اللغات الأجنبية بالداخل، تشبَّثَت بها لضمان مصالحها وامتيازاتها، أو باعتبارها غنيمةَ حربٍ، ولاسيما أن التأثيرَ القويّ والكلمة النافِذة في هذه المرحلة، قد أصبحاً معاً في يدها. يُضافُ هذا إلى انتشار المدارس الأجنبية واتِّساع أعدادها وزُبائنها. ودورُها في مُزاحمةِ العربية ومُحاربتها دورٌ شائعٌ معروفٌ. ثم جاء عصرُ العولمة ليزداد حجمُ الخطورة على اللغةَ العربية وغيرها من اللغات التي لم تفرض وجودَها بعدُ في أسواق الاقتصاد والتِّجارة العالَميّين وعالَم التِّكنولوجيا بصفة عامة وتكنولوجيا المعلومـات بصفة خاصـة. ومن المعلـوم أن العولمة التي يتحدث عنها الناسُ خلال العشرين سنة الماضية ليست اقتصاديةً مجرَّدةً، ولكن أخطر جوانبها هو الجانبُ الثقافي واللغوي. ولذلك ظل الاستثناءُ الثقافي واللغوي من المطالب التي تتشبَّثُ بها كثيرٌ من الدول الأوروبية وغيرها وفي مقدمتها فرنسا. وحتى في العالَم العربي أصبح هناك عددٌ من الكُتاب والباحثين الذين يرون أن خطر عولمة الإنجليزية على العربية هو أكثرُ من خطر الاستعمار. على أن خطر العولمة لا يُهدّدُ اللغات الصغرى والمَحلِّية وحدها كما يُشاعُ، بل أصبح يُهدِّدُ في المقام الأول وبدرجة أشدَّ - كما سنرى بعد قليل- عدداً كبيراً من اللغات العالمية ذات المكانة المرموقة كالفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية وغيرها. وقد لا يُهدِّدُها بالزوال والموت مرةً واحدةً، ولكنه على الأقل يُقلِّلُ من أهمِّيتها ويقلِّص من حجم نفوذها ويدفعها إلى التراجع لصالح لغة العولمة المُهيمنة، وهي الإنجليزية التي تَنسابُ عبرَ العالَم كما تَنسابُ السِّلَعُ والأموالُ من غير حُدود. ولمواجهة هذا الهَلَع الشديد من تعاظُم دور الإنجليزية وتراجع غيرها، ارتفعت درجةُ حُمَّى الدعوة للتعدُّدية اللغوية والتنوُّع الثقافي. وهي حركةٌ حاولت أن تكتسبَ الشرعيةَ الدولية عن طريق المرور بهيئات الأُمم المتحدة كمنظمة اليُونسكو، لتُدافِع في ظاهرها عن اللغات الصغيرة والمحلِّية ولغات الأقلِّيات وخصوصيات ثقافاتها من الانقراض، ولكنها في الباطِن تدافعُ عن نفسها ووجودها وثقافاتها قبل أَيِّ شيءٍ آخر. لقد أصبح مذهبُ التعددية صَرخةَ العصر ومرَضَه أيضاً. وقد وجدَت فرنسا نفسَها مضطرةً لقيادة الجبهة الرافضة للإنجليزية لأنها رأت أنها أكبرَ المتضَرِّرين منها. كما وجدَت المجموعةُ الفرنكفونية نفسَها مضطرة لجرِّ مجموعات لغوية عالمية أخرى() للتحالُف معها، تحت شعارٍ التعدُّدية والتنوُّع والخُصوصية وحقِّ الاختلاف. وكلُّها مفرداتٌ تُحيلُ في الظاهر على الانفتاح والغِنَى والثراء الفكري واللغوي والثقافي ـ وخاصة عندما يتعلَّقُ الأمرُ بالأفراد وليس الحكومات()  ـ في مُقابِل الأُحادية التي أصبحت تُوصَف بأنها علامةُ انعزالٍ وانغلاق. وكثيراً ما هُوجِمَ الناطِقُون بالإنجليزية بصفة عامة والأمريكانُ والإنجليزُ بصفة خاصة، بأنهم وحدهم في العالَم يعتبرون أن لغتَهم التي يكتسبونها بالفِطرة والسليقة لا تُحْوِجُهم إلى بذل جُهدٍ أو استثمار وقتٍ أو مالٍ في تعلُّم لغاتٍ أُخرى، لسبب بسيط هو أنهم في غير حاجة إلى أية لغة غير الإنجليزية التي تُستعمَلُ في كل مكانٍ من الأرض، وتفتحُ أمامَهم فُرصَ السياحة والتجارة عبرَ العالَم وولوج الوظائف دون جُهدٍ يُذكَرُ. أما الآخرون من أصحاب كل اللغات الباقية فهم مضطرون لإنفاق جزءٍ كبيرٍ من ميزانيتهم وأوقاتهم لتعلُّم الإنجليزية() من أجل أن تُتاحَ لهم الفُرصُ المُتساويةُ مع المُنَجْلَزين. 
كلامٌ جميلٌ، ومنطقٌ مقبول. لكن لا ينبغي أن يُفهَم منه أن محاربة القوى المُناهِضة للعولمة هو الذي أوجدَ التعددية اللسانية، فالتعددية حالةٌ كانت موجودة في كل دول العالَم تقريباً، ولا تكاد تخلو منها دولةٌ من الدول. كلّ ما هنالك أن التطرُّف في الدعوة إلى لغة عَولَمية واحدة أدَّى إلى خلق حركة مُضادَّة تُحيي النَّزعةَ التعددية وتُؤجِجُ نيرانَها وتُحرِّكُ شياطينها. ورغم أن الأصل في المجتمع الواحد أن يستعمل لغةً واحدةً()، إلا أن الواقع العملي، حتى من قبل أن توجد حركةُ العولمة، يشهد بعكس ذلك. فقد أصبحت الأُحاديةُ استثناءً والقاعدةُ هي التعدُّدُ(). وهنالك حقيقةٌ أخرى، وهي أن الدول الداعِمة للتعددية اللسانية ـ أو لنقل: القابلة لهذه الفكرة على مَضَض، وهو الأصحُّ ـ لا تقصد بذلك أن تصبحُ لغاتُها مساويةً في القيمة والوظيفة والأهمية للغات الصغرى ولغات الأقليات الموجودة داخلَ حُدودها التي تتظاهر بحُبّها واحترامها، ولكنها فقط مضطرةٌ سياسياً لإبداء نوعٍ من الاهتمام بها لسببين على الأقل: مُراعاة ضغوط الأقلِّيات الإثنية الموجودة فوق أراضيها من جهة، وحرصها من جهة أخرى، على حجز مقعدٍ لها بجانب الإنجليزية في كل المحافل الدولية وكل المجالات الحيوية كي لا تنفرد الإنجليزيةُ بكل شيء. وحتى حين تُبدي هذا النوعَ الضئيل من الاهتمام، فإن الحيِّز الأكبر والأوسَعَ من الفضاء اللغوي والوظيفةَ الأشمل إنما تستأثرُ بهما لغاتُها المركزيةُ، أما لغاتُ الأٌقليات المعترَف بها  فلا تظهر إلا في شكل قِطَعٍ صغيرة  من أَثاثٍ بسيط موزَّعة هنا وهناك ولا تكادُ تُرَى بالعين المُجرَّدة. فهي تُستعملُ لوظيفة تأثيثية أكثر من أية وظيفة أخرى. 
التعددية أنواع:
وقبل المُضيِّ في التحليل، يُستحسَن التوقُّفُ هُنيهَةً عند الأنواع المختلفة للتعدُّدية اللسانية، حتى نستطيع أن نحدِّد بوضوح هل يمكن أن نقف من كل واحدٍ منها موقفاً خاصاً ومختلفاً، أم يجب وضعُها جميعاً في سَلّة واحدة؟.
في البداية يجب أن نفرّق بين تعددية الأشخاص وتعددية الدولة والمؤسسات. إن  اكتساب شخص أو أشخاصٍ مُنتَمين لمجتمع معيَّن عدداً من اللغات بقدر الطاقة والاستطاعة، أمرٌ لا يحتمل أن يُجادِل في أهميته وفائدته أحدٌ، كما لا يمكن المجادلةُ في أنه كلما تكاثَرَ في مجتمع لغوي عددُ العارِفين بالألسنة الأخرى زادت قيمةُ ذلك المجتمع بحُكم ما أصبح يتوفَّر عليه من خبراء في الترجمة ومُطَّلعين على ثقافات الشعوب الأخرى وحضاراتها وما له من وُسطاء يوطِّدون صلتَه وعلاقتَه بأكبر عدد ممكن من هذه الأُمم والشعوب. وإن كان من الثابت أنه بقدر زيادة عدد الألسنة التي يعرفُها الشخصُ الواحدُ يقلُّ تعمُّقُه فيها. لكن أن يتحول المجتمعُ كلُّه إلى تراجِمة وخبراء في اللغات الأخرى، أو تتحول كلُّ أجهزة الدولة إلى ناطِقة بعدد من الألسنة، فذلك هو الموضوعُ الذي يكثُر حوله النقاشُ وتختلف في شأنه الآراءُ.
  ثم إن تعدُّدية الدولة والمؤسسات، هي من حيث عدد اللغات أو الألسنة المكوِّنة لها، إما ثُنائية (مكوَّنة من لسانين اثنين bilinguismes) أو ثُلاثية أو أكثر. والثُّنائية إما مكوَّنة من لسانين كليهما وطنيَّين أي ينتميان لوطن واحد (عربية أمازيغية / عربية كُردية...) أو من لسانَين أحدهما وطني وآخر أجنبي (عربية فرنسية / عربية إنجليزية). والنوع الثاني هو الأخطر على البلاد التي تسعى للحفاظ على وحدة هويّتها، لأنه غالباً ما يكون أحدُ شِقَّي هذا النوع من الثّنائية مفروضاً من الخارج نتيجةَ استعمارٍ أو غزو أو هِجرة مُكثَّفة (ولذلك نسميه تجاوزاً: ثنائية مفروضة من الخارج، وإن كان المفروضُ جزأَها لا كلَّها). أما الأول فهو طبيعي نابِعٌ من تعايُش جماعتين مختلفتَي الثقافة واللغة تحت سَقف دولة واحدة بتراضٍ بينهما لضرورة اقتصادية أو تجارية أو دينية أو جغرافية أو سياسية (تحالُف عسكري وسياسي ضد خصم مُشترَك) اقتَضَت ذلك التعايُش السِّلمي... الخ. وحتى في هذه الحالة لا بد للُسانَي الجماعتين المُتساكِنتَين من تبادُل الاحتكاك والتأثر والاقتراض. وقد ينتهي الأمر بأن يذوب اللسانان بعضُهما في بعضٍ وينصَهرا في لغة جديدة آخِذة من اللغتين الأصليتين معاً. أما في حالة الثنائية المفروضة خارجياً، فمن المفروض أن تكون إحداهما متربِّصة بالأخرى، فتعمل دائِبةً على تهميشها أو تنحيَّتها وافتراسِها والحُلول محلَّها. وغالباً ما تكون اللغةُ الخارجية المفروضة مسلَّحة بنفوذ سياسي وإداري وعسكري ومالي هو الذي يقوّي وجودَها ويُغلِّبُ ميزانَها على الأخرى. فتصبحُ اللغة الوطنيةُ في حالة دفاعٍ عن النفس واللغةُ الوافِدة (عن طريق غزو أو استعمارٍ في الغالِب) في حالة هُجومٍ قد تستمرُّ فيه وتنجحُ، وقد تستسلمُ وتذوبُ ثم تنقرِضُ. 
وهذه التعددية من ناحية أخرى، على نوعين أيضاً: 
أ) إما أنها مكوَّنة من ألسِنةٍ (لسانَين أو أكثر) تتقاسَم جميعُها العيشَ على حُدود تُرابية واحدة في حال كون الدولة دولةً مركزية موحدةً تُرابياً وسياسياً لكنها متعددةٌ لسانياً، فتكون الألسنةُ المتعدِّدة فيها منتشرةَ الاستعمال في كل المناطق أو أغلبها لا تَفصِلَ بينها حدودٌ تُرابية معيَنةٌ، كحال العربية والأمازيغية والفرنسية في المغرب الأقصى.
ب) وإما أن يستقلُ كلُّ لسانٍ بمنطقة جغرافية لها حدودُها التُّرابية المعروفة، كما هو شأن عدد من الدول المكوَّنة من مجموعة مقاطعات أو أقاليم تتمتَّع بنوع من الحُكم الذاتي سياسياً ولغوياً أيضاً. ففي بلجيكا مثلاً هناك ثلاثُ لغات تتقاسَم الخريطةَ البلجيكية، فتستقلُّ الفلامندية بمنطقة الشمال والفرنسية بمنطقة الوالون الجنوبية، والألمانية بمنطقة صغيرة في الشرق، وتبقى العاصمة بروكسيل ثناية اللغة (فلامندية وفرنسية). وكذلك الأمر بالنسبة لدولة سويسرا المقسَّمة إلى أربع مناطق لغوية (منطقة اللغة الألمانية، منطقة فرنسية، منطقة إيطالية، منطقة اللغة الرومانشية). 
وفي هذا النوع الثاني من التعددية ذات الألسنة المستقلة بحدودها الترابية، لا تُطرَح مشاكلُ من نوع الصراع اللغوي الذي قد يحدثُ في النوع الأول.  أولاً: لعدم وجود لغة أجنبية دخيلة ـ في العادة ـ يمكن أن يرفضُها السكانُ أو يتَّخذوا منها موقفاً مُعادياً، ثانياً: لأن كل لسانٍ في منطقة أو إقليم (داخل الدولة الفيدرالية) يتمتَّع بحريته واستقلاله وامتيازاته الخاصة، ولا يُحسُّ الأفرادُ داخلَ أية منطقة بضَرر يلحقُ لغتَهم، ولا تحسُّ أيةُ لغة بأنها واقعةٌ تحت ضغط لغة أخرى أو سيطرتها ونفوذها، ولاسيما أن الدولة تضمن لكل لغات المناطق والأقاليم حقوقَها في الاستعمال بكل المرافق، كالإدارة والتعليم وغيرها، وكلّ منها تُعتبَر في نظر القانون لغةً وطنية رسمية مُساوِيةً للأخريات في الأقاليم الأخرى. والمشكلُ الوحيد الذي يُطرَح هو مشكلُ الانسجام الاجتماعي بين المجموعات البشرية المكوِّنة للدولة الفيدرالية، فيكون بالضرورة أقلَّ قوةً ومتانةً مما يكون في حالة الدولة المركزية الوحيدة اللغة.  
وفي النوع الأول، حيث تتعايشُ ألسنةٌ متعدِّدة ليس بين استعمالها حُدودٌ جغرافيةٌ فاصلة، يكون للتعدديةُ أيضاً صور مختلفة:
أ- 1: الصورة الأولى: هي التعددية التي تسودُ فيها إحدى اللغات الوطنية على الأخرى فتكون أكثرَ استعمالاً أو انتشاراً وتصبح لأجل ذلك لغةً مشتركةً، إما لكون مُستعمِليها هم الأكثر عدداً، وإما لكونها الأكثر تأهيلاً واقتداراً بحكم تجربتها وخبرتها واستعمالها في مجالات العلم والفكر والثقافة والدين والكتابة والتدوين، وغيرُها لا يتوفَّر على ما تتوفر عليه من رصيد في تلك المجالات، أو ما تزال لغة شفوية، أو أن استعمالها محصورٌ في مجال أو مستوى بعينه (المستوى الشعبي اليومي دون العِلمي) أو فئة من المجتمع بعينها (لغة منطقة أو قبيلة أو عشيرة.. الخ). فالقشتالية مثلاً هي اللغة الوطنية الرسمية المشتركة في عموم إسبانيا مقابل لغاتٍ رسمية أخرى مستعملة في مناطق بعينها لكنها غير مشتركة كالقطلانية والغاليسية والباسكية والبَلَنسية (). وكذلك يمكن النظر إلى العربية على أنها اللغة المشتركة بين مختلف شعوب البلاد العربية، وحتى داخلَ كل بلد عربي على حِدة حيث يوجد عددٌ من الألسنة واللهجات غير العربية ذات استعمالات محدودة جغرافياً وثقافياً. 
أ- 2: الصورة الثانية: هي التعددية التي تُهمَّشُ فيها كلُّ اللغات الوطنية لتسود بدلاً منها لغةٌ أجنبية مسُتعارةٌ أو مفروضة. وأمثلتُها في الدول الإفريقية عديدةٌ جداً، حيث نجد الفرنسية أو الإنجليزية قد أصبحت لغةً رسمية ومشتركة منذ فَرَضَها الاستعمارُ وهمَّشَ كلَّ اللغات الوطنية مهما كان وزنُها. وفي دولة تشاد نجد مثالاً أكثر دلالةً من الوضعية اللغوية في بقية دول غرب إفريقيا، حيث تعتبر من الناحية القانونية كلٌّ من العربية والفرنسية لغةً رسمية، لكن عملياً، تستحوذ الفرنسيةُ على أغلبية مجالات الاستخدام في أجهزة الدولة من تعليم وإدارة وغيرهما. وفي المغرب الأقصى نجد أيضاً حالةً لغوية شاذة. ذلك أنه رغم كون الفرنسية من الناحية القانونية ليست لغةً رسمية ولا وطنية، إلا أنها في الواقع العملي تحتل مكانةً أعلى مرتبةً من اللغتين الوطنيتين الرسميتين: العربية والأمازيغية، في التعليم والإدارة والاقتصاد والتجارة وأغلب المجالات الحيوية.     
أ ـ 3: الصورة الثالثة: هي أن لا تكون هنالك سيادةٌ أو تفوُّقٌ لأية لغة من اللغات المستعملة في مجموع التراب الوطني، وإنما تُستخدَمُ كلُّها استخداماً مُتساوياً. أي تعتبرُ كلٌّ منها  لغةً رسميةً ووطنيةً لها من الحُقوق ما للأخرَيات في مجموع البلاد، وللمواطن أن يستعمل أيّاً منها شاءَ، والدولةُ مُلزَمةٌ أيضاً باستعمالها في كل الأجهزة والقطاعات (الإدارة، التعليم، الاقتصاد، السياحة، الإعلام، المطبوعات الرسمية... الخ). وهذا النموذج رغم كونه من الناحية المبدئية يمثِّلُ قمة الديمقراطية في التعامل مع اللغات الوطنية، إلا أنه من الناحية الواقعية والعمَلية نادرُ الوجود في العالَم (ومثاله الحالة اللغوية لبروكسيل المكوَّنة من ثنائية الفرنسية والفلاماندية)، ولاسيما أنه يتطلَّب أن يكون عددُ اللغات المستعمَلة بأجهزة الدولة المختلفة كالإدارة والتعليم والمجالات الحيوية الأخرى (البنوك ـ الشركات ـ الإعلام.. الخ) محدوداً للغاية، إذ من الصعوبة بمكان أن تلجأ الدولةُ إلى توظيف عدد كبير من الألسنة توظيفاً واحداً، ولو أنها من ناحية الحق والقانون متساويةٌ فيما بينها. لكن الواقِع العملي لا يسمح بأن تستعمل دولةٌ ما عشرَ لغات مثلاً، أو حتى نصفَ هذا العدد، في التعليم وتسيير الإدارة وأجهزة الدولة كلها. وحين حاول الاتحادُ الأوروبي ـ على سبيل المثال ـ أن يستعمل جميعَ اللغاتِ (وعددُها 23 لغة) لدول هذا الاتحاد (وعددها 27 دولة) في كل المجالات الرسمية، وجدَ أن تطبيقَ ذلك عَمَلياً أمرٌ مستحيلٌ للغاية، لاعتبارات كثيرة، أهمُّها الكُلفة المالية الضخمة، فاضطُرَّ إلى تقليص لغاتِ العمَل التي يمكن استخدامُها في كل المواقف الرسمية إلى ثلاث (الإنجليزية ـ الفرنسية ـ الألمانية)، بل هناك حالاتٌ لا تستعملُ فيها إدارةُ الاتحاد إلا لغةٌ واحدةٌ (الفرنسية في مداولات محكمة العدل الأوروبية، والإنجليزية في البنك المركزي الأوروبي).       
إذن، حين نريد الحديث عن التعددية، يجب أن نميِّز بين كل هذه الأشكال والصور والأنواع المختلفة حتى لا نخلط بينها، ونتحدث عنها وكأنها شكلٌ واحد وذات مدلول واحد ولها حُكمٌ واحد، والواقع أن لكل حالة منها حُكمُها الخاص. ففي التعددية ـ كما رأينا ـ ما هو متعلِّقٌ بالأفراد ومدى قُدرتهم على استيعاب اللغات، وما هو متعلِّق بالدولة ومؤسساتها. أما المتعلِّقُ بالأفراد فلا خلافَ في كونه محموداً ومطلوباً في كل حال، لما له من المنافع والمزايا الظاهرة. ولا يمكن لأحد أن يكون ضد التعددية اللسانية التي يسعى إليها الأفرادُ والأشخاص بمحض إرادتهم أو بدافِعٍ من أوليائهم، لأنها في الواقع نوعٌ من الثراء المعرفي والغِنَى الثقافي الذي يزيد من قيمة تكوينهم العلمي. بل لا بد للآباء أن يحرصوا قدرَ الإمكان على تعليم أبنائهم أكبرَ عددٍ ممكنٍ من اللغات. ففي هذا المقام يُحمَدُ أن يُقال: كلُّ لسانٍ بإِنسان. إلا أن تعلُّم اللغات الأجنبية والحرص على إتقان ما يمكن إتقانُه منها، لا ينبغي أن يَجورا على اللغة الوطنية أو يؤدّيا إلى إضعافها أو إحلال تلك اللغات محلَّها، لأنه في حالة إهمال أفراد المجتمع للغتهم الأصلية أو تخلّيهم عنها جزئياً أو كُلياً، تُصبح هذه اللغةُ أمام خطر ماحِقٍ يُهدِّدها بالتراجُع أو الزَّوال. ومن هذا يُفهَمُ أننا لسنا من دُعاة الأُحادية في صيغتها العَولمية التي تُبشِّر بالإنجليزية أو غيرها لغةً واحدةً لبني البشر على حساب باقي اللغات الأخرى التي تُعتبَرُ وعاءً طبيعياً لعدد من الحضارات والثقافات ذات الخُصوصيات المختلفة. كما أننا من جهة أخرى لسنا ضد التعدُّد الذي تقتضيه طبيعةُ نظامٍ سياسي لبلد مُعيَّن قائمٍ على تحالُفٍ داخلي بين مناطق وأقاليم تربطها مصالح مشتركة فتؤدي بها إلى نظامِ حكمٍ فيدرالي أو كونفدرالي مَبنِيٍّ على التعدد اللغوي المُقنَّن، أو تقتضيه طبيعةُ تكوين المجتمع المتعدِّد القوميات والعِرقيات والثقافات، لكننا ضد التعدُّد غير الطبيعي أي المفروض من الخارِج()، نتيجة استعمار استيطاني ومخلَّفاته الثقافية واللغوية أو نتيجة غزو لغوي عَولمي، والذي يؤدي إلى صراعٍ لغوي حقيقي بين اللغة الغازية الوافِدة واللغة الوطنية، وضد التعدُّد المُفّتِّت لكيانات المجتمعات والمُهدِّد لوحدتها وانسجامها حتى لو كان ناتجاً عن وضع داخلي (لا يمكن أن نتصور وجود مجتمع منسجِمٍ ومتلاحِمٍ وهو يستعمل عشرات أو مئات اللغات الوطنية). ولتجنُّب الانزلاق إلى هذه الحالة ينبغي اللجوء إلى تخطيط لغوي يوزِّع الوظائفَ والأدوار على كل اللغات والتعبيرات الوطنية والأجنبية بشكل مُحكَم.
بعبارة أخرى، نحن لا نتخوَّف من التعدُّدية إذا لم يكن فيها ما يُهدِّدُ اللغةَ الوطنيةً المركزية الجامِعة أو ما يناوئُها أو يحاولُ احتلالَ مكانها أو يُشكِّلُ خطراً عليها. ولا نرى مانعاً منها حين نستطيعُ التحكَّمَ في استعمالها، فنحوِّلها من أداةٍ نخدُمها إلى أداةٍ تخدُمنا: أداةٍ للتفتُّح على العالَم الخارجي والتعارُف بين الأُمم وجَلب المَنافِع التي نحتاجُ إليها، لا أداةِ تسلُّطٍ وهيمنةٍ ثقافية تجرُّ إلى سيطرة اقتصادية وسياسية. أما إذا كان وجودُها مفروضاً ومُسَخَّراً لخدمة مصلحةٍ أخرى غير مصلحة الوطنِ والأمة ولغتِهما، فإنها إذ ذاك تصبح خطراً ينبغي صَدُّهُ والحذَرُ من كيفية التعامل معه بوضع شُروطٍ حِمائيةٍ للغة الدولة والمُجتمع. وليست الثُّنائيةُ اللغويةُ (بصيغة: لغة أجنبية/ لغة عربية) التي نعيشُها في بلادنا العربية حيثُ تُفرَضُ الإنجليزيةُ في مشرقها والفرنسيةُ في مغرِبها، إلا وجهاً قبيحاً من وجوه التعددية المفروضة. وطالما نَبَّهنا منذ أكثر من ثلاثين عاماً إلى المساوئ الكثيرة للثنائية المفروضة والسالِبة لحرية الاختيار في منطقة المغرب()، لأن من أقبح نتائجها، أنها ـ بالإضافة إلى تحكُّمها في اللغة الوطنية المُشترَكة والمُوَحِّدة ومُزاحمتها ووضعها تحت رحمتها والحدِّ من استعمالها ـ تفرضُ علينا أيضاً أن لا نرى العالَم الخارجي ونتصل به إلا بواسطة نافذة واحدة لا غير، هي نافذةُ اللغة الفرنسية دون سواها. وهي بذلك، تحولُ دون التعددية اللسانية الحقيقية التي يختارُها الأفرادُ من تلقاء أنفُسهم أو تلك التي تنبثِق انبثاقاً من طبيعة التكوين الاجتماعي المتعدد القوميات. وبالتالي تَحولُ بيننا وبين فتح علاقات ثقافية ولغوية متساويةٍ مع كافة بلدان العالَم بكل ألوانه وأطياف لغاته وتجاربه الثقافية والحضارية. وذلك ضربٌ من الانغلاق والانزواء الحقيقي الذي تأسرُنا داخلَ أسواره وحُدوده الفرنسيةُ في المغرب والإنجليزيةُ في المشرق. التعدديةُ في الحالة الأولى غنىً وثراءٌ وإضافةٌ، وفي الثانية سجنٌ وفقرٌ وضُمُور واستِلاب. إن الأصل في المجتمع أن تكون له لغةٌ واحدةٌ موحَّدة ـ كما قلتُ ـ ليضمن الانسجام وحسنَ التفاهُم والقوةَ ويتحقَّق له كثيرٌ من المزايا ويتجنَّب الكثير من المساوئ والأضرار المادية والمعنوية التي تجلبُها التعدّدية العَشوائية غير المُخَطَّطة()، لكن إذا كان لا بد من تعددية لسانية، فلتكن تعدديةً إيجابيةً يختارُها كلُّ فرد حسبَ مُيوله ورغباته، من جهة، ولتَكُنِ السيادةُ عليها ـ من جهة أخرى ـ للغة الوطنية الجامِعة المُوَحِّدة لا للغة أجنبية. 
يبقى السؤالٌ: هل نحنُ قادرون، في هذه المرحلة التي تجتازها أمتُنا: مرحلة الضَّعف والتبعية الثقافية والاقتصادية والسياسية والعولمة المُتحكِّمة، على فرض اختياراتنا اللغوية وفقَ ما نرغبُ ونُريدُ؟ وهل نحن قادرون على فرض نوع التعددية التي تخدُمُنا ولا تضرُّ بنا؟
وإذا كان التعددُ اللغوي قد أصبح قاعدة وواقعاً عملياً مفروضاً وليس استثناءً كما هو المتوقَّعُ نظرياً، فإن شرَّ حالات التعددية هو ما يكون مفروضاً على المجتمع من خارجه ومن غير إرادته أو من غير وعيه، وأشدَّ الحالات المفروضة هي الثُّنائية اللسانية، وشرَّ أنواع الثُّنائية هو الذي يسمَّى ب"الثُّنائية غير المُتكافئة". لأن الأمر هنا لا يتعلَّقُ بالحالة العادية التي يتمُّ فيها الالتقاءُ والاحتكاكُ بين لغتين أو أكثر مما يعدُّ أمراً طبيعياً وظاهرةً مقبولةً يتمّان بشكل تلقائيٍّ بين كل اللغات.إذ لا يكفي وجودُ احتكاكٍ بين لغتين لكي نتخوَّف على إحدَيْهما من الاندثار، ولكن الأمر يتعلق بحالة طالما عانَت منها اللغةُ العربيةُ في المشرق والمغرب على السواء، ألا وهي حالةُ الثُّنائية التي يعرِّفها كلود هاجيج بأنها: "الثُّنائية التي تُمارِسُ فيها إحدى اللغتين ضُغوطاً بطريقة مُخيفة على الأخرى بحُكم كونها في وضع أقوى بكثير نتيجةَ وضعها الاجتماعي أو انتشارها على الصعيد الوطني أو الدولي..". ويقول عنها في مكان آخر:"الثُّنائيةُ غيرُ المتكافئة، عند أكثر الشعوب المُهيمَنِ عليها، تعملُ بشكل تلقائيٍّ على بَخْسِ اللغة الوطنية (أي التقليل من قيمتها) وتنتهي بإعدامها. لأن هذه الثنائية تصبح في مواجهة نموذجٍ اقتصاديٍّ واجتماعي كلُّ شيءٍ فيه يجعلُ منه النموذَجَ المُفضَّل"(). وأَقبحُ ما ينتُجُ عن هذا الوضع، "هو أن الآباء لسببٍ أو آخر يكفُّون عن نَقل لُغتهم لأبنائهم فتَضيعُ لغتُهم وتحلُّ محلَّها اللغةُ المُنافِسةُ"(). وهذا النوع ذاتُه من الثنائية التي يتحدث عنها هاجيج باسم "الثنائية غير المُتكافئة"، يُطلقُ عليه لغوي آخرٌ، وهو لوي كالفي، اسمَ "الثنائية الرأسية أو العمودية"() التي تؤدي إلى إضعاف اللغات وخَرابها. يقول كالفي: "حقاً، إن اختفاءَ لغةٍ معيَّنةٍ يمرُّ دائماً عن طريق وجهٍ من وجوه الثنائية ولاسيما الرأسية منها. ففي حالة وجود ثُنائية رأسيةٍ مع توفُّر شروطٍ وظروفٍ أخرى مُساعِدة، تُصبحُ تلك اللغةُ المُعيَّنةُ مُهدَّدةً"(). وقد يُطلَقُ على هذا النوع من الثنائية أيضاً اسمُ "الثنائية السالِبة"التي لا يكون فيها إلا الخُسران، في مقابِل "الثنائية المُوجَبَة"() التي تأتي بإضافة ثقافية أو فكرية.
ومن جهة أخرى، لقد تحدث هاجيجُ عن أسباب موت اللغات ولخَّصها في ثلاثة أساسية، هي: التحوُّل أو التَحريف، والاستبدال، والانطفاء(5). فنجد أن اثنين من هذه الثلاثة (التحريف والاستبدال) يرجعان إلى هذا النوع من الازدواجية غير المتكافِئة التي تتكون من طرفين (لسانين) أحدهما يملك من الأسلحة والنفوذ ما لا يملكه الطرفُ الآخر. وهنا تُستعملُ طريقتان: الأولى: أن يعمد اللسانُ المُهيمِنُ إلى مُزاحمة الآخر ومُحاولة دَفعه إلى الخلف أو إلى الهامش والحلول محلَّه في أهم المجالات ثم في كل المجالات، إلى أن يتمَّ له الاستحواذُ النهائيُّ والتخلُّص من وجوده شيئاً فشيئاً فيتمُّ بذلك الاستبدالُ. والثانية: أن يتغلَّب اللسان الأولُ على الثاني بتحريفه وتهجينه إلى أن يتحوَّل إلى لسان آخر (لسانٍ ثالثٍ). فحين يبدأ الأمرُ بالتحريف، فإنه في الغالب ينتهي إلى الاستبدال فالانطفاء.
والتحريفُ يتمُّ بإخضاع لسانٍ معيَّنٌ لتغيُّراتٍ كبيرة عبرَ مراحلَ قد تأخذُ زمناً طويلاً، فيتحولُ معها ذلك اللسانُ إلى شكلٍ هَجينٍ ممسوخٍ، ثم يتحولُ ذلك الهجينُ إلى لسانٍ آخر مُعتَرَفٍ به. وقد حدَثَ مثلُ هذا للاتينية وغيرها من اللغات التي أدَّت تغيُّراتُها إلى ميلاد ألسنة جديدة. ويعتبرُ "غزوُ الاقتراض"الذي تحدَّث عنه هاجيج أيضاً، أبرزَ مثالٍ على انتقال اللغة من التحوُّل والتغيُّر إلى الاستبدال. فالاقتراضُ رغم كونه ضرورياً لا تستغني عنه لغةٌ من اللغات، إلا أنه يُصبحُ علامةً مُزعِجةً حين يغزو كلَّ مجالات المعجم. وحين تتجاوز هذه الظاهرةُ حدودَها الطبيعية تصبح خطراً على اللغة قد تؤدي إلى خرابها وتدميرها واندثارها. إن الاقتراض المُفرِط في هذه الحالة يتحوَّلُ إلى غُولٍ مُفتَرِسٍ. يقول هاجيج: "عندما يتمُّ غزوُ لغةٍ عن طريق الاقتراض، فإن الاقتراض يتمَدَّدُ خارجَ المُعجَم، أي أنه يمتدُّ بعد ذلك إلى النواة الصُّلبة للغة وهي النحوُ والصوتُ أيضاً. وهذا ما حدَثَ لعدد من لغات الاتحاد السُّوفييتي سابقاً التي مُورِسَ عليها ضغطٌ كبيرٌ من اللغة الرُّوسية..."(). ولذلك قد تصبح هذه الظاهرةُ "علامةً مهمة على تَلَف اللغة وخرابها، إذ هناك ترابطٌ بين النسبة العالية من الاقتراض ودرجة استقرار النظام الصوتي والنحوي للغة. فاللغةُ التي تصبح عُرضةً لهذا الضغط تلجأ إلى تعويض أنظمتها الخاصة بأنظمة أخرى، وعندما يتَّسع نطاقُ ذلك، فإنه يؤدي إلى موت اللغة"(). وعادةً ما يتحوَّلُ الاقتراضُ إلى حالةٍ من الغَزو "عندما يكثر استعمالُ كلماتٍ أجنبية بدلَ كلمات من اللغة المُستَقبِلة، فيبدأ المتكلمون أولاً في استعمال كلمةٍ من هذه اللغة وأخرى من لغة أجنبية، ثم مع المدة تستوطنُ تلك الكلماتُ الأجنبيةُ وتطردُ الكلماتِ الأصيلةَ التي تبدأ في الاختفاء التَّدريجي". ثم يصل الداءُ إلى النواة الصُّلبة، أي النحو والصوت، فـ"يكون النظامُ النحويُّ أولَ مُتعرِّضٍ لهذا الخطر، وتبدأ اللغةُ في فُقدان بعضِ خصائصها النحوية والصَّرفية كالفرق بين المُذكَّر والمؤنَّث أو بين المثنَّى والجمع()... وهكذا تبدأ اللغةُ في التآكل"(). ومن التحول والتآكل تنتقلُ إلى "التحلُّل"شيئاً فشيئاً، إلى أن تصبح لساناً آخر مغايِراً. وليست الألفاظُ وحدها هي التي تدخلُ تحت غزو الاقتراض ويتَسلَّطُ عليها التهجينُ، ولكن الجمل والتراكيب والعبارات المسكوكة وطريقةُ صياغة الجُمل وتركيبها أيضًا. وكثيرٌ من اللغات في العالَم تحولَّت إلى هَجينٍ مُكوّنٍ من خليطٍ وأَمشاجٍ وبقايا لغاتٍ عِدة. الاقتراضُ المبالغُ فيه إذن ـ وهو أمرٌ لا مفرٌّ منه في وضع الازدواجية غير المتكافئة ـ يؤدي، في جملة ما يؤدي إليه من أوضاع سيئة أخرى، إلى التهجين والتلوُّث، وهذان يؤديان إلى تحول اللغة عن طبيعتها ثم إلى دَمارها في النهاية. ولا يمكن للغة موجودة في مثل هذه الوضعية من الازدواجية غير المتكافئة أن تسلَم من التلوُّث والتهجين والمَسخ والتشويه.
الآنَ، إذا أردنا أن نَقيسَ وزنَ العربية الحقيقي داخلَ هذا المُناخ من الثنائية والتعدُّدية الذي تعيشُه، هل سنجدُها على تلك الدرجة من القوة والصلابة والمكانة المتميِّزة التي تبدو معالمُها واضحةً حين نقيسُها بمقياس عدد الناطقين بها أو الدول التي تتخذُها لغةً رسمية أو المنظمات التي تعتمدها... وسوى هذا من المقاييس الكمِّية الأخرى؟ للجواب عن ذلك يكفي أن نبحث عن المساحة التي تحتلُّها العربيةُ في أجهزة الدولة بقطاعيها العام والخاص ومؤسساتها ودواليبها ومرافقها الرسمية والأهلية وفي كل المجالات، وخاصة في مجال الإدارة ومرافقها، وفي الاقتصاد بكل امتداداته وفُروعه، وفي التجارة والصناعة وفروعهما، وقطاعات الإنتاج والخَدَمات والشركات والبنوك والمقاولات الصغرى والكبرى، والصحة والبيئة والهندسة والتعمير والبناء، وفي الصحافة ووسائل الإعلام والاتصال بكل أنواعها وفروعها. ولنبحث ـ قبل هذا وذاك ـ عن المساحة المُتبَقّية للعربية في التعليم من الروض إلى أعلى المستويات الجامعية (ونستثني هنا بعض الدول مثل العراق سابقاً وسوريا وليبيا التي أعطت كُلُّها للعربية اهتماماً أكبرَ)، ولنبحث عن العربية هل تُعتمدُ في تلقين العلوم الدقيقة والتقنيات وكل التخصّصات المرتبطة بها أو المتفرِّعة عنها من طب وصيدلة وهندسة بكل فروعها وفيزياء وكيمياء ورياضيات وجيولوجيا وأحياء ومَعلومِيّات... الخ أم أن هذه المجالات، كلَّها أو جُلُّها، متروكةٌ بالكامل للغة أجنبية واحدة مُهيمِنة ومُسيطِرة (الفرنسية أو الإنجليزية)؟. بمعرفة وضع العربية في هذه المجالات والمساحات القليلة المُتبقّية لها في ظل الغزو اللغوي الأجنبي والثنائية المُهيمِنة، سنجد أنفسَنا مُحاصَرين بواقِع مُرٍّ، لن يُجدي معه القولُ إن العربية تحتلُّ الرُّتبة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة دولياً. لأن الواقِع الماضيِّ في تغيُّره السريع نحو مُزاحمة العربية والتضييق عليها وتهميشها أو تحييدها ونَسفها نهائياً، يدلُّ على أن مستقبل هذه اللغة لا يُطمئِنُ على صحَّتها ولا يُبشِّرُ بدوام عافيَّتها، بل سيؤولُ الوضعُ إلى ما هو أخطرُ، إذا استمرَّ الحالُ على ما هو عليه. ومن قال إن التغيُّر السَّلبيَّ سوف لن يُضاعِفَ من سُرعته وتأثيره في غفلةٍ من الجميع، بفضل ضغوط اللغات الأجنبية، و ترك اللغة الوطنية تواجه مصيرها دون تدخّل أو مُساعدة أو تخطيطٍ من جميع مَن يعنيهمُ الأمرُ. يقول جاء لوكليرك (2011): "إن اللغة التي تريد أن تعيش ويكون لها إشعاعٌ ينبغي أن تكون لها مراقبةٌ على مختلف الأجهزة الحكومية، وأن تبسط هيمنتَها، وأن تجد لها مكانةً خاصة ومُنفرِدة على أرض معيَّنة "، و"اللغة التي لا حكومة [تحميها وتَفرضُها] هي لغة جدُّ معرَّضةٌ للخطر في المستقبل ". أما تقرير خبراء اليونسكو حول حيوية اللغات (2003) فهو يجعل من ضمن العوامل الأساسية في حيوية لغة ما أن تُستعملَ في مختلف المجالات العامة والخاصة، و"ﺗﻮاجه اﻟﺨﻄﺮ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻮﻗّﻒ ﻧﺎﻃﻘﻮها ﻋﻦ اﻟﺘﺤﺪث ﺑﻬﺎ، أو لا يستخدمونها إلا ﻓﻲ أقل عدد ﻣﻦ ﻣﺠﺎﻻت اﻟﺘﻮاﺻﻞ"، وتلك علامة على أنها تسيرُ في طريق الانقراض. وهذا العامل له ستُّ درجات أولاها حين تُستعملُ اللغةُ في كل المجالات بلا استثناء، وتنقص قوتها أو حيويتها عندما تستعمل مع لغة أو لغات أخرى. وفي الدرجة ما قبل الأخيرة (أي ما قبل الموت)، لا تُستعمَل إلا في مجالات محدودة جداً أو وظائف قليلة. 
وخلاصة القول: إذا كانت التعددية اللسانية شرّاً لا بدَّ منه في هذا العصر، فينبغي أن تُتَّخذ إجراءاتٌ حِمائيةٌ للحدِّ من آثارها السَّلبية على اللغة العربية، وأولُ إجراءٍ هو التخطيطُ اللغوي القائم على مجموعة من الأُسُس أهمُّها: أن لا يُفرَضُ على المجتمع تعدّدٌ لغويٌّ خارجيٌّ على حساب لغة الدولة الوطنية المركزية. وهذا يقتضي أن تكون للغة الدولة السيادةُ التامةُ داخلَ بلدها في كامل المجالات، وأن لا تنفردُ اللغاتُ الأجنبيةُ بمجال تلقين العلوم، وأن لا يتحوَّل المشهدُ اللغويُّ إلى فَوضى عشوائية أو بُرجٍ بابليٍّ كلُّ يلغو فيه بلَغوه. وهذا يقتضي تقنين سُوق اللغات عامةً، وحصر وظيفة اللغات الأجنبية في مجالات محدَّدة، ومنع تعليمها للأطفال في مرحلة الروض والسنوات الأولى من التعليم الابتدائي، لأنها مرحلةٌ خطيرةٌ يجب أن تُخصَّص لغَرس اللغة الوطنية حتى ترسُخ جذورُها في نفسية الطفل. 
هذا عن وضع العربية في ظل التعددية اللغوية الأجنبية المفروضة عليها منذ بداية الاستعمار، وقد كانت العلاقةُ بينها وبين تلك اللغات الأجنبية علاقةَ حربٍ وصراعٍ باستمرار، لأن اللغات الأجنبية كان يُنظَرُ إليها دائماً على أنها لغاتُ استعماريةٌ، ولاسيما أنها كانت دائماً تحتمي بالقوة الاستعمارية لدعمها وفرض وجودها. ولذلك كانت الغايةُ من الدعوة إلى التعريب في بداية استقلال الدول العربية، هي التخلص من هذه الهيمنة اللغوية والثقافية الاستعمارية وإعادة الاعتبار للغة الوطنية. أما علاقتُها باللغات واللهجات الوطنية الأخرى التي تقاسَمت معها الدينَ والثقافةَ والجغرافية والتاريخَ منذ فجر الإسلام. فكانت علاقةَ تعايُشٍ وتبادُل للأدوار وتكامُلٍ في الوظائف ولم تكن علاقةَ حربٍ أو صراعٍ بالمعنى الحقيقي للكلمتين، حتى خلال مرحلة الحُكم العُثماني التُّركي في أغلب دول المشرق والمغرب، أو خلال المراحل التي سيطرت فيها دولٌ أمازيغيةٌ كبيرةٌ على مقاليد الحُكم بالمغرب. لقد ظلت العربية الفُصحى طيلة التاريخ الإٍسلامي لغةَ الثقافة والعلوم والدين ولغةَ الدولة المركزية الرسمية التي تستعملها في الإدارة والتعليم والمراسلات وغيرها. أما بقيةُ اللغات واللهجات الوطنية الأخرى بما فيها اللهجات المتفرِعة عن الفُصحى، فكانت وظيفتُها في الغالِب هي القيام بدور التواصل اليومي والاجتماعي داخل المجموعات المُستعمِلة لها، وقد تُستعملُ في مقاماتٍ وأغراض ومواقف تقتضي ذلك أحياناً (كتبسيط الأمور الدينية والوعظ والإرشاد وحشد الدعم السياسي ومجالات أخرى اجتماعية واقتصادية). أما اليوم وقد نهضَت الأقليّاتُ القومية الموجودة داخل الشعوب الناطقة بالعربية لتطالب بإعادة الاعتبار للغاتها وتنميَّتها وحمايتها، واستعمالها لأداء وظائف أوسَع وأشمَل، فالواجبُ يقتضي من الدولة العنايةَ بها والإسهام في تحسين مستوى استعمالها، وإدماجها ضمن مخطَّط لغوي عام يرسُمُ الخُطوات والإجراءات الواجب اعتمادُها لتدبير هذا التَّنَوُّعَ اللغويِّ الوطني في تكامُلٍ واعترافٍ مُتبادَلٍ بين كل أشكال التعبير الوطنية المتداولة، وإعادة توزيع الوظائف بينها بشكل متوافَقٍ عليه، دونما إقصاءٍ أو تَهميشٍ لأيٍّ واحد منها. لكن هذا كلّه يجب أن يتمَّ في دائرة ما يسمى بالتنوُّع داخلَ الوحدة، التي لا تؤدي إلى أيِّ إخلال بدور لغة الدولة المركزية الجامِعة والمُشتَرَكة والمُوَحِّدة، أو المَسِّ بمكانتها، وأعني اللغةَ العربية. فهي اللغةُ التي تشتركُ فيها كلُّ الشعوب المُنتمية لمجال الحضارية العربية الإسلامية، بما في داخلها من قوميات وأقلِّيات لغوية وإثنية ودينية وطائفية ومُكوِّنات ثقافية متنوِّعة. ولاسيما أنها قد أصبحت منذ قرون لغةً لا عِرقَ لها ولا دينَ، أي مِلكاً لكل من يتكلُّمها من أبناء الشعوب العربية والإسلامية وغيرهم. إن التنوُّع في إطار الوحدة شيءٌ لا يمكن أن يعارضه أحدٌ، وحقُّ كل إنسان في التعبير بلغته أمرٌ طبيعيٌّ لا يُنكِرُه عاقِلٌ. لكنه لا ينبغي أن يتحوَّل إلى سَبَب للصراع والاقتتال، أو يُستَغلَّ لتقوية النَّزَعات العِرقية والطائفية وبَثِّ روح الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، واتخاذ المطلب اللغوي مَطيةً للركُّوب السياسي والإيديولوجي، فتُصبح النتيجةُ من كلِّ هذا زيادةَ تَفتيتِ الكيانات العربية والإسلامية وتمزيقها. وهذا ـ مع الأسَف الشديد ـ هو ما نخاف وقوعَه في المنطقة المغاربية التي تحوَّلت إلى حَلبَة تتسابَقُ فيها تَيّاراتٌ مشبوهةٌ تحاولُ دفعَ البلاد إلى حافَّة الهاوية. وأغلبُ هذه التياراتُ تتحرَّكُ بأقنِعةٍ وقُفّازات مختلفة أهمُّها أقنعةُ الفرنكفونية التي تخشى أن تضيع منها منطقةُ نفوذها فتختلقُ في كل مرحلة نوعاً من الدسائسَ الماكِرة، والغايةُ هي الاستمرارُ في إحكام السَّيطرة. تسعى الحركةُ الفرنكفونيةُ ـ إذن ـ وكلُّ من تلتقي مصلحتُه مع مصالحها من القوى الخارجية والداخلية (بغضِّ النظر عن الذرائع التي تتخَفَّى وراءها) وكّلُّ الأيادي التي تلعبُ في الخفاء ويَهمُّها تحطيمُ اللغة العربية بالذات وتعطيلُ عجلة سيرها واستنزافُ طاقةَ العالَم العربي والإسلامي باستمرار وزَعزعتُه من الداخل، إلى تغذية النَّعَرَات العِرقية واستغلال التَّنَوُّع اللغوي والثقافي لضرب اللغة العربية وتصفية وُجودها، وفقاً للقاعدة التي يمكن استخلاصُها من نَمُوذَج كالفي الثلاثي الأضلاع الذي سنعود إليه. فإذا افترضنا أن (أ) هي اللغة الفرنسية التي تسعى للحفاظ على موقعها وهيمَنتها، وأن (ب) هي العربية التي تُعَدُّ اللغة الأولى المشتركة وأقوى لغةٍ في المنطقة العربية وواحدةً من اللغات العشر الأوائل في العالَم، وأن لغة (ج) هي اللغة الوطنية المحلِّية (الأمازيغية في حالة المغرب) ومعها اللهجات المتفرِّعة عن العربية. فالعمليةُ التي تجري حالياً في المنطقة المغاربية هي بكل بساطة عمليةٌ من النوع الآتي: اللغة (أ) تعمل جاهدة على تصفية وجود اللغة (ب) المُنافِسة لها، لتنفرِد بعد ذلك باللغة (ج) وهي الحلَقَة الأضعف التي لا تستطيع مواجهتها والصمود في وجهها، ولاسيما أن (ج) مكونة من 1) اللغة الأمازيغية بفروعها ولهجاتها المتعدِّدة. و2) من اللهجات المتفرِّعة عن العربية، والتيارُ الفرنكفُوني يُحاولُ النَّفخَ فيها وإحلالَها محلَّ الفُصحى،أي رَفعَها إلى مستوى (ب).ولاسيما أن الفرنكفونية تعلمُ جيّداً أن هذه اللهجات لن تستطيع ملءَ الفراغِ الكبير الذي تتركُه الفُصحى فيما لو أُزيحَت من المشهد نهائياً. وكذلك لن تستطيع اللغة الوطنية المحلية (وهي الأمازيغية في حالة المغرب)، ملءَ كلَّ الفراغ الذي تتركُه العربيةُ إن أُزيحت من الخارطة اللغوية للمنطقة. لذلك نحن نقول دائماً: إن المستفيد الوحيد لغويّاً من خلق صراعٍ لغوي في المنطقة المغاربية بين العربية وبقية اللغات الوطنية من جهة، وبين العربية ولهجاتها من ثانية، هو اللغةُ الفرنسية لا غير. أما المستفيدون سياسياً من إذكاء الصراعات والنَّزعات العِرقية والطائفية تحت ذريعة الدفاع عن التعدد اللغوي والتنوع الثقافي، فهم كلُّ أعداء الأمة العربية الإسلامية وفي مقدمتهم إسرائيلُ والصهيونية العالمية والقُوى المُتحالفة معها، وكلُّ القُوى الغربية الطامعة في تقوية نفوذها وهيمنتها بتقسيم المُقسَّم وتجزئة المُجَزَّإِ كما يقولون. 
 2 ـ 2: العربيةُ في مُناخ  العَولمة اللغوية: 
تُعاني كثيرٌ من شُعوب العالَم من الآثار السلبية للعولمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما تعاني منها لغاتُ هذه الشعوب بما فيها اللغاتُ الأكثرُ انتشاراً واستعمالاً كالفرنسية والإسبانية والعربية والبُرتغالية وغيرها. فالعولمةُ بطبيعة سَعيِها لتعميم نموذج واحدٍ للاقتصاد والتفكير والقيَم الثقافية والاجتماعية والحضارية وطريقة العيش والسلوك والتعبير أيضاً، تعملُ بطريقة واعيةٍ، أو غيرِ واعيةٍ، على تعميم لغة واحدة تُعبِّرُ عن تلك القِيَم الغربية التي تُبشِّرُ بها العولمةُ، لأن توحيد النموذَج والتصوُّر ورؤية العالَم في كل هذه الأمور، يتطلَب بالضرورة استعمالَ مُعجَمٍ واحد ومصطلحات موحَّدة.
 لقد أفرزت العولمةُ الاقتصادية منظومة من الأفكار الداعِمةِ لها من قبيل أن: 
  - الاقتصاد المثالي يفترضُ مُسَبَّقاً لغةً واحدةَ.
  - التعدّد اللغوي عائقٌ للتجارة العالمية وحركة العمل والتكنولوجيا وتبادل المعلومات.
  - الحدود اللغوية تعوقُ التكامُل الاقتصادي بين الدول.
 - الإنتاج الصناعي يتطلب أساليب موحَّدة ومنظَّمة كما يحتاج إلى سُكان مُتحرِّكين ومُتجانسين ثقافياً وعلى درجة عالية من التعليم، وهذا يقتضي الحاجةَ إلى استعمال لغة واحدة موحَّدة عن طريقها يمكن أن يتواصل جميعُ أعضاء اﻟﻤﺠتمع الذين يشاركون في العملية الاقتصادية().
 هذه المجموعة المترابطة من الأفكار هي التي كانت عاملاً أساسياً في أن تصبح  الإنجليزيةُ لغةَ العولمة الثقافية واللغوية المُصاحِبة للهيمنة الاقتصادية للعالَم الأمريكي/ الإنجليزي، إضافةً إلى عوامل أخرى كثيرة، أهمُّها أن الإنجليزية استفادت من تركة التوسّع الاستعماري العسكري والاستيطاني لبريطانيا في كل أرجاء العالَم ولمدة طويلة. فهذا التوسُّع العسكري حَمَلَ معه هذه اللغةَ وزَرعَها أينَما حلَّ وارتحلَ. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت أمريكا أكبرَ قوة عالَمية، فزادَ ذلك من مكانة الإنجليزية. ومن العوامل أيضاً: السيطرةُ المُبكِّرة للإنجليزية على عالَم التكنولوجيا التواصلية المتطوِّرة التي حوَّلت العالَم ـ كما يقولون ـ إلى قرية صغيرة، كلٌّ يسمعُ الآخر ويراه، وكلٌّ مُجبَرٌ على التواصل مع ساكني قريته والاختلاط بهم والتحاوُر معهم بشكل يومي بل بشكل آنيٍّ ودائمٍ ومستمرٍّ على مدار ساعات اليوم ودقائقه وثَوانيه، فأصبح ضرورياً على كل أفراد القرية أن يتواصلوا بلغة واحدة، لغةِ التِّقنيّات العصرية التي حوَّلت العالَم إلى قريةَ وهي الإنجليزية. وأخيراً، يُضيفُ بعضُهم إلى العوامل السابقة: أن الإنجليزية أصبحت وسيلةً ضرورية لتشغيل الشباب في مختلف الوظائف بكل أنحاء العالم(). وإن كنا نرى في الحقيقة أن هذا العُنصُر يصلُح أن يكون سَبَباً كما يصلُح أن يكون نتيجةً أيضاً. 
الإنجليزية إذن، استطاعت أن تخترقَ صُفوفَ اللغات وتتصدَّرَها جميعاً وتحتكرَ أغلَبَ المجالات التواصلية والحيوية في حياة المجتمعات المعاصرة، وتُصبِحَ لغةَ العولمة بامتياز. ولذلك لا غرابة أن نجد كلَّ مُنتَقِدي العولمة في جانبها اللغوي والثقافي والمُنادين بالتعدُّد اللغوي ـ خاصة في فرنسا وأوروبا ـ يهاجمون الإنجليزية ويعتبرونها العائقَ الكبير في وجه هذا التنوُّع والتعدّد الذي يبشّرون به. ولقد طَفَحَ الكيلُ في السنوات الأخيرة بعدد البحوث والمقالات والكتُب التي تُندِّد بخطر العولمة على أغلبية لغات العالم، وما تحمله معها من عبارات التَّهويل والتخويف من شَبَح الموت والانقراض اللذين يُهدِّدان هذه اللغات. كما أصبح أمراً عادياً جداً أن نقرأ في كل مكان أمثلةً عديدةً من تلك العبارات التَّحذيرية من هيمنة اللغة الإنجليزية، وكأنها رِجسٌ من عَمل الشيطان. ونحن لا نختلف مع الذين يقولون إن العولمة معناها الأمركةُ اقتصاداً ولغةً وثقافة ونَمَطَ حياةٍ ومنظومةَ قِيَمٍ اجتماعية وسُلوكية، ولا شكَّ عندنا أيضاً في أن العربية واحدةٌ من اللغات المُتَضرِّرة من فرض الإنجليزية وتقوية نُفوذها، ولكننا لا نعتبر الإنجليزية وحدَها الخطرَ الداهِمَ الذي يهدِّدُ العربية، بل هناك لغاتٌ أخرى تقومُ بدور الهيمنة نفسِها التي تمارسُها الإنجليزيةُ. فالفرنسيةُ مثلاً، رغم كونها مُتضرِّرةً من الإنجليزية ولا تَتَوانَى مؤسساتُها (وخاصة منظمة الفرنكفونية) والدولةُ الحاميةُ لها، في الصُّراخ والشَّكوى مما تُكابده وتُعانيه من "شَرِّ"الإنجليزية وأخطار الثقافة الأنْجَريكية(). ورغم تظاهرها بتزعُّم تيار الدعوة للتعددية والتنوع اللغوي والثقافي في العالَم والدفاع عن اللغات المُضطهدة والمهدَّدة بالموت والانقراض، فإنها في واقع الأمر تُمارِسُ هي الأخرى ـ وربما بشكل أبشَع وأعنَف ـ دوراً لا يقلُّ اضطهاداً ضدَّ عدد من اللغات وخاصة في أفريقيا وعدد من مُستعمرات فرنسا السابقة. ولَطالَما مارَسَت في السابق وابتداءً من عصر الثورة في نهاية ق18م، اضطهاداً كبيراً وحرباً لا هوادةَ فيها حتى على اللغات الإقليمية والمحلية الموجودة داخل الحدود الفرنسية، ولم تُضطرَّ للاعتراف بحقوقها، على استحياءٍ، إلا في السنوات الأخيرة بعد صدور الميثاق الأوروبي حول اللغات الإقليمية ولغات الأَقليات سنة 1998م، واتفاقية اليونِسكو حول حماية اللغات وتنوُّع الثقافات سنة 2005م (لم يُشرَع في تطبيقها إلا سنة 2007م). وفي مقدمة اللغات التي عانت وما تزالُ تعاني من اضطهاد الفرنسية ومُزاحمتها وتسلُّطها، اللغةُ العربيةُ في المنطقة المغاربية. بل إننا في هذه المنطقة، لا نرى في الإنجليزية خطراً على لغتنا بقدر ما نعتقد أحياناً أننا سنجد في دخول الإنجليزية على الخَط، بجانب الإسبانية ـ التي كانت منتشرةً في جزءٍ كبير من المغرب الأقصى ولها احتكاكٌ كبيرٌ بكل البلدان المغاربية يعود تاريخُه إلى مرحلة الحكم الإسلامي للأندلس ـ عُنصُراً مُسهِماً في الإنقاذ من مخالب الفرنسية التي تستفرِدُ بالعربية وحدها وتتغَوَّلُ عليها وتجعل منها فريستَها الخالصةَ لها وحدها لا يُشاركُها فيها أحدٌ من وحوش الغابة اللغوية. فالمنطقةُ المغاربية في أغلبها ومنطقة جنوب الصحراء والغرب الإفريقي في عمومها، يكوِّنان معاً منطقةَ النُّفُوذ اللغوي الواسع لفرنسا كما كانت من قبل منطقةَ نفوذها العسكري. وما تزال إلى اليوم منطقةَ نُفوذها الثقافي والاقتصادي والسياسي وسُوقَها التجاريةَ الكُبرى وحديقتَها الخلفية وبُعدَها الاستراتيجي الذي لا يمكن أن تتنازل عنه إلا بحروب طاحنة. إن اتفاقية سايس بيكو الشهيرة التي وُزِّعَ العالَمُ العربيُّ بمقتضاها على الدول الاستعمارية، لم تكن الغايةُ منها محصورةً في رسم الحُدودٍ التُّرابية لمجال النفوذ العسكري لدول الاستعمار، ولكن تجاوزتها إلى رسم خرائط لغوية ذات حُدودٍ جُغرافية. فأخذت كلٌّ من الفرنسية والإنجليزية (والإسبانية أيضاً) حُظوظَها وأنصبَتَها من ذلك التَّوزيع. ومنذ ذلك التاريخ، انفردَت كلُّ واحدة من هذه اللغات الاستعمارية بالتَّصرف الحُرِّ في منطقة نفوذها من جسم العالَم العربي، وتعاونت هذه المعاولُ كلُّها على تحطيم العربية والهُجوم عليها من كل جانِب. كلٌّ يفترسُها داخل المجال التُّرابي المُخصَّص له بعيداً عن منافسة الآخرين. 
لذلك نقول: إذا كان التعدّدٌ المفروض (سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً) حتميةً لا مفرَّ منها، وشرّاً لا بُدَّ منه، فليكن وفقَ شُروطٍ ذكرناها سابقاً، تسودُ بمقتضاها اللغةُ الوطنيةُ على سائر اللغات المستوردة، وتُمنَع الأنجليزيةُ من احتكار سوق المشرق والفرنسيةَ من احتكار سوق المغرب والهيمنة عليها دون مُنافِس آخر. وفي ذلك خيرٌ ـ فيما نرى ـ لمصلحة اللغة العربية، وأهونُ بكثيرٍ من الازدواجية الفتّاكة وغيرِ المُتكافِئة. وفي اعتقادنا أن العربية سوف تستردُّ كثيراً من حُظْوَتها ومكانتها وسيادتها على اللغات الأجنبية في حالتين:
أ) فتح باب الاختيار بين اللغات التي يريد المواطنون والمتعلِّمون وطُلابُ المدارس والجامعات بصفة خاصة أن يتعلَّموها. 
ب) مَنع احتكار الازدواجية المفروضة (الفرنسية / العربية ـ الإنجليزية / العربية) وغيرُ المتكافئةُ، للسوق اللغوية، لما فيه من أخطار تُهدِّدُ وجود العربية ـ والفصحى على الأخص ـ ولاسيما أن هذه الأخطار تتفاقَمُ وتزدادُ بتزايد عدد المتعلِّمين وخِرِّيجي المدارس والجامعات. فكل الدلائل أَثبتَت أن انتشار الفرنسية في المنطقة المغاربية والإنجليزية في المشرق، قد تضاعفَ عدةَ مراتٍ عما كان عليه الحالُ خلال فترة الاستعمار، بسبب انتشار التعليم المُزدَوِج الذي أصبحت فيه الفرنسيةُ أو الإنجليزيةُ مفروضتَين لا مناصَ منهما في كثير من التخصُّصات العلمية ـ ولاسيما بالمرحلة الجامعية.
وقد لاحظ كالفي بحقٍّ، أن العولمة لا تُهدِّدُ اللغات الهامشية أو اللغات المحلِّية الصغرى واللهجات، ولكنها تُهدِّدُ اللغات المركزية الكبرى كالعربية والفرنسية والإسبانية والألمانية ونحوها. ولذلك فإن كثرة التَّباكي والتَّشكِّي من خطر العولمة على اللغات الصغرى والهامشية أمرٌ مُبالَغٌ فيه، ولاسيما أن أغلب الآراء والبيانات المقدَّمة في الموضوع "لا ترتكز في الحقيقة على مُعطيات علمية دقيقة وإنما على مجرد تخمينات لا أكثر ولا أقل"()، وأن العولمة لا تُبالي بشأن هذه اللغات، بل قد تعملُ بطريقة مباشرة أو غير مُباشرة على تشجيعها على الحياة. أما انقراضُها أو موتُها فيعودُ لأسبابٍ كثيرة ليست بالضرورة لها علاقةٌ بالعولمة. يقول الباحثُ المذكور:"كثيرٌ من الآراء التي تتباكَى على موت اللغات يطغى عليها المَسلَكُ العاطفيُّ. وإن من وراء الدفاع عن اللغات الصغيرة تكمُنُ حقيقةُ الخوف على بعض اللغات المركزية. أما اللغاتُ الصغرى فعلاقتُها بالإنجليزية لها وضعٍ آخر، لأنها تجد في الإنجليزية حمايةً لها من الموت"(). وقد جعل كالفي من زميله هاجيح صاحبِ كتاب: "لا لموت اللغات"نموذجاً لهؤلاء الكتّاب والباحثين "الذين حينما يدافعون عما يسمونه موتَ اللغات، إنما يعبِّرون من خلال ذلك عن الخوف من الإنجليزية. وهكذا يمكن أن نقرأ العنوان الحقيقي لهذا الكتاب بصيغة أخرى وهي: ˝ لا للإنجليزية˝ "(). وقد حاول كالفي أن يُبرهِنَ على ما ذهبَ إليه من خلال نموذَجٍ سماه بالنموذج الثلاثي الأضلاع، بيَّنَ فيه أن مُواطِنَ اليوم لا يحتاج إلى أكثر من ثلاثة أنواع من اللغات في حياته العملية:
أ - لغة دولية من أجل التواصل الخارجي: وهنا يُنظَرُ إلى الإنجليزية على أنها لغةٌ كونية (أو فوق مركزية) وليست فقط مجردَ لغةً لها بُعدٌ عالمي، أي لها انتشارٌ كبير مثلما لغيرها من اللغات العالَمية الكبرى، لأنها عملياً أصبحت تُستعمَل أكثر من أية لغة أخرى في التواصل العالمي.
ب - لغة معيارية مُشتركة: تستعملها الدولةُ (أو لغة مركزية عُليا)() من أجل الاندماج في الحياة السياسية والإدارية العامة للدولة.
ج -  لغةٌ محلّية خاصة (كالوُلُوف في السِّنغال، أو الزِّرما في النيجر، أو تَماشِيقت في مالي) للتواصل المحلي. وهي لغة ليس من الضروري أن تكون مكتوبة أو تحظى باعتراف رسمي.
وهذا النموذج الثلاثي الأضلاع ـ يقول كالفي ـ هو الذي يقوم بإشباع كل احتياجات المُواطن ويؤدي كلَّ الوظائف المطلوبة. ومنطقُ العولمة يفرضُ حذفَ اللغة رقم (ب)، لأن العولمة تفترض نشرَ ثقافةٍ جماهيرية واسعة يمكنها أن تتلاءم مع الثقافات المحلّية الصغيرة، لكنها لا تقبل بالخُصوصيات الثقافية ولا المقاومة أيضاً. وبهذه الطريقة نجدها تقبلُ عن طواعيةٍ انتشارَ التجمُّعات اللغوية الصغرى، لكنها لا تقبل لغةَ الدولة أو اللغة المركزية الكبرى التي عادةً ما تكون بها نُقطٌ كثيرة للمقاومة المحلِّية. ففي أوروبا يمكن أن تُهيمن اللغةُ الإنجليزيةُ وتتعايش مع تعدُّد لغوي مكوَّنٍ من مجموعة اللغات المحلية الصغرى مثل القَطلانية والكُوريسكية والألزاسية، أما الفرنسية والإسبانية فسوف تتحولان شيئاً فشيئاً إلى لغتين مركزيَّتين ثم إقليميَّتين محليَّتين وتخرجان من وضعية اللغات المركزية العليا. ومن هذه الناحية نجد أن الدفاع عن اللغات (المهدَّدة) يزيدُ من هيمنة اللغة فوق المركزية (أي: الإنجليزية) بنفس الطريقة التي كان فيها الانقسامُ اللغوي في مرحلة ما بعد الاستعمار يجعل اللغة الرسمية (مثل الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية) في وضعية جد مُريحة. ثم يقول في مكانٍ آخر: "إن العولمة تعمل على خلق فراغٍ بين المركز والهامش، وتقوية الكيانات الوطنية الصغرى، وتشجيع التعبير عن الهُويات الهائجة، وكلُّ هذا يرسُمُ مستقبلاً لن يكون فيه أمام العولمة سوى لغاتٍ محلّية هُوِّيّاتية. أما اللغات المركزية العُليا، فهي إما أن يتمَّ سحقُها أو على الأقل الحدُّ من توسُّعها وتقليص وظائفها. إذن ليس موتُ اللغات هو الميزة الأكثر وضوحاً في عصر العولمة في نواحيها اللغوية، ولكن الأهم من ذلك هو إعادةُ توزيع الوظائف بين اللغات. من المؤكد أن هنالك لغاتٍ سوف تختفي وأخرى سوف تُولدُ ولو بنسبة أقلَّ، ولكن هذا أمرٌ ظرفيٌّ هامشيُّ. أما الشيءُ الهيكليُّ أو البِنيويُّ فهو أن سوق اللغات سوف تُصبح سوقاً مغشوشة لن تجد فيها عما قريب أيَّ اختيار آخر غير هذين الاختيارين: فمن ناحية هناك لغةٌ نمتلكُها ولكن لم يكن لنا دورٌ في اختيارها وإنما ورثناها عن آبائنا، ومن ناحية أخرى: هناك لغةٌ مفروضةٌ علينا بطريقة أو أخرى وهي لغةُ العولمة: أي الإنجليزية"(كالفي 2002).
بالنسبة إلينا، هذا الشكل الثلاثي الأضلاع، ينطبقُ تماماً على الوضعية اللغوية في المشرق العربي المُشكَّلة من: أ) الإنجليزية لغة دولية وفوق مركزية في الوقت ذاته. ب) العربية لغة الدولة المركزية. ج) لغات بعض الأقليات واللهجات العربية. واللغة (أ) هدفُها هو إزاحة (ب) وتشجيع بقاء(ج) لأنها لا تشكل خطراً عليها في الوقت الحالي. ويمكن لهذا الشكل أيضاً أن ينطبق على دول المغرب إذا أزحنا الانجليزية من (أ) ووضعنا الفرنسيةَ مكانَها. ومن المصلحة المشتركة للدول العربية في المغرب والمشرق، تنزيل اللغة "الكونية"إلى مرتبة لغة دولية عادية لتصبح هي والفرنسية ولغات أخرى عالمية كالإسبانية، متساويةً في التعامل معها للاستفادة منها واستعمالها جميعاً في الاتصال الخارجي والبحث العلمي والتجارة والصناعة والاقتصاد وفي كل غاية أخرى مفيدة. وهذا الوضع يُتيحُ أيضاً للأفراد أن يمارسوا حُريَّتَهم في الاختيار بينها أو استعمالها كلّها لمن استطاع لذاك سبيلاً. وكما ذكرتُ من قبل، إذا كانت الفرنسية تعمل جاهدة للتخلُّص من هيمنة الإنجليزية تحت دعوى التعدُّدية، وإذا كان التعدُّد شراً لا بد منه، فنحن باسم التعدد أيضاً من حقّنا أن ندعو إلى رفض هيمنة كلٍّ من الفرنسية في المغرب والإنجليزية في المشرق. على أن التعدد لا يعني المساواةَ بين اللغات في الوظائف.أي أن الدولة لا يمكنُها أن تُساوي في الوظائف بين لغتها المركزية الرسمية وتلك اللغات الأجنبية التي من المفروض أن دورها مُساعِد لا أقلَّ ولا أكثر. 
 3 ـ 2:  الازدواجية حين تتحوَّلُ إلى تعددية: 
رغم أن الازدواجية (فُصحى/ عامية ـ مكتوبة/ مَحكية أو منطوقة) لا تكاد تخلو منها لغةٌ من اللغات الإنسانية الطبيعية، ولاسيما تلك التي عرفت تاريخاً طويلاً وحضارة عريقةً وامتدَّت على مساحاتٍ شاسعة، وأنها من حيثُ المبدأُ تبدو شيئاً طبيعياً وعادياً جداً، فإن الأمر يصبح مُزعِجاً حين تتَّسِعُ الفَجوةُ بين المُستويَين المُتقابِلين في اللسان الواحد، أي  المستوى المكتوب في مقابل المنطوق المَحكيِّ، والفَصيح الأدبي في مقابِل العاميِّ الدارِج. واللغةُ العربية من اللغات التي تعدَّدت لهجاتُها بشكل كبير. ليس بين الدول العربية فقط ولكن داخل كل دولة أيضاً، وعَمِلت أسبابٌ كثيرةٌ قديمةٌ وحديثة على اتساع هذه الهُوّة بين مستوَيَيها حتى صارت مَبعَثَ قَلقٍ جديٍّ، ولاسيما بعد ما ظهرت تياراتٌ داخل العالَم العربي ومن خارجه، تدعو إلى استقلال اللهجات عن الفُصحى وترسيمها والاعتراف بها في الدساتير وكل مجالات الاستعمال الرسمية من إدارة وتعليم وغيرهما. وتعاظَمت في موازاة ذلك أصواتٌ كثيرة تُهاجِمُ الفُصحى وتدعو للتخلُّص منها باعتبار أنها أصبحت في نظرها لغةً جامدة أو قاصِرة أو ميِّتةً. والذي يزيد في الطين بَلَّةً هو تغاضي المسؤولين في بلداننا عن التطور العَشوائي للغتنا، وصَمتهم القاتِلِ إزاءَ ما يحدثُ، وتقاعُسِهم أو عدم اهتمامهم بالموضوع أصلاً. فهو ليس من أَولَويّات سياستهم الثقافية، وبالتالي فهم لا يفعلون شيئاً من التدابير والتَّخطيطات() التي تَحدُّ من ظاهرة ابتعاد اللهجات عن الفُصحى وانفصالها عنها. ولا يخفَى ما في هذا الانفصال من مخاطر على وحدة أمتنا العربية الإسلامية. فقد تتطوّرُ المسألةُ وتتحوَّلُ من مُجرَّد (ثُنائية لسانية)، أي: مجرد اختلاف وتفاوُتٍ في درجة استعمال لسانٍ من الألسنة وتنُّوع في أساليبه وأشكاله، إلى (تعدُّدية لسانية) حقيقية، تتكوَّن من ألسنة ذاتِ خصائص وأنظمة مختلفة ومُتمايِزةٍ، ولكل لسانٍ خريطتُه التُرابيةٌ وجغرافيتُه المُستقِلَّة، مما يزيدُ في صلابة الجُدران الفاصلة بين كل بلد عربيٍّ وآخر. نحن الآن نعتبر ـ على مستوى الوعي الشعبي والتاريخي والحضاري ـ أن الحدودَ الجُغرافية الموروثة عن الاستعمار حدودٌ وهميةٌ ومُصطنَعة، لأنها نُغلِّبُ مَنطِقَ التاريخ على منطق الجغرافيا ـ بتعبير المسدّي في كتابه: العرب والانتحار اللغوي ـ  لكن حين تتحول المسألة من (ثنائية) إلى (تعددية)، فإن الأمر سيؤدي ـ لا محالةَ ـ إلى أن تًصبح الحدودُ حدوداً حقيقةً وجدرانُها شاهِقةً فُولاذيةً، تُعمِّقُ نزعةَ الانقسام والتجزئة أكثر مما هو واقِعٌ وحادِثٌ بالفعل. بل إن تفاحُش أمر اللهجات، والتغافُل عنه إلى الحد الذي يصل إلى ما ذكرناه، في ظل تقاعُس المؤسّسات الحكومية، وعجز المؤسسات الأهلية والهيئات العلمية والبَحثية ورجال الثقافة والفكر من المُهتمّين بوحدة الأمة ومصير مُستقبلها ولغتها العربية، سيقودان العربيةَ الفُصحى إلى المصير المحتوم وهو الموتُ والفناء. وهذان الخَطران الكبيران: تمزيقُ أوصال الأُمة، والقضاءُ النهائيُّ على الفُصحى باعتبارها اللغةَ الجامِعةَ المُوَحِّدة، هما اللذان يدفعان بكثير من كُتّابنا وعلمائنا وباحثينا إلى دقِّ ناقُوس الخطَر بين الفترة والأخرى، والحديث عن مستقبل العربية بنَبرة فيها كثيرٌ من التشاؤم.   
في ضوء ما سبَقَ، يحقُّ لكل شخص، وهو يقرأ تلك الإحصائيات والمعلومات التي تحدثت عن انتشار العربية ومدى توسّعها في العالَم والرُّتبة المتميِّزة التي تحتلُّها بين الصفِّ الأول من كُبريات اللغات الفاعلة والمؤثِّرة، أن يطرح ذلك السؤال الكبير الذي ذكرناه من قبل وهو: عن أية عربية كانت تتحدَّثُ تلك الإحصائياتُ ومصادر المعلومات؟ إن كانت تتحدث عن الفُصحى فإن ما جاءت به الأرقامُ لا يعكِسُ وضعَها وحقيقَتَها، لأنها في واقِع الأمر لا تحتلُّ تلك المساحةَ الشاسِعة التي رأينا خريطَتَها. وإن كانت تتحدث عن اللهجات، فاللهجات في واقع الحال هي الآخِذة في التوسُع والانتشار. والغاية التي نتوخّاها من طرح السؤال هي معرفةُ الواقع كما هو، لتدارُك ما يُمكِنُ تدارُكُه من أوجه الخلَل عن طريق التخطيط اللغوي الذي تلجأُ إليه اليوم كلُّ الدول والمجُتمعات المُتخوِّفة من المُستقبَل الغامِض الذي ينتظرُ لغاتها(). 
ومهما يكن من أمر، فإن تلك الأرقامُ والإحصاءات والدراسات إنما كانت تتحدث عن (العربية) في وضعها العام بغضِّ النظر عن مستوياتها في الاستعمال من فُصحى وعامية. أي أنها كانت تتحدث عن سُكان البلدان العربية، على افتراض أنهم جميعاً يتكلَّمون العربية ويستعملونها لغةُ أولى أو ثانية دونما تحديد لمستوى العربية التي يستعملها هؤلاء السُّكان، وإن كانت خريطةُ السكان لا تتطابقُ دائماً مع خريطة اللغات. ففي عدد من البلاد العربية هناك نسبة من السكان ولو قليلةٌ لا تتكلَّم العربية (الزُّنوج في موريطانيا ـ بعض الأمازيغ في المغرب والجزائرـ العُمالُ الأجانبُ في دول الخليج ـ نسبة من الأكراد في العراق ـ أغلبيةُ سكان الصومال وجيبوتي وجزر القَمَرـ نسبةٌ كبيرة من سكان السودان...). وزيادةً على ذلك نجد أن بعضاً من تلك الإحصاءات والدراسات قد ركَّزَ على اللهجات بشكل واضح، واهتمَّ بإحصاء عدد متكلِّمي كل لهجة حتى داخل البلد الواحد، مُعتقداً أن اللهجات هي وحدها التي تمثِّلُ العربية الحَيَّة الناطِقة، وأما الفُصحى فلغةٌ تُكتَبُ ولا تُستعملُ في غير مجال الكتابة. وهذا تصوُّر غيرُ دقيقٍ بالطبع وتشخيصٌ فاسِدٌ للوضع. إذ الفُصحى، وإن لم تكن لغةَ التواصُل اليومي المستعمَل بين الأفراد في البيت والمَعمل والشارِع والسُّوق، فلا يُمكِنُ مع ذلك اعتبارُها لغةً صامتةً خَرساءَ على الدوام. بل إن من مزاياها أنها لغة تُكتَبُ وتُنطَقُ معاً عكس اللهجات التي تُنطَقُ ولا تُكتَب. فالفصحى نجدها منطوقةٌ ومسموعةٌ ومُستعملةٌ بهذه الصفة في مجالاتٍ كثيرة، منها: التعليم بمختلف مستوياته وحقوله، والمجال العلمي (من محاضرات وندوات ومؤتمرات علمية)، والثقافي والفنِّي (ولاسيما القراءات الشعرية والقَصَصية، والمسرح والتَّمثيل، والغِناء، والأناشيد، وبعض الأفلام السينمائية والمُسلسلات والأشرطة الوثائقية...)، فضلاً عن الإعلام السَّمعيِّ والبَصَري وبرامجه المختلفة (مسابقات ثقافية، برامج أطفال، برامج تعليم العربية) وفي الحَقلين الديني والسياسي. بل إن الفُصحى لو أُطلِقَت من عِقالها وفُكَّ عنها الحِصارُ المضروبُ حولَها بالقُوة، وأُخرِجَت من "الإقامة الجَبرية"التي فُرضَت عليها، واجتمعت إرادةُ أهلُها على ذلك، لوجدناها بكل تأكيدٍ لغةَ كل المجالات بلا استثناء. 
 بين الفُصحى والعامية، إذن، توزيعٌ للأدوار وتكامُلٌ في الوظائف، وليستا على طَرَفَي نَقيضٍ كما يتصوَّرُ بعضُهُم. أو لنقُل: هكذا كان الوضعُ من قبلُ وهكذا ينبغي أن يكون الآن. لكننا صرنا نلاحظُ أن هذا التوزيع للأدوار والوظائف قد أصبح في السنوات والعُقود الأخيرة مختلَّ التّوازُن. وأن الكَفَّة أصبحت تميلُ إلى إعطاء العاميات من المساحة والمجالات أكثرَ بكثير مما يُعطى للفُصحى، وأن الهُوَّة بينهما قد زادت عن الحَدِّ المعقول. وهذا ما شرحناه وأفضنا فيه خلال بحثين سابقين().  
وحين نتحدث عن اللهجات وأخطار تفاحُشها على الفُصحى وعلى روابط الوحدة العربية، علينا أن لا ننسى الإشارة إلى تلك الظاهرة التي طالما توقَّفَ عندها بعضُ الباحثين والملاحظين، ألا وهي ظاهرةُ ذلك اللسان الهَجين الذي أصبح واضِحَ الاستعمال في منطقة الخليج، مُكوَّناً من العربية والإنجليزية والأوردُو لغةِ الأكثرية من العمال الآسيويين المُقيمين(). وهذا النموذَج الخليجي ليس سوى مثالٍ لما يمكن أن نراه في بلدان عربية أُخرى نتيجة أخطار التلوُّث اللغوي وتَبلبُل الألسنة، وظهور ما أصبح يسمى:"اللغة الممزوجة " أو المخلوطة (codswitching)، والعَرَبْليزية في المشرق (من العربية والإنجليزية)، والعَرَنْسية في المغرب (من العربية والفرنسية) وهي غير الظاهرة المُسماة:"العربية الفرنكفونية"(). هذا فضلاً عن نُزول مستوى الفُصحى، والإسفاف في استعمال العاميّات إلى درجة سخيفة. 
4 ـ 2: العربية في عيون أصحابها:
في التقرير الذي وضعه خبراءُ اليونسكو سنة (2003) حول حيوية اللغات وتعرُّضها للاندثار، نجدهم يعتبرون "موقفَ أفراد المجتمع إزاءَ لغتهم"، واحداً من أهم المعايير الأساسية التسعة للحكُم على مدى حيوية لسانٍ من الألسنة ودرجة الخُطورة التي تُهدِّده. ثم يقسِّمون هذا المعيار بدوره إلى ستِّ درجاتٍ أهمُّها وأعلاها أن يكون المجتمعُ كلُّه مُتعلِّقاً بلغته ويتمنَّى لها التطوُّر والنمو، وأدناها هو أن لا يكون هنالك شخصٌ يهمُّه موتُ اللغة أو بقاؤها، وتلك هي العلامة السوداءُ ودرجةُ الخطر الأكبر. ومن هنا تأتي مشروعيةُ طرح سؤال أساسيٍّ سابِقٍ، وهو: ما مدى اعتزاز أهل العربية بلغتهم وتشبُّثهم بها، وحرصهم على المحافظة عليها وتطويرها وتنمَّيتها؟ وإلى أيِّ حدٍّ ما تزالُ الشُّعوبُ العربيةُ أو الناطقة بالعربية تعتبر هذه اللغةَ جزءاً أساسياً من هُويّتها وكينونتها ووجودها وليست مجردَ أداةٍ من أدوات التواصل التي يمكن استبدالُها بأية لغةٍ أخرى؟ وبعبارة أخرى: ما هي نظرةُ أهل اللغة للغتهم، هل هي نظرةُ إعجابٍ وفخرٍ واعتزازٍ، أم نظرةُ ازدراءٍ واحتقارٍ؟ وما نوعُ العلاقة التي تربطُهم بها؟ هل هي علاقةُ حَميميةٌ فيها وُدٌّ واحترامٌ وتقديرٌ ومَيلٌ وإقبالٌ، أم علاقةُ خِصامٍ وانفصال وإدبارٍ وتَنَكُّرٍ ونُفُور؟ 
الإجابةُ عن هذه الأسئلة وما هو من قَبيلها وفَصيلها، ستكون ـ للأسف الشديد ـ سلبيةً ومُخَيِّبةً بصفة إجمالية. فالسِّمةَ الغالبةُ على تعامُل أهل العربية مع لغتهم هي سِمةُ التَّفريط واللامُبالاة والتَّنكُّر والتَخلِّي والتقصير في خدمتها واستعمالها وتهميشها في كثير من المجالات الحيوية. بل قد لا يخلو الأمرُ أحياناً من ملاحظة علامات الإعراض والنُّفُور الذي يصل عند بعض الفئات إلى درجة الإحساس بالخَجَل من استعمالها، وكأن في ذلك منقصَةً أو مَذَمَّةً ومَعرَّةً(). أما نتيجةُ المقياس الذي يستعمله علم اللغة الاجتماعي في وزن قيمة اللغة من زاوية حرص الآباء على نقل لغتهم لأبنائهم، ويعتبره تقريرُ خبراء اليونسكو(الذي أشرنا إليه من قبل) من المعايير التسعة الأساسية لمعرفة مدى حيوية اللغة أو تَعرُّضها للخطر، وهو جزءٌ مما يعكسُ نظرةَ أهل اللغة للغتهم، فهي صادِمةٌ أيضاً. ذلك أن أغلب الآباء وأرباب الأُسَر المنتمية لفئة النُّخبة المؤثِّرة من الطبقتين العليا والمتوسطة، أصبحوا يحرصون أكثرَ من أيِّ وقت مضى على الدفع بأبنائهم إلى المدارس الأجنبية ويتفاخرون بذلك أيَّما تفاخُرٍ. ولم تعد هذه المدارسُ تكتفي بتعليم اللغات الأجنبية وغَرسها في عُقول الصِّغار منذ نعومة أظفارهم، وغَسلها مما قد يكون عَلِقَ بها من رواسِب العربية و"أوساخها"، وإنما تلجأ إلى ما هو أشنَعُ، وهو قَطعُ لسان كلّ مَن يحاول التكلُّمَ بالعربيةَ في المدرسة والبيت والشارع وتعنيف الآباء إن حاولوا مخالفةَ الأوامر(). إنها تتبارَى في اجتثاث جُذور العربية من أساسها، وتجفيف منابِعها من حيثُ لا يشعُرُ الناسُ، أو من حيثُ يشعرُون ولكنهم لا يُبالُون. وهذا ما يُذكِّرُنا بصيحة ذلك القِسِّيس القُرطبي المعروفة بـ"صرخة ألفارُو"() التي استنكَرَ فيها انصرافَ أهلِ دينه عن اللغة اللاتينية، وإقبالهم الشديد على العربية يوم كانت اللغةَ العالَميةَ الأولى بامتياز، ولسانَ العِلم والفكر والثقافة بلا مُنازِع. لقد انعكسَ الوضعُ وانقلبَت الآية. فنحن الذين نستنكرُ اليومَ انصرافَ أبناء أوطاننا وديننا عن العربية إلى لغاتٍ أخرى وتعلُّقهم بها أكثرَ من تعلُّقهم بلغة بلادهم وتراثهم وحضارتهم.
 كانت العربيةُ ـ ونحن في سِنِّ الصِّغَر، والأميةُ طاغيةٌ ـ تحتلُّ مكانةً مُقدَّسَةً في نُفوس أفراد المجتمع كبيرِهم وصغيرِهم، مُتَعلِّمِهم وجاهِلِهم. فكان الواحدُ من الناس إذا عثَرَ على ورقة مكتوبة بالعربية قبَّلَها ظَهراً وباطِناً ثم وضَعَها في مكانٍ محفوظٍ حتى لا يُدنِّسَها شيءٌ أو تدوسَها قدَمٌ. أما اليوم، وقد ارتفعت نسبةُ التعليم إلى حدٍّ كبيرٍ، فقد صار أهلُ العربية يدوسونها بأقدامهم ويضعونها وراءَ ظهورهم. ما الذي جرى؟ هل يزيدُ احترامُ العربية مع الأمية ويَقلُّ مع التعليم؟. لا. لقد قلَّ احترامُ لغة المجتمع عندما زاحَمَتها لغاتٌ أجنبية وتغلَّبَت عليها وحلَّت محلَّها وشَوهَّت سُمعتَها. وكلّ ما في القصة أن المغلوب أصبحَ مُغرَماً بلغة الغالِب. 
  ولو أردتَ أمثلةً أخرى من الواقع اليومي الذي يشهد على إهمال أهل العربية للغتهم واستهانتهم بها وتخلّيهم عنها طواعيةً، فيكفيكَ أن تسأل: كم عددُ المَتاجر والمقاهي والمَحلاّت التجارية في شوارع مدينتكَ التي ما تزال تحتفظ بعناوينها ولافتاتها العربية؟ كم عدد المطاعم في مدينتك العربية تُقدِّم قوائمَ أطعمتها ومشروباتها بالعربية؟ كم عددُ الذين يكلِّمونكَ باللسان العربيِّ حين تنزلُ مطاراً أو فنُدُقاً عربيّين؟ كم عدد الناس الذين تعرفُهم يكتبون بطاقات زيارتهم بالعربية؟ كم عدد السِّلَع والمنتوجات الصناعية في بلدك العربيِّ تحملُ أسماءً عربية أو تُكتَبُ مُواصفاتُها وطريقةُ استعمالها بالعربية؟ كم عددُ الطلبة المُتخرِّجين من الجامعات العربية يستطيعون أن يكتبوا صفحة واحدة بلغة عربية سليمة أو يتحدثوا إليك ربعَ ساعة بعربية بسيطةٍ لكنْ خالية من الأخطاء النحوية والتعبيرية والتركيبية الفادحة؟ كم عددُ البرامج الإذاعية والتلفزية التي تستعملُ العربية الحديثة الفصيحة البسيطة المُيسَّرة (ولا نقصد فُصحى المعلَّقات)؟ كم عدد المتاجر والشركات والمصانع ومرافِقِ الخِدْمات عندنا، بما فيها الخِدْمات البسيطة (كالكهرباء والسِّباكة والنِّجارة والحِدادة والصِّباغـة والصِّيانة والتأمـين...) تُحَرِّر فواتيرَها باللغة العربية، أو تستعمل معجماً عربياً في تسمية أدواتها البسيطة العادية؟ 
كثيراً ما طرحتُ على نفسي هذا السؤال: مَن الذي أجبرَ هذا الحدّادَ البسيط أو هذا الجزّار في حيٍّ شعبيٍّ مغمور، أو هذا الخَضّار في زُقاقٍ ضيِّق من أزِقَّتنا المُلتوية المُظلِمة التي لا يدخلُها أحدٌ من الأجانب، أن يكتُب لافتةَ دُكّانه الصغير، ويُحرِّر وصلاً بالسِّلَع البسيطة التي يبيعُها، باللغة الأجنبية وهو لا يعرف منها ـ أو يكادُ ـ إلا بِضعَ كُلَيماتٍ مُحرَّفةٍ؟ بالتأكيد ليست هنالك سُلطةٌ حكوميةٌ تُجبِرُه على ذلك (وإن كان الحيادُ السَّلبيّ لأجهزة الدولة له مسؤوليةٌ كبيرةٌ فيما يقع). وإنما هنالك شعوبٌ فقَدت معنى الانتماء لحضارتها والتمَسُّك بثوابتِ هُويتها والاعتزاز بلغتها، وأُناسٌ تَملَّكَهُم حُبُّ الظهور بغير مظهرهم الطبيعي، وحبُّ التقليد والجَريُ على العادة الضارَّة التي أصبحت تنتقلُ بين الناس كالعَدوَى بدون سبَب معروف. الفقيرُ يقلِّدُ الغنيَّ، والضعيفُ يقلِّد القويَّ، والمغلوبُ يقلِّدُ الغالِبَ، وكلُّ مَن جاءَ بصيحة ردَّدَ صَيحَتَه الآخرون بلا وعي ولا سُؤالٍ. والفارُّ الهارِبُ من لغته يتبعُه عن عَدوَى ومُجاراةِ، قَطيعٌ آخر من الفارّين الهاربين بدون وعيٍ ولا سُؤالٍ أيضاً. المهمُّ أن لا يتخلَّف أحدٌ عن القطيع أو ينعزِلَ عنه.
على أنه من الضروري أن نُنبِّه إلى أن الجزءَ الأكبر مما ينال العربيةَ من تهميشٍ وتقصيرٍ وتفريط، إنما يخصُّ الفُصحى دون اللهجات المتفرِّعة عنها. أما النتيجةُ الطبيعية التي يمكن أن يؤدي إليها طُولُ التهميش والتقصير، فهي زيادةُ انكماشِ الفُصحى وتقلُّص مساحة استعمالها شيئاً فشيئاً إلى أن يأتي أَوانُ اختفائها وانقراضها. فاللغةُ كما نقول دائماً، إنما يقتلُها الإهمالُ ويُحييها الاستعمالُ.  
أما الأسبابُ المؤدّيةُ إلى هذا الوضع فهي كثيرةٌ، ولكن يمكن ردُّها جميعها إلى هذه الكلمة المأثورة عن أحد أسلافنا العُلماء حين قال: "اللغةُ يسقُطُ أكثرُها بسقوط هِمَّة أهلها"، وإلى تلك الجملة الحكيمة التي جاءت على لسان باحث معاصر حين قال: "لا تنتصر لغةٌ إذا هُزِمَ أهلُها"(). وأنا أُضيفَ: ولا تُهزَمُ لغةٌ إذا انتصرَ أهلُها. ومن هنا نقول: إن كانت هنالك أزمةٌ فهي في العُمق أزمةُ مجتمَع لا أزمةُ لغة.
 ما دام أهلُ لغتنا في ضَعفٍ وهوانٍ، وهزيمة نفسية وسياسية وعسكرية، وتخلُّفٍ اقتصادي وتبعيّة ثقافية وعلمية ولغوية، وفي صراعٍ وتنازُعٍ لا ينتهيان، فلا تنتظر من لغتهم أن تكون في وضعٍ أحسنَ مما هم فيه. هذه عُصارةُ القول الذي سبَقَ لي أن بَسطته وشرحتُه في مكانٍ آخر(). واختصاراً لما سَبقَ شرحُه، أقول: تعود أهمُّ الأسباب في نظري إلى الغزو اللغوي الخارجي، والثُّنائية اللغويةُ المفروضة، وتعجيم التعليم والإدارة والاقتصاد وكلِ المرافق الأساسية في المجتمع، والاستلاب الثقافي، وعُقدة الأجنبيِّ المُتغلِّب، والتنافُس في مُحاكاته والسيَّر على خُطاهُ، وعُقدة الشعور بالنقص أمام هذا الأجنبي المتفوِّق في جانب الحضارة المادية، وعقدة الهزيمة الكامنة في لاوعيِ كلِّ أبناء الأمة العربية الإسلامية التي صُدِمت في ساسَتها وأحزابها وزعمائها وكل الإيديولوجيات الفاشلة والشعارات الفارغة التي لم تُنتِج سوى العُقم والضَّعف والهوان والفقر والجهل والحياة المُزرية وسلسلةٍ طويلة من الهزائم والانتكاسات التي حَطَّمت كلَّ آمال الشعوب في النهوض والرُّقيِّ والانتصار، وقتَلت في نفوس أبنائها كلَّ إحساسٍ بالعِزَّة والشُّموخ، ولم تُولِّد سوى النُّفور والاشمئزاز من الواقع المُرِّ الذي يعيشونه في أَلَمٍ وحَسرةٍ وانتظار يائِسٍ. بالإضافة إلى أسباب أخرى تاريخية وثقافية عامةً واقتصادية واجتماعية انعكسَت آثارُها على اللغة، فأصبحت في ظل هذه الأوضاع لغةً قد لا يُحِسُّ مُستعملُها بأنها تُشَرِّفُه أو تَليقُ به أو ترفعُ مقامَه أو تضمنُ له عيشاً كريماً ومكانة اجتماعية محترَمة. فهي لم تعد لغةَ قادرةً على المنافسة في سُوق الشُّغل، لأنه حتى وهو داخلَ بلده، يُطلَبُ منه إجادةُ اللغة الأجنبية ـ وليس العربية ـ للحصول على الوظيفة المُناسِبة. هذا فضلاً عن تخلِّي الدولة عن حمايتها وتركِ حَبلها على الغارِب ليعبَثُوا بها كما شاءوا، وعدم بَذل الأموال السَّخية لنشرها وتعليمها ورعاية مراكز البحوث المتخصِّصة في تطويرها وإنمائها وتنفيذ المشروعات الكثيرة التي من شأنها أن تُقوِّيَ مركزَها وتُيَسِّر استعمالها. 
أما كيف نواجه هذه الحالةَ ونتغلَّب عليها؟ وكيف السبيلُ إلى عودة أهل اللغة إلى لغتهم واحتضانها والاعتزاز بها؟ فذلك ما يحتاجُ إلى بحث خاص وكلام طويلٍ لا يتَّسِعُ له المجالُ في هذه العُجالة. وإنما أقولُ إجمالاً بضرورة وضع هذه المشكلة نُصبَ أَعيننا دائماً ونحن نفكِّرُ ونُخطِّطُ للنُّهوض بالعربية ومُعالجة أحوالها والتفكير في مُستقبلها. 
5 ـ 2: العربية والوضع الاقتصادي والسياسي والثقافي: 
ليس من العَبَث ـ في ضوء ما سبَقَ ـ أن نجد أيضاً بين المقاييس والمؤشِّرات التي يستخدمُها علماءُ اللسانيات الاجتماعية في الحُكم على وزن لغةٍ مُعيَّنة، المقياسَ الاقتصادي والدخل العام القومي والفردي. فهم يريدون أن يزِنوا اللغة بقيمة ما يزنُه أهلُها اقتصادياً واجتماعياً. فكُلَّما ارتفعُ هذا المؤشِّرُ في مجتمعٍ لغويٍّ مُعيَّنٍ إلا ودلَّ ـ عندهم ـ على قُوة وضع اللغة التي يستعملُها أو ينشُرُها ذلك المُجتمع. والعَكسُ بالعَكس. إن أحد مصادر قُوة الإنجليزية مثلاً، أنها لغةُ قوةٍ اقتصادية وصناعية متقدِّمة، ولو سَقَطَ الاقتصادُ الأنْجَريكي لسَقَطت معه لُغتُه المُهيمِنةُ على عالَم اليوم. هنا يصحُّ بالفعل أن نشبِّه لغةَ أُمةٍ بعُملتها. فقُوةُ العملة الأمريكية من قوة اقتصادها، وسوف تنهارُ هذه العُملة انهياراً خطيراً يوم ينهارُ اقتصادُها. ولو افترضنا أن الاقتصاد الصينيَّ هو الذي سيحلَّ محلَّ الاقتصاد الأمريكي أو الغربي بصفة عامة، وهو بالفعل مُرشَّحٌ لذلك، لحلَّت اللغةُ الصينية محلَّ الإنجليزية في قوتها ومكانتها، ليس من حيثُ الانتشار الأُفُقي والعَددي (وإلا فالصينية اليوم بمعيار الانتشار الأفقي هي في المرتبة الأولى من حيثُ عددُ الناطقين بها)، ولكن من حيثُ التأثير العميق المُتغلغِل في كل المجتمعات الخاضعة لسيطرة الاقتصاد الصيني الذي يُعمَلُ له ألفُ حسابٍ.     
إذن، لن يتغيَّر ميزانُ القوة لصالح العربية بالمعنى الجِذريِّ والحقيقي لكلمة (تغيُّر)، وتعود لهذه اللغة مكانتُها العالَمية القوية التي كانت لها في يومٍ من الأيام، إلا حين يحدثُ في العالَم العربي صاحِبِ اللغة تغيُّر جِذريٌّ على المستوى الاقتصادي والثقافي والعلمي والتكنولوجي. ولكن مادام الكثيرون في العالَم العربي نفسه يعتقدون أن الحداثة غربيةٌ والتنمية الاقتصادية والشموليةُ أيضاً غربيةٌ، ولن يتأتَّى للعرب شيءٌ من ذلك إلا باللغات الغربية، فلن نطمع في تغيُّر جِذريٍّ وحقيقي عميقٍ لأوضاع اللغة العربية كما قلتُ. ولن يتأتى هذا مادام أمرُ التعليم والبحث العلمي لا يَتصدَّران أولويات العالَم العربي والإسلامي أيضاً، وما دام أحدُ الشروط الأساسية للتنمية الشمولية التي تُفضي إلى نهضة حقيقية مُغَيَّباً. وأعني بذلك شرطَ استعمالِ اللغة الوطنية في تعميم المعرفة ونشر التعليم وتقويته والرفع من مستوى الوعي وتوطين المعرفة. وهي أمورٌ لا يمكن أن تحصُل على النحو المطلوب باللغة الأجنبية(). وهكذا تبدو الأمورُ متشابكةً ومترابطة: الإقلاعُ الحقيقي يحتاجُ إلى تنمية شاملة وعميقة ومُتجذِّرة، وهذا يتوقَّف على نشر الوعي والتعليم واكتساب المعرفة وتوطينها، وتلك أمورٌ لا تنهضُ بها إلا اللغةُ الوطنيةُ. 
6 ـ 2: العربية بمعيار الإنتاج العلمي والفكري:
بالإضافة إلى كون الإنتاج الفكري والثقافي المكتوب باللغة العربية أضعفَ بكثير مما عليه الوضعُ في اللغات العالمية الأكثر تقدُّماً كالإنجليزية أو الفرنسية والإسبانية()، نجد أن إنتاج العربية في المجال العلمي الدقيق والتكنولوجي بصفة أخصُّ هو أقلُّ ضَعفاً من غيره من صُنوف الإنتاج الفكري والثقافي بصفة عامة، ليس من ناحية الكَمِّ فقط ولكن من ناحية الكيفُ والنوع أيضاً، وهو الأهم. وهذا الضعفُ له أسبابٌ كثيرة أهمُّها:
أـ عدمُ إعطاء الأهمية المُستَحقَّة للبحث العلمي على اختلاف فروعه ومجالاته في البلاد العربية. وأهمِّ مؤشِّر على ذلك النسبةُ الهزيلة جداً من الإنفاق العربي على هذا البَحث العلمي، رغم كثرة الكتابات والتقارير والمقالات التي خصَّصها عددٌ من العلماء والمفكرين العرب للتحذير من خطورة الوضع، وما قدَّموه من إحصاءاتٍ وبيانات فاضِحة لوضعية البحث العلمي وضَآلة ما يُنفَقُ عليه في العالَم العربي(). أضف إلى هذا سوءَ تدبيرِ القطاع توزيعِ المبالغ المخصَّصة له، وأغلبها في الحقيقة لا يُصرف في الوجوه التي ينبغي أن يُصرَف فيها، وأكثرُ ما تُنتِجُه الجامعاتُ غالباً ما يكون الغرضُ منه الحصولَ على ترقيات علمية وشهادات ولا يُوجَّه للتنمية الحقيقية ولا تستفيدُ منه المجتمعاتُ العربية. 
ب ـ قلةُ التقدير المادي والمعنوي، الذي تحظى به الكفاءاتُ العلمية العربية في أوطانها، مما يدفع الكثير منها إلى الهجرة للخارج، فتستفيد من خبرتها دولٌ أجنبية، أغلبُها غربية، تستعملها في تطوير بحثها العلمي وإنتاجها الصناعي والتكنولوجي الذي به تتفوَّقُ علينا. إن مأساة الدول العربية أنها تُنفِقُ مبالغَ طائلةً من ميزانيتها على تكوين أبنائها في أرقى الجامعات والمدارس العليا العالَمية، ثم بعد حصولهم على الشهادات المطلوبة، تختطفُهم البلدانُ الغربية: شركاتُها وجامعاتُها ومراكزُ بحوثها، وتحتضنُهم وتُسخِّرهم لخدمتها ـ وربما ضد المصالح العليا والبعيدة المدى لبلدانهم الأصلية ـ دون أن يكلِّفوها درهماً واحداً. والنتيجة: نحن نُنفِق وهي تستفيد. نحن نزرع وهي تحصُد. نحن نخسر وهي تربح.
ج ـ انخفاضُ النسبة العامة للمتعلِّمين وارتفاع نسبة الأمية التي ما تزالُ فاشية. ففي مجتمعاتٍ يسودُ فيها الجهلُ، وتصُولُ الأميةُ وتجولُ، والمتعلّمون في أكثريتهم أنصافُ متعلمين، لا يمكن أن تنتظر تراكُماً من الإنتاج الفكري والعلمي. 
د ـ تَعجيمُ العلُوم والتِّقنيّات وإبعادُ العربيةِ عن  تلقين هذه العلوم وخاصة في المراحل الجامعية. ففي التعليم العالي بكل الدول العربية ـ باستثناء دولة أو دولتين ـ تحتكِرُ اللغةُ الأجنبيةُ تعليمَ هذه المواد وتُهمَّشُ العربيةُ تهميشاً. تلك خُطَّةٌ سار عليها التعليمُ في بلداننا منذ مرحلة الاستعمار وظلت على ما هي عليه إلى يوم الناس هذا. ونتيجةُ ذلك نتيجتان خطيرتان.
 الأولى: حِرمانُ العربية من التَّطوُّر واكتساب المصطلحات وترويجها وإشاعة استعمالها. وهناك مُبرّراتٌ كثيرة حول أسباب عُزوف الحكومات العربية عن تعريب هذا المجال. وكلُّها في الحقيقة أسبابٌ واهيةٌ يمكن التغلُّبُ عليها إذا توفَّرت الإرادةُ والقرارُ السياسي والرغبة الحقيقية في نقل العربية من مستوى لغة أدبية ودينية إلى لغة علمية وتقنية قادرة على مُنافَسة كلِّ اللغات الأخرى في كل المجالات. كيف تريد أن ترى إنتاجاً علمياً عربياً في مجالات الطبِّ والكيمياء والفيزياء والرياضيات والذَّرة والطاقة بأنواعها، والزراعة والهندسة بكل فروعها، إذا كانت لغةُ التعليم والتلقين والإنتاج والتفكير ـ وهي العربيةُ ـ مُبعدةً إبعاداً عن قصد وسابِقِ إصرار عن كل هذه المجالات؟ وكيف تريد لهذه اللغة أن تنمو وتزدهر وتتطوَّر إذا لم يكن لها نصيبٌ من الاستعمال في كل مجالٍ من هذه المجالات الحيوية التي هي أساس المستقبل؟ يُبعدون العربيةَ عن مجالات الإخصاب والإنجاب ويمنعون عنها كلَّ ما يُسَبِّبُ ذلك ويؤدي إليه، ثم يقولون إنها عقيمٌ لا تَلِدٌ، وجامدةٌ لا تتطوَّرُ.. !!. 
 والنتيجةُ الثانية: إضعافُ التنمية الشمولية للمجتمعات العربية، لأنه لا تنمية حقيقية وعميقة وقوية بدون ركائز علمية وفكرية صحيحة، ولا يصلُحُ ذلك إلا بتوطين المعرفة واستنباتها، وليس بالاعتماد على ما يُجلَبُ أو يُقتَرَضُ منها، ولا يكون التوطينُ والاستنباتُ بلغة أجنبية، كما قلتُ قبل قليل. 
هـ ـ ومن الأسباب الأخرى لضَعف الإنتاج العلمي والفكري العربي بصفة عامة، قلةُ ما يُنشَرُ في العالَم العربي من الكتُب والدَّوريات المتخصِّصة وسوءُ توزيع ما يُنشَرُ منها على قلَّته(). فإذا كان الإنتاجُ المكتوب بالإنجليزية أو الفرنسية يغزو العالَم وتُوزَّعُ منه ملايينُ النُّسخ أحياناً وآلافُ النسخ في الغالب الأعم، ومُعدَّلُ نَفاده من الأسواق لا تزيدُ عن سنتين، فإن مُعدّل ما يُطبَعُ من الكتاب الناجِح في البلاد العربية لا يزيد عن ألف وخمس مئة إلى ألفي نسخة، ومُعدّل نفاده لا يقلُّ عن خمس سنوات. وحتى هذا العدد الضئيل لا يُوزَّع إلا في عدد قليل جداً من البلدان العربية. أما حُظوظُ وصوله إلى سوقٍ خارجَ البلاد العربية فنادرةٌ جداً. فهناك أزمةٌ كبيرةٌ في تصدير الكتاب العربي وتوزيعه عربياً ودولياً. ولا شك في أن من مُثَبِّطات الإنتاج الفكري عامةً قلةَ الإقبال عليه والترويج له، وهو ما يفتُّ في عضُد الباحثين والمؤلفين والعلماء والكُتّاب الُمعرَّبين بصفة عامة، وفي عضُد الناشرين والموزِّعين أيضاً. هذا مع قلة المراكز العلمية والبَحثية والهيئات الحكومية أو الأهلية التي تُخصِّص جزءاً من ميزانيتها لنشر الكتُب والمقالات والبحوث الجيدة. ولذلك نرى الكثيرين من علمائنا وباحثينا ـ رغم معرفتهم بالعربية وقُدرتهم على كتابة بحوثهم بها بشكل جيد ـ يفضِّلون تهريبَ إنتاجهم العلمي وتسويقَه بلغاتٍ أخرى (ولاسيما بالإنجليزية)، لما يُحقِّقه لهم ذلك من مزايا عديدة منها: 1) تعدُّدُ مصادر النشر بتلك اللغات الأجنبية. 2) تَيَسُّر وسائله. 3) ارتفاعُ نسبة قُرائه وسُرعة انتشاره واتّساع فضاءات توزيعه. 4) المُكافآت المادية التي يمكن أن يحصل عليها الباحثُ والناشرُ معا. 5) السُّمعة والشُّهرة التي يمكن أن يحصل عليهما الكاتبُ أو المؤلِّفُ في أقل وقتٍ ممكن. فإذا كانت كلُّ هذه المُشَجِّعات وكلُّ هذه الفرص تُتاحُ للكاتب أو الباحث في حال النشر بلغة أجنبية، فإن كل ما قد يحصُلُ عليه نظيرُه المستخدِمُ للعربية هو عبارةٌ عن مُثبِّطات وإحباطات وسلسلة من الإخفاقات التي لا يد للكاتب أو الباحث فيها، إنما ذلك مما جَنَته عليهُ لغتُه العربية وتمسُّكُه بها. ومن المفارقات الكثيرة التي تحصل عادة في هذا الباب، أنك كثيراً ما تجد إنتاجَ الباحِث والعالِم والأديب المُعَّرب، أكثرَ عُمقاً وقيمة، ولكن قَلَّت سُمعتُه وانحصرت شُهرتُه بسبب لغته، والآخر تجده أقلَّ عُمقاً وفائدةً لكن رفعته إلى سماوات الشُّهرة لغتُه التي كتَبَ بها أو تُرجِمَ إليها. 

 7 ـ 2: وضعُ  العربية بميزان الترجمة:
إن الترجمة المُتبادلة بصفة عامة، من لغةٍ وإليها، تعطي تلك اللغة، قيمةً إضافيةً وتزيدُها قوة وثراءً، وتُطوِّعُها، وتمنحُها من التراكيب والأساليب والاصطلاحات الجديدة ما يُنمِّيها ويُطوِّرُها، ويجعل منها "استثمارًا طويلَ الأمد من أجل الحفاظ على قيمتها أو زيادتها. وحيث إن كل ترجمة إلى لغة تُضيف قيمةً إليها، فإنه يمكن اعتبارُ مُجملِ ما يُترجَمُ إلى لغة ما مؤشِّرًا آخر على قيمتها. وفضلا عن ذلك، تكشفُ حركةُ الترجمة إلى لغة ما، عن مقدار العمل النوعي الذي يمكن ﻟﻤﺠتمع أن يخصِّصه لهذا النوع من المِهَن (مِهَن الترجمة)...".هذا ما يقوله فلوريان كُولماس في كتابه "اللغة والاقتصاد"، وقد أعطى مثالاً من اللغة اليابانية وما حقَّقته في هذا المجال. ففي فترة أكثر بقليل من ثلاثة أعوام (بدءًا من 1984 وحتى 1988) تُرجِم إلى اليابانية أكثر من 22 ألف عنوان من عناوين الكتب، أي بمعدل سبعة ألاف عنوان كل عام تقريباً()، إضافة إلى حجم هائل من المقالات المنشورة في الدوريات العلمية وغيرها. ويَستَنتج من كل ذلك أن اليابانيّين كان لهم عزمٌ وقدرة على تخصيص نفقات كبيرة من أجل أن يجعلوا الأفكار العلمية والأعمال الأدبية المنشورة لأول مرة في اللغات الأخرى، مُتاحةً في لغتهم. وبهذه الطريقة طوَّعوا لغتَهم لأكثر المُتَطلَّبات الوظيفية حداثةً. ثم يضيف كولماس قائلاً: إن "ضمان قابلية الترجمة المتبادلة من دون قيود للغة ما، عن طريق التوحيد والابتكار المستمر للمصطلحات، يُحقِّق أكبر فائدة للاقتصاد القومي الذي يَعتمد عليها"، أي أن الترجمة يمكن أن تُصبح بدورها استثماراً جيداً يُدرُّ أموالاً على الدولة. ثم يختم بالقول: اللغة التي لا تهيِّءُ نفسَها بسهولة للترجمة من اللغات الأعلى تطورًا لن تحظى إلا بتقدير ضئيلٍ، مثلها مثل العُملات غير القابلة للصرف"().
من أجل ذلك يعتبر كثيرٌ من الباحثين، موضوع الترجمة، من أهم معايير الحُكم على مكانة لغةٍ من اللغات ووزنها وقُوة وضعها في هذا العصر. ومن هؤلاء يوهان هيلبْرُون الذي قدم بعضَ الإحصاءات() ذات المؤشِّرات المهمة، ومنها أن 40 % من الكتب التي تُترجَم في العالَم هي من الإنجليزية، وأن ثلاثة أرباع ما يُترجَم في العالم هو من أربع لغات أوروبية فقط (الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الروسية)()، ثم تأتي بعدها الإيطالية فالإسبانية فالدانمركية فالسويدية فالبولونية ثم التشيكية().
 أما عن وضع العربية فهو يختلف بين كونها لغة الهَدَف (يُترجَم إليها) وكونها لغة الأصل (يُترجَمُ منها). ولو صدَّقنا ما جاء في تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية لعام 2003م ـ ولا نكاد نصدِّقُه ـ عن الحالة الأولى لكان في ذلك صدمةٌ عنيفة يصعبُ تحمُّلُها. فقد جاء في التقرير حرفياً: "يُقَدَّرُ الإجماليُّ التراكُمي للكُتُب المترجَمة منذ عصر المأمون [العباسي ق9م] حتى الآن بحوالي 10.000 كتاب، وهو يوازي ما تُترجمُه إسبانيا في عام واحد". وحسب إحصائية لليونسكو عن عدد العناوين المترجمة إلى الخمسين لغةً الأولى في العالَم ما بين 1979 و2004، نجد أن العربية أيضًا لا تحتل رتبة متقدمة، فهي في المرتبة الثلاثين(). لكن إذا عكسنا الآيةً ونظرنا إلى وضع العربية باعتبارها لغة الأصل في الترجمة، لوجدنا نوعاً من الاختلاف المُريح قليلاً. فحسب إحصائية اليونسكو عن الفترة نفسها، نجد أن العربية أصبحت تحتل المرتبة السابعة عشرة بين الخمسين لغة الأولى في العالم. ومع ذلك، سواءٌ نظرنا إلى المسألة من هذا الوجه أو ذاك، تبقى حركة الترجمة في العالَم العربي نقطةً من نقط الضّعف التي تحتاج إلى مُبادرات جدّية لكي يكون لهذا الجانب دورُه الإيجابي في النهوض باللغة العربية. 
7 ـ 2: جانب آخر من الضَّعف: 
قياسُ مدى حُضور اللغة على صفحات الشبكة العنكبوتية، كما ذكرنا سابقاً، من المؤِشرات التي أصبحت معتمَدة في الحُكم على قيمة هذه اللغة أو تلك، وتقويم وضعها ومكانتها وحيويتها وتكيُّفها مع المستجدّات العصرية. ورغم ما سبَقَ إيرادُه من أرقامٍ ومعلوماتٍ تشهدُ بالرُّتبة الجيدة التي أصبحت العربيةُ تحتلُّها بين كُبريات لغات العالم في مجال الحُضور على المواقع الإلكترونية المختلفة ولاسيما ما حصلَ في السنوات القليلة الأخيرة، بقيت هنالك أشواطٌ أخرى كبيرة في هذا المجال لم تستطع لغتُنا بعدُ أن تقطَعها، ولاسيما أن تاريخ دخولها إلى هذه المجالات تاريخ حديثٌ جداً. فما تزالُ العربيةُ تفتقرُ إلى قواعد معلوماتية وقواميس وذخيرة إلكترونية، ورَقمنة كل النصوص أو الأهم منها ـ على الأقل ـ مما يحتاجه الباحثون والمستعمِلون للشابكة التي أصبحت من ضروريات العصر والمصدرَ الأول والسريع للحصول على المعلومات في مختلف المجالات التي يهتمُّ بها الناسُ على تنوُّع مشاربهم وأذواقهم ومستوياتهم وتخصُّصاتهم. ثم إن المهم ليس هو حُضورُ العربية من حيث الكَم، وإنما الأهمُّ حضورُها من ناحية الكيف والنوعية. ليس المهم عددُ مستعملي العربية على الشابكة من مُتَصَفِّحين وقراء ومُعلِّقين وزوّارٍ... بل الأهمُّ عددُ المواقع ومحتوياها وما تقدِّمه للقراء من معلومات يُعتمدُ عليها في البحث وتعميم المعرفة. وليس المهمُّ كذلك أن يستعمل الناسُ العربية بأيِّ شكلٍ كان، ولكن، الأهم أن يستعملوها استعمالاً صحيحاً وسليماً في احترامٍ تامٍّ لقواعدها الأساسية الإملائية والنحوية والصوتية والمعجمية. فكلُّ من يُتابعُ ما يُنشَر بالعربية على مختلف المواقع، يُصابُ بصدمة عنيفة بسبب المستوى المُتدنِّي لما يُكتَبُ ويُنشَرُ. ولاسيما أن غالبيته بالعاميات والدّوارج، وأن حصةً غيرَ قليلةٍ منه تُكتَبُ بالحروف اللاتينية. مع ما يكتنفُ ذلك كُلَّه من ركاكة وجهل وأخطاء فوق الاحتمال. ولو استمرَّ الوضعُ على هذه الطريقة، لأصبحت الشابكة والمواقعُ التواصُلية الإلكترونية عامةً ـ بما فيها الهواتِفُ المحمولةُ ـ من أخطر العوامل التي تُحطِّمُ العربية وتُشَوِّهُها وتمسخُها مسخاً فظيعاً وتسيرُ بها، بسرعة الرياح العاتية، في اتجاه مجهول ومصيرٍ غامِضٍ.   
خُطواتُ لغتنا في هذه المجالات ما تزالُ في بداياتها الأولى ـ كما ذكرتُ ـ ولإحداث قفزةٍ نوعية ـ أو اختراقٍ ذي أهمية كما يقولون ـ يحتاجُ الأمر إلى بذل أموال سخِية تقدِّمها الدولُ والمؤسسات العلمية لتمويل مشاريع ضخمة تتولَّى تطويعَ العربية وإخضاعَها للمجال التكنولوجي والمَعلومِيّاتي، وإحداث بنوك للمعطيات والبيانات قادرةٍ على تلبية كل الطلبات. كما تحتاج إلى جهود مضاعفة من قِبل العلماء والباحثين المتطوِّعين والاستفادة من الأدمغة المهاجرة ذات الخبرة في الميدان، من أجل التعاون على تكوين موسوعات من نوع (ويكيبيديا الحُرة)  ونحوها.    
هل الأزمة داخلية أم خارجية ؟ 
كثيرٌ من الناس، حين يقفون موقِفَ العارِضِ للتحدِّيات التي تُواجهُ العربيةَ، يغضُّون الطَّرف عن كل هذه المشاكل والقضايا التي أتينا على ذكر نماذجَ منها، ويَحصرون كلَّ مشاكلها ويُلَخِّصونها في قضاياها الداخلية. ويُطيلون الوقوفَ بصفة خاصة عند حُدود ما يعتبرونه صعوبةً في نحوها وتعقيدًا في قواعدها الصرفية (كصيغ التأنيث والتذكير والمثنى والجمع، ونون النِّسوة، ونحو ذلك...)()، ومشاكلَ إعرابها الذي يدعو الكثيرون إلى التخلُّص منه، فضلاً عن مشاكل المعجم ككثرة المترادفات والمُتضادات وقلة ألفاظ العصر وتراكيبه ومصطلحات العلوم. ثم يختمون بمناهج تعليم العربية وعيوبها، وكأن العربية هي التي تختار مَن يُعلِّمُها وطريقةَ تعليمها. وقد يُغالُون في كلامهم، ويمضون في نحو هذا الكلام، حتى ليُخيَّل إليكَ وكأن هذه اللغةَ حين خلَقَها اللهُ، خلَقَها مُعوَّقةً ومُشَوَّهةً، وكلُّ عُيوبها خِلْقِيةٌ لصيقةٌ بها، تُلازِمُها ولا تُفارقُها. وقد يعترفون بأن لها تاريخاً طويلاً من الازدهار والقُوة، وأنها كانت طيلة قرون لغةَ العلوم كلِّها والثقافة بأنواعها والحضارة بمختلف تجلّياتها، وأنها كانت لغةً عالمية بامتياز لا تستغني عنها الأممُ في تعاملها التجاري والدولي. ولكنهم يُعقِّبون، وهم يُشيرون بالسَّبّابة إلى الفُصحى على وجه التحديد: ذلك زمنٌ مضى. زمنٌ الشباب والفُتُوَّة والقوة. أما اليوم فالعربيةُ في مراحلِ شيخوختها وعجزها وضعفها، وربما هي الآن على مشارف قَبرها. وهنا يلتقون مع كثير من المستشرقين القدامى في حُكمهم الظالِم بأن العربية ـ ويقصدون الفُصحى على وجه الخُصوص ـ لغةٌ صعبةٌ ومتخلِّفةٌ وعقيمة وغيرَ قادرة على مُسايَرة العصر ومُجاراة الحداثة. وإن لانُوا وتساهلُوا، قالوا في نِفاقٍ ومُداهَنةٍ: هي لغةٌ "عزيزةٌ علينا" لكن استعمالها يتوقَّفُ على تهيئتها وإصلاحها وتيسير قواعدها وإعادة تأهيلها (المطالبة بالإصلاح قبل الاستعمال)، وفي انتظار ذلك يجب استعمالُ اللغات الأجنبية حتى لا تتخلَّفُ الأمةُ عن الرَّكب الحضاري. يستعجلون الرَّكبَ ولا يَهُمُّهُم المَركوبُ. ويُقنعون الناسَ بأن اللغة ما هي إلا أداةٌ للاتصال ونقل المعلومات، أيَّها استعملتَ فقد أحسَنتَ. وهذه واحدة من المُبرِّرات الكثيرة التي يلجأَ إليها ـ عادةً ـ دُعاة تجميد التعريب أو توقيفه. ولقد انتظرنا، وانتظرنا، أن يفعلوا شيئاً لإصلاح العربية وتهيئتها وإعدادها وتطويرها كما يرغبون، والانتقال من المرحلة الاستثنائية المؤقَّتة (مرحلة استعمالِ اللغات الأجنبية في انتظار إصلاح العربية فيما زَعَموا)، ولكن الاستثناءَ أصبحَ قاعدةً، والمؤقَّتَ أصبح رَسميًا، والظَّرفيَّ الذي كان لزمنٍ وفترةٍ، صار يملاُ الزمانَ والمكانَ كليهما من غير نهاية ولا حدّ.   
لا أحد يمكن أن يدَّعي بأن لغتَه كاملةُ الأوصاف لا عيبَ فيها ولا نَقص. ونحن كذلك لا ندَّعي الكمالَ للغتنا، بل نعترف بأن فيها ـ شأن جميع اللغات ـ جوانبَ كثيرة من النقص والقُصور القابلة للمناقشة والبحث من ذوي الاختصاص المؤهَّلين للنظر فيها وإيجاد الحُلول لها، وخاصة ما يتعلَّق بلغتها الواصفةَ، وطُرُق تدريسها وتعليمها، وتحديث معجمها وإغنائه، وطُرُق تنميَّتها وتطويرها. هناك جوانبُ تحتاج إلى إصلاح ومعالجة وتهيئة وصيانة مستمرة، شأنها في ذلك شأن أية آلةٍ تكون في حالةِ اشتغال، فأحرى إذا كانت في حالة إهمال وتعطيل. إلا أن هذه الأمور، رغم كونها ضرورية ومُلِحّةٌ. فنحن، من جهة أولى: لا نَعدُّها عائقاً كبيراً يَحُول دون استعمالها في كل المجالات بما فيها العلوم الدقيقة والتقنيات المتطوّرة، والتجارة والاقتصاد والإدارة وغيرها. فكلُّ اللغات البشرية لها مشاكلُها وصُعُوباتُها الخاصة (علما بأن مسألة الصعوبة في تعلُّم لغة من اللغات هي مسألة نسبية ترجع لأسباب كثيرة)، كما لها طُرُقُها وأساليبُها في التطور والتغيُّر والنموّ. 
ومن جهة ثانية: نعتبر أن كل ما يأتي من هذه النواحي الداخلية يمكنُ إصلاحُهُ والتغلُّبُ عليه، إذا توفَّرت الإرادةُ وحسُنت النَّوايا. ولاسيما أن هناك جهوداً كبيرة بُذِلت وتُبذَلُ في كل النواحي المتعلقة بالمشاكل الداخلية للعربية وطُرُق تدريسها وتنمية معجمها وتقوية رصيدها من المصطلحات العلمية. 
ومن جهة ثالثة، نقول: إن اللغة لا تتطور وتتجدَّد وتنمو وتتقدم إلا وهي في حالة استعمال لا في حالة تهميش وإهمال كما كرَّرنا القولَ في مناسبات كثيرة. وتعطيلُ اللغة عن الاشتغال في انتظار أن تتطور أو يتحسَّن وضعُها، خطأٌّ جسيمٌ في التفكير والتشخيص، والغالِبُ أنه مجردُ مغالطة من المغالطات التي يَشغلون بها الناسَ ويُخفون بها الحقائقَ. إن المَثلَ الفرنسيّ يقول: "يُصبحُ المرءُ حَدّاداً حين يشتغلُ بالحِدادة". ومعناهُ في حالتنا هذه، أن إدخالَ اللغة إلى مجال المُمارَسة هو الذي يُطوِّرُها ويُنَمّيها. فحين نُشَغِّلُها في مجال العلوم تُصبحُ لغةً علمية، وحين نُدخلُها إلى مجال التِّقنيات تصبح لغةً تقنيةً. وحين نتخلى عنها ونَركُنُها جانباً فإنها تتآكلُ وتصدأُ إلى أن تَهوي وتموت، أو إلى أن يأتي من يُحيي عِظامَها ويَكسُوها لَحماً ويُجري في عُروقها دَماً، كما فعلُ العبريّون بلغتهم التي ظلت راقدةً في كهوف الموت والنِّسيان قروناً، لكن حين اتخذت دولةُ إسرائيلَ قراراً سياسياً وسيادياً، بجعلَها لغةً رسميةً وإلزاميةِ استعمالِها في كل المجالات، انبعثَت فيها الحياةُ من جديد وأصبحت لغةَ العلوم والتقنيات والتجارة والاقتصاد والشارع والمعمل والمدرسة والجامعة والإدارة وكل الجوانب الأخرى، مع أنها لم تكن كذلك من قبل، ولم تمرَّ بهذه المرحلة في تاريخها القديم، ولم تكن تمتلك التجربةَ الطويلة التي توَفَّرت للعربية في عصور ازدهارها المعروفة. أما نحن فقد افتقدنا الشجاعةَ الكافية لاتخاذ مثل ذلك القرار المصيري الذي حوَّل إسرائيلَ من (قلعةٍ بابل) وشَتاتٍ من اللغات التي جاء بها اليهودُ من كلِّ فَجٍّ عميقٍ()، إلى دولة موحَّدة الكيان واللسان والهُويّة. انخَدَعنا أو خَدَعَنا أنفُسَنا بكلام نظريٍّ تافِهٍ لا ينطلقُ من معرفة حقيقية بطبيعة اللغات كيف تحيى وتموتُ، وهو أن العربيةَ ـ والمقصودُ هنا هو الفُصحى ـ أصبحت أداةً قديمة باليةٌ غير صالحة لعصر الحداثة، وعاجزةً عن أداء الوظائف التي تؤديها اللغاتُ الغربيةُ، وقاصرة عن التعبير عن مُستجدّات العلوم والتكنولوجيا، فتركناها جانباً، وانصرفنا عنها انصرافاً شبهَ كُلّيٍّ لنتنافس في اصطناع لغاتِ غيرِنا، وكأن ليس لنا لغةٌ أصلاً. قَطَعنا ألسنَتَنا، وكأنما أصابتها عاهةٌ مُستديمةٌ، واستَعَرنا ألسنَة الآخرين، وانشغلنا بها، وأنفقنا على إتقانها ونشرها ثرواتٍ طائلةً من أموال شُعوبنا(). ولم نبذل هذا الجهدَ كُلَّه ولم نصرف الوقتَ كُلَّه أو جُلَّه في الاهتمام بلغتنا. مع ما لنا من مال وقُدرة ووسائل وطاقات. لكن تنقُصُنا الإرادةٌ والقُدرةُ على اتخاذ القرار. لقد انطلَت علينا الحيلةُ التي انطلت على التاجر المُغَفَّل الذي تآمر عليه حُسّادُهُ من التُّجّار الحُذّاق، فَبَخَسُوا قيمةَ بضاعته ليزهدَ فيها ويتركها ويتعلَّق قلبُه بما لديهم من بضائع أخرى. وبعد أن كان بائعاً أصبح مُشترياً.   
إن أخطر المشاكل وأعمَقها وأكبَر العَقَبات والتحدِّيات التي تواجهُ العربية في حاضرها ومستقبلها وأشَدَّها صعوبةً واستعصاءً على الحَلِّ، هي الآتيةُ في نظري من خارج اللغة لا من داخلها (أي ليست نابعةً من طبيعة هذه اللغة أو بنيتها ونظامها الخاص). والخارجةُ عنها هي بدورها إما نابعةٌ من داخل المجتمع، كتفريط أهل اللغة في لغتهم، وتقصيرهم في تعلُّمها وتعليمها، وضَعف مستوى تحصيلها أو ما يُحصَّلُ منها (بسبب ضعف التعليم عموماً أو ضعف الحِصص المخصَّصة لها في برامج التعليم، أو ضعف تكوين مدرسّيها، أو ضعف مناهج تدريسها وطُرُقها ووسائلُها... أو لغير ذلك من الأسباب التي يطول شرحُها)، والتقصيرِ في بذل الأموال العامة والخاصة في سبيل ذلك وغيرِه من الوجوه التي تعود بالنَّفع على العربية، كالإنفاق على البحوث العلمية النظرية والتطبيقية التي تخدُمُها وتُطوِّرُها وتُيسِّر طُرُقَ تدريسها واستعمالها. وهناك من الأسباب الخارجية ما هو مفروضٌ عليها وعلى المجتمع المُستعمِل لها، كالغزو اللغوي والثقافي، وتحديات العولمة، والظروف الاقتصادية والسياسية العالمية التي ليست في صالِحها بقدر ما هي في صالِح اللغات التي يتحكَّمُ أصحابُها في اقتصاد العالَم وسياسته وفي التكنولوجيا والإعلام ووسائل الاتصال. 
الأزمةُ ذاتُ وجهين:
أزمة العربية بهذا الاعتبار، إذن، وباعتبار ما ذكرناه في فقرة سابقة، هي ذاتُ وجهين:
 1-: فهي من وجهها الأول، في مُجملها وأساسها وعُمقها، أزمةٌ خارجية وليست داخلية. بمعنى أنها آتيةٌ من عناصر وعوامل خارجةٍ عنها وليس عن عوامل راجعة إلى طبيعتها الخاصة أو نسَقها الصوتي أو التركيب أو الصرفي أو المعجمي. 
2- وهي من وجه آخر، أزمةُ مجتمع وليست أزمةَ لغة. بمعنى أن أزمة اللغة إنما تعكسُ وضعيةَ مجتمع مأزوم مهزوم مُنكسِر حضارياً وسياسيا، مجروح في كرامته، مُصابٍ في هويته، يعاني من عُقد نفسية كثيرة، ومن الجهل والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والتقني والصناعي، ويعيش في مرحلة ضعفٍ وتبَعية من جوانب مختلفة، و يمرُّ بلحظة تحوُّلٍ خطيرة ما يزال خلالها تائهاً يبحثُ عن ذاته. 
ثُلاثيُّ الموت:
وإجمالاً لما سبَقَ الخوضُ فيه من المشاكل ونواحي الضَّعف التي تعاني منها العربية في المرحلة الراهنة، يمكن القول: إن أشدَّ الأخطار فَتكاً باللغة العربية، وأشَدَّ ما يُخشى منه على مصيرها ومستقبلها، إذا ظل الوضعُ على ما هو عليه، هو المتمثِّل في الثُّلاثيِّ الذي يمكن أن تسمِّيه بثُلاثيِّ الموت، وأعني: 1) التعددية اللسانية المفروضة وآفاتها.
 2) الازدواجية اللسانية وخطر العاميات على الفُصحى.
 3) تفريطُ أهل اللغة في لغتهم. وذلك على النحو الذي وضَّحناه وفصَّلناه في العناوين السابقة. 
أما العولمة، فهي رغم ما فيها من سَلبيات وآفاتٍ، يُصاحبُها كثيرٌ من الجوانب الإيجابية التي ينبغي الاستفادةُ منها في خدمة العربية. وفي مقدمة ذلك تكنولوجية المعلوميات والاتصالات، وكل المجالات الإعلامية الجديدة والمتطوِّرة يمكن للعربية أن تنسابَ من خلالها وتنتشر وتتوسَّع ليتحسَّن وضعُها ومجالاتُ استخدامها. تقول كاترين ميلر(2009): "هذه التكنولوجية الحديثة (مصحِّح ميكروسوفت على سبيل المثال) قد أصبح لها من الفعالية ما يفوق دور كل الاكاديميات اللغوية". 
مستقبل العربية في أيدي أصحابها:
من خلال ما سبَق، يتلخَّص أن العربية بصفة مُجمَلة، ومن الناحية الكمِّية على الأقل، آخذةٌ في التوسُّعٍ لا في التراجُع، عكسَ ما يعتقدُ الكثيرون، لكن توسَّعَها هذا يحمل في طياته عدداً من المخاطر والتحدِّيات التي قد يكون فيها هلاكُها وتفتُّتُها وتلوُّثُها وانقسامُها إذا لم يُبادِر أهلُها لتدارُك الموقف قبل فوات الأوان. فالتوسُّع الذي تشهدهُ العربيةُ تطغى فيه اللهجاتُ على الفُصحى من جهة، وتتدخَلُ فيه اللغاتُ الأجنبيةُ القويةُ التأثير فتتغلَّبُ عليها وتُخضِعُها لتأثيراتها السَّلبية من جهة ثانية، وكلُّ ذلك يجري بطريقة عشوائية من غير ما تخطيط أو تدبيرٍ أو اهتمامٍ تستحقُّه من أهلها وأصحابها.
ومهما يكن، فإن كلُّ ما ذكرناه عن الجوانب السَّلبية والتحدِّيات الكبرى التي تواجِهُها العربية والأخطارِ التي تَحيقُ بها من كل جانب (سطوةُ اللغات الأجنبية، أخطار الازدواجية، خطر اللهجات على الفصحى، الآثار السلبية للعولمة، ضعف الإنتاجية العلمية بالعربية، ضعف العربية على مستوى تكنولوجية المعلوميات، الانعكاس السلبي للوضع الاقتصادي والسياسي العربي على اللغة، المشاكل الداخلية للعربية وتدنِّي مستوى استعمالها وتعليمها وتحصيلها...)، إنما ذكرناه ليكون حافزاً للعمل على تخطيط مستقبل هذه اللغة، ويكون العاملون لمصلحة العربية على وعي تام بمشاكلها وتحدياتها الحقيقية، عارفين بمواطن الخلَل العميق منها والسَّطحي، لمعالجتها بالحلول المناسبة لكل داء، وليس لنَفض الأيدي من هذه اللغة وتركها لحالها ومشاكلها. فذلك هو الخطرُ بعينه. ولطالما كرَّرتُ القولَ، في هذا البحث وغيره، بأن اللغة تموتُ إذا أُهمِلت وتحيا إذا استُعمِلَت، ووجدت مَن ينهضُ بها ويقوِّي عُودَها ويسقي تُربَتها ويتعَهدُها بالرعاية والاهتمام باستمرار. وقد تُصبِحُ اللغةُ في حالة احتضار حقيقيّ، لكنها إذا وجدت مَن يَرعاها ويسهر على علاجها، عادت لها الحياةَ وصارت أقوى وأصحَّ مما كانت. وأحسنُ ما يُقالُ عن مستقبل العربية، هو أنه موضوع بين أيدي أهلها وأصحابها. وليس المقصود بأهل اللغة الدول والحكومات وحدها، بل إن أهلها أيضاً ـ وبالأساس ـ هم مَن يستعملونها ويغارون عليها ويخافون من ضياعها أو تراجُعها، ويبذلون كلَّ ما يستطيعون لبقائها واستمرارها ونموّها وتطورها وازدهارها. وهم أيضاً العلماءُ والمثقفون والكُتابُ وحَملةُ الأقلام والمتخصِّصون في كل علم وفنٍّ ممن عليهم أن يعملوا على تطويعها واستخدامها في كل مجالات تخصُّصهم لتصبح لغةَ العلوم والتقنيات والفُنون وتكتسب ما تحتاجُ إليه من مصطلحات وأساليب. وأهلُها أيضاً هم علماءُ اللسان والتربية وطُرُق التدريس الذين عليهم جميعاً أن يجتهدوا مُتكاثِفين في إيجاد الحلول لتعليم العربية وتيسير طُرُق تدريسها ونشرها. وأهلُها هم رجالُ المجامع والأكاديميات العلمية واللغوية ومراكز البحوث. وهم رجالُ الإعلام والصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة الذين عليهم أن يتنافسوا في دَفع العربية دفعةً قويةً وإبلاغها إلى أقاصي العالَم وإسماع صوتها لكل الآذان ووضعها أمامَ كل العُيون. وهم الفنّانون والمُبدعون والأدباءُ ورجالُ المسرح والسينما الذين يُعتَبرون في كل زمان شواهدَ انتصار هذه اللغة أو تلك، وتُتَّخَذُ نُصوصُهم وإنتاجاتُهم وثائقَ وحُجَجاً على تطور أساليب التعبير والتركيب والمعجم.
وحين نقول إن مستقبل العربية بيد أهلها، وأن أهلَها هم هذه الفئةُ الواسعة ممن يعنيهُم الأمرُ مباشرة، فلا نعتقد أن الشيءَ الذي نأمُلُه وننتظره سوف يتحركُ من تلقاء نفسه، وأن كل واحد من هذه الفئات ستقوم بدورها على الوجه الأكمل، وأن كل العراقيل والعَقبات بعد ذلك ستزول. لن يحدث شيءٌ من هذا إلا بإرادة وتخطيط وتدبير وبَرمَجة ورعاية ومواظبة ومُراقبة. وتلك مسؤوليةُ الجميع، والحكومات والمؤسسات التابعة لها بالدرجة الأولى. فهي التي تُحرِّكُ وتدفعُ إلى التخطيط والبرمجة وتسهر على التنفيذ وتنسيق العمل وتوزيعه، وهي التي عليها أن تُراقِب وتحاسِب وتُذلِّل الصعوبات وتوفِّر الإمكانيات.
ومن العلامات والمؤشِّرات التي قد تبعثُ فينا نوعاً من الطمأنينة على مستقبل العربية عامة، ومستقبل الفُصحى على الخصوص:
- أن مقارنة واقع العربية اليوم، وضمنَه واقع الفُصحى، بواقعها قبل قرن أو قرنين، يجعلنا نلمسُ بوضوح أن لغتنا، رغم كل ما قيل ويُقالُ عنها، قد قطعت أشواطاً جيدة على كافة المستويات لا يُقدِّرُها حقَّ قدرها إلا مَن عَكفَ على مقارنة عربية هذه المرحلة التي نستعملها اليوم بعربية ما قبل بداية النهضة المشار إليها. وذلك رغم كل ضروب الحصار المضروب عليها، وكلِّ المُعاناة التي عاشتها، وكل الأعداء الذين وقفوا في وجهها بشراسة وبَطشٍ غير عاديٍّ، وكل محاولات التَّقزيم والتهميش والتَّعطيل التي وُضِعت في طريقَها، ورغم كل ما قيل ويُقال عن تخلُّفها وتأخُّرها. ويتجلّى هذا التطورُ والنموُّ على وجه الخصوص في التحديث العملّيِّ الذي عرفَه معجمُها (ولم تستوعِب القواميسُ إلا جُزءاً منه) وفي تنويع تراكيبها وتجديد أساليبها وإضافة آلاف المصطلحات العلمية والفنّية في كل المجالات، وتخلِّيها عن قدر غير يسير من الألفاظ والتراكيب القديمة والبالية التي سقَطَت من الاستعمال.  
- رغم أن مسألة العدد والكَمّ ليست المعيارَ الوحيدَ لقياس قوة اللغة ووزنها، فإنها مع ذلك مُؤشِّرٌ له أهميَّتُه ودلالتُه. ومن هذه الناحية على الأقل، وجدنا العربية في حركة ودينامية باستمرار، وليست في جمود وركود كما قد يُقالُ. فقد عرفت العربية بصفة عامة والفُصحى على وجه الخصوص، خلال الفترة المُتَحدَّث عنها (من فجر النهضة الحديثة إلى اليوم)، قدراً واسعاً من الانتشار الجغرافي واتساعاً مهماً في مجالات الاستعمال باستفادتها مما حدث في العالَم العربي من تطور على مستوى نشر التعليم ومحو الأمية وانتشار الكتاب والمدرسة والجامعة ونشأة العدد الوفير من الهيئات والجمعيات العلمية والثقافية والمُنتَديات الأدبية والفكرية والمراكز البحثية التابعة للدولة أو المنبثقة عن المجتمع المدني، فضلاً عن التطور الحاصل في مجال المواصلات وفكِّ العُزلة عن المناطق النائية، وتطور الحياة في البادية، والهجرة المُكثَّفة نحو المدن والحواضر التي تحتضنُ المراكز الكبرى للتعليم والإشعاع العلمي والثقافي. أضف إلى ذلك كله عاملَ الاتصالات السَّمعية البَصَرية ودور عشرات المَحطات الإذاعية والفضائيات المرئية التي تبثُّ بالعربية على مدار اليوم والساعة، فتُوصِلُ العربية إلى كل الأسماع والبِقاع، وعاملَ الصحافة المكتوبة التي كانت سبَّاقة إلى تطوير أساليب الفُصحى وتجديد معجمها وتراكيبها.أما عصر العولمة فقد أضاف للعربية مجالاتٍ أخرى كثيرة للانتشار والاستخدام، فأصبح لها مكانُها الفسيحُ في الحواسيب التي أدخلَت الطباعةَ السريعةَ إلى كل بيتٍ، وحَلَّت مُعضلةَ الشَّكل، وزوَّدت المُستعمِل بمُصحِّح آليٍّ إملائيٍّ وبإمكانية الترجمة الفَورية. كما أصبحت لها مكانتُها في شبكة المعلومات العالمية والمواقع التواصلية الاجتماعية والبوَّابات المُختلفة. واستفادت العربيةُ من ذلك أيضاً في ظهور نوع جديد من الصحافة المكتوبة وهي الصحافة الإلكترونية التي أتاحت الفرصة لكل شخص أن يكتب ويُدوِّن ما يشاء وقتَما يشاء، وأن يقول كلمتَه في كل موضوع ويعبِّر عن خواطره وأفكاره في كل لحظة. وهذا كله أعطى للعربية فضاءً جديداً واسِعاً لم تكن تتوقَّعه. هذا فضلاً عن استعمالها في البريد الإلكتروني والهاتف النَّقال وكتابة الرسائل القصيرة، وغيرها من الأدوات والروابط التواصلية التي أصبحت فيها مساحاتٌ تزدادُ اتساعاً يوماً بعد آخر لصالح العربية وغيرها من لغات العالَم. كما أتاحت الشابِكةُ ووسائل الاتصال الإلكترونية فُرصاً جديداً أمامَ الراغبِ في تعلُّم العربية عن بُعد وبوسائل وتِقنياتٍ حديثة.
- أن العربية، نتيجة كلِّ ما سبَقَ، أصبحت ـ كما رأينا في القسم الأول من البحث ـ  تحتلُّ مرتبةً عالمية متقدِّمة بين كُبريات اللغات العالمية في عدد مستعمليها. وهذه الرتبة إن لم تتقدم في السنوات أو العقود الخمسة القادمة فلن يحدث العكسُ خلافاً لما قد يُظَنَّ. بل إن التقديرات المستقبلية تشيرُ بكل تأكيد إلى أنها مُقبِلةٌ على تقدُّم وليس على تراجُع (وإن كان هذا التقدّمُ كمّياً وليس كيفياً كما كرَّرنا القولَ). فحسب تقديرات للأمم المتحدة حول توقُّعات عدد السكان في عام 2050م يُلاحَظُ أن المجموعة العربية ستكون ضمن قائمة الدول التي سيزداد عددُ سكانها (حوالي 448 مليون نسمة)، وبالتالي ستكون لغتُها ضمن اللغات التي تعرف زيادةً في عدد متكلّميها، بينما سيتراجع عددُ السكان الرُّوس والألمان واليابان، مما يعني تراجع وضع لغاتها.أما وضعُ اللغات الثلاث الإنجليزية والإسبانية والفرنسية فسيعرف عددُ سكان الدول الناطقة بها زيادةً بنسب طفيفة(). والخلاصةُ من تلك التوقُّعات أن العربية ستكون من بين اللغات الثماني المتوقَّع زيادةُ عددُ متكلِّميها وهي: الصينية والإنجليزية والهندية والإسبانية والعربية والبرتغالية والماليزية والفرنسية، بينما ستكون الروسية والألمانية واليابانية من بين اللغات الخاسِرة().
أما توقعاتُ لوي كالفي (2010) عن مستقبل اللغات العالمية الكبرى وضمنَه العربية، باستعمال عدد من المعايير التي أتى بها، وليس معيار عدد المتكلمين وحده، فهي تؤكدُ أن العربية ستحتل عام 2025م الرتبة السابعة بين اللغات العشر الأوائل في العالم.أما باستعمال معيار خاص سماه (منهج الارتداد الخطِّي) فإن مركز العربية سيكون عام 2025م في الرتبة الخامسة، وفي عام 2050 في الرتبة الرابعة عالمياً. ثم وضَعَ ثلاثة توقُّعات أخرى عن مستقبل اللغات الكبرى في عام 2025م، أحدُها يتنبأ بأن العربية سوف تتقدم أكثرَ فتنتقل من الرتبة الخامسة إلى الرتبة الثالثة عالمياً وتتراجع الفرنسية لتصطفَّ خلفها في الرتبة الرابعة.     
ومن الخلاصات المركَّزة التي انتهى إليها هذا الباحث بعد استحضار ما لديه من إحصاءات وتوقُّعات:
 أ) أن ليست هناك لغة يمكن أن تفرض نفسها في المستقبل لغةً عالمية وحيدة.
ب) أن الهيمنة اللغوية لن تدوم على حالها للإنجليزية، فهناك لغاتٌ أخرى مرشَّحة لتحل محلها كالصينية أو الإسبانية..الخ. 
وهناك أيضاً من الباحثين الغربيين من هو أكثرُ تفاؤلاً بمستقبل العربية، مثل جان دانييل الذي رجَّحَ ـ مثل كالفي ـ أن هناك ثلاثَ لغاتٍ ستقتسم العالمَ في حدود عام 2020 هي: الصينية والإنجليزية والعربية(). ومثل الكاتبُ الإسباني كاميلو خُوسيه الحائز على جائزة نوبل في الآداب، فهو يقول:"لن يبقى من اللغات البشرية إلا أربعٌ قادرةٌ على الحُضور العالَمي وعلى التداول الإنساني، وهي: الإنجليزية والإسبانية والعربية والصينية"().
أما الباحثة الفرنسية كاترين ميلر، فهي رغم الاتهامات التي وجَّهتها للعربية، وللفُصحى بصفة خاصة، لا تملك إلا أن تقول في نهاية دراستها (2009): "مهما تكن التقديراتُ، فإن العربية تبقى لغةً من بين كُبريات اللغات في العالم المعاصر، بعدد الناطقين بها، وباعتبارها لغة رسمية لعدد من الدول، ولغة دولية، ولغة الثقافة والدين الإسلامي".
وحسب توقُّعات الدراسة التي أنجزها جرادُول لفائدة المجلس البريطاني(British Council) سنة 1997، نجد أن العربيةُ ستحتل عام 2050م الصفَّ الأول بين خمس لغات عالمية كبرى تقع جميعُها في أعلى درجة السُّلَّم الهَرَمي وهي على التوالي: الصينية ـ الهندية/الأوردية ـ الإنجليزية ـ الإسبانية ـ العربية. وفي الدرجة الثانية من السُّلَّم تأتي مجموعةُ اللغات التي يسميها (اللغات الإقليمية أو لغات الكُتل الاقتصادية الكبرى) ونجد في مقدمتها: العربية ثم الإنجليزية، ثم الصينية، ثم الماليزية، ثم الروسية، ثم الإسبانية أخيراً().ومن هذا يتبيَّن أن المستقبل لن يكون للإنجليزية وحدها، بل هناك لغاتٌ أخرى ـ منها العربية ـ يُتنبَّأُ لها بمستقبل جيِّد في ضوء تحولات اقتصادية وثقافية عميقة من المتوقع أن يشهدها القرنُ الواحد والعشرون. ومن يتأمَّل تاريخ اللغات الكبرى سيجد أن شأنـها لا يختلفُ عـن شـأن الحضارات والثقافات في وتعاقُبها وتداوُلها. فبعـد اليونـانية التي قامت بدور اللغة الوسيطة (franca lingua)، جاء دورُ اللاتينية، والعربية، والفرنسية. وها نحنُ نعيشُ مرحلة الإنجليزية. وهي أيضاً ليست قَدَراً محتوماً، ودوامُ الحال من المُحال. فتغيًّرُ اللغات خاضعٌ بالضرورة لتغيُّر القوى الاقتصادية والسياسية والثقافية. وهذا التغيُّر ماضٍ في التشكُّل باستمرار، وكلُّ يوم يأتي إلا ويحملُ معه مؤشِّراً جديداً على مدى التحولات التي تظهر علاماتُها البارزة في كل الأحداث الضخمة التي شهدها العالَم خلال الفترة الأخيرة. وفي ضوء ذلك يتوقَّعُ الكثيرون نهايةَ دولة الإنجليزية، وحلول لغاتٍ أخرى محلَّها. يقول أحد الباحثين: إن الإنجليزية في نهاية المطاف ستضطر أن تُسلِّم الراية لعدد قليل من اللغات التي سوف تقتسِمُ فيما بينها النُّفوذَ العالَمي(). وهذا ما سبق أن توقَّعه صمويل هنتنغتون ولوي كالفي وآخرون ممن ذكرناهم أو أعرضنا عن ذكرهم.
ـ أن العربية ـ كما أشرنا من قبل ـ تنفرد بميزة لا تتوفَّر لغيرها من اللغات الحية، وهي أنها تستمدُّ جزءاً من قُوتها واستمرارها، من استنادها إلى العُنصُر الديني. وإذا كان هناك من الناس مَن يعتبر هذا العنصر مصدراً لضعفها وجمودها باعتبار أنه لا يسمح لها بالتطور والتحديث، فعندي أن هذا الكلام مجرد افتراءٍ مستمَدٍّ أساساً من الكراهية التي يُكِنُّها بعضُ أعداء هذه اللغة بسبب تميُّزها بهذه الصفة بالذات، وأن كونَها لغةً ذاتَ وظيفةٍ دينية، وأن القرآن الكريم حين نزَلَ بها أَمدَّها بقوة خاصة وجعلَ لها مكانة متميِّزة في قلوب المسلمين تقرُبُ من القداسة في نظر البعض، فإن ذلك لا يحول دون تطورها ونُموّها وتحديثها وخضوعها لسُنَن التطور اللغوي الذي تخضعُ له سائر اللغات البشرية(). والدليلُ أنها في عصرها الذهبي، حين توفَّرت لها عواملُ وظروفٌ ملائمةٌ، لم تتخلَّف عن التطور ولم تعرف الجمود الذي تُتَّهَمُ به اليوم. 
وارتباطاً بما سبَقَ، يجب ألا نُسقط من الحساب دورَ العالَم الإسلامي ودوله وشعوبه التي ترتبطُ روحياً بالعربية، وتتحيَّن الفُرص لتعلُّمها. فهذه الطاقاتُ الكبيرة، التي يتوفَّر عليها العالَمُ الإسلامي، وهذه المساحات الجغرافية الشاسعة المكدَّسة بملايين البشر الطامحين في التعليم، مجالٌ استراتيجي يجب أخذُه بعين الاعتبار، وإشراكُه وإدماجُه في الاهتمام بمستقبل العربية والمساعدة على نشرها وتعليمها وتطويرها.
ـ أنه بقدر ما هنالك من عوامل التخوُّف على مُستقبَل الفُصحى وخطر العاميّات عليها ولاسيما العاميات المُلَوّثَة والمُهجَّنة، بقدر ما هنالك عواملُ أخرى يمكن أن تكون في صالحها ولاسيما إذا بادرت الدولُ العربية إلى وضع تخطيط لمحاصرة اللهجات وتقريب مسافتها من الفُصحى وجعلت ذلك ضمن خُططها الاستراتيجية العامة في مجال الثقافة والتنمية الشمولية. فمحو الأُمية وزيادةُ نسبة التعليم والتَّمَدرس، وتطوير طُرُق تدريس العربية، وزيادةُ انتشار الوسائل الإعلامية والتواصلية المُستعمِلة للفُصحى، والرفع من مستوى التأليف بالعربية ونشر الكُتُب وتعميم القراءة، كلُّها عواملُ إذا أُحِسَنَ استغلالُها سيكون لها مردودٌ إيجابيٌّ كبيرٌ.  
- هناك طاقاتٌ مالية كبيرةٌ يتوفَّر عليها العالَم العربي، يمكنُ تسخيرُ جزءٍ منها لتمويل المشروعات البَحثِيَّة الجادّة التي تعود بالنفع على العربية، وهنالك أيضاً طاقاتٌ بشرية وكفاءات علمية في كل المجالات، يمكن تشغيلُها والاستفادةُ من خبراتها وإمكانياتها الفكرية وتشجيعها على الانخراط في هذه المشاريع والعمل على إنجاحها.
- وأخيراً نقول: إن استمرار العربية في العيش والوجود، فأحرى الانتعاش والازدهار والصعود، متعلِّقٌ بمدى قدرة أصحاب اللغة على الحفاظ عليها وتنميتها وتطويرها، واستعمالها في كل المجالات، والاعتزاز بها، وتوريثها لأبنائهم وللأجيال القادمة.
 
المراجع
مراجع عربية:
- الأوراغي (محمد): التعدد اللغوي: انعكاساتُه على النسيج الاجتماعي، منشورات كلية الآداب بالرباط 2002.
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003م، منشورات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
- بشر (كمال): اللغة العربية بين العَوْرَبة والعولمة، منشور بموقع: salnozaili.jeeran.com
- التويجري (عبد العزيز بن عثمان): مستقبل اللغة العربية، منشورات الإيسيسكو، الرباط، 2004م. 
- جندار (إدريس): في نقد التوظيف العرقي لخدمة الأجندة الفرنكفونية ـ الصهيونية، منشور بموقع (لكم)  بتاريخ1/10/ 2011.
- عبد الحي(محمد): اللغة العربية بين الخطر الخارجي والتهميش الداخلي، مركز الجزيرة للدراسات:
 http://www.aljazeera.net/NR/exeres/58679E86-DBDE-45A6-91E1-5803E93946EB.htm
- عبد السلام (أحمد): العولمة والثقافة اللغوية وتبعاتها اللغوية، منشور بموقع مجمع اللغة العربية الأردني (2009).
- عتيق (عمر عبد الهادي): اللغة العربية والعولمة. مقال منشور بموقع: شبكة الفصيح.
- العرابي الحارثي (فهد): أزمة البحث العلمي والتنمية، منشور بموقع: asbar.com (مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام.
- علي (نبيل): الثقافة العربية وعصر العولمة،عالم المعرفة الكويت رقم 276 ط2 دجنبر 2001 (ط1 2000).
- كولماس (فلوريان): اللغة والاقتصاد، ترجمة أحمد عوض، سلسلة: عالم المعرفة، الكويت 2000.
- مجموعة مؤلفين: اللغة العربية: أسئلة التطور الذاتي والمستقبل، منشورات: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2005.
- مجموعة مؤلفين: لغتنا العربية في خطر، منشورات جمعية حماية اللغة العربية بالشارقة، 2000. 
- المسدي (عبد السلام): العرب والانتحار اللغوي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت 2011م. 
- المقالح (عبد العزيز): واقع البحث العلمي في الجامعات العربية، منشور بموقع: aljazeera.net
- النقاش(رجاء): هل تنتحر العربية؟، مصر 2010م.ط2
- هونكه (زيغريد): شمس العرب تسطع على الغرب، دار صادر بيروت ط9/2000م. 
- الودغيري (عبد العلي): 
   - العربية في مراحل الضعف والتبعية، مجلة (اللسان العربي) ع67/ 2011م.
- العربية الفُصحى والعاميات المعاصرة: علاقةُ اتصال أم انفصال؟ (قيد النشر).
- دور اللغة الوطنية في التنمية وتحقيق الأمن الثقافي (قيد النشر).
- الدعوة إلى الدارجة بالمغرب: الجذور والامتدادات، الأهداف والمسوِّغات، مجلة التاريخ العربي بالرباط ع56/2011م.
- اللغة العربية والثقافة الإسلامية بالغرب الإفريقي (منشورات كلية الآداب ـ الرباط 2011م).
- اليحياوي (يحيى): هل اللغة العربية لغة معرفة وتكنولوجيا. موقع:elyahyahaoui.org/arabe .  
- اليونسكو (منظمة اليونسكو): حيوية اللغات وتعرضها للاندثار، تقرير أعده فريق خبراء اليونسكو الخاص المعنى باللغات المهددة بالاندثار).
ب) مراجع أجنبية:
- Benrabah (Mohamed): Devenir langue mondiale dominante, un défi pour l’arabe.éd. Librairie Droz,Genève-Paris 2009
- Bernier(Ivan) (2011):La préservation de la diversité linguistique à l’heure de la mondialisation, http://www.diversite-culturelle.qc.ca/fileadmin/documents/pdf/diversite-linguistique.pdf
- Breton (Roland): Atlas des langues du monde. Pris 2003  
- Calvet (Alain) et Calvet (Louis-Jean):Le pois des langues , vers un index des langues du monde ; in: Pois des langues , L’Harmattan 2009
- Calvet (Louis-Jean)(2002): Le marché aux Langues , les effets linguistiques de la mondialisation, Plon, Pais 2002
- Calvet (Louis-Jean)2010: Pois des langues et prospective, in: Synergies Brésil n°1/2010.
- Calvet (Louis-Jean):Mondialisation, langues et politiques linguistiques, essources-cla.univ-fcomte.fr/gerflint/Chili1/Calvet.pdf
- Calvet (Louis Jean)(19999): Pour une écologie des langues du monde, Plon , Paris 1999.
- Cécile Canut et Dominique Caubet: Comment les langues se mélangent ? , l’Harmattan , Paris  20002
- Chaudenson (Robert): Mondialisation: Les langues en Europe et le cas français (2006):http://mondesfrancophones.com/espaces/frances/mondialisation/. 
- Hagège (Claude) (2006): Combat pour le français.  2ème éd. Odile Jacob, Paris 2008.
- Hagège (Claude) (2000): Halte à la mort des langues , 2ème éd. 2002 (1ère éd. 2000).
- Leclerc (Jacques) (2011): L’expansion des langues , in: L’aménagement linguistique (http://www.tlfq.ulaval.ca/axl/)
 - Gasquet- Cyrus (Médéric) et Cécile Petijean(direction): Le pois des langues, l’Harmattan , Paris 2009.    
 - Mihalache (Ana) (2011): La mondialisation linguistique: Paradigme universel , http://icfi.ulim.md/wp-content/uploads/2011/01/A.Mihalache.pdf
- Miller (Catherine) 2009 , L’Arabe , le pois du passé plombe- t- il les espoirs de l’avenir ? , (in:  Médéric Gasquet- Cyrus)
 - OUA (Organisation de l’unité africaine et Commission économique pour l’Afrique): Population et développement ; Note d’information ; site: http://www.un.org/popin/icpd/conference/bkg/afrique.html
- Unesco: Atlas UNESCO des langues du monde menacée ,éd. en ligne 2010
- Unesco: Vitalité et disparition des langues ; réalisé par groupes d’experts (2003)
- Unesco: notes statistiques ; 28 Mars 1994.
 
التعليقات والمناقشات
- أ. د. فواز عبد الحق/ جامعة اليرموك
قال إن العربية ما زالت بخير فهي اللغة التي تكفَّل الله بحفظها في كتابه المجيد إلا أن ما ورد في ورقة الدكتور الودغيري هو مدار بحثٍ وتخطيط وتدبير ومغامرة؛ فهناك حديثٌ عن ظاهرة تسمى "لغاتٌ آكلة للغات البشر"، وتُطرح الإنجليزية كأول بديل، كما أن هناك ما يعرف بالانتحار اللغوي.
وأضاف أن الأزمة هي أزمة مجتمع لا أزمة لغة؛ فالعربية مكيفة وبها من الخصائص ما يكفل لها العيش العمر كلّه، والقرآن الكريم لم ينزل بالعربية عبثاً، وإنما لخصائص ميزتها عن بقية اللغات، فالتنمية والتخطيط يجب أن يكونا لأهل اللغة لا للغة.
- د. حامد صادق قنيبي/ جامعة الإسراء
قال إن الدكتور الودغيري ركّز في ورقته على الجانب الكمِّي لأزمة اللغة وأشار إشارة عابرة إلى إمكانات اللغة العربية الذاتية، وتمنَّى لو توازى الجانبان في الورقة، الإحصاء الكمي وقدرات اللغة الذاتية.
- أ. د. عودة أبو عودة/ جامعة العلوم الإسلامية
تساءل عن مدى شيوع اللغة العربية الفصيحة في وسائل الإعلام المغربية (المسموعة والمرئية والمقروءة).
- د. زيد القرالة/ جامعة آل البيت
قال إنَّ هناك مشكلة تواجه اللغة العربية ومؤشراتها كثيرة يذكر منها: مدى اهتمام المجتمع، القرار السياسي، مدى اهتمام المسؤول، المؤسسات والدعم، واقع المتخصص باللغة العربية، وسائل الإعلام، تناقص أعداد من يدرسون اللغة العربية...إلخ.
فلا بد من الاعتراف بوجود مشكلة في ظل تقلّص واضح لجمهور هذه المؤتمرات حتى أعضاء المجمع لا يحضرون ورؤساء أقسام اللغة العربية وطلبة هذه الأقسام والمتخصصين بالعربية أنفسهم لا يحضرون مؤتمراً يقام مرة واحدة في السنة، إلى جانب غياب الدعم المالي لمثل هذه المؤتمرات الداعمة للغة العربية من المؤسسات الأهلية والرسمية.
كما أن الواقع المالي للأكاديمي سيءٌ جداً فلا يكاد راتب الأستاذ الجامعي يصل إلى ثلاثة آلاف دينار، وكذلك أظهرت الثورات العربية سلبية الأكاديمي؛ فقد غاب دوره بشكل سلبي واضح؛ لأنه مقزَّمٌ أصلاً من صاحب القرار وفاقد الشيء لا يعطيه.
- د. منى محيلان/ الجامعة الأردنية
قالت إن الجامعات أحياناً تسهم في تهميش اللغة العربية وذلك من واقع تجربة خاصة حيث إن الجامعة الأردنية كانت تدرس مواد لغة عربية ضمن متطلبات إجبارية تحمل الأرقام (99 و100 و 101 و 102)، ومادة (99) تعتبر مادة استدراكية وتقيَّم بـ(ناجح وراسب) بعدما كانت هذه المادة هي مادة (101)، وبناءً على استطلاع أجرته لطلبة هذه المادَّة حول مدى اهتمامهم بها ومحبتهم وتحضيرهم واستعدادهم لها وجدت أن الطلبة أجمعوا على عدم أهمية هذه المادة في حياتهم، بل رأوا أنها مضيعة للوقت وذلك بناءً على احتساب علامتها. أما الطلبة الذين تحتسب علامتهم في هذه المادة كجزء من معدلهم الفصلي، فأجمعوا على أهميتها في حياتهم اليومية وخطتهم الدراسية.
ومن هنا رأت أن الجامعة هي التي كرَّست هذا المفهوم عند الطلبة؛ لأنها أنزلتها من كونها مادة معتبرة لها قيمتها وجماليتها إلى مادة لا تحتسب علامتها؛ لذا نلحظ زيادة في غياب الطلبة وعدم الاهتمام واللامبالاة بهذه المواد.
- رد. أ. د. عبد العلي الودغيري
ردّ الدكتور الودغيري بأن أهمية البحث تمثَّلت في بيان مدى الأزمة التي تمر بها اللغة العربية، وليست توضيح قدرات اللغة العربية وكفايتها.
وأكد أن خصوم اللغة العربية كثيراً ما يركزون على المشاكل البسيطة من نحو وإملاء وتيسير طرق التعليم بينما تتطور اللغة بالاستعمال لا بالإهمال وتحلُّ هذه المشاكل بالإعمال، فكل شيء يُترك جانباً لا بُدّ يعلوه الغبار والصدأ.
وتساءل: كيف تهمِّش اللغة وتنحيها جانباً وتحرمها الولوج في المجالات الحيوية (العلمية والثقافية والإعلامية والمقاولات والمعاملات... وغيرها) وتجعلها حكراً على اللغة الأجنبيَّة، ثم تعيب عليها بأنها قاصرة ونحوها وصرفها معقدان؟!! وإنما العيب في المجتمع الذي يعاني من عقدة نقص ونظرةٍ دونية للغة؛ فاللغة حين تُعطى الاعتبار وتُفرد في المجتمع سترقى وينصلح حالها.
وإنما مثلكم مثل من يقول: 
 
ألقاه في اليمِّ مكتوفاً
وقال إياك إياكَ أن تبتلَّ بالماءِ
 
وعلى هذا، يرى أن الأزمة الحقيقية التي تعاني منها اللغة هي عدم اهتمام المجتمع بها، وعدم إحلالها المكانة التي تليق بها.


 

البحث

تسجيل الدخول

الأرشيف

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 121 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 2403
المحتوى : 860
عدد زيارات المحنوى : 2921060