مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

الأشكال الجديدة للنَّحْتِ ودورها في التنمية اللغوية المعاصرة

إرسال إلى صديق طباعة

الأشكال الجديدة للنَّحْتِ ودورها في التنمية اللغوية المعاصرة

د. يوسف وغليسي

جامعة قسنطينة- الجمهورية الجزائرية

النّحتُ (أو "الاشتقاق الكُبّار" لدى آخرين) مصطلح وثيق الصلة بدلالته اللُّغوية الأولى؛ إذ إنّ "النون والحاء والتاء كلمة تدلّ على نجْر شيء وتسويته بحديدة، ونحتَ النَّجّار الخشبة، ينحِتُها نحتًا (...)، وما سقط من المنحوت نُحاتة" ().

جاء في (فقه اللغة) للثَّعالبي أن " العرب تنحتُ من كلمتين أو ثلاثٍ كلمةً واحدة، وهو جنس من الاختصار، كقولهم: رجل عبْشمي نسبةً إلى عبد شمس، وأنشد الخليل:

أقول لها ودمع العين جار

ألم يحزنك حيعلة المنادي

من قولهم حي على الصلاة...." ().

كما يستشهد آخرون بأبيات شهيرة أخرى كقول الحارثي:

"وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميَّةٌ

كأن لم تَرَيْ قبلي أسيرًا يمانيا"؛

"إذْ نحت الشّاعر (عبشميّة) من المركب الإضافي (عبد شمس).

وقول عمر بن أبي ربيعة:

"لقد بسملت ليلى غداة لقيتُهَا

فيا حبَّذَا هذا الحبيب المبسمِلُ"؛

إذْ نحت (بسملت) من قولها : بسم الله.

وفي العربية الفصحى صياغات قديمة من طراز :حَمْدَلَ (قال: الحمد لله)، حَوْقَلَ (لا حول ولا قوة إلا بالله)، جَعْفَدَ (جعلت فداك)، سَبْحَلَ (سبحان الله)، طَلْبَقَ (أطال الله بقاءك)، دَمْعَزَ (أدام الله عزك)،... وهي ممَّا "يسمَّى في كلام العرب المنحوت، ومعناه أن الكلمة منحوتةٌ من كلمتين كما ينحت النجَّار خشبتين ويجعلهما واحدةً " () .

وعلى هذا فالنحت يعني ابتداع كلمة مركبة حروفها من كلمتين أو أكثر، تُنْتَزَعُ من حروفها للدّلالة على معنى هو مزيج من دلالات الكلمات المنتزع منها (المنحوت منها).

وإذا كان من المسلَّمَات أن العربية، كسائر اللُّغات السّامية، لغة اشتقاقية ليس من طبيعتها (النحت) الذي هو أصلٌ من أصول اللغات الهندوأوربية ذات الطبيعة الإلصاقية، فإنَّ للعلامة أحمد بن فارس وجهة نظر مغايرة، تفنِّد هذه المسلّمة، وتقلب بعض تقاليدنا اللغوية رأسًا على عقب، فحواها "أنَّ للرُّبَاعي والخماسي مذهبًا في القياس، يستنبطه النظر الدقيق، وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت" ()، ولم يحِدْ ابن فارس عن هذا الرأي في كتابه الآخر (الصاحبي)؛ إذْ أكَّدَهُ قائلاً: هذا مذهبنا في أنَّ الأشياء الزَّائدة على ثلاثة أحرفٍ فأكثرها منحوت" ().

وقد دافع عن هذا الرأي (الشَّاذ!) قلّةٌ من اللُّغويين المحدِّثين، فيما أثار اعتراض نفرٍ من الباحثين الآخرين كرمضان عبد التَّوَّاب وعلي عبد الواحد وافي وجميل الملائكة ووجيه السّمَان ورمسيس جرجس...، وفي مقدِّمة هؤلاء جميعًا مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الذي أصدر قَرَارَيْنِ بشأن النحت، تضمَّن أوَّلهما (1948) حكمًا على ابن فارس بأنه "ركب التعسّف والشطط في حمل ما زاد على ثلاثة أحرفٍ على النحت"، قبل أن يجيز المجمع "النحت عندما تُلجِئُ إليه الضَّرُوْرَةُ العلمية"() ، بينما جاء القرار الثاني (سنة 1965) على قدرٍ كبيرٍ من المرونة :

"النَّحْتُ ظاهرةٌ لغوية احتاجت إليها اللغة قديمًا وحديثًا، ولم يلتزم فيه الأخذ من كل الكلمات ولا موافقة الحركات والسكنات، وقد وردت من هذا النوع كثرة تجيز قياسيته ومن ثم يجوز أن ينحت من كلمتين أو أكثر اسم وفعل عند الحاجة، على أن يُراعى ما أمكن استخدام الأصلي من الحروف من دون الزوائد، فإن كان المنحوت اسمًا اشترط أن يكون على وزن عربي والوصف منه بإضافة ياء النسب، وإن كان فعلاً كان على وزن فَعْلَلَ أو تَفَعْلَلَ إلا إذا اقتضتِ الضَّرُورةُ غير ذلك، وذلك جريًا على ما ورد من الكلمات المنحوتة"() .

لم نَشَأْ أن نتقَيَّدَ برأي ابن فارس هذا الذي من شأنه أن يلغي أبواب الرباعي (مجرّداً ومزيداً) والخماسي...، وما زاد على ذلك من أقسام الصرف العربي، اعتقادًا بوجود وسائل أخرى* (غير النحت) لخلق الرباعي في العربية. ولكنَّ الغريب- في تقديرنا – أن يتحوَّلَ رأي بعض اللُّغويين المعاصرين من هجوم على رأي ابن فارس في النحت إلى هجوم على النحت ذاتِهِ! .

فهذا الدكتور جميل الملائكة يرى أن "النحت لم يكن يومًا من وسائل نمو اللغة العربية أو تطورها خلال تاريخها المعروف"! بحجة أن "ما نحته العرب الخلّص قبل الإسلام لم يتجاوز خمسة ألفاظٍ لا غيرها، استعملوها في النسبة إلى بعض أسماء القبائل المركَّبَةِ تركيبًا إضافيًّا، وهي (تيْمليّ، عبدري، عبشمي، عبقسي، مرقسي) نسبةً إلى (تيم اللات، عبد الدّار، عبد شمس، عبد القيس، امرئ القيس)، ومثل هذا العدد التّافه لا يعتدُّ به في القياس اللُّغَوِيّ" (). وذاك الأستاذ وجيه السمان يقدِّمُ سردًا لأكثر الكلمات المنحوتة قديمًا، لا يتجاوز 103 كلمة (حسب إحصاء للدكتور رمسيس جرجس)، معلّقًا:"ومهما تحرَّيْنَا في الكتب عن منحوتاتٍ قديمةٍ غيرها لا نكاد نصل بالعدد الإجمالي إلى مئتين" ().

والواقع أنّ مثل هذه الآراء الَّتِي تسلم بالندرة النادرة للكلمات العربية المنحوتة، لا تخلو من مبالغة؛ فقد ألفينا السيوطي – في "مزهره"- ينقل عن ياقوت الحموي هذه الحكاية التي تدحض تلك الندرة المزعومة التي اصطنعها بعض الدارسين حجةً ضدَّ النحت":

".. سأل الشيخ أبو الفتح عثمان بن عيسى الملطيّ النَّحَوِيّ الظهيرَ الفارسيّ عمّا وقع في ألفاظ العرب، على مثال شَقَحْطَبَ، فقال : هذا يسمّى في كلام العرب المنحوت ، ومعناه أن الكلمة منحوتةٌ من كلمتين كما ينحت النجّار خشبتين ويجعلهما واحدةً، فشقحطب من شِقّ حَطَب، فسأله الملطي أن يثبت له ما وقع من هذا المثال إليه ليعول في معرفتها عليه، فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه، وسماها كتاب (تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب)" (). فالمغزى من هذه الحكاية أنّ كتابًا من عشرين ورقة قادرٌ على استيعاب المئات من الكلمات، إلى ذلك العهد فقط (القرن السادس للهجرة)، إلا أن يكون هذا الظهير الفارسي على مذهب ابن فارس في النحت!..." .

يقسّم المستشرق الروسي كيفورك ميناجيان (مراسل مكتب تنسيق التعريب بالرباط، من موسكو) النحتَ إلى نوعين ():

1- تركيب نحتي: هو توليد الكلمة من كلمتين بحيث لا يبقى الشكل الأولي لكلتا المنحوتتين سليمًا.

2- تركيب مزجي: هو تركيب كلمة من كلمتين (أو أكثر) بحيث لا تفقد أية كلمة حرفًا من أصلها، بل تُمزَجُ بالأخرى، وتُكتبان في شكل كلمةٍ واحدةٍ.

والأوْلى – في نظرنا- أن نُسقط النوع الثاني من باب النحت، لأنه ليس من النحت في شيء بقدر ما هو مجرّد دمج لكلمة في أخرى، فهو أدنى إلى المصطلح الأجنبي (Composition) ؛ ولا حديث عن النحت – في اللغة والاصطلاح- بغير نُحاتة.

وعلى عكس الأهمية النظرية التي يكتسيها النحت في مجال التجديد اللغوي والتوليد الاصطلاحي، فإنَّ هناك شبه إجماع لدى الباحثين المعاصرين على ضرورة تحاشيه – قدر المستطاع- خلال الفعل الاصطلاحي واللغوي عامة؛ حيث يبدو قرار المجمع العلمي العراقي مكمّلاً لموقف القاهرة الزاهد في النحت:"عدم جواز النحت إلا عند عدم العثور على لفظ عربي قديم واستنفاد وسائل تنمية اللغة من اشتقاق ومجاز واستعارة لغوية وترجمة، على أن تُلجئ إليه ضرورة قصوى، وأن يُراعى في اللفظ المنحوت الذَّوقُ العربي وعدم اللبس" (). ومثل ذلك رأي الدكتور علي القاسمي في النحت، إذْ يدعو إلى "عدم التوسع باستعماله في توليد المصطلحات الجديدة لأنه يتنافى مع الذَّوق العربي ولأن المنحوت يطمس معنى المنحوت منه" () . وكذلك ترى الدكتورة وجيهة السطل أن "النحت فعلاً وسيلة تساعدنا في الحصول على مصطلح جديد في اللغة العربية حين تعجزنا الوسائل الأخرى، ولكن الوسيلة إذا كانت بلا ضابط ينظمها، ويبين للجميع طريقة الحصول عليها، تحولت – إذا أبحناها مطلقًا- إلى نوع من الفوضى والعبث بألفاظ اللغة. فالحكم الوحيد في النحت هو الذوق السليم للنّاقل، وسلامة الذوق أمرٌ نسبي، وكثيرًا ما تكون التّرجمة الدّلاليّة للمصطلح بكلمتين أفصح وأدل على المعنى ، وأفضل من إدخال مجموعة من الألفاظ الغريبة التي لا يقبلها الذوق العربي إلى اللغة" ().

إنّ الإفراط في النّحت، بغير حدود ولا ذوق، قد قادنا إلى الاصطدام بكلمات هجينة غريبة تنغلق مفاهيمها دون هوامش طويلة تشرحها بعد أن تعيدها إلى أصولها، وحينئذ تغدو الجملة الاصطلاحية الطويلة أهونَ شرًّا على المفهوم وأرحم بالمتلقي العربي من المصطلح المفرد المنحوت من كلمات شتّى، وقد وضع شحادة الخوري الإصبع على الجرح، حين وقف على كلمات جديدة غالى أصحابها في نحتها "مثل: قَطْشرة، بدل قطع الشرايين، وفَسكَرَ بدل فحم السكر، فأتوا بكلمة أعسر من الكلمتين اللتين أرادوا دمجهما، فكانوا كالهارب من الدّبِّ يقع في الجبِّ"()! لذلك لاحظ محمد عناني أن "التَّوسُّعَ في النَّحْتِ غير محمود العواقب لا لسببٍ إلاّ لتعذّر فهمه"().

وعلى هذا قلّلَ معظم الدارسين من شأن النحت في مجال الصناعة الاصطلاحية، وجعلوه في مرتبة دنيا، هي "أدنى درجات التفضيل في الوضع المصطلحي" () ، على أساس أن "مبدأ النحت غير مخصب في اللُّغة العربيَّة" ()، وأنه كان- في نظر عبد السلام المسدي- "حدثًا عارضًا في اللسان العربي، وتكيّفًا طارئًا على جهازه" ()، وظلَّ "آلية غريبة عن اللغة العربية"()، و"أسلوبًا ناشزًا في صياغة المصطلحات العربية، وقلّما وفّق اللاجئون إليه ولو في ضرورات المصطلح العلمي، كما حصل في علم الكيمياء..." ().

بيد أن كل ذلك لا يقدح كثيرًا في النحت بوصفه فعلاً لغويًّا مجردًا، ولا ينتقص من أهم ميزة اصطلاحية يمتازُ بها النحت، ويكاد ينفرد بها، هي الاقتصاد اللغوي، لأنَّه الوسيلة الأساس في نقل المعرفة من جُمل لغوية طويلة إلى كلمات مفردات مقتضبات. وبالنظر إلى النحت من حيث قدرته الاختزالية الكبيرة ( لا سيما حين تمتزج هذه القدرة بالوضوح)، يمكن القول إنه أداةٌ اصطلاحيَّةٌ بامتياز.

لذلك رأينا بعض الباحثين يدعون إلى إعادة النظر في موقف الجمهور من النّحت، وعلى رأسهم الدكتور إبراهيم أنيس:"... نشعر أن النحت في بعض الأحيان ضروري يمكن أن يساعدنا على تنمية الألفاظ في اللغة، ولذا نرى الوقوف منه موقفًا معتدلاً، ونسمح به حين تدعو الحاجة الملحّة إليه" () ، والدكتور حامد صادق قنيبي الذي وقف مثل هذا الموقف المعتدل، حين جعل من النحت "أحد روافد تنمية اللغة المعاصرة، وخاصة في مجال المصطلحات العلمية، والألفاظ الحضارية التي يكثر دورانها على ألسنة الناس، ولكنه رافد يأتي في المرتبة الأخيرة.." ()، مضيفًا أنه "يجب أن لا نعلِّق الآمال العريضة على النحت، كما لا ينبغي أن نوصد بابه. فَلِلْنَحْتِ فوائدُ في تيسير الاختصار فحسب، فإذا أدَّى هذا الاختصار إلى ولادة الغرائب الممجوجة على الألسن، والعسيرة على الأسماع فالأَوْلَى هجْره والصدود عنه، وربما كان في الترجمة بكلمتين مندوحة لنا عن غريب النحت" ().

وكذلك اختصّ الدكتور محمد ضاري حمادي النَّحْتَ بدراسة قيّمة، انتهى فيها إلى أن "للنحت فَوَائِد في تيسير الاختصار، والتوليد للجديد من الكلمات" ()، ولكن ما يجب الوقوف عليه في شأن النحت أمران يراهما غايةً في الأهميّة : "الأول – متى ننحت؟، والثاني- كيف ننحت؟"().

ولعل ما رغّب بعض المعاصرين (المحافظين) عن النحت، إضافةً إلى إجماعهم على عدم قياسيته لقلَّةِ ما ورد منه، هو ما يمكن أن ينجرّ عنه من كلمات مبهمة معقّدة، فضلاً عن غياب ضوابط معيارية واضحة تحتكم إليها عملية النحت، مما حَدَا بعضَهم() على الاجتهاد في ابتداع بعض القواعد والمعايير التي تضبط آلية النحت وتضفي عليها لمسات عربية تقرّب النحت ذاته من خصائص اللغة العربية.

ومن جملة تلك المعايير يمكن أن نذكر ما يأتي:

- ألاّ يقل عدد حروف الكلمة المنحوتة عن أربعة أحرف؛ ربما كي لا تلتبس بكلمة أخرى تحمل الحروف نفسها (وتكون كلمة مفردة أصيلة مجرَّدة).

- أن يكون لكل كلمة من الكلمات المنحوت منها معنى يختلف عن معنى الكلمة الأخرى، لتجتمع المعاني في الكلمة المنحوتة.

- أن ننحت من الكلمات الأكثر تداولاً واستعمالاً.

- أن تبقى حروف المنحوت منه على ترتيبها بعد النحت.

- أن تشمل كل كلمة منحوتة على حرف أو أكثر من حروف الذلاقة (ف، م، ل، ن ، ب ، ر) تطبيقًا لقانون لغوي معروف يشمل الكلمات الرباعيّة والخماسيّة الأصل.

- التّحقّق من الائتلاف المطلوب في النسيج الصوتيّ للكلمة المنحوتة، بالحذر من الوقوع في تنافر الحروف؛ إذْ لا يستساغ اجتماع حرفين متنافرين في كلمة عربية (مثل : الصاد والجيم، والهاء والعين، والعين والخاء، والجيم والقاف، والطاء والجيم، والنون بعد الراء، والزاي بعد الدال ، ...).

- أن تؤدي الكلمة المنحوتة حاجات العربية من إفراد وتثنية ونسبةٍ وإعراب... .

- أن تكون على وزنٍ عربيٍّ، قدر الإمكان، كأن تكون على وزن (فَعْلَلَ) أو (تَفَعْلَلَ) إذا كانت فعلاً،... .

ثمة ضربٌ آخر من النحت، لا يكاد يستأثر باهتمام الدارسين العرب، وإذا حدث العكس فنادرًا ما يُدرَسُ في نطاق النَّحْتِ، وَهُوَ ضرب أكثر نُحاتةً، وأشد اختزالاً، وأغرب هيئة،... .

يُمْكِنُنَا تسمية هذا الضرب من النحت (النحت الهجائي)؛ حيث يدل (الهجاء) في اللغة على "تقطيع اللَّفظة بحروفها" () ، كما يمكننا تسميته (النحت الاستهلالي) ؛ لأن الأسلوب الغالب على هذا النحت إنما يقوم على الاكتفاء بالحرف الأول أو الحروف الأولى الَّتي تقعُ في مستهلّ الكلمة أو الكلمات المنحوت منها، بينما يسميه آخرون (النحت الرمزي) أو (النحت الأوائلي) أو (المختزل النحتي)... . ويشيع النحت "الهجائي" الاستهلالي هذا في أسماء الشركات والجمعيات والنوادي الرياضية والأحزاب السياسية والمنظّمات الدوليّة والمركبات الكيميائيّة، ... . كأن تكون ( ش. و. ن . ت ) نحتًا هجائيًّا يختزل اسم (الشركة الوطنية للنشر والتوزيع)؛ وفي هذه الحالة نتلفّظ بأسماء الحروف (شين. واو. نون، تاء) أو تكون (حماس) اختزالاً لـ(حركة المقاومة الإسلامية )؛ وفي هذه الحالة نتلفظ بالمنحوتة ككلمة عادية مألوفة، ... .

وسواء على هذا اللون من النحت أَكَانَ التلفظ به حرفيًّا أم لفظيًّا، شفوياً أم كتابيًّا، فإنه أصبح عنوانًا لـ"ظاهرة لسانية ذات أهمية ملحوظة"(29) تخصّص في دراستها قلة من الباحثين الغربيين يأتي في طليعتهم الباحث الفرنسي الكبير لويس جان كالفاي (L.-J. Calvet) *. وربما كان للاستعمال الشفوي انعكاسه الواضح على هذه الظاهرة في اللغة المكتوبة ؛ حيث اعتبرها ليونارد بلومفيلد (L.Bloomfield) اقتراضاتٍ (Emprunts) استعارتها اللهجة المكتوبة من لهجة شفوية ( 30).

ولشدة التصاق هذه الظاهرة باللغات الأوروبية التي من مقوماتها النحت، فقد صار ديدن بعض الدراسات الغربية أن تميز بين أنواعٍ شتى من هذا النحت الهجائي، مع اختلافٍِ ملحوظ في اختيار العنوان الاصطلاحي الذي ينتظمُهَا، من جهة، واختلاف آخر في تحديد مفهوم واضح مستقلٍّ لكل نوع منها، من جهةٍ ثانية.

فقد ألفينا بعضهم يدرسون هذه الظاهرة النَّحْتِيَّة اللافتة تحت عنوان (Les Sigles) وآخرين يدرسونها باسم (L'acronyme) حينًا و(L'abréviation) حينًا آخر، وقد يستعمل آخرون مصطلحات أخرى من نوع (La troncation)، أو (Les mots-valises) أو (L'abrégement) ، أو (L'acrophonie)... .

فإذا انتقلنا من الفرنسية إلى الإنجليزية، استوقفنا سيل آخر من المصطلحات الدالة على الظاهرة ذاتها، من أمثال: (Clipped words)، و(Shortening)، و(Contraction)، و(Telescoped words)، و(Portmanteau words) ، و(Initial) ، و(truncation) ، و(Compound words)، و(Acronym)، و(Abbreviation) ،و(Haplology) ... حيث وجدنا (قاموس اللغة واللسانيات) الإنجليزي ، يجعل من هذه الظاهرة نحتًا رمزيًّا عنوانه "Abbreviation"( 31) (يُمْكِنُنَا تسميته الرَّمْزَ الاختصاري، بغضِّ النَّظر عن الترجمات الأخرى) ( 32) يقدِّمُهُ على أنَّهُ "تقصير (Shortening) لبعض الأشكال اللُّغويّة، باختزال الوقت والجهد المستهلك في استعمالها، في الكلام والكتابة على السّواء"، ويفرّعه إلى أنواع ثلاثةٍ أخرى؛ أوّلها يسميه (Acronyms) (وقد نسميه النحت الاستهلالي، أو "ألفاظ الحروف الفواتح"، مع الإحالة على ترجمات كثيرة أخرى) () ، ويطلقُ على "كلمات مشكلة من الحروف الأولى للألفاظ داخل الجملة"، ومثاله الذي يقدِّمُهُ المعجم هو كلمة (NATO) التي يحيل كل حرف منها على الحرف الأول من كل كلمة تتضمَّنهَا جملةُ "حلف الشمال الأطلسي" (North Atlantic Treaty Organisation). والثاني يسمِّيه "Clipped words".

(وترجَمَهُ آخرون إلى "الكلمات المختزلة" () ، بينما يُمْكِنُنَا ترجمته إلى "الاقتضاب" الذي يعني – لغةً- أخذ القليل من الكثير أو "الاجتزاء المقطعي" الذي يعني الاكتفاء بجزءٍ أو مقطع واحد من مقاطع الكلمة)؛ ويطلق على كلمات "مشكلة على أساس الاحتفاظ بمقطع واحد (غالباً ما يكون المقطع الأول) من أصل الكلمة" مثل (Lab) المقتضية من (Laboratory).

أمّا الثّالث فيسمّيه "Contractions" (التي أعاد بعض العرب نقلها إلى "الاختصار" () ، ونفضل أن ننقلها إلى "الإدغام التركيبي"؛ اعتبارًا بدلالة الإدغام في مجال إدخال الحرف في الحرف)، ويطلق على ضرب مشكل بحذف قسم من الكلمة أو الجملة، مثال (You'd) منحوتٌ من كلمتي جملة (You would).

خلافًا لما ورد في هذا المعجم الإنجليزي المتخصّص، فإن أحد الفرنسيين (L.J.Calvet) قد درس هذه الظاهرة دراسة علميّة معمّقة، لكنّه أطلق عليها تسميةً لا وجود لها في القاموس الإنجليزي، هي "Les sigles" (التي فضلنا أن نتجاوز ترجماتها العربية المختلفة () ، لنقترح لها مقابلاً جديدًا نسمِّيه "الحروف المقطّعة"؛ اعتبارًا بالدّلالة التُّرَاثيّة القويّة لهذا المصطلح كما يأتي توضيحه لاحقًا، أمّا العمليّة النَحتية التي يسمّيها الفرنسيون "Siglaison" فنفضّل ترجمتها إلى "التّقطيع الحرفي").

وهي كلمة من كلمات القرن الثامن عشر الميلادي، ذات الدلالة العلميّة التي تخصّ نوعًا من "العلامات الاختصارية" (Signes abréviatifs) ( 37) . وقد ميز هذا الباحث الفرنسي ، في مطلع كتابه ، بين ثلاثة مفاهيم أساسيّة( 38):

1. "الرمز الاختصاري" (Abréviation) : وهو كلمة مختزلة، إما أن تتم عبر الاحتفاظ بالمطلع (Prof. - Professeur)؛ وهي في هذه الحالة شفوية ، وإما أن تتمّ عبر الاحتفاظ بالحرف الأول من الكلمة (مثال: h. heure) ، أو الحروف الأولى (مثال: Sec. seconde)، أو الحرف الأول مع الحرف الأخير (مثال: gl. . général) ، وهي في هذه الحالة كتابية.

2. ألفاظ "الحروف الفواتح" (Acronyme): مجموعة ألفاظ مختزلة عبر الاحتفاظ بمطلع كل كلمة (المقطع الأول منها عادة)، مثال:

(Direlatex Direction des Relations Exterieures)

3. "الحروف المقطعة" (sigle): مجموعة كلمات مختزَلَةٍ، لا يُحتَفَظُ فيها إلا بالحرف الأول من كل كلمة.

ويُشيرُ الباحثُ- في مقام آخر- إلى وجود طريقتين للتَّلَفظ بكلمات "الحروف المقطعة" ( 39):طريقة النُّطْقِ الحرفي (lettre á lettre)، وطريقة النطق اللفظي ككلمة واحدة (Comme un mot).

وبالمناسبة فقد عثرنا على آراء أخرى( 40) تميّز بين مفهومي (le sigle)، و(L’acronyme) المتداخلين؛ بجعل الأول خاصًّا بالطريقة الأولى (التلفُّظ الحرفي)، والثاني خاصًّا بالطريقة الثَّانية. على أن ما ريا كابري (M.T.Cabré)، في كتابها (علم المصطلح)، قد عرضت لهذا اللون من النحت، في مواضع متفرقة من كتابها، تحت تسميات مختلفة، غالبًا ما يشكّل "الاقتضاب" (أو حتى "الاقتطاع") اللغوي (La troncation) (41) مصطلحَها الأعمّ، وقد ميزت بين أربعة أنواع من هذا النّحت الهجائي ( 42):

1. الحروف المقطعة (Sigles) : بالمفهوم نفسه المقَدّم سابقًا، مع إضافة بسيطة (أومأنا إليها آنفًا) تخصُّ نمطًا منها يُتلفّظ به ككلمة قائمة بذاتها؛ وتسميه (Acronyme) في هذه الحالة، وتمثل له بكلمة (UNESCO).

2. الكلمات الحقائب (Les mots-valises) :

وتقوم على تنضيد (Combinaison) أجزاء مركب لغوي متطاول. وتأخذ الكلمات/ الحقائب أشكالاً مختلفة بحسب الأجزاء التي تنضدها:

-الأجزاء الأولى ؛ مثال:

Cermet= Céramiqu+ Métallique

- الجزء الأول من العنصر الأول، مع الجزء الأخير من العنصر الثاني؛ مثال:

Informatique= Information+ Automatique

- الجزء الأخير من الكلمة الأولى والجزء الأول من الثانية، وفي حالات نادرة، الأجزاء الأخيرة من وحدتين ؛ مثال:

Nylon= vinyle+ Coton

Tergal= Polyester+ gal

وبغضِّ النَّظر عن المرادفات الكثيرة الأخرى* لهذا المفهوم في القاموس اللّساني فإنّ "الكلمات/ الحقائب" تبدو أقربَ المفاهيم الغربية إلى النّحت العربي بمفهومه التَّقليدي.

3. الرموز الاختصاريّة (Les abréviations) : هي أشكال تعيدُ نقل القسم الأول من الكلمة، وهي قائمة – في الواقع- على الاتِّفاق (بين أهل تلك اللغة). مثال:

Tel. Téléphone.

M. Monsieur.

4. الاقتضابات (Les troncations): هي وحدات مُوظّفَةٌ –أصلاً- على أساس الاقتصاد اللغوي (Economie Linguistique)، ومُشَكَّلة من القسم الأول لكلمةٍ أطول، أو من الكلمة الأولى لمركّب ما.

مثال:

Auto Automobile.

Impôt Impôt sur le revenu

. Télé Télévision

بقي، في ختام الحديث عن هذه الفرعيات من (النحت الهجائي)، أو "المختصرات" كما يسمّيها أحدُ الباحثين () ، أن نفنّد ما يزعمه جمهور الدارسين الذين يجزمون- قطعاً- بالأصل الأوروبي البحت لهذه المفاهيم.

والواقع أن في تراثنا العربي دلائل وافية على أن اللغة العربية قد عرفت هذا الضرب من المختصرات النحتيّة منذ قرونٍ خالية، ومنها :

1. الأمثلة التُّرَاثِيَّةُ الشهيرة التي كانت تلجأ إلى هذا اللون من النحت لتختصر بعض أسماء الأعلام الطويلة: ومن ذلك "مانش" الذي كان اختصارًا لاسمه المطوَّل (محمد بن إبراهيم بن ناصر الشمري)، ولو على سبيل التَّنَدُّرِ.

وكذلك الكاتب أبو الفتح محمود بن الحسين ( ت360هـ) الذي غلب عليه لقب (كُشَاجم) وهو لقب "مقطوع من الألفاظ تدلّ على صفاته وعلى الفنون التي برع فيها؛ فالكاف من كتابة، والشين من شعر، والألف من إنشاء، والجيم من جدل، والميم من منطق" ().... .

2. أمثلة أخرى مما استعمله النساخ القدماء ورواة الأسانيد، وهي "رموز تُسْتَعْمَلُ في الخط فقط مع النطق بها على أصلها"()، ومنها: اهـ(انتهى)، الخ (إلى آخره)، ص أو صلعم (صلى الله عليه وسلم)، عم (عليه السلام)...

3. الحديث النبويّ المشهور عن رمضان (أوَّلُهُ رحمة، ووسطه مغفرة، وآخره عتق من النار).... .

4. ظاهرة (الحروف المقطّعة) التي تتصدّر أوائل بعض السّور المكية في القرآن الكريم، وقد خصّها الدكتور نصر حامد أبو زيد بمبحث مقتضب شائق (الحروف المقطّعة في أوائل السور) من كتابه (مفهوم النص) ().

لقد وقف بعض المفسّرين على مثل تلك الحروف المقطعة (ألم، ألر، كهيعص،...) فرأوا أنها من "المتشابه" الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، بينما حاول آخرون تفسيرها، وذهبوا في ذلك مذاهب شتّى بلغت- كما قدّرها الباحث- 13 تأويلاً. وليس يهمنا من كل هذا الكمّ التأويلي إلاّ ذلكم التأويل الذي يُنسَب إلى ابن عباس – رضي الله عنه- الذي "حاول أن يردّ هذه الحروف إلى أسماء الله وصفاته، فكلّ حرف منها يدلّ على اسم أو صفة دلالة الجزء على الكلّ" ()؛فـ(ألم) – مثلاً- الواردة في مطلع سورة البقرة، فسّرها بعض المفسّرين بهذا الشكل (أ: الله، ل:جبريل، م:محمد).... .

وقد تطور هذا اللون من التأويل لدى الشيعة والمتصوفة إلى علم قائم بذاته، صار قاعدة لاتجاه في تفسير القرآن الكريم، يسميه أبو زيد "الاتجاه التأويلي السّري"().

لأجل ذلك، واعتبارًا بمكانة هذه الظاهرة من التفسير القرآني، آثرنا ترجمة المصطلَحَيْنِ الفرنسيين (Les sigles) و (siglaison)، على التوالي، بـ(الحروف المقطعة) و (التقطيع الحرفي)، لأنها ترجمة تستوحي هذه الظاهرة اللُّغَوِيَّةَ المماثلة التي رسّخها علم القرآن، وليس الأمر – أوّلاً وأخيرًا- سوى شكل لغوي استثنائي لم يجرؤ عامة فقهاء اللغة العربية على ضمّه إلى النحت، وهو منه، إلا أنه أكثر اختصارًا وأصعب معنى (ما لم يرسِّخْهُ التَّوَاضع الاستعمالي)... .

من الممكن أن يكون النحت أقل الآليّات اعتبارًا في التنمية اللغوية العربية المعاصرة، وأدناها اهتمامًا، بحكم صلته الواهية باللغة العربية أصلاً.

وقد تراءى لنا سابقًا أن النحت صنيع لغوي ذو حدّين؛ من جهة يحيي اللغة حين يجعلها تعبِّرُ بالقليل عن الكثير، إذْ تختزل العبارة في لفظةٍ واحدة، لكنّه قد يقتلها- من جهةٍ ثانية- حين يجعلُهَا عامرةً بالمنحوتات المبهمة الغريبة التي يرتدّ المتلقي دونها حسيرًا، ويفضل عليها العبارات الطّويلة الواضحة! .

فإِلَى أيّ حدٍّ استطاع الوضع الاصطلاحي العربي (ممثلاً بالفعل النّقدي اللِّسَاني، حتَّى لا ننصرف إلى معارفٍ أخرى لا ندّعي فيها اختصاصًا)- في توسُّلِهِ بالنَّحْتِ آليَّة اصطلاحية- أن يجمع بين الاقتصاد اللُّغوي والوضوح الدّلالي على مستوى المصطلح المنحوت الواحد؟ .

لعلَّ أيسر المنحوتات سبيلاً إلى ذهن المتلقّي أن تكون تلك التي نستحضر نُحاتتها الغائبة من خلال جزئها الحاضر مباشرة ومن دون أن نتلقّى مزيدًا من الشُّرُوح عن أصلها اللُّغوي وكيفيّة تحوُّلها عبر فعل النحت.

فلا غرو – إذن- أن يكون مصطلح (الزمكان) من أشيع المصطلحات المنحوتة الموفّقة، الدال على ما يوجد في الزمان والمكان معًا، والمقابل لقول الفرنسيين (Espace-temps) ، أو قول الإنجليز (Spatiotemporal)، وقد جعل عبد الملك مرتاض منه عنوانًا لأحد فصول كتابه (تحليل الخطاب السَّردي)، كي يكون مزيجًا تركيبيًّا بين عنصري الزمان المكان وحتى يتسنَّى له دراستهما مُتَدَاخِلَيْنِ، بعدما بدا له أنه "يستحيل تناول المكان بمعزل عن تضمين الزمان، كما يستحيل تناول الزمان في دراسةٍ تنصبُّ على عمل سردي دون أن لا ينشأ عن ذلك مفهوم المكان في أيِّ مظهرٍ من مظاهره " ().

ويقترب من وضوح هذا الفعل النحتي، استعمال السعيد بوطاجين مصطلح (هدبناء) ()،المنحوت من (هدم وبناء)، لمقابلة المصطلح الأجنبي (dé - Construction) .

وربَّمَا – بدرجةٍ أقلّ- صنيع الدكتور محمد مفتاح الذي نحت- بعفوية –مصطلح (البرها- يان)، في سياق الحديث عن قوانين التأويل لدى ابن رشد الذي "نجد البيان عنده ممتزجًا بالبرهان، والبرهان مندمجًا في البيان، وهذا ما سوّغ لنا أن ندعوه التأويل بـ(البرها- يان) نحتًا من كلمتي البرهان والبيان" ().

ويبدأُ الغموض مع المعطيات النحتيّة التي يعتمدُهَا عبد القادر الفاسي() حين ينقل السابقة الأجنبيّة (allo) إلى "بَدْ" (مختزل بديلة)، ثم يترجم مصطلحات مصدَّرة بهذه السابقة، على هذا النحو:

- Allophone = بَدْصَوتة (نحتًا من : بديلة صوتيّة).

- Allomorph= بَدْصَرفة (نحتًا من: بديلة صرفية).

- Allotone= بَدْنغْمَة.

- Alloseme= بدْسِيمة.

- Allosememe= بدْسِيميّة.

ينطبقُ هذا الحكم بالغموض والإخفاق على حالات اصطلاحيّة أخرى وقفنا خلالها، في موقفٍ سابقٍ () ، مع عبد الملك مرتاض الذي رَكَنَ إلى النَّحْتِ في ترجمة بعض المصطلحات، فجانب المبتغى حين اصطنع:

الركبرة (المنحوتة من : ركّب وعبّرَ) = Syntagme.

الجدلغة (المنحوتة من فعل واسم!: جدد ولغة)- Néologisme.

البَدْعَدَة (المنحوتة من بدأ وعاد)= Récurrence.

وكلُّها مصطلحات مبهمة يصعبُ إدراكها المباشر، من دون العودة إلى أصولها التي نُحِتَتْ منها.

وقد يبلغُ الغموضُ أقصاهُ مع منحوتات الدكتور التهامي الراجي الهاشمي الذي صارت الغرابة لازبة بمجمل مقترحاته الاصطلاحية ذات البعد التداولي المحدود جدًّا!.

فقد لجأ إلى النحت في صياغة 11 مصطلحًا من أصل 998 مصطلحًا يشكِّلُ (معجم الدّلائليّة) بقسميه. ومعنى ذلك أن نسبة لجوئه إلى هذه الآليّة الاصطلاحيّة لا يتجاوزُ 1.1%، لكنها نسبة لافتة للنَّظَرِ بالقياس إلى نسبٍ أقل في مجمل الجهود الاصطلاحية الأخرى.

ويكفي أن يطَّلع القارئ- اطِّلاعًا عابرًا- على هذه المواضيع الاصطلاحيّة النحتيّة الأحد عشر، كي يدرك الفراغات الدِّلاليّة والأخاديد الاستفهاميّة الَّتي تحفرها في ذهنه: (وحقع، قوليل، الأمكا، قدليل، مفلم، خدليل، فدليل، عتدل، ندلالة، حدليل، صدلمة) ( 54)!!! .

من الصَّعْبِ (إن لم يَكُنْ مستحيلاً) الوقوع على مفهوم أي من هذه المنحوتات من دون دليلٍ يَدُلُّنَا على الأصول التي نُحِتَت منها، ولن يكونَ هذا الدليل سوى التهامي الهاشمي نفسه! :

أ. وحقع: وهي حروف مقطعة (Sigle)، أو تقطيع حرفي (Siglaison) لعبارة: (وحدة حسابيّة لقياس المعلومات)، اصطنعها لمقابلة المصطلح الفرنسي (Binit,Bit)، والطَّريفُ في الأمر أنّ هذا المصطلح الدّال – في قاموس اللِّسَانِيَّات- على "وحدة لقياس كميّة المعلومات"(55)، إنّما هو مصطلح منحوت – أصلاً- من العبارة الإنجليزيّة (Binary digit)، ولو كنتُ مكان الدكتور التهامي لقلتُ (الكمّ المعلوماتي) مثلاً، وأرحتُ القارئ المسكين من شرّ هذا الـ (وحقع) العجيب!... .

ب. قوليل: مصطلح منحوت من كلمتي (قول) و(دليل)، لمقابلة المصطلح السيميائي (Dicisigne).

ج. الأمكا: مصطلح مبهمٌ، ترجم به العبارة الاصطلاحيّة اللّسانيّة (Ego hic et nunc)، وقد نحته من الكلمات الثّلاث: (أنا= ego) ، (مكان= hic)، (وقت= nunc) ؛ حيث أخذ الحرف الأول من (أنا)، والأول والثاني من (مكان)، ثم الحرف الأول من (وقت) الذي حرّفه من واو إلى ألف ممدودة!.

وبما أنّ المصطلح الأجنبيّ يدلُّ على "موقع التَّلَفُّظِ بالنسبة إلى الأنا المتلفِّظ (ego) ، في المكان الذي يعبر منه (hic) والزمان الذي يتلفظ فيه (nunc) ( 56)، فقد كان في وسع الدكتور التهامي أن يترجم تلك العبارة الاصطلاحيّة بعبارة اصطلاحيّة عربيّة أخرى؛ كأن تكون (زمكانيّة التَّلَفُّظ) أو (زمكانية الأنا المتلفِّظِ) بدلاً من تلك الصيغة النحتيّة التي لا يفهمُهَا إنس ولا جان!... .

د. قدليل : مصطلحٌ منحوتٌ من (القانون) الذي يكون (دليلاً)، لمواجهة المصطلح السيميائي (Légisigne).

هـ- مُفلَم: ترجمة لمصطلح (Profilmique)، منحوتة من المركب الإضافي (مأخذ فِلم).

و- خدليل: ترجمة لمصطلح (Qualisigne)، منحوتة من: الـ(خـ)اصية التي هي (دليل).

ز. فدليل: ترجمة لمصطلح (rhéme)، للتعبير عن (الدليل) الذي هو (لـفـظ).

ح. عَتْدَل: نحتٌ من عبارة (عـلم تطور دلالة الألفاظ)، لترجمة مصطلح (Sémasiologie). ولو استعان بالعبارة كاملة (على طولها) لكان ذلك أوضح وأسهل وأفضل من نحتها!... .

ط. ندلالة: نحت من (نظرية الدلالة)، لمقابلة مصطلح جوليا كريستيفا (Sémanalyse)، ويبدو جليًّا أنَّ أصل العبارة أمثل وأفضل من صيغتها النحتيّة المضحكة!... .

ي. حدليل: نحت من (الحدث) الذي يكون (دليلاً) ، لترجمة مصطلح (Sinsigne).

ك. صدلمة: ترجمة لمصطلح (Sigle)، منحوتة من (صدر) (كلمة).

ويبقى الجديد في كل هذه العمليّات النحتيّة الفاشلة، أنّ التهامي الهاشمي قد نجح- من جهة ثانية- في التوسل الواسع بما أسميناه (نحتًا هجائيًّا).

إنَّ استقراءنا لكلّ هذه النّماذج النّحتيّة يصدق ما انتهى إليه عبد السّلام المسدي حين رأى أن "النّحت في صوغ المصطلحات يظلّ آليّة غريبة عن اللغة العربيّة، ولا نفتأ بهذا الصدد نؤكّد أنّ منافاته للسّليقة العربيّة ليس حكمًا ارتساميًّا، ولا هو اتّكاء على مجرّد الذوق، وإنّما هو احتكامٌ إلى نواميس اللُّغة الضّابطة لها من الداخل" ().

وإذا كان الأمر غير ذلك، فإنه – بلا شكّ- يزيدنا قناعة بأنّنا لم نحسن بعد استثمار هذه الآليّة في مجال التّنمية الاصطلاحيّة.

وأخيرًا، تبقى التنمية اللُّغوية العربية المعاصرة- في توسلها بآليّة النّحت- تبحث عن منزلةٍ بين المنزلتين، يتزاوج فيها اقتصاد الحدود اللَّفظية ووضوح المفاهيم الدلالية، وهو حلم لغوي لا يُعجز القائمين على العربية تحقيقُهُ، لكنه لمَّا يتحقَّقْ.

 

(التحميل)

 

 

 

البحث

تسجيل الدخول

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 7 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 589
المحتوى : 441
عدد زيارات المحنوى : 479709