نظرة في البحث الموسوم
بـ "سمات العطاء الأدبي والفكري في القرن الثامن الهجري"
عبد الرازق حويزي
يُعدُّ تراثنا العربيُّ أحدَ الأسسِ التي يلزمُ الالتفاتُ إليها، ووضعُها في الاعتبار ونحن نشيِّدُ صرحَ حضارتِنَا في العَصرِ الحديثِ، ففي هذا التراثِ فكرُ أجدادِنا، ونبضُ مشاعرهم، ورَصْدٌ لأحوالِهم السياسيةِ والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والعِلميَّةِ، فهو يمثِّلُ عصارةَ ما وَصَلَ إليه السَّلفُ الصَّالحُ في شتَّى الأمور، وبه انطلقوا إلى إعلاءِ صَرْحِ الحضارةِ الإنسانيةِ، مما حدا بالمستشرقين إلى الالتفات إليه؛ ومن ثم أدركُوا قيمتَه الإنسانية، خصوصًا في العلومِ التطبيقية.
ومن هذه القيمةِ الكبيرةِ انطلقَ رهطٌ من هؤلاء المستشرقين إلى العنايةِ بهذا التراثِ، وتمثلتْ هذه العنايةُ في اقتناء مخطوطاته في مكتباتهم العامة، والقيام بدراسة وتحقيق بعضها، وعلى أثرهم انطلقَ الباحثون العربُ في انتهاجِ المنهج السديدِ في العنايةِ بتحقيق التراثِ العربيّ، فوضع بعضهم بحوثًا في رسمِ منهجٍ لتحقيق المخطوطاتِ، منهم على سبيل المثال والاستدلالِ لا على سبيلِ الحصر: العلامة "صلاح الدين المنجد"، والمحقق "عبد السلام هارون"، والدكتور "رمضان عبد التواب"، وغيرهم من شوامخ المحققين.
وقد تمخضت السطور التالية عما ورد في البحث المنشور في العدد (63) من هذه المجلة تحت عنوان: "سمات العطاء الأدبي والفكري في القرن الثامن الهجري" للأستاذ "هلال ناجي"، الذي أتي فيه على ذكر كتابين من تحقيقه، وهما كتاب "حدائق الأنوار وبدائع الأشعار لجنيد بن محمود"، المنشور في بيروت عام 1994م، وكتاب "الكشف والتنبيه على الوصف والتشبيه للصفدي (ت 764هـ)، "المنشور في بريطانيا عام 1999م، وشاركه في تحقيقه الأستاذ "وليد بن أحمد" – على ما ورد على صفحة غلافه - وقد قال الأستاذ "هلال ناجي" عن تجربته في تحقيق الكتاب الأول ص 198: "وقد أسعدني الحظ بتحقيق هذا الكتاب ونشره في بيروت سنة 1995، بعد معاناة استمرت عشرين عاماً معتمدًا نسخة مخطوطة فريدة في الدنيا"، وقال عن تجربته في تحقيق الكتاب الثاني ص 47: "لقد استَمَرَّ العملُ في هذا الكتابِ نحو عِقْدَينِ من السنين وفي فَتراتٍ مُتَقَطِّعَة".
وأود أن أقف عند قوله: "عشرين عامًا"، وقوله: "عقدين من السنين وفي فترات متقطعة"، إذ ربما تسري في نفس المرء خاطرة حول أثر تحقيق المخطوطة على فترات زمنية متقطعة من خلال ما نال هذين الكتابين من أغلاط تحقيقية من آثار توزيع التحقيق على هذه الفترات.
إذن فالحديثُ هنا سينصبُّ على خطورةِ تحقيقِ المخطوطة على فتراتٍ متقطعة، وأزمان متباعدة، قد ينشغل فيها المحقق بأعمال أخرى، وسيقتصر الحديث هنا على جانبٍ واحدٍ من الجوانبِ ذاتِ المخاطِر والمزالقِ المتَمَخِّضَةِ عن هذا الأمرِ، إذ لهذا التَّراخِي مزالق كثيرة، ترجِعُ في أساسِهَا إلى أن المحقق بانصرافِه عن تحقيقِ المخطوطةِ إلى أشغال أخرى يَنْسَى – وهذا أمر واردٌ على ما جبلت عليه الطبيعة الإنسانية من النسيان– ما قالَه وما فَعَلَه في بدايةِ التَّحقيقِ، فيثبتُ آراءَ بعد ذلك ربَّما تَتَعَارضُ مع ما سبق أن قَالَه وما قَيَّدَه، هذه واحدةٌ، وأما الثانيةُ فتكْمُنُ في تَذَبْذُبِ المنهج الذي اتَّبَعَه في بداية العمل ومجافاته له بعد عَوْدَتِه إليه مرة ثانية في تحقيق المخطوطةِ نفسِها بعد الانصراف ِعنها حينًا من الدَّهْرِ، فهذا التوزيع جعل محقق هذين الكتابين يتصرَّف مع كل جُزْئِيَّةٍ من جزئياتِ المخطوطتين في التحقيقِ وكأنَّها تُمَثِّلُ نصًّا قائمًا برأسِهِ، لا عَلاقةَ لها ببَاقِي الجُزئيَّاتِ الأخرى السَّابقَةِ عليها، واللاحِقَةِ لها في كل مخطوطة، فالمهِمُّ إقامةُ النَّصِّ لُغويًّا وعَرُوضِيًّا، إما عن طريقِ الاجتهادِ، وإما عن طَريقِ الاستنادِ إلى المصادرِ الأخرى.
إن هذا التراخِي المتمثل في ترك العمل ردحًا من الدهر ثم العودة إليه من شَأنِهِ أن يجعلَ التحقيقَ العلميَّ غيرَ مترابطِ الأوْصَالِ، وما ذلك إلا لأنَّ المحققَ لا يَتَمَكَّنُ من السَّيطرةِ على مادةِ الكتابِ المحقَّقِ ليرْبطَ أولَهُ بأوسَطِهِ وبآخرِهِ، ولا يتمكن كذلك من ربط المقدّماتِ بالنتائجِ بدرجة كافية، ومن ثم يصعبُ عليه إماطةُ اللثامِ عن أوهام المؤلف، ليقفَ عليها القارئ والدارسُ.
أما الأمرُ الوحيدُ الذي سأقف أمامَه في تحقيقِ هذينِ الكتابينِ فيتمَثَّلُ في وقوعِ تَكْرَارِ النصوص وغيرها، هذه النصوص كانتْ تَسْتَأهلُ في التحقيق الإلماحَ إلى تَكرارِها حَتَّى يكونَ القارئُ على بَيِّنَةٍ من أمرِهِ، فَيَتَدَبَّرُ السِّرَّ في هذا التَّكرارِ، وأبعادَ أهمِّيتِهِ من عَدَمِهَا في التصنيف، ومن ثم يُدْرِكُ ضَعفَ التأليفِ من عَدَمِهِ، وبالطبع إذا تَسَاءَلنا عن السِّرِّ في غياب الإشارةِ إلى هذه التَّكْرَارات ِالمتعدِّدةِ في تحقيق هذين الكتَابين فسنجد الإجابةَ كامنةً في توزيعِ المحقق عمله فيهما على فتراتٍ زَمَنِيَّةٍ مُتباعدةٍ، الأمرُ الذي أَدَّى إلى تَصَرُّفِه مع كُلِّ مقطَّعةٍ شعرية – كما قلت - في كلِّ كتابٍ على أنَّهَا نصٌّ مُستقِلٌّ بنفسِهِ، دونَ مُحاولةِ رَبْطِه بالمادَّةِ الكُلِّيَّةِ للكتابِ ذَاتِهِ، وكأن ليسَ ثَمَّةَ عَلاقةٌ بينه وبينَ باقي الكتابِ الذي ضَمَّه بينَ دَفَّتَيهِ.
وليس السكوت عن الإفصاح عن وُقوعِ تَكرارِ المقطَّعاتِ الشعريَّةِ في الكتابينِ إنَّما كان تَحْتَ إدراكٍ من المحقق له، وعدم اقتنَاعِهِ بعدمِ أهَمِّيةِ التنبيهِ عليه، إذ لو كان الأمرُ كذلك لما جاءتْ بعض النصوص المُكَرَّرَة في كُلِّ كتابٍ من الكتابينِ مُختلفَةً في القراءةِ والتَّحقيقِ في المرَّةِ الثانيةِ عنها في المرَّةِ الأُولى، ولَمَا جاءتْ تَخْريجاتُ بعض هذه النصوص في كُلِّ كتابٍ مختلفةً عندَ تَكْرارِها في المرَّةِ الثانيةِ في الكتابِ عينِهِ عن ذكرِها في المرة الأولى، وللكَشفِ عن هذه التكرارات يبدأُ كاتب هذه السطورِ.
أولاً: بكتاب "الكشف والتنبيه على الوصف والتشبيه":
قضيةُ تكرار النصوص في هذا الكتاب شائِكةٌ، فقد وقفتُ أثناءَ تصفحي له على عدد من المقطعات الشعرية المكررة دون إشارةٍ المحقق إلى تَكرارِها، أو أخذِ موقفٍ حيالَه، ولا ريبَ أن هذا التَّكرارَ كان يفتقرُ في التحقيق إلى أخذ موقف تجاهه؛ لأنه ورد في الكتاب بصورة تسترعي الانتباه، ولا تُنكَرُ الإشارة إلى التَّكرارَ في موضعٍ وَاحدٍ في هامش ص82، ففي هذه الصفحةِ شعرٌ تَمَّ تكرارُه مرتين أخريين في ص 137، وفي ص 234، وأشير إلى هذا ، بيد أنه لا توجد إشارات إلى كثيرٍ من مواضعِ تَكرارِ النصوص في هذا الكتاب، ومن المؤكد أنه لو لم يُتَرَاخَ في التحقيق، أو لم يوزَّع على فترات زمنية متقطعة، ولو فُحصت نصوص الكتاب بعد الانتهاء من تحقيقه لأمكن اكتشاف هذا التكرارِ، ومن ثم الإفصاحِ عنه وعن صفحاتِهِ في مقدمةِ التحقيقِ أو في هوامشه، وقد تجاوز الأمرُ تكرارَ النصوص إلى الاختلافِ في قِراءةِ بعضِها عند تكرارها، وكذا الاختلاف في تخريجها في الموضعين بصورةٍ تختلفُ في كُلِّ مَوضعٍ عنه في الموضعِ الآخر، وحتى لا أطيل أثبتُ هنا بعضِ الأمثلةِ، منها نُتفةٌ شعريةٌ منسوبة "لقاضي القضاة نَجم الدين عبد الرحيم بن البارزي ت 683هـ"، ذكرها "الصفدي" في ص 87، ثم عاد وَكَرَّرَها في ص 360، وردتْ هذه النُّتفة محققة في المرَّة الأولى ص 87 هكذا:
يُقَطِّعُ بالسّكينِ بطيخةً ضُحىً | على طبقٍ في مَجْلِس( ) صاحِبُهْ |
كذا وردت هذه النتفة في هذا الموضع دون تخريج، وعُلِّق في هامش التحقيق على ما بين الأقواسِ بأنها كلماتٌ غيرُ مَقرُوءةٍ، ثم عاد "الصفديُّ " وكَرَّرَ النتفة عينها بالنسبة ذاتها في ص 360، ووردت في التحقيق هكذا:
يُقَطِّعُ بالسِّكينِ بطيخةً ضُحىً |
| على طبق في مَجْلسٍ لانَ صَاحبُهْ |
كذا وردتِ النتفةُ هنا تامَّةً وواضحةً دون وجودِ كلماتٍ غيرِ مقروءةٍ! وعُلّقَ عليها بالاستنادِ إلى كتاب نهايةِ الأرَبِ بالتخريج التالي: "له في نهاية الأرب 11/35 في الأصل بين كواكبه. والتصويب عن نهاية الأرب".
لا شكّ في أن الاختلاف واضح في القِراءةِ في كُلِّ مَرَّةٍ، وهو واضحٌ كذلك في التعليقِ والتخريجِ في الموضعينِ مع أن المادةَ العلميةَ واحدةٌ، وواردة في كتاب واحد لمؤلف واحد، ولا شك كذلك أن ترك عدم الإفادة من وضوح النص المكرر في إصلاح غموضه عند تكراره أمر واضح.
لقد كان من الممكنِ الاستفادةُ من الجهد المبذولِ في التخريج، أو وضوحُ النَّصِّ في المخطوطةِ نفسِها في المرَّةِ الثانيةِ عند إثباتِهِ في المرَّةِ الأولى لِسَدِّ ثلْماتِهِ، كان من الممكنِ ذلك لو جُعِل التَّحقيق مُتَّصِلاً، وليس على فَتراتٍ زَمنِيَّةٍ مُتَقَطّعَةٍ، أو حَتَّى –على الأقل– لو أُخضعَ الكتابُ بعد تحقيقِه وقبل نشرِه للمراجعةِ الدقيقة والقراءةِ الفَاحصةِ المتتابعة الشاملة لكل نصوصه.
ومن أمثلةِ وقوعِ التَّكرارِ مع الاختلافِ في القِراءةِ أيضًا في كُلِّ مَوضِعٍ دونَ إشارةِ إلى ما وَرَدَ في ص 274، حيث أوْرَدَ "الصفدي" مُقطَّعَةً شعريَّةً في ثلاثة أبيات ناسِبًا إيَّاهَا لنفسِه، منها الأبياتُ التاليةُ:
ولربَّ روضٍ بُردُهُ من سندسٍ |
| بطراز ماءِ غديرهِ مفروزِ |
وكرر "الصفدي" هذه الأبيات ضمن مقطعة في خمسة أبيات في ص 413، ولم يشر في التحقيق إلى هذا التكرار، زد على ذلك أنها وردت هكذا:
ولَرُبَّ روضٍ بُردُه من سندسٍ |
| بطراز ماء غديره مفروزِ |
لا شكَّ أن الاختلافَ في القراءةِ والرسمِ في الموضعينِ واضحٌ.
ومن الأمثلةِ على وُقوعِ التَّكرارِ في مادَّةِ الكتاب وعدمِ الإشارةِ إليه مع الاختلافِ في التَّعليقِ ما وَرَدَ في ص 363 منسوبًا إلى "ابن وكيع التّنِّيسيِّ ت 393هـ"، وهو:
أما ترى النَّخْلَ حُمِّلتْ بَلَحًا |
| جاءَ بشيرًا بدولةِ الرُّطبِ |
كذا وَردَ البيتانِ في هذه الصَّفْحَةِ بهذه الرواية، وتمَّ التَّعليقُ عليهما في الهامشِ بما يلي: "ديوان ابن وكيع 46. رواية صدر الأول: أطلعت بلحًا. رواية الثاني: مكاحل من زبرجد".
على حين يجدُ القارئُ البيتينِ مُكَرَّرَينِ بلا نسبةٍ في ص 362 -الصفحة السابقة على هذه الصفحة - بالرِّوَايةِ التالية:
أما تَرَى النَّخْلَ نثَّرَتْ بَلَحًا | جاءَ بشيرًا بدولةِ الرُّطبِ |
وَتَمَّ تخريجُهما على ديوان "ابن وكيع" دونَ تثبيت لرواية البيت الأول،أو إشارة إلى تكرار النتفة.
وهذا رصدٌ لبعض المقطَّعاتِ والنتف الشِّعْريَّةِ التي كُرِّرَتْ في كتابِ "الكَشفِ والتَّنبيهِ على الوَصفِ والتشبيه" دونَ وجودِ مَوْقفٍ ولو بالإشارةِ في هوامش التحقيق:
م | القافية | صفحات التكرار | الشاعر | ملاحظات | |
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 | عنبر كاليه مثقوب بالعيد الرقيب تبر نرجس مرهفا كالعنقود التذهيب صاحبه المفرق بنفسج الصريح متنفس الظفر أشمط والمفارق الورق أذنابها راض الخرد مفروز قيد (ميد) الرطب أنيق | 61 61 65 66 66 73 73 80 82 83 87 165 165 173 173 187 228 232 239 259 265 268 274 295 362 370 | 186 326 156 186 156 198 158 243 174 189 360 191 ،202 171 210 206 208 270 300 410 330 304 336 413 353 363 372 | ابن المعتز " " ابن طباطبا ابن المعتز ابن طباطبا الشريف العقيلي ابن الحجاج ابن قلاقس ابن المعتز ابن طباطبا ابن البارزي ابن ظافر أبوبكر الخالدي الشوا الصفدي ابن المعتز ابن الساعاتي الشريف العقيلي الشريف العقيلي الصنوبري بلا نسبة ابن الساعاتي الصفدي ابن وكيع ابن وكيع ابن رافع |
مع اختلاف التعليق
مع اختلاف تثبيت الرواية مع اختلاف التخريج مع الاختلاف في تثبيت الرواية
مع اختلاف في القراءة والتعليق مع الاختلاف في القراءة والتعليق كررت3 مرات باختلاف التخريج
مع اختلاف التخريج مع الاختلاف في تثبيت الرواية
مع الاختلاف في التخريج
مضى الحديث عنها مع اختلاف التحقيق مضى الحديث عنها |
وهناك بعضُ الأبياتِ يقف القارئُ على صُدورِها مكررةً أيضًا دونَ إشارةٍ إلى تَكرارِها، كما ورد في ص 160، ففيها صَدرُ بيتٍ تَمَّ تكرارُه في ص 176، وص 178.
وما دام كاتب هذه السطور بصَدَدِ الإشارةِ إلى التَّكرارِ الحَادثِ في هذا الكتاب فيجدُرُ به أن يُفصِحَ عن تَكرارِ صفحتينِ دُونَ داعٍ، هما 147، 329 كُرِّرَتا في ص 148، 339.
إن توزيعَ تحقيقِ المخطوطةِ على فَتَرَاتٍ زمنيةٍ متقطعة - كما فعل الأستاذ "هلال ناجي" - لا يُؤدِّي – فقط – إلى عَدمِ اكتشافِ ما تَمَّ تَكرارُه فيها من نصوص – كما رأينا - وإنَّما يؤدي إلى شيءٍ أخطر من هذا، ألا وهو تذبذبُ مَنهجِ التحقيقِ، ووقوعُ المحَقِّقِ نفسِه – وليس المؤلف - في تكرارِ ما سَبقَ أن ذَكره في صدرِ تحقيقِهِ، وتحقيق كتاب "الكشف والتنبيه على الوصفِ والتشبيه" خيرُ مثالٍ على هذا، فعندما ينظرُ القارئُ في هوامشِه نظرةً عابرةً يقفُ فيها على العَدِيدِ من التَّراجمِ لبعضِ الأعلام، وما إن يَصِلُ في تَصَفُّحِهِ لهذا الكتابِ إلى نهايتِهِ حتى يصادفَه في إكمال التحقيق ذيلٌ مستقِلٌّ لتراجمِ معظمِ الأعلام المذكورة في المخطوطة، وعندما يبادرُ القارئُ إلى مطَابقةِ التراجمِ الواردةِ في هوامشِ تحقيقِ الكتاب على ما وردَ في هذا الذيل من تراجمَ يجدُ كثيرًا من التراجمِ تَمَّ تَكرارُها في الذَّيلِ مرَّةً ثانيةً، ولكن بشيءٍ من الإطنابِ والحشوِ مِمَّا جعلَ هذه التراجمَ خارجةً عما استقرّ عليه الأمر في منهج تحقيق التراث، وعما يذهب إليه الأستاذ "هلال ناجي" في تمسّكه بضَرُورة الإيجازِ في الترجمة للأعلامِ في التحقيق العلمي، فقد وَردتْ في كتاب "الكشف والتنبيه على الوصف والتشبيه" ترجمةٌ لـ "علي بن الجهم ت249هـ"، وهو من شعراء العصر العباسي المشهورين، احتلت ما يقرب من صفحتين ص 461- 462، وكذلك وردت في ص 439 ترجمةٌ موسعةٌ "للصاحب بن عباد ت 385 هـ"، وهو أشهر من أن يُستطردَ في ترجمته، أما ترجمةُ الأستاذ "هلال ناجي" للعالمِ الموسُوعيِّ "أبي عثمان الجاحظ "- وهو أشهر من نارٍ على علم - فقد استغرقتْ ما يَقربُ من صفحتين أيضًا ص471 – 473، وجاءتْ على هذا النَّحو من الإسهابِ: "الجاحظ: (163 – 255هـ) أبو عثمان عمرو بن بحر الشهير بالجَاحظ، مُعتزلي شيخُ الأدباء والمصنفينَ في زمنِهِ، وُلِدَ في البصرة، وماتَ فيها، قتلتْه أسفارٌ صخمةٌ (كذا والصواب ضخمة) تساقطتْ عليه، ضاعَ الكثيرُ من آثارِهِ، ووصلنا منها غيرُ قليلٍ، وقد نَهَدَ عـبد السلام محـمد هارون -رحمه الله- إلى نشرِ عَددٍ منها، حققه مدققه (كذا ولعل الصواب محققة مدققة) من بينها: الحيوان، والبيان والتبيين، ورسائل الجاحظ في أربعةِ أجزاء، والبرصان والعرجان والعميان والحولان.
ونشر صديقنا د . طه الحاجري – رحمه الله – كتابه "البخلاء"، ومجموعةً من رسائله، ونشرَ صديقُنا العلامة حسن حسني عبد الوهاب – رحمه الله– كتابَه "التبصرة بالتجارة"، ونشرَ يوشع فنكل ثلاثًا من رسائلِه هي: في الرَّدِّ على النَّصارى وفي ذمِّ أخلاق الكُتَّابِ – كتاب الدواوين- وفي القِيان، ونشر حسن السَّندوبي عددًا من رسائِلِه. وقد استطاعَ جليل إبراهيم في مقدمة نشرتِهِ لكتابِ الحنين إلى الأوطانِ أن ينفي بالدَّليلِ القَاطعِ نسبتَه إلى الجاحظِ، وأن يَرُدَّهُ إلى مؤلِّفه الحقيقيِّ محمد بن سهل بن المرزبان الكرخي البغدادي، وكان عبد السلام هارون قد نشره ضمن رسائل الجاحظ، كما نشر رسالة العُثمانية، وكذلك كتابه (التَّاج)، وأسهم داود الجلبي –رحمه الله– في نَشرِ بعضِ رسائلِهِ في مجلة (لغة العرب)، ومن الكتب التي نسبتْ إليه ولم ينشرْ حتى اليوم نشرةً علميَّةً كتابُ "المحاسن والأضداد"، طُبع طبعات تجارية. وذكر خير الدين الزركلي – رحمه الله– في الأعلام 5/239، مخطوطة للجاحظ، عنوانها "تنبيه الملوك"، قال: إنها في 440 ورقة، ولم يذكر مظنة وجودها. ونشر صديقنا إبراهيم السامرائي رسالة الجاحظ في مدح الكتب والحث على جمعها في مجلة المجمع العلمي العراقي، وكان أبو حيان قد صنَّفَ كتابًا عُنوانُه: (تقريظ الجاحظ)، وهو مفقود، ولِعَدَدٍ كبير من معاصرينا كتبٌ عن الجاحظ، ذكر بعضهم الزركلي، وأضيف الكتب التالية: كتاب لطه الحاجري، وآخر لمحمد عبد المنعم خفاجة، والثالث لنوري جعفر. وجمع شعر الجاحظ، ونشره د . محمد جبار المعيبد.
ترجمته في: إرشاد الأريب 6/56 – 80، وتاريخ بغداد 12/212، وأمراء البيان 311- 487، والأعلام 5/239 – 240" أ . هـ.
وهكذا ضمت الترجمة مؤلفات الجاحظ، وأعمال أصدقاء المحقق في هذه المؤلفات، وما كتبه بعض القدماء والمعاصرين من مؤلفات حول الجاحظ وأدبه، واستدراك المحقق على حصر بعض المعاصرين لمؤلفاته مما أدى إلى الإطناب فيها مخالفًا قواعد تحقيق التراث، وهذا الأمر ملموس أيضًا في ما خصصه الأستاذ "هلال ناجي" لتراجم الأعلام في نهاية تحقيقه لكتاب حدائق الأنوار وبدائع الأشعار، ففي تراجمه إطناب ظاهر، وهذا أمر مؤكد، لأن العديد من تراجمه للأعلام في كتاب الكشف والتنبيه مكررة في حدائق الأنوار وبدائع الأشعار، وهذا الإطناب جعل عمله في هذه التراجم مجانفًا لقواعد تحقيق التراث المجمع عليها من شيوخ المحققين()، هذا فضلاً عن ترجمته للمشاهير في تحقيقه لكتاب حدائق الأنوار وبدائع الأشعار، مثل: ابن الجوزي ص 403، والزمخشري ص425- 426، والقاضي التنوخي ص 415، وهؤلاء أعلام مشهورون لا يفتقرون لتراجم، وقد تناولتُ تراجم المحقق للأعلام في تحقيقه لهذا الكتاب في موضع آخر بشيء من التفصيل.
وأعودُ إلى ما كنت بصدد الحديث عنه لأرصدَ بعضَ ما وقفتُ عليه من التراجم المكرَّرة في تحقيقِ كتاب "الكشف والتنبيه على الوصف والتشبيه"، وهي تفصح –دون شكّ- عن تذَبذُبِ منهج التحقيقِ، من هذه التراجم:
م | العَلَم المتَرجَم له | تكرارُ التَّرجمةِ في | |
هامش الصفحة | ذيل الكتاب | ||
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 | ابن أبي عون الحاتمي الثعالبي الوطواط الكتبي ابن نفاذة ابن البواب العتبي ابن سعيد المغربي المطوعي ابن قاضي ميلة القاضي علي الجرجاني بدر الدين بن النحوية المنازي الشهاب محمود ابن الطراوة | 52 52 52 53 67 67 68 69 81 84 85 117 129 170 301 | 434 477 459 475 435 470 480 469 471 457 465 486 437 487 449 |
فهذا التكرارُ الحاصلُ في تراجمِ هذه الأعلام ليسَ من عَمَلِ المؤلف، بل هو من صَميمِ التَّحقيقِ، ولا أرَى سَببًا في وُقوعِ تَكرارِ هذه التراجمِ سوى توزيعِ تحقيقِ المخطوطةِ على فتراتٍ زمنية متقطعة، وهو أمرٌ كفيلٌ بأن يُنسِيَ المرء ما نهض بتنفيذِه في بداية عملِهِ، أضف إلى ذلك ما تمثلَ في إفضَاءِ هذا الأمرِ إلى تذبذبِ منهجِ التحقيقِ في عملِ المحققِ، الذي اتضح من خلال تَكرارِ هذه التراجم.ِ
ثانيًا: كتاب "حدائق الأنوار وبدائع الأشعار":
أما بالنسبة لإهمال الإشارة إلى تكرار النصوص في كتاب "حدائق الأنوار في بدائع الأشعار" فهو أمر ظاهر، وقد اكتشف المحقق بعضه كما في ص 49، 279، وفاته أكثره، فمما فاته المقطعات والنتف ذوات الأرقام التالية:
رقم المقطعة | رقم تكرارها |
10 26 167 323 431 576 | 221 111 190منها شطر مكرر 517 701 579 منها شطر مكرر |
ومن هذه المقطعات ما هو مكرر مع الاختلاف في القراءة والتخريج والعزو وتثبيت الروايات على الرغم من وقوع التكرار في كتاب واحد، وإتمام التحقيق على يد محقق واحد، غير أن توزيع المحقق عمله على فترات زمنية على مدار عشرين عامًا أظهرها وكأنها محققة على يد أكثر من محقق! وإن كان لا بد من دليل على تكرار بعض المقطعات والنتف الشعرية ذات الاختلاف في التخريج ، والعزو، والقراءة وتثبيت الروايات فأحيل القارئ الكريم على تحقيق النتفة رقم (431) الواردة في ص 234، والمكررة دون إشارة برقم (701) في ص 344، وقد تناولتُ في بحث آخر هذه النتفة من أوجه عدة مبينًا ما اشتملت عليه من أغلاط علمية، وأوضحت هناك أيضًا أثر كسر المحقق عمله على فترات متقطعة في عدم تمكينه من ربط المادة العلمية في الكتاب ببعضها، وضربتُ أمثلة بالمقطعات والنتف الواردة في الكتاب تحت الأرقام: (112)، (198)، (230)، ومن ثم لم أجد لدي رغبة في إعادة ما قلته هناك مكتفيًا بالإشارة إليه هنا.
إن وقوع التكرار في هذين الكتابين، وعدم إدراك المحقق له، وتركه للإفادة من تكراره في كل كتاب يعد خروجًا صريحًا على قواعد تحقيق التراث().
ومن هنا بات الأمر واضحًا أن من لوازمِ التحقيقِ العلميِّ للمخطوطاتِ لزومَ تحقيقِ المخطوطةِ دونَ تَرَاخٍ في فترة زمنية متَّصِلَةٍ قصيرة كانت أو طويلة، لا على فترات زمنية متقطعة حتى يكونَ المحقق مُسيطرًا على مادةِ المخطوطةِ، مستوعبًا لمحتواها، وعلى إدراكٍ تام بما سَبقَ أن حققه في بدايتها من نصوص ليشيرَ إلى التكرارِ الواردِ بعد ذلك، إذ ربما يكونُ في تحقيقه لهذا التكرارِ ما يتناقضُ في مضمونِهِ مع ما سبق أن ذهب إليه من قبل، وإذا تعذَّرَ أمرُ تحقيقِ المخطوطةِ جملةً واحدةً ودون تراخٍ لأمر أو لآخر، فينبغي قراءتُها ومراجعتُها جملةً واحدةً بعد الانتهاءِ من التحقيقِ لاكتشافِ هذا الأمرِ أو غيره ممَّا ينبغي عدمُ فواتِه على المحققِ.
وليست إشارةُ المحققِ إلى التكرار – كما ذكرت آنفًا– الحاصل في نصوص المخطوطة من بابِ الفضولِ، إذ يُحتمل أنَّ مؤلِّفَها قصد هذا التكرارَ لجودةِ الأنموذج المكرَّرِ أو لردَاءتِه، أو لمغْزَى نقديٍّ، أو لاشتِمَاله على أكثر من معنى يخدمُ التأليفَ، أو لقلَّةِ المادةِ العلميةِ لديهِ في جانب من الجوانبِ، أو لحبّه لذِكرِ صَاحبِ الأنموذج المكرَّر، أو لسَهوٍ في التأليف.
إن كشفَ المحقق عن التكرارِ الواقعِ من المؤلفِ أمرٌ يخدُمُ النَّصَّ والقارئ والباحثَ والمحققَ نفسَه، فلا يرهق نفسَه أولاً في قراءةِ المادةِ العلميةِ الواحدة مرتين، وقد يقرؤها في مرة قراءةً مختلفة عن المرة الأخرى - كما مرَّ بنا في صنيع الأستاذ هلال ناجي- وحتى لا يثبت لها تخريجًا وعزوًا مختلفين في كلِّ مرةٍ عن المرة الأخرى، فتبدُو وكأنَّها محققةٌ على يَدِّ شخصينِ مختلفينِ، وقد مضت أمثلة على هذا.
أظن أنه قد اتضح ما سعت هذه السطور إلى الحث عليه، والذي يتمثلُ في ضرورةِ البُعدِ عن توزيعِ العملِ في تحقيقِ المخطوطةِ على سنواتٍ مُتباعدةٍ، وفتراتٍ متقطعةٍ، والانصراف عن تحقيق المخطوطة لإنجازِ مؤلفاتٍ بجوارِ تحقيقِها، ولكن إن أبى المحقق إلا تشتيت جهده وذهنه، وتوزيع تحقيق المخطوطة على فترات زمنية متقطعة فأظن أنه يلزمُه معاودة النَّظرِ المرَّة تِلو المَرَّة في تحقيقه للمخطوطةِ بعد إنجازِ تحقيقِها لحذفِ تكراراته، وأقوالِهِ التي يعارضُ بعضُها بعضًا، والإشارةِ إلى التكرارِ الحاصلِ في المخطوطة، وتوحيدِ مصادرِهِ، ومنهجِهِ في التحقيق، وتوحيدِ – كذلك– تخريجاتِهِ وهوامشِهِ ونسبة النصوص إلى أصحابها في ما تَكرَّرَ من نصوص الكتابِ، وربطِ النتائجِ في مقدمتِهِ للمخطوطةِ بما يتَّسقُ ومحتواها، إنه لو فعلَ ذلك لظَهرَ تحقيقُه مُنَقَّحًا، خاليًا من الزوائدِ والمتناقضات التي لا طائِلَ تحتَها، وسيُعطِي ثمارَه – بعد ذلك- يانِعةً.
وإذا كانتْ السطور السابقة تَحثُّ على تركِ التراخِي، وضرورةِ التَّفرُّغِ للعملِ في تحقيقِ المخطوطةِ في وقتٍ مُتَّصلٍ دون أن تتخلَّلَ العملَ في التحقيق مشاريعُ علميةٌ أخرى، فليس معنى ذلك أنَّها تُحبِّذُ من جانبٍ آخر التسرعَ والعجلةَ في إنجاز التحقيقِ، فمعروفٌ أن العجلةَ أمُّ النَّدامةِ. هذا وباللهِ التوفيقُ.




