مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

التوليد اللغوي على وزن (فَعْلَنَة) في الاستعمال العربي المعاصر

إرسال إلى صديق طباعة

التوليد اللغوي على وزن (فَعْلَنَة)

في الاستعمال العربي المعاصر

د. عبد الحميد الأقطش

جامعة اليرموك

الملخص

ينبسط التكلم في هذا البحث حول صيغة صرفية مَرِنَة في توليد مفردات عربية حداثية خاصة في بلدان المشرق العربي، والأردن تحديداً. وتلك هي صيغة (فَعْلَنَة)، وهي تطرد كثيراً جداً، في الجذوع اللغوية من أسماء الأعيان أو الذوات (تَيْسَنة من التيس، ورَوْحنة من الرُّوح، وعَقْلَنَة من العَقْل) وكذا، وإن بنحو أقل، من جذوع لغوية مصدرية، أو وصفية (شَهْمَنة من الشَّهَامة، وحَرْمَنَة من الحرام، وزَعْرَنة من الأَزْعر).

فأما عن حياة هذا الوزن في العربية التراثية فَيشُقّ على الباحث أن يرصد له استعمالاً حياً، في شعر أو نثر، بيد أن شيئا من التكلم عن صيغة مقاربة هي (فَعْلَن) تُلْمَح في طوايا تكلم علماء الصرف أو اللغة عن مفهوم (الإلحاق الصرفي) بزيادة لاحقة النون في مفردات شبه محفوظة (امرأة خَلْبَن، أي خَرْقاء، ورجل ضَيْفَن، أي مضياف).

وعن الخطاب الوظيفي لوزن (فَعْلَنة) فهي مألوفة في السياقات الاجتماعية التي يعمد إليها اللاوعي العربي الجمعي عند إرادة الإفصاح عن معنى لم يكن سَجِيَّة أو طبعاً في صاحبه ثم تحول إليه، ولابسه، واتصف به، فصار أَمارة عَلَيْه، وصفة شبه ثابتة في سلوكه.

وكذلك يشار إلى أن هذا الوزن قد تَبَرْعَمَ في الاستعمال العربي المعاصر على الهيئات التي يسمح بها نظام الاشتقاق الصرفي القياسي، مُولِّداً صيغاً فعلية، وأسماء فاعلين ومفعولين وغير ذلك.

Words production in modern Arabic

according to the derivative "fa‘lanah"

 

This article is intended to examine the derivative form "fa‘lanah", after which many words in modern Arabic, especially in the eastern part of the Arab World, are generated. These words are systematically derived from concrete proper nouns, like "tays" (taysanah) and "walad" (waldanah), or abstract proper nouns, like "rūḥ" (rawḥanah) and "‘aql" (‘aqlanah). They also may be derived from gerunds, like "shahāmah" (shahmanah) and "ḥarām" (ḥarmanah), or from adjectives, like "az‘ar" (za‘ranah). However, this "fa‘lanah" form is not to be found in classical Arabic either in prose or in poetry. Nevertheless, Arab liguists speak of a very close derivative form— fa‘lan— one which they detected in some particular words, like "khalban" (fool) and "dayfan" (hospitable).

The form under discussion has unintentionally been producing words needed to express semantic transformation from a non-constant into a constant quality in a person or a thing. It can also be noted that these words come in all possible forms made available by Arabic standard derivative system.

الفَرْش: التوليد اللغوي ناموس ثابت؛ واللغة عموماً ظاهرة اجتماعية، وهي - من جهة المبدأ- مثل غيرها من ظواهر الحياة على تَنَوُّعها، وتعدُّدها؛ تتطور وتتجدد، لكن على تفاوت ما بين لغة وأخرى، ووفقاً لمقتضى الظروف والأحوال؛ أي ظروف الناطقين بها، وأحوالهم.

والعربية، هي بالضرورة، كذلك لغة ثابتة مُتَحَوِّلة في آن، ثابتة من جهة نسيجها العام، ونسقها التركيبي، ومتحولة في أساليبها ومعانيها؛ فاستطاعت بذلك أن تواكب الظروف والتغيرات، مع المحافظة على تواصل الأجيال جيلاً إثر جيل. وفي مسيرة العربية ثمة تَدَرُّجات مرحلية تَشِفُّ عن وعي الناطقين بها، بما حولهم؛ فإلى جانب المُثَاقَفَة بموروث تليد ومغْرق في القِدَم تُوجد المثاقفة بالحاضر المُبْتَكَر، هكذا بين أصالة وحداثة، ودون أن يتناقض ذلك مع موضوع النقاش الفكري، أو العصف الذهني حول جدلية الصحة والخطأ، أو جدلية المشروعية وعدمها، فيما تولده اللغة في هذه المقامات، فثمة فارق بين الاستعمال اللغوي والمعيار اللغوي؛ فالاستعمال وُجودٌ ملحوظ، والمعيار حُكْم وتقييم.والاتفاق قائم بين علماء الألسنية حالياً، على أن المستوى الصوابي للغة ما، مرتبط في عرف الحداثة بالصورة التي يرتضيها المجتمع للغته، فالاستعمال الشائع أقوى من كل قاعدة، وأساس لكل قاعدة

، وبعدم الاعتراف بالمُتغَيّر تَأْسَن اللغة، كما بغير الثابت تَنْفَلت.وقد عفا زمن على مثل قولة ابن فارس (395هـ) في الصاحبي من أن اللغة (أي العربية) قد قَرّ قَرارُها: "فلم نعلم لغة بعد النبي صلى الله عليه وسلم حَدَثَتْ، فإن تعَمّل اليوم لذلك مُتَعَمّل وجد من نفاذ العلم من ينفيه ويرده(). وكذا قوله: "نَعَمْ وكل ذلك توقيف، ولا ينبغي أن نقيس ما لم يقيسوه"، فذلك إنما هو عيشٌ تحت سلطان الذاكرة، وهيمنة للمعيار على الاستعمال.

مظهر التوليد اللغوي:

المتأمل في تقاطع العربية مع التاريخ، يلمح بذور حركة توليدية لغوية، قد لازمت العربية منذ القدم؛ وقد كانت قبل الإسلام حركة بطيئة، تقوم على الاجتهاد الفردي، ودونما استناد إلى أسس نظرية محددة المعالم، ثم إنها بمجيء الإسلام فصاعداً قد اكتسبت عوامل قوة وقدرة، وانعكس ذلك على العربية فكراً وإنشاء، ومعاني وألفاظاً، ونشط الفكر اللغوي العربي يقارب مسألة التوليدة هذه، تنظيراً وتطبيقاً، تحت عنوانات مختلفة؛ لكنها في مجملها تنضوي في مظهرين وهما:

التوليد الدلالي، والتوليد الصرفي.

التوليد الدلالي: الأساس في التوليد الدلالي هو خلق معان جديدة، من متون لغوية موجودة أصلاً، بطرق مثل: المجاز، أو الاستعارة، أو الكناية؛ فتنتقل بموجب ذلك دلالات المفردات من مجال دلالي إلى آخر، أو تُضَيَّق أو تُعَمَّم دلالتها، أو تنتقل من المحسوس إلى المجرد، أو العكس. ولا اعتناء للبحث بمسألة التوليد الدلالي، وحسب المقام أن يشار إلى أطروحات بجامعة اليرموك مثل: "أثر التوليد الدلالي في ألفاظ الحواس": عائشة السيفية، و"تطور الدلالات اللغوية في شعر محمود درويش": سعيد أبو خضر، و"التغير الدلالي في شعر سميح القاسم": رقية زيدان.

التوليد الصرفي: الأساس في التوليد الصرفي هو: حرية إبداعية في تفعيل النظام الشكلي، المستكن في اللغة ذاتها، بما يؤدي إلى ظهور مفردات جديدة، مستقلة بأبنية صرفية خاصة، ودلالات خاصة أيضا. ويكون ذلك في العربية بطرق مثل: الاشتقاق، والنحت، والتركيب، والاختزال، والقلب المكاني، والإتباع الإيقاعي، فضلاً عمّا يتولد في اللغة من مفردات من جراء مبدأ المماثلة والمخالفة، أو من جراء الاقتراض اللغوي من (المعرّب أو الدخيل).

وفقه العربية في هذا الجانب سيل دُفاق في كلا مظهريه؛ التنظيري والتطبيقي، ولقد نعلم أن الأفهام التنظيرية الللغوية لا تَنِي تُراتٍب مفردات التطبيق في مستويات أربعة هي: (الفصيح، والمولّد، والعاميّ، والأعجميّ)، ثم إنها تُنَمِّطُها ثانية في مستويات ستة وهي: (الفصيح، والأفصح، والنادر، والضعيف، والمُنكَر، والمتروك).

وباهتداء من قواعد التوليد الصرفي في العربية يتغّيا هذا البحث مقاربة مفردات لم تدخل بعد في القاموسية العامة، مع أنها غدت مرنة، وسَمُوحاً في العربية الحديثة، والسياقات اللغوية المصادقة على شهادة ولادة هذه الألفاظ في متناول كل يد، وخاصة في بلدان المشرق العربي, والأردن تحديداً.

وإذ هي مفردات تتقاصف على نمطية صرفية مقولبة من وزن (فَعْلَنَة)، فقد جاء البحث موسوماً بعنوانه المرقوم بأعلاه "التوليد اللغوي على وزن (فَعْلَنَة) في الاستعمال العربي المعاصر"

متن الاستعمال

في الذاكرة المعجمية الشفاهية:

لا مشاحة أن التفكير الحياتي العادي، به سَعَة في التصرف، تتجاوز مفهوم الاتِّباع والتقليد بل مفهوم التكرار والاجترار، والمبدأ الأساسي في توليد الألفاظ واستعمالها في عربية الحياة الشفاهية كَهُو في توليد الجمل واستعمالها، إذْ توجد في الذهن أنماط جاهزة مُقَوْلَبَة لكليهما، فالناطق بالعربية الشفاهية عليه أن يحفظ النموذج لا المثال المفرد، وعلى نسقه يتداول بالتمثيلات، ولو لم يكن سمعها من قبل، وتلك خاصية سامية مشتركة، أن توجد قوائم أبنية للمفردات، وقوائم تراكيب للجمل.

ومعلوم، أنه منذ تَفَتُّح العقل اللغوي العربي، على كينونة لغته، أدرك هذه السِّمة الغالبة، وأجرى النقاش حولها، وفق مفهوم (الميزان الصرفي) فليس لازماً في توليد مفردة جديدة في العربية، وجود سَبْك جديد وصياغة جديدة، مثلما هو عندما تُسْتَبْدل عُمْلة نقدية جديدة بأخرى قديمة، مع أن ذلك ليس ممتنعاً، لكنه أمر ثانوي بالمقارنة مع الخط الجارف في بناء اللفظ العربي الشفاهي خاصة، والكتابي عامة؛ وهو التوليد بالاشتقاق في ضوء معيارية الميزان الصرفي، فثمة الموطن القارّ المُسْتَقِرّ للتوليد والتحويل، وخلق المعاني.

وبآية ما في العربية من مفهوم القَوْلَبة للمفردات تَتَبدّى في لغة الحياة,

خاصة بإقليم الشام؛ صيغة (فَعْلَنَة) كصيغة ولودٍ، ومُسْتحَبَّة في التخاطبات العادية، فلا يجدون عن بعض أمثلتها مَعْدَلاً، وقد أمكن لنا تقميش بعض من تلك المفردات الشائعة.

  •  مفردات ترتد إلى جذوع لغوية من أسماء الأعيان أو الذوات:

شَخْصَنة من الشخص، ووَلْدَنة من الولد، وعَقْلَنة من العَقْل، ورَوْحنة من الرُّوح، وفَتْوَنَة من الفتى، وجَسْدَنَة من الجسد، وأَنْسَنَة من الإنسان، ورَوْضَنَة من الروض، وبَقْرنة من البَقَر، وكَلْبَنة من الكَلْب، وتَيْسنة من التَّيْس، وسَعْدَنة من السعدان، وحَمْرَنة من الحِمار، وجَحْشَنة من الجَحْش، وحَيْونة من الحيوان، وقَرْدنة من القِرد، وسَطْلَنة من السَّطْل، أعجمي مُشبَّه بالوعاء وهو السّطل، وزَلْمَنة من "زَلَمَة" وهو الرجل بلهجة الأردن، وقَلْسَنَة من القَلْس، أعجمي معرب من أغطية الرأس، وفَكْهنة من الفاكهة

.

  •  مفردات ترتد إلى جذوع لغوية من أسماء المعاني:

شَهْمَنة من الشهامة، وحَرْمَنة من الحرام، وجَدْعَنة من الجَدْع، وحَرْفنة من الحِرْفة، وفجْعَنة من الفَجاعة، وحَسْبَنة من الحساب، وجَمْعَنة من الجَمْعَة، وعَصْرَنة من العَصْر، وهَبْلَنة من الهَبَل، وحَذْقنة من الحِذق، وخَبْثنة من الخُبْث، وبَحْثَنة من البحث، ودَهْنَنة من الدَّهاء، ولَوْطَنَة من اللِّواط، وسَوْفَنَة من التسويف، ونَظْمَنَة من النظام.

  •  مفردات ترتد إلى جذوع لغوية من أسماء الصفات:

زَعْرنة من الأزعر، وهَوْجنة من الأهوج، وفَصْحَنة من الفصيح، وهُمْجَنة من همجي، وفتونة من الفتي، وحَقْرَنه من الحقير، وقَوْدَنة من القَوّاد، وعَوْجَنة من الأعوج، ومَكْرَنة من الماكر، وفَلْتنة من فالت، أي متحرر، ووَرْشَنة من الوَرِش، أعجمي مُشَبّه بالوَرْشَة حيث تكثر الحركة، وكَوْسَنة من كُوَيِّس، أعجمي معرب يقال لصاحب الهِنْدام الحسن.

في الذاكرة المعجمية الكتابية:

لا خفاء أن مساحة التشبيه باتت ضيقة جداً بين خواص الأداء اللغوي الكتابي المعاصر، وذاك الذي كان عليه الأداء التراثي القديم؛ فعلى حين صار الأداء الأول صورة شبه حَيّة ومباشرة عن لغة المشافهة، فإن الأداء الثاني، أي التراثي، قد كان شبه عُلوي عن طبقة عوام الناس، وأنصاف مثقفيهم، إنْ وظيفياً، وإن إبْداعيّاً.

وعوامل متعددة جعلت تدفع بالمباعدة بين الأدائين، وأظهرها، نحسبه في فورة ظاهرة (العَوْلَمة)، التي أباحت تدفق المعلومات بسهولة ورُخْص؛ فَعَبْر صَحْن صغير تَزْحَمُ أسيال من المعلوماتية إلى مُتَلَقِّيها. وبلغة عادية تهبط هي بنفسها إلى القاعدة الشعبية العريضة من عموم الناس. عوْضَ أن يرتقي الناس إليها، في نحو الصورة الفَنيَّة والبلاغية المعهودتين في المكتوبات التراثية بعامة، (عند العرب وغيرهم). ومعلوم جيداً أن لغة الأدب الحديث، من شعر ونثر، تَشْغَلُ الفصحى الحديثة العادية معظم مَشْهَدِها الأدبي.

وكذلك لم تر المعجمية الكتابية العربية حالياً إساءة، ولا حرجاً أن تعرض في طواياها أثواباً لغوية مبتكرة، أعني مفردات على وزن (فَعْلَنَة).

وقد اجتمع لنا، بمتابعة هذه المسألة بصورة عفوية حيناً، ومقصودة حيناً آخر أكثر من دليل في البرهنة على موجودية وزن (فَعْلَنَة) في لغة الكتابة، وبعض التمثيلات قد وردت في لغة لغويين كبار، وبعضها في لغة مثقفين ثقافة أكاديمية عالية، مما يعطي مؤشراً على الحاجة لهذا الوزن في الاستعمال المعاصر.

ومن الطريف أن شاعراً من الشبان من الأردن، كأنما راقه وزن (فَعْلَنَة)، فنظم عليه شعرية لطيفة ظريفة، وفي مَذاقَة اللغة الفكاهية، وهو الشاعر: (محمد الحيفاوي)، وقد صاغها في صورة نصيحة أب لابنه العاقّ، وقد تضمنت المفردات (زَعْرَنة، وَلْدَنة، قَرْصَنة، حَمْرَنة، عَصْرنة، عَرْصَنة).

يَكْفِيك زَعْرَنَةً تَدْمى لها  المُقَــلُ
قَدْ شابَ رَأْسُكَ والأفْعالُ  وَلْدَنَــةٌ
 قَدْ تَنْهَلُ اليومَ منْ أعمال قَرْصَنَـةٍ
هذا لَعَمْرُكَ في دُنْياك حَمْرَنَـــةٌ
كُلُّ النَّصائِــح لم يَحْفلْ بها أبـداً

وكـيف تَشْفَـعُ لِلْقُرصانِ أدْعـيةٌ
إنّي همست بروض فيه  سَوْسَنـة

 

هَلْ خَفَّ عَقْلُكَ أم ضَلَّتْ بِكَ السُّبُلُ
قـَدْ هَـدَّني ألَمٌ وانْهَدّ لي أَمَــلُ
مِمَّـنْ أسَأْتَ لَهُمْ مَنْ مِنْكَ قد نَهَلوا
والعُمْرُ يجري فيا رباه ما العمـلُ
إنْ تلك عصْرَنَةٌ أودى بها الأَجَـلُ
والفِـعْلُ عَرْصنةٌ ما ذاك يُحْتمـلُ
قد صار مُرّاً على أشداقنا العَسَـل

ومن المفردات المُسْتَنْخلة في مكتوبات الكاتبين المعاصرين؛ نورد ما يأتي:

أَرْخَنَة: "لأول مرة يتجرأ باحث على أَرْخَنَة النص القرآني"، "هاشم صالح، بترجمة الفكر الإسلامي واستحالة التأصيل، لمحمد أركون، بيروت 2007، ص50".

أَنْسَنَة: "المبادئ التي انبنت عليها قراءات التأويل عند محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد هي: العَقْلَنَة، والأنْسَنَة، والأَرْخَنَة، "محمد زاهد جول، "النص والتأويل"، مقال بمجلة التسامح العمانية، ص225".

بَدْوَنَة: "ظهور العربية قد بدأ من خلال عملية البدونة، "محمد الشرقاوي، بترجمة: اللغة العربية إلى أين، لـ فرستيغ، ص39".

حَرْفَنَة: "مثل قولهم: نفذها بِحَرْفَنَة، وقولهم: عَصْرَنَة الدراسة، أو الدولة"، "محمد عبده فلفل، رصدها في لغة الصحافة السورية في كتابه "اللغة العربية"، ص100".

حَرْكَنَة: "الحركنة الثقافية والسياسية، بمعنى الانخراط في مخطط ثقافي سياسي"، "محمد الأوراغي، التعدد اللغوي، منشورات كلية الآداب بالرباط، 2002 ص، 36"

شَرْعَنة: "قال: إنه لا يعطي شرعنة للمحكمة في ظل الاحتلال"، "عدنان الدليمي، مقالة بالرأي الأردنية، 5/11/2006".

شَخْصَََنة: "شَخْصنة المسائل تضعف مفهوم الحوكمة الرشيدة للشركات"، "أمية طوقان، مقالة بجريدة الرأي الأردنية، 5/11/2006".

شَكْلَنَة: "يقدم البحث الخطوط العامة للنظرية المعجمية المُشَكْلَنَة"، "أمين عبدالكريم، ندوة العربية إلى أين ، ص356، جامعة الجنان، طرابلس، 2006م".

عَصْرَنة: "أي مقدار من التحديث والعصرنة قد صارت إليه عملية التعليم"، "رنا بكداش، ندوة العربية إلى أين، جامعة الجنان، لبنان، 2006م، ص121".

عَقْلَنَة: "في العامية نوع من عَقْلَنة الواقع، بدون التخلي عن لذة الانتصار"، "فؤاد بريكي، مجلة كلية الآداب، فاس، عدد (8)، 1992م، ص27".

- "الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أن تنتقده نقداً مُعَقْلَناً هو الإطار"، "حمزة المزيني، بترجمة: الغريزة اللغوية، لـ ستيفن بنكر، ص515".

قَطْعَنَة: "القطيع لا يؤتمن، والقَطْعَنَة التي شملت البشر حرمت الإنسان خصوصياته"، "خيري منصور، الرأي الأردنية، 10/ 6 / 2008".

قَوْنَنَة: "المحكمة العليا وراء قوْنَنَة تشريع عدم الشَّمل بين الفلسطينيين"، "الرأي الأردنية 5/11/2006".

فَعْلَنَة في كتب التراث:

ما أوردناه بمطاوي البحث آنفاً، عن تمثيلات (فَعْلَنَة) الكتابية، يعطي شهادة مصادقة على ارتقاء السيادة لهذه الصيغة، بتحولها إلى المعجم الكتابي العربي، وفي العادة: أن المكتوب منظور إليه في العربية على أنه لغة فصيحة، وذات قبولية ومشروعية، خاصة عند تداوله بأقلام الكتبة الأكاديميين.

وفي حاقّ الأمر فإن الباحث يَشُقّ عليه أن يرصد استعمالاً لوزن (فَعْلَنَة) في التراث الصرفي القديم، فلا تسجيل له في كتب الأبنية الصرفية، وعلى كثرة الأبنية المتولدة من مصادر الثلاثي المجرد، بما يزيد على نيف وثلاثين وزناً، ما بين أساسي ومستدرك ملحق بالأساسي، فلا ذكر لـ (فَعْلَنَة).

بيد أن كتب الأبنية مُتَقاطِرة على سَرْد صيغة أخرى، كأنما هي الأم لـ(فَعْلَنَة) وهي (فَعْلَن)، وهي صيغة تُذْكر، عادة، في أبنية الإلحاق، مما يتَولد بزيادة لاحقة النون في آخر الثلاثي ليصير رباعياً، وتكون في بنية اسمية أو وصفية، لكن ليس ضمن أبنية الأفعال. وهناك مفردات شبه محفوظة بأعْيُنها تتكرر في هذا الصدد:

  •  (امرأة خَلْبَن، أي خرقاء، وناقة عَلْجَن، أي غليظة، ويَدٌ رَعْشَنَ، أي مرتعشة، ورجل ضيفن، أي مضياف)
  •  وكذلك ما أورده ابن السكيت (244هـ) في الإبدال والمعاقبة "باب ما تُزاد فيه النون، فقال: قال الأصمعي: زادت العرب النون في أربعة أحرف من الأسماء، قالوا: رَعْشَن للذي يرتعش، وللضَّيْف ضَيْفَن، للذي يحضر مع الضيف ليأكل ما يُقْرى الضيفان، قال الشاعر:

إذا جاءَ ضَيْفٌ جاء للضَّيْف ضَيْفنُ

 

فَأَوْدى بما يُقْري الضُيوفَ الضَيَافِــنْ

  •  وامرأة خلبن، وهي الخرقاء، وليس هو من الخلابة، وناقة علجن، وهي الغليظة الجسْرَة المُسْتجمعَةُ الخَلْق، وأنشد من الرجز:

وخَلَّـطَـتْ كُـلُّ دَلاَثٍ عَلـْجَـنِ

 

تـخليطَ خَـرْقاءِ الـيدين خـلْبَنِ

  •  وقال المازني: فإذا وجدت حرفاً من حروف الزيادة سوى الواو، والياء، والألف، في شيء يُشْتق من معناه ما يَذْهَب فيه، فاجعله زائداً، نحو رَعْشن، لأنه من الرَعْشَة، يدلك على ذلك قوله: 
من كُلّ رَعْشاءَ وناجٍ رَعْشَنِ.

وفي المظنون الراجح لدينا أن إمساس المعنى المفاد م

ن وزن (فَعْلَنة) قد عرفته الفصحى التراثية في صيغة (فَعالَة)، وهي صيغة شائعة في استدعاء مفردات تنتمي إلى حقل دلالي (في الطبائع أو المعاني الثابتة)، مما له خاصية الثبوت أو الوجود على حالة مطلقة، ومن اليسير عرض سلاسل مفردات تُمعْجِمُ خصيصة الطبع أو ما يشبهه، من المعاني المجردة الثابتة، ومنه:

  •  جَهالَة، حَقَارَة، فَطانَة، بَلادَة، صَلابَة، بَطالَة، جَلادَة، خَزايَة، صَغَارَة، ضَآلَة، طَراوة، حَداثَة، هَناءة، صَواتة، صَرافَة، سَلامَة، مَراءَة، سَذاجَة، شَباهَة، فَكاهَة، عَبالَة، نَكَالَة، نَكَارَة، طَعَامَة.

وكذلك فإن المفردات من وزن (فَعْلَنَة) ترد في معنى الدلالة على (الثبوت والوجود على حالة)، لكنها حالة مقيدة لا مطلقة، من حيث لم تكن حالة الثبوت واضحة في صاحبها، ثم تحولت إلى الثبوت والاتصاف؛ ولا يستبعد أن يكون العدول من (فَعَالَة) إلى (فَعْلَنَة) به قيمة مخالفة ومفارقة بين كلام فصيح وآخر عاميّ؛ ومن شأن لغة الحياة العادية إحداث اختراقات لغوية، بالزيادة أو النقص؛ وفضل كلام عن هذه النقطة سيرد في موضعه لاحقاً من هذا البحث، وكفاية المقام هنا أن نجري المقابلة الموالية.

  • في الفصيح: جَهالَة، حَقارَة، سَفالَة، عَباطَة، تَياسَة، جَحاشة، زَعارَة، شَهامَة، بَداوة.
  •  في العامي: جَهْلَنَة، حَقْرَنَة، سَفْلَنة، عَبْطنة، تَيْسَنة، جَحْشَنة، زَعْرَنة، شَهْمنة، بدونة.

 

تَبَرْعُم وزن (فَعْلَنَة):

تحسن الإشارة إلى أن وزن (فَعْلَنَة)، قد تَبَرَعَمَ في الاستعمال المعاصر، بمقتضى معيارية النظام الاشتقاقي الصرفي في العربية، فتولدت منه صيغ صرفية ما بين اسمية وفعلية، ولا غرابة؛ فالمنهج الجذري، الذي عليه تكوين المفردات العربية، يُبيح استدعاء مواد لغوية تكميلية، لم تُرصد سماعاً من قبل، واستثماراً للطاقة التوليدية الكامنة في كل جذر لغوي على حَدّه، وحسب الاحتياج إليه.

وصحيح أنه في المفردات المُسْتَجِدة تَقْبَعُ مشكلة الاعتراف بها من عدمه، ولكن ذاك مَشْغَلة فقه الفقهاء باللغة، لا اللغة نفسها، فاللغة شيء وعلم اللغة شيء آخر، تماماً مثلما الشريعة شيء، وفقه الشريعة شيء آخر، والمتحصل أنه توجد مفردات جديدة، وعدم الاعتراف بها لا يعني نفيا لوجودها.

وقد كانت فئة مُتَنَوّرة من علماء السلف على إجازة المُتَغَيِّر اللغوي، ومن قواعدهم "أنه إذا صَحّ الاسم فالفعل بالكفّ" يريدون أن القياس ضامن بَلِمّ الشمل، وبالتوسعة إلى باقي التصاريف اللغوية، عند عَوَز الحاجة إليها.

فابن منظور يورد في لسان العرب قوله: "ليس في الأفعال (فَعْلَنَ)، وإنما هو في الأسماء، نحو عَلْجَنٌ، وخَلْبَنٌ، ولكن مجيء الاسم على وزن (فَعْلَن) يوجب أن يجيء الفعل على وزنه أيضاً، لأن الاسم هو الأصل، والفعل تفرع منه، مثل: عَرْجَنَه بالعصا، ضربه بالعرجون".

ومنه قولهم: دَرْجَنَت الناقة على ولدها دَرْجَنة: رمته بعد نِفار، وبَحْثَن في الأمر بَحْثَنَة: تراخى فيه.

ومن توسُّطات القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، بين المتنبي وخصومه نورد المناكفة الموالية "قوله (أي المتنبي):

فِـدىً مَـنْ عـلى الغَبْراءِ أوَّلُـهم أنا

 

لـهذا الأَبيِّ الـمـائِـدِ الـجَائِد القَرْمِ

قالوا: لم يُحْكَ عن العرب: الجائد، وإنما المحكيّ عنهم رجل جواد، وفرس جواد، ومطر جواد.

قال المحتج: "هذا الباب يُستغنى فيه بالقياس عن اسماع لاطّراده، واتساق أمره على الاعتدال، فكلُّ فِعْل في الكلام يقتضي التصريف إلى فاعِل ومفعول، وكل فِعْل فله مُفْعِل ومُفْعَل، ولسنا نحتاج في مثل هذا إلى التوقّف، واتباع المسموع، وهذا أشبه بمذاهب القياس، والأصل الذي عليه أهل اللغة".وعليه كان قرار لجنة الأصول في مجمع اللغة بالقاهرة؛ قبول ما يشيع على ألسنة المثقفين من نحو: عَلْمَنَ، وعَضْوَن، وعَقْلَن، ومصادرها، وما يشتق منها، على أن تعدّ النون زائدة. وفي الموضوع بحث للدكتور محمد حسن عبدالعزيز بعنوان: "زيادة النون في فَعْلَنَ وما يشتق منها، وقد أطلعنا عليه ولم نجد فيه الإضافة التي نتغياها من جراء بحثنا هذا، وهو يذهب إلى أنَّ ولادة هذه البنية جاءت لسَدّ حاجة الترجمة للمصطلحات الأجنبية: فالذين يقولون (يُعَلْمن) يريدونها بإزاء الفعل Secularize بمعنى يجرد العلم عن صفته الدينية، والذين يقولون (يُعَضْون) يريدونها بإزاء الفعل Organize، بمعنى يجعله عضواً، والذين يقولون (يُعَقْلِن) يريدونها بإزاء الفعل Rationalize، بمعنى يجعل الشيء عقلانياً.

وثمة إشارة لطيفة جداً، قد تنبّه إليها، وهي: توظيف بنية "فَعْلَنَة" في توليد المصطلحات العلمية لدى علماء الطبيعيات، وإثباتهم إياها في المعجمات المتخصصة؛ للدلالة على وجود المادة نفسها في الشيء ذاته؛ ومنه أن يقال في عوارض "الدم أو البول": حَمْضَنَة، وقَلْوَنَة، وفَحْمَنَة، وصَفْرَنَة، وبَوْلَنَة، وشَحْمَنَة ... إلخ.

مرونة الاشتقاق من الرباعي:

لا خفاء أن العربية الحديثة، تميل كثيراً إلى تنشيط التوليد اللغوي على نسق المثال المُتَوطِّن في الذاكرة جيداً، وذاك هو قالب الرباعي المجرد (فَعْلَل)، والأمر على سواء في هذا الصدد بين أن يكون الرباعي مُرْتَجلاً بأصل الوضع وجامداً في مادته مثل (جعفر)، أو أن يكون رباعياً بالتكبير من أصل ثلاثي، مثلما هو في وزن (فَعْلَنَة) بعامة.

وعلى نحو لم يكن مُشْتَهَرا قديماً، تتبدى علاقة تَلازُم وثيقة بين الرباعي المجرد والمصطلحات العلمية المعاصرة؛ مما يعكس سلوكاً اجتماعياً ينتحي بالعقل من المحسوس إلى المجرد. وقد لا يُدْفَع بنكران قاعدة تنص على أن صياغة معنى (التفعيل) ترد في عربية اليوم على وزن (فَعْلَلَة)، وخاصة في ألفاظ الحضارة من معربة أو دخيلة، مثل: بَرْمَجَة، ودَبْلَجَة، وفَرْمَتَة، ومَكْنَكَة، ...إلخ.

وبأية حال؛ فإنه من المؤكَّد أن تَوَلُّدات صرفية مختلفة، قد صارت باليد من هذا المنوال، من نموذج (فَعْلَنَة) وتفرعاتها. وبالوسع التكلم عن القياس في مفردات مثل:

  •  عَلْمنَ، يُعَلْمِنُ، عَلْمَنَة، جعل الدولة علمانية.
  •  تَشَهْمَنَ، يتَشَهْمَنُ، شَهْمنة، مَتَشَهْمِن، لمن يتصف بالمروءة والنخوة.
  •  تَزَعْرَن يَتَزَعْرَن، زَعْرَنَة، مُتَزَعْرِن، لمن يتصف بفعل الشُّطار والعَيّارين.
  •  تَوَلْدَن، يَتَولْدَن، وَلْدَنة، مُتَوَلْدِن، لمن يتصف بفعل صغار الناشئة أو الأطفال.
  •  تَتَيْسَنَ، يَتَتَيْسَن، تَيْسَنة، لمن يتصف مجازاً ببعض صفات الحيوان (التيْس).
  •  تَحَزْبَن، يَتَحَزْبن، حَزْبَنَة، لمن يقف مناصراً لهذا الحزب على غيره
وللعامية الدارجة في الأردن غرامة بتوليد مفردات فعْليَّة من النمط المقطعي (ص ح ص+ ص ح + ص ح ص) من مقطعين مغلقين طويلين بينهما مقطع قصير مفتوح (حَسْبَنَ المسألة) وقد رصدناها مستعملة في لغة الصحافة، لكنها قد استبدلت مؤخراً بـ (حَوْسَبة)، المقيسة على نسق مفردات (عَوْلمة). وهو مسلك يدفع إليه درء اللبس في دلالة المفردات، ضمن نظرية المخالفة اللغوية المعهودة في معظم اللغات البشرية، فصارت (حَسْبَنَ) لمعنى الظن، و(حَوْسَبة) لمعنى الحساب، وكذلك (عَلْمَنَة) من فِعْل ذي علاقة بالعِلْم الموضوعي، و(عَوْلَمَة) من فِعْل ذي علاقة بالعالَم.

ويقع كثيراً أن تتصدر البنية الصرفية هنا بسابقة دالة على المضارعة بمقطع قصير مفتوح (يَتَجحْشَن جَحْشَنة) من فعل مجازي له بعض طبع ولد الحمار، وهو يطرد عند قصد تحويل هذه الصيغ من التعدي إلى اللزوم، وعندها يصير لها معنى المطاوعة مع المعنى المجرد للفعل.

ومن قواعد الإرشاد المعلومة في اللغات بعامة، أنه إذا ضارع شيء شيئا، لمناسبة بينهما، ضارعه الآخر؛ وكذلك أخذت اللغة الشفاهية تسبك مفردات عديدة من نسق (مَصْرَنة) الوظائف العامة، وبالقياس أن يقال: (عَمْنَنة) الوظائف في عُمان، و(بَحْرنة) الوظائف في البحرين، وكذا قَطْرَنَتُها في قطر، ولَبْنَنَتها في لبنان، ومنه (بَلْقنة) الدولة من جعلها على شاكلة دول (البلقان) مجزّأة، ومعلوم أنه لا يقال (سعدنة) الوظائف في السعودية بل (سعودة) احترازاً من مفهوم الحيوان (السعدان)، وكذا لا يُقال (عَرَْقَنَة) في العراق، احترازاً من مفاهيم سلبية دالة على العرق. والمهم في هذه الأمثلة ونظائرها، هو الشبه في الصورة المقطعية، لا في الوزن الصرفي، أهو فَعْلَنَ، أم فَعْلَلَة؟

والراجح أن مثل هذا المسلك اللغوي في إحداث النسبة، هكذا، على (فَعْلنة) مرتبط بالنزعة التحليلية في لغة الحياة اليومية الشفاهية، وهي نزعة مؤداها الميل إلى الاقتصاد في المجهود العضلي اللغوي، بتجاوز الصعوبة إلى السهولة، وبإسقاط العناصر اللغوية غير التوليدية، وغير الفاعلة على مستوى المعنى.

وكثيراً ما تلجأ لغة الحياة الشفاهية هنا في الأردن إلى مفهوم البنية المُجَرَّدة للتعبير عن الكليات الذهنية في مجال أسماء الأعلام الخاصة بالقبائل، فثمة فُشُوٌّ عارم لبنية جمع تكسير من نمط (فَعالِلة) وما يماثلها مقطعياً، إذ تُزاد بذْيلها (تاء للتأنيث) مربوطة، فتغدو دالة (نسبة اعتباطية) إلى المجموع الكلي من أفراد القبائل، وللتمثيل نذكر:

  •  أقاطشة، طراونة، خصاونة، عثامنة، ضراغمة، حتاملة، بلاسمة، عجارمة، جعافرة، ربابعة، طلافحة، شخاترة.

وعاقبة ما نشير إليه من التبرعمات المقاربة لما نحن بصدده، ما تورده، مصنفات كتب الأبنية التراثية من وجود صور صرفية نظرية لوزن (فَعْلَنْ) الوصفي، قد زيدت عليها تاء مربوطة بآخرها، مثل قولهم:

  •  فُعْلُنَة: امرأة سُمْعُنَة نُظْرُنَة للكثيرة النظر والاستماع، وتُضبط كذلك على وزن "فِعْلنِة" وأحياناً بتشديد النون (سُمْعُنّة نُظْرُنَّة) ونحو خُِلْفِنَّة لكثير الخلاف من ذكر أو أنثى، ومنه عِرْضِنّة، ورجل زِقْحِنّة للضيّق الخُلُق، وإلْفِنَّة للشرير. وليس باليد من مَأثَور كلام العرب ما يوثّق صحة الأمثلة هنا، ونحسبها من أثر صنعة القياس الصرفي حسب، لكنها تبقي طاقة مخبوءة في النظام المعياري بالصرف العربي عند عوز الحاجة إليها؛ لعدولات شعرية، أو خطابية، أو أسلوبية، أو غير ذلك.

فَعْلَنَة أم فَعْلَلَة؟

التخالف في وزن المفردات بطيه سالفاً على (فَعْلَنَة أم فَعْلَلَة)، إنما هو تخالف لفظي محض، وفي الشكل لا الجوهر، فملتقى الوزنين، من ناحية مقطعية، واحد تماماً، وكلاهما له خاصية الدخول في الجدول التصريفي العربي (جنساً، وعدداً، وتَعْيناً، وزَمَناً...) على سواء؛ ثم إن الإعراب يجرى عليهما سواء بسواء أيضاً.

بيد أن تفكيك البنية اشتقاقياً سيفضي ضرورة إلى القول بوزن (فَعْلَنة) عند من يقول بالزيادة في (النون)، وإلى القول بوزن (فَعْلَلة) عند من يقول بالأصلية في (النون)، وهذه وجهة نظر في مسألة يجوز فيها الاختلاف في وجهات النظر، وكل ذلك لا يطعن في موثوقية التكوين الوجودي للمفردات بأنفسها.

وقد كان من مذهب جمهور علماء الصرف القدماء أن النون زائدة صرفية في (فَعْلَنة) وليست بأصل فيها، وزيادتها قد عُدّت من مبادئ الزيادة (للإلحاق) ، والجذع فيها يكمن في ثلاثة الصوامت الأولى، وهي حَمّالة للمعنى الأساس فيها، وإنما تتسع بالنون اتساعاً يلحقها بأبنية الرباعي المطرد بأصل الوضع، وتبعاً لمنظور علماء السلف أولئك؛ فهي زيادة لفظية لا معنوية، وليس بوسعنا التوافق وهذا الفهم، الذي يراها زيادة لفظية، بل، هي زيادة معنوية، وذات دلالة مخصوصة؛ وفي القَابِل من الفقرات نورد تكلماً عن هذه الناحية بأوضح منه هنا.

على أننا لا نجري القول بوزن فَعْلَلَة في المفردات الأخرى الجامدة، والجُلْمود هكذا بأصل الوضع فيها، ونَعُدّها مندرجة الوزن تحت أنموذج (فَعْلَلَة)، تفريقاً للأصلي عن المزيد، فالمفردات الموالية كلها أصلية النون، وعلى فرض القول بزيادة النون فيها فهي من الزيادة اللفظية، تلك التي لا يفيد معناها، من خلال النون، تضيّقاً، ولا اتساعاً.

ولا اعتناء لهذا البحث بالمفردات المتولدة بهذه الطريقة، وللتمثيل عليها نسوق الأمثلة الآتية:

  •  (شَيْطَنَة، ورَهْبَنة، وقَطْرَنة، وعَرْبَنة، ودَهْقَنة، وقَرْصنة، وسَلْطَنة، وفَرْعَنَة، وحَيْوَنَة) من شيطان، ورهبان، وقطران، وعربون، ودهقان، وقرصان، وسلطان، وفرعون، وحيوان.فالتصريف الذي يقع في هذه المفردات، وأضرابها من أفعال، ومصادر وأسماء فاعلين أو مفعولين لا يُخْرج القول فيها عن جمودها، واعتبار صامت (النون) من بنية الجذع فيها، وكذا يُقال في المسموع من مفردة (أَرْدَنَة الوظائف) فالزيادة الصرفية الموسعة للمعنى هي في (التاء)، وما قبلها لا يعدو كونه من الجامد المحفوظ سماعاً واعتباطاً.

التكوين الصرفي في وزن (فَعْلَنَة):

قد وضُح مما أزجيناه بالفقرات الفارطة من أمثلة هذا الوزن (فَعْلَنَة) أنها بنية من السهولة تشْقِيقُها إلى ثلاث الوحدات الصرفية الآتية: وحدة (الجِذْع)، ومكونة من ثلاثة صوامت صحاح، ووحدة (النون) المزيدة رابعة بعد وحدة الجذع، ووحدة (التاء) بآخر الصيغة.

وحدة (الجِذْع): وهي الصورة المجردة الجامدة للصيغة في صورتها المعجمية الأساسية، ومن هذه الصيغة توسعت عربية لغة الحياة العادية بالاشتقاق منها، بالزيادة فيها، أي بالاشتقاق من الجذع الجامد، من (تَيْس، وكَلْب، وبَقَر، وحمار... الخ) إلى تيسنة، وكلبنة، وبقرنة، وحمرنة).

ونعلم أن التحويل المعجمي بالاشتقاق من الجامد ظاهرة واضحة في القرآن، والحديث، وفي الفصحى التراثية، وللتمثيل نشير إلى الموالي بأدناه

- (تسَوَّروا): "{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}. اشتقاق من (السور). (

ق. 38/21، ص).

- (أدوأ): في الحديث عن الجَدّ بن قيس وكان بخيلاً، وأيُّ داء أَدْوَأ من البخل، اشتقاق من (الداء). (الأزهري: تهذ

يب اللغة 1/44).

- (أشْهَرْنا):

قال الفراء: قال لي بعض العرب: أَتُرانا أشْهَرْنَا مُذْ لم نلتق؟ أراد مَرّ بنا (شَهْر)، (معاني الفراء 1/398).

- (رأَسوك):

قال يونس للكسائي بعد مناظرة بينهما، أشهد أن الذين رَأَسُوك قد رَأَسُوك باستحقاق، أراد صيّروه رئيساً فيهم: (تاريخ بغداد 11/408).

- (تَذَرَّيْت)

: اشتقاق من (الذروة ).

- أنا سَيْفُ العشيرة فاعرفوني        حُمَيْداً قد تَذَرَّيْتُ السَّناما

 " حُميد بن ثور"                                                                         
                                                                            
 
وحدة (النون): مجيء النون زائدة رابعة في أبنية اسمية، وأخرى وصفية مما لقَطَهُ علماء السلف، وقد كانت بؤرة المناكفة فيما بينهم حول تعيين الوظيفة الصرفية لهذه (النون)، مع إقرارهم كلهم بأن النون هي الصوت الأشدّ مرونة، والأكثر استعمالاً عند قصد التوليد المعجمي بتكبير المفردات أو تضييقها. ويشرك (النون) بهذه الخصيصة سائر حروف (الذَلَق والشَّفَويّة) وهي (الياء والراء، والفاء، واللام، والميم)، فليس شيء من بناء الخماسي التام يَعْرى منها، أو من بعضها "فإن وردت عليك كلمة رباعية أو خماسية، مُعَرّاة من حروف الذَلقَ أو الشفوية، ولا يكون في تلك الكلمة من هذه الحروف حرف واحد، أو اثنان، أو فوق ذلك، فاعلم أن تلك الكلمة مُحْدَثة مُبْتَدَعة، وليست من كلام العرب".على أن القولات المعاكسة بأصالة (النون) لا بزيادتها تَعْزوها المكتوبات الصرفية القديمة إلى أبي زيد الأنصاري، الذي زعم أنه يُقال: ضَفِنَ الرجل يَضْفن، إذا جاء ضيفاً مع الضّيف، وضَيْفن في هذا المذهب "فَيْعَل"، وكذلك قال بأصالة النون ابن عصفور، فأما سيبويه، وابن جني والجمهور فعلى القول بزيادة النون
 
وحدة (التاء) المربوطة: تَشْغَلُ الوظائف الصرفية لمقطع "التاء المربوطة" مساحة واسعة في الفضاء الصرفي العربي، قديمه وحديثه، ويُناسب موضوع البحث المائل هنا، ما يتعلق بالدلالة المُفادة من زيادة (التاء المربوطة)، وهو ما عليه التكلم بالفقرة أدناه.

وعلى العموم فإن التكوين الصرفي لوزن (فَعْلَنَة) يَهْتَضِم مفردات عربية محضة، وأخرى دخيلة مُجَنَّسة، ومن هذا النمط الأخير قولهم (وَرْشَنة) لمن يتصف بالوراشة من اللفظ الدخيل هو (الوَرْشَة)، وقولهم (سَطْلَنَة) لمن اتصف بالعياء والغباوة مُشَبَّهاً بالآنية المعروفة بـ (السَّطل) وهو دخيل شبيه بالدّلْو

, ومثله (فَكْهَنَة) من لفظ مُعَرَّب هو (الفاكهة).

ويكاد وزن (فَعْلَنَة) يأخذ نسق (المصادر الصناعية) في تَولّده مثلها: من أسماء ذوات، ومن صفات، ومن مصادر، بما يفضي في كُلّيته إلى توليد (اسم معنى مجرد)، مع ملاحظة أن المعنى المجرد في المصدر الصناعي متولد أساساً، من طريق إلحاق وحدة صرفية زائدة هي: (الياء المشددة والتاء المربوطة) ، وذلك بآخِر أيّما بنية صرفية، متصرفة أم غير متصرفة مثل: (كَمِّيَّة، ماهِيَّة، حُرِّيَّة، رجُوليَة، استراتيجيَّة). وكذلك هو الشأن في المعنى المجرد من المصدر على وزن (فَعْلَنَة)، حيث تُلحق وحدة صرفية زائدة أيضاً هي (النون والتاء المربوطة)، ولكنها تبقى وحدة مقيدة ببناء شكلي ثابت النسق، وملحق بالرباعي المجرد من وزن (فَعْلَلَة). ولقد يصح جداً أن ينعت المصدر على وزن (فَعْلَنَة) بـ (المصدرالنوني)، قياسا على مصطلح (المصدر الميمي).

الخطاب الوظيفي لوزن (فَعْلَنة):

يَنْتهى ما جرى عرضه من أمثلة (فَعْلَنَة) إلى أنها ظاهرة تجتذبُ التفكير إليها، وليست حالة فردية فَتُهْمل، وأنها من تفاوُضات الناس الشَّعبيين ببلاد الشام عامة، والأردن خاصة، وأكثر مقاماتها تداولاً أن ترد في خطابات سلبية عند مزاولة: الظرافات، والفكاهات، والمعايب، وبنحو محدود في خطابات إيجابية جادة عند مزاولة: المحاسن والفضائل.

وبعض من أمثلة (فعلنة) قد تَسَرّب إلى اللغة الكتابية هنا أو هناك عند فئة من اللغويين العرب المحدثين، مما يعني أنها قد صارت صيغة قياسية، وولوداً في اللاَّوَعْي الجَمْعي العربي الحالي.

وإذْ ليس ضرورة أن يكون للصيغة معنى مُطَّرد يُنْسَب إليها، وتَتَصاقب مُفرداتها عليه، فإنه قد يشار إلى ثلاث النواحي الدلالية بأسفله، بوصفها الأبرز تداولاً في وظائفها الخطابية السَّياقية.

  •  الإفصاح عن معنى لم يكن سجيّة، ولا طبعاً في صاحبه، ثم تَحّول إليه، ولابسه، واتّصف به، فصار أمارة عليه، وصفة شبه ثابتة في سلوكه.
  • الإفصاح عن معنى النسْبة الاعتباطية بين مُنَفذ الحَدَث، والحدَث نفسه.
  •  الإفصاح عن معنى المبالغة في المِهَن الاجتماعية، والمعنوية خصيصاً.
  •  الإفصاح عن معنى عام هو: الجعل والاتخاذ.

المقترح: الكثرة في الاستعمال، والاطراد في النظام، الملحوظين في وزن (فَعْلَنة)، كلاهما يَدْفع باقتراح إلى المجامع اللغوية العربية، فَتُدْرِج هذا الوزن، ضمن الأوزان القياسية من أوزان المصدر الرباعي، خاصة في معنى (التحوُّل نحو الاتصاف بصفة)، وكذلك يَجْدُر بها أن تَنْضاف إلى الثروة المعجمية، التي يحوزها مَتْنُ العربية المعاصرة.

وهذا آخر ما تيسر في الموضوع، وبالله التوفيق.

 

المراجع

- ابن منظور: لسان العرب (طبعة مصوّرة عن طبعة بولاق), المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر, الدار المصرية للتأليف والترجمة, القاهرة, د. ط, 1900م.

- الأزهري: تهذيب اللغة, تح: عبد السلام هارون, المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر, الدار المصرية للتأليف والترجمة, القاهرة, د. ط, 1964م.

- سيبويه: الكتاب, تح: عبد السلام هارون, دار الجيل, بيروت, الطبعة الأولى, 1991 م.

(ضمن دراسات في العربية)، مكتبة الآداب، القاهرة، 2005م.

- ابن القطاع: أبنية الأسماء والأفعال والمصادر، تحقيق: أحمد محمد عبدالكريم، د. ن, القاهرة، 1999م.

- ابن جني: الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار, دار الهدي، بيروت, د. ت. المنصف، تحقيق: إبراهيم مصطفى وآخرين، د. ن, القاهرة، 1960م.

- ابن السكيت: الإبدال والمعاقبة

, بلا تفاصيل نشر..

- ابن عصفور: الممتع في التصريف، تحقيق: فخرالدين قباوة، دار المعرفة، بيروت، 1407هـ.

- ابن فارس: الصاحبي في فقه اللغة، تحقيق: الشويمي، بيروت، د. ن, 1963م.

- ابن يعيش: شرح التصريف الملوكي، تحقيق: فخرالدين قباوة، د. ن, حلب، 1393هـ.

- الأقطش, عبد الحميد: طليعة التفكير اللغوي العربي إلى نهاية صدر الإسلام، مجلة الآداب، جامعة منتوري، الجزائر، عدد7، 2004م، القلب المكاني بين الأصوات الصحاح في العربية، مجلة أبحاث اليرموك، عدد2، مجلد15.

علاّمة وأمثالها من نعوت المذكر، مجلة أبحاث اليرموك، عدد2، 1998م.

- ترزي ؛ فؤاد ترزي: الاشتقاق، د. ن, بيروت، 1968م.

- الحديثي؛ خديجة الحديثي: أبنية الصرف في كتاب سيبويه، دار المعرفة، بيروت, 1407هـ.

- الحلواني؛ محمد خير: المغني الجديد في علم الصرف، دار الشرق، بيروت, د. ت.

- زكريا؛ ميشال زكريا: الألسنية علم اللغة الحديث: المبادئ والأعلام, د. ن, بيروت، 1983م.

- السامرائي؛ إبراهيم السامرائي: التطور اللغوي التاريخي، د. ن, بيروت، 1981.

- السيوطي؛ جلال الدين عبد الرحمن

: المزهر في علوم اللغة، شرح: محمد جاد وزميله، د. ن, بيروت، 1408هـ.

- شاهين؛ عبدالصبور شاهين: في علم اللغة العام، د. ن, بيروت، 1980.

- الشايب؛ فوزي الشايب: الإلحاق في اللغة العربية (مخطوطة), جامعة عين شمس، مصر, 1978م.

- شحاته؛ محمد شحاته: المصدر الصناعي في العربية: دراسة صرفية دلالية، دار غريب، القاهرة, د. ت.

- عبد العزيز؛ محمد حسن: زيادة النون في فَعْلَن، مجلة مجمع اللغة, القاهرة، ج1 (مجموعة القرارات العلمية), د. ت.

- عبده؛ داود عبده: أبحاث في اللغة العربية، د. ن, بيروت، 1973م.

- فرحات؛ عياش فرحات: الاشتقاق ودوره في نمو اللغة، المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995م.

- فيلد؛ شتيفان فيلد: لغة الكتابة العربية في الحاضر، ترجمة: سعيد البحيري.

- القاضي الجرجاني: الوساطة، تحقيق: محمد أبو الفضل وآخرين، د. ن, القاهرة, 1966م.

- القنيبي؛ حامد القنيبي: الاشتقاق وتنمية الألفاظ، مجلة اللسان العربي، مكتب تنسيق التعريب, الرباط, عدد 34، سنة 1410هـ.

- نعيم؛ مزيد نعيم: الصيغ الرباعية والخماسية: اشتقاقاً ودلالة، د. ن, دمشق، 1983م.

- نور الدين؛ عصام نور الدين: أبنية الفعل في شافية ابن الحاجب، المؤسسة الجامعية، بيروت, د. ت.

- هريدي؛ أحمد هريدي: المخالفة الصوتية ودورها في نمو المعجم العربي، مكتبة الزهراء, القاهرة, د. ت.

- يوسف؛ ظافر يوسف: أبنية الأسماء المستدركة على سيبويه (مخطوط)، جامعة حلب، سوريا, 1984.

 

البحث

تسجيل الدخول

الأرشيف

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 49 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 2275
المحتوى : 860
عدد زيارات المحنوى : 2824749