مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

التأثير الإسلامي في كوميديا دانتي

إرسال إلى صديق طباعة

التأثير الإسلامي في كوميديا دانتي

(قصة نظرية صارت حقيقة تاريخية كبرى)

الدكتور حكمة علي الأوسي

 

ليس في تاريخ الحضارات حل جازم قاطع للمشكلات الحضارية، يتسم بالاستمرارية والثبات الذي لا مجال فيه لمعاجلة جديدة.

وما ذلك إلا لأن العناصر الحضارية تركيب إنساني معقد غاية التعقيد، تتفاعل فيه المقومات الروحية، والعلمية، والفكرية والاقتصادية، والنفسية، فينتج عن تفاعلها هذا المعقد، منتوج متعدد الأشكال والمظهر، ولعل من أروع نتاج هذا التفاعل، الأفكار. وهذه تمثل جملة المفاهيم المستمرة في أذهان العلماء والمفكرين وعامة الناس في كل أمة من الأمم، وفي كل عصر من العصور.

والمفاهيم المتكونة، عند الناس، عما يحيط بهم من ظواهر وأحداث، هي العنصر المحرك لقوى الإنسان العاقلة والفاعلة في هذا الاتجاه أو ذاك ليتاح له تحديد موقفه منها، من طريق تفسيرها وتحليلها، لفهمها فهماً أعمق والإفادة من ذلك لدفع شر يخشى أن يتعرض له، أو جلب خير يرجو أن يفيد منه.

والقانون العام الذي تخضع له هذه المفاهيم، في مجالات المعرفة الإنسانية المختلفة، هو قانون التطور، أي: تغير بعض تلك المفاهيم والأفكار، بالتدريج بفعل ما تتوصل إليه المعرفة الإنسانية من عوامل جديدة، باستمرار، تتيح للإنسان أن يحسن وسائل دراسته للظواهر الطبيعية والاجتماعية، وبهذا تتطور نحو الأدق والأفضل، وهذا يجعل الباحثين أقرب إلى تبين حقيقة الأشياء والقضايا المدروسة، وأدق معرفة بطبيعتها، وجوهر مكانتها وأسبابها، وحدود تأثيراتها وتفاعلاتها.

وليس هناك مسألة أشد تعقيداً، وأصعب مطلباً من محاولة تتبع مدى التأثير الذي يمارسه فكر أمة من الأمم وأدبها في فكر أخرى وأدبها.

والأصعب من ذلك، في مجال الدراسات المقارنة، في حقول الإنسانيات، البحث عن أدلة توثيقية تاريخية، لا مجال للشك فيها تثبت قيام تبادل فكري وثقافي، وأدبي، بين فكري أمتين مختلفتي اللغة والبيئة، والعنصر، وثقافتهما وأدبهما. هذه الصعوبة تكون ظاهرة عامة في الدراسات الأدبية والحضارية المقارنة، في كل دراسة من هذا النوع، بين مختلف الأمم، وتنوع اللغات.

يضاف إلى هذه الصعوبات العامة، عقبات أخرى كأداء، فيما يتعلق بدراسة التأثير المتبادل، أو أحادي الجانب، بين معطيات الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الأوروبية خاصة.

وأسباب هذه الصعوبات كثيرة ومتعددة الأنماط والأساليب، ومتنوعة العلل والبواعث، ومعقدة أشد التعقيد، وبتفاعلها بعضها مع بعض، وتداخل بعضها في بعض، تزداد محاولة الكشف والتحديد فيها صعوبة، وتتعقد وسائل التوثيق والإقناع تعقيداً شديداً.

من ذلك مثلاً، العوامل السياسية المتجلببة بجلباب الدين المسيحي عند الأوروبيين، التي وصلت إلى حد من التعصب المقيت الظالم، يتناقض كل التناقض مع جوهر الديانة المسيحية السمحة. وهذا مثل مما نجده، عند استقرائنا للتاريخ من إفساد السياسة لأقدس المقدسات الإنسانية، وأسمى المبادئ.

وقد اتخذ تيار معاداة الإسلام والعلماء مظاهر عدة، من أهمها: إنكار كل فضل لعلماء الإسلام على علوم النهضة الأوروبية خاصة، وعلى العلوم الإنسانية عامة. وإذا ما رغب بعض العلماء الأوروبيين الحاقدين، لسبب أو لآخر، أن يظهر بمظهر الحياد العلمي والموضوعية، فإنه يحاول أن ينحرف بمسألة الإقرار بهذا الفضل، أو بشيء منه، بالاتكاء على هذه المقولة التي كثر استخدامها بين هذه الفئة من الباحثين الأوروبيين غير الموضوعيين والقائلة: "إن جهود علماء الإسلام قد اقتصرت على نقل ما تعلّموا من أساتذتهم" .

ولعل من أبرز المظاهر لتيار المعادة هذه ظاهرة الانتحال. ولقد أثبت كثير من العلماء المتخصصين، في العديد من البحوث التي تتسم بالموضوعية والإنصاف، انتحال علماء لاتين بحوثاً أخذوها من كتب علماء مسلمين ونسبوها لأنفسهم، أو ترجموا إلى لغتهم كتباً كاملة عن العربية لعلماء مسلمين، وزعموا أنها من إبداعاتهم، ومن أشكال الانتحال هذا، وهو تسمية مخففة لما هو في حقيقة أمره "سرقة علمية"، أن بعض الباحثين الأوروبيين، في العصور الوسطي، ترجموا كتباً عربية إلى لغاتهم الأوروبية، أو على اللاتينية، وزعموا أنها لأساتذة إغريق مشاهير مثل: أرسطو طاليس، وجالينوس، وغيرهما، والأمثلة على هذا كثيرة، لا مجال لذكرها، وهو موضوع جدير بالتتبع والدراسة.

وإذا كانت اتجاهات غمط فضل العرب والمسلمين، على الحضارة الأوروبية، مفهومة ومبررة، قبل القرن العشرين، فإن إي إنكار لهذا الفضل، خلال هذا القرن غير مفهوم ولا تبرير له، إلا بطغيان النوازع غير العلمية على نفوس الباحثين المنكرين لحقائق التاريخ العلمي والحضاري، بفعل تربية دينية أو سياسية منحرفتين عن الحق، وعن روح البحث العلمي المتمثل في التزام الموضوعية. وقد عزا الباحث جون براند ترند John Brand Tren (1887-1958) الأستاذ في جامعة كمبردج والمتخصص في تاريخ إسبانيا، عزا موقف المدرسة الإسبانية الحديثة للمؤرخين العلميين الجدد، الرافض للإقرار بأي فضل لتراث الإسلام، إلى عدة عوامل منها: "سوء التحقيق في كتاب كونديه Conde (1866-1920) الموسوم "تاريخ حكم العرب في إسبانيا"، والنتائج الخاطئة المؤسفة التي تورط فيها (دوزي Dozy) عن (السيد Cid) تلك النتائج التي أثبتت الأبحاث الأخيرة أنها وهم في وهم..."، وإلى "الميل الشديد لنسبة كل ما يمكن نسبته إلى أصول لاتينية، بتأثير جامعات فرنسا وأمريكا..". كل هذه العوامل، وتأثيرات أخرى غيرها لم يشأ أن يفصح عنها بل اكتفى بالإشارة المقتضبة إليها، ضمن سياق عام، وقال إنها كانت "تعمل عملها كنتيجة لأحوال إسبانيا الاجتماعية والسياسية الحديثة" .

والمعروف أن هذه الأحوال الإنسانية التي يشير إليها، تشتمل، ضمن ما تشتمل عليه، على النظام السياسي الاستبدادي الذي أقامه الجنرال فرانكو ومساندة الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية له.

ثم زاد الأمر صعوبة بظهور السياسات الأوروبية الاستعمارية ومطامعها الواسعة الشرهة في الشرق العربي الإسلامي، وكانت من الوسائل التي استغلتها وما زالت تستغلها للتمكين لنفوذها التبشيري ومحاولة تشويه التاريخ الحضاري لأقطار العرب والإسلام، لتبرير مزاعمها القائلة بأنها تسيطر على هذه المناطق لهدف حضاري إنساني هو بث المدنية الحديثة والحضارة فيها. وتحالفت مع هذه القوى المطامع الصهيونية ونفوذها الواسع، لتشوّه الصورة الزاهرة للتراث العربي الإسلامي، التي حاولت إبرازها جهود مخلصة للعلم بذلها بعض من كبار المستشرقين، أو لتسطو باسم البحث العلمي التراثي،على الجوانب الإيجابية المبدعة، فتعزوها إلى علماء يهود كانوا متعايشين مع العرب في شتى أقطارهم، وتلقي غلالة من الشك على كل رأي علمي يقول بغير ذلك، وتحاصر من ناحية أخرى، الجهود الاستشراقية الموضوعية، وتدفع بها إلى زوايا العتمة والتشكك، وعدم الثقة، فيخلو الجو، بهذا، للكتابات المتسربلة بسربال الحياد العلمي، ظاهراً والمتبطنة الأغراض والتشويه واقعاً، فتسود هذه الآراء في أوساط الباحثين، وتسرب بطرق إعلامية مختلفة إلى عامة الشعوب.

وعلى الرغم من كل هذه العوامل الاجتماعية والدينية والسياسية التي كانت وما زالت تغذي تيار المعاداة للحضارة العربية الإسلامية، فإن الحقيقة التاريخية الناصعة كانت تكافح للظهور، ولو بشكل محدود، من حين لآخر في كتابات بعض المنصفين من علماء الغرب، منذ أوائل القرن السادس عشر في إرجاع الفضل إلى أهله العرب. وكان أندرياس الباغوس (Andreas Alpagus) من أبرز هؤلاء العلماء المدافعين عن الفضل العلمي والحضاري العربي، وقد ترجم كتباً كثيرة من العربية إلى اللاتينية، كان من بينها كتاب ابن النفيس (توفي سنة 687هـ = 1288م) المشهور الذي انتحله مايكل سرفت (servet) ، ومنهم الأب خوان أندريس Juan Andres (في القرن الثامن عشر) في كتاب له مشهور سماه "أصول الأدب عامة وتطوراته وحالته الراهنة" أرجع فيه كل ما كانت تعرفه أوروبا، في زمنه، من العلوم، في شتى فروعه، ومن الآداب في الشعر والقصص والموسيقى إلى أصول عربية .

إلا أن آراء الأب خوان أندريس هذه، لم تكن تعتمد على وثائق ومراجع محددة، وإنما كانت تصدر عما استقر في ذهنه، من مطالعاته الواسعة في كتب المعارف المختلفة في عصره، وما تتركه من انطباعات عن حقيقة جذور ما يقرأ. ولكن ما قاله، حدساً واستنتاجاً، أثبت صحة معظمه نخبة طيبة من المستشرقين الإسبان والأوروبيين بعده، فصار الكثير من آرائه حقائق علمية مقررة في تاريخ الحضارة الإنسانية .

ثم تأتي مدرسة الاستشراق الإسبانية الحديثة، وأبرز رجالها ريبيرا J.Ribera وآنخل كونثالث بالينثيا Gonzalaz Palencia A. وآسين بلاثيوس M. Asin Palacios (1871-1944). وأميليو غرسيه غومس E. Garcia Gomez وكان المفهوم الذي تنطلق منه هذه المدرسة هو اعتبارها التراث العربي الإسلامي الذي نما وترعرع فيه شبه جزيرة إيبيريا، تراثاً إسبانياً قومياً كُتب بالعربية، فهو جدير بعناية الباحثين الإسبان به، لأنه يمثل جانباً مشرقاً من الحضارة الإسبانية لها أن تفخر بمعطياته الحضارية أمام أوروبا والعالم، فأنتجت دراسات وبحوثاً على درجة عالية من الدقة والعمق وسعة الاستقصاء، والتزام الأمانة العلمية والموضوعية.

وما أريد أن أعرضه، هنا، من أعمال هذه المدرسة الاستشراقية الإسبانية الجليلة، إنما هو عمل علمي واحد ذو أهمية عظيمة في حقل الدراسات الفكرية والحضارية والمقارنة، لأحد أقطاب هذه المدرسة هو الأب ميكيل آسين بلاثيوس، أما عمله العلمي هذا فهو نظريته عن التأثير الإسلامي في كوميديا دانتي اليجيري.

أما المؤلف، فأكتفي، للتعريف به وبإنجازاته العلمية المشهود لها بالكفاءة والامتياز، بين الأوساط العلمية المتخصصة، بأن أحيل إلى بحث عنه، ظهر في سلسلة الاستشراق التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد – آفاق عربية، العدد الثالث 1989، بعنوان "من أعلام الاستشراق الإسباني: ميكيل آسين بلاثيوس".

وأما النظرية التي تتبع فيها عناصر التأثيرات العربية الإسلامية في كوميديا دانتي، بدراسة عميقة مدققة، فسأقدم ملخصاً موجزاً لها هنا وأتبعه بنصين عربيين، من النصوص الكثيرة التي ذكرها بلاثيوس في دراسته المقارنة هذه، وأضع إلى جانبهما ترجمتهما إلى العربية عن النص الإيطالي لدانتي كما وردا في الكوميديا، ويعقب ذلك تعقيبات آسين بلاثيوس عليهما. ثم نعرض خلاصة لما أثارته هذه النظرية من ردود فعل انتقادية بين المتخصصين في العالم، في الدراسات الاستشراقية العربية الإسلامية، وعند الباحثين المتخصصين في دانتي نفسه. ثم نخلص ردود بلاثيوس على تلك الانتقادات ثم نبين كيف صارت هذه النظرية، التي كانت منذ صدورها سنة 1919 موقع نقاش وجدل واسعين، حقيقة تاريخية ثابتة ناصعة، تقف شاهداً شامخاً على المدى الواسع، والعمق العميق، الذي مارسه الفكر العربي الإسلامي في دانتي، ومن طريقه، في الحضارة الأوروبية في عصر النهضة.

خلاصة النظرية:

تقوم نظرية بلاثيوس في التأثير الإسلامي في كوميديا دانتي، على ما لاحظه الباحث من عناصر الشبه الوثيق بين الخطوط العامة لصعود دانتي وبياتريس، خلال أفلاك الفردوس الدانتي، وصعود آخر رمزي لمتصوف وفيلسوف مسلم أندلسي من مدينة مرسيه هو محيي الدين بن عربي، (560-638هـ = 1164-1240م) وحينما درس الباحث، عن كثب تفاصيل صعود دانتي الرمزي المستمد من ابن عربي المرسي، لاحظ أنه لم يكن، في حقيقته إلا تكيفاً صوفياً لصعود آخر معروف في الأدب الديني الإسلامي، ذلك هو معراج محمد (صلى الله عليه وسلم)، أو صعود من القدس إلى عرش الله. وإذ كان هذا المعراج المحمدي مسبوقاً برحلة ليلية (إسراء) زار خلالها النبي بعض البيوت في جهنم، فقد ظهرت القصة الإلهية الإسلامية للباحث، فجأة، نموذجاً من نماذج طليعية سابقة للكوميديا الإلهية. وقد دفعته هذه الملاحظات الدقيقة إلى عقد مقارنة منهجية بين القصة الإسلامية، والخطوط العامة لقصيدة دانتي، وكان كلما تقدم في هذه الدراسة، ازداد اقتناعه يقيناً بوجود هذه العلاقة الوثيقة بين هذا المصدر الإسلامي، والقصيدة الدانتية. فقاده هذا الاقتناع إلى أن يتوسع في المقارنة، حتى وصل إلى كثير من الحقائق التفصيلية الدقيقة والطريفة، التي تثبت اعتماد دانتي على كثير من المصادر الإسلامية اعتماداً يتجاوز التأثير العابر في الإطار العام لوصف الأحداث والأماكن، إلى الأخذ الحرفي الكامل، لكثير من المشاهد والمواقف، وكان من أبرزها تفاصيل ما يسميه المتخصصون في دانتي "هندسة بناء الممالك" Arquitectura De Los Reinos ويعنون بذلك (طوبوغرافيا) مساكن جهنم وهندسة البيوت السماوية، التي بدت للباحث "خططها مرفوعة من قبل المهندس المعماري المسلم نفسه".

وفي هذه المرحلة من البحث، خامره شك في احتمال أن ترجع أوجه الشبه هذه بين الكوميديا الإلهية ونموذجها الإسلامي، إلى حقيقة أخرى هي: استقاء كل منهما مادته من نموذج أوروبي مسيحي مشترك بينهما، كان موجوداً في الأساطير المسيحية، خلال القرون الوسطى، قبل عصر دانتي، لهذا فقد دفعه حرصه على التزام المنهج العلمي الدقيق وأمانته العلمية النقية من شوائب التعصب والاتكال، إلى أن يقوم بدراسة موسوعة لهذه الأساطير الأوروبية، وتتبع جذورها، وهنا فاجأته أيضاً حقيقة أخرى كبرى، تتلخص في : أنه لم يكن في المصادر الإسلامية نماذج لبعض عناصر الكوميديا الإلهية، فحسب، وهي العناصر التي كانت تعتبر، حتى الآن عناصر أصيلة لأنه لم يعثر على أي شبيه لها في الأساطير المسيحية السابقة، بل إنها كشفت لي، فوق كل ذلك، الأصول الإسلامية لكثير من أساطير القرون الوسطي هذه، أيضاً".

وبعد دراسة علمية مقارنة في غاية الدقة والاستيعاب للروايات الإسلامية المختلفة عن الإسراء والمعراج، يقيم دراسة أخرى، بالدقة والعمق نفسهما، يتتبع فيها، في خطوات متتالية، تفاصيل مضمون الكثير من هذه الروايات الإسلامية، في كوميديا دانتي، فيتناول بالدراسة الموضوعات الآتية، مدعمة بالنصوص الموثقة من الروايات العربية، مقارنة بما يقابلها، في الكوميديا:

الأعراف الإسلامي في "كوميديا دانتي"، وجهنم الإسلامي فيها، ثم يتتبع مشاهد المطهر الإسلامي (الصراط) فيها، ثم الجنة الأرضية الإسلامية في الكوميديا، ثم الجنة السماوية الإسلامية فيها، ثم يختم هذا القسم باستخلاص النتائج العامة لدراسته هذه العناصر المتشابهة في الأثرين.

ثم يتتبع، في القسم الثالث، بالدراسة العناصر الإسلامية في الأساطير المسيحية السابقة للكوميديا الإلهية، وفي القسم الرابع يدرس احتمالات انتقال النماذج الإسلامية إلى أوروبا المسيحية، عامة، وإلى دانتي خاصة.

هذه خلاصة لنظرية القس ميكيل آسين بلاثيوس، عن التأثير الفكري والأدبي الإسلامي في كوميديا دانتي، والتي كان لها وقع مدو، في الأوساط العلمية المتخصصة في دراسة دانتي، خاصة، وأوساط المتخصصين في التاريخ الحضاري، والفكري، والأدبي المقارن، لأوروبا وللأمة العربية الإسلامية عامة. ذلك أن هذه النظرية، قلبت، بقوة حججها، وإحكام توثيقها، كل المفاهيم والاعتقادات التي كانت سائدة ومستقرة بين المتخصصين الأوروبيين وغيرهم، عن دانتي وعبقريته، وعن الفكر الحضاري والأدبي لأوروبا، قلبت ذلك كله رأساً على عقب، بما أحدثته من ثورة فكرية عارمة فيما يتعلق بالدراسات الدانتية، وبالدراسات الثقافية و الأدبية والأوروبية، وجذورها التي كانت مجهولة الأصول.

ولا بد لنا، قبل أن نعرض نماذج لما أثارته هذه النظرية الممتازة المبدعة، من ردود فعل عالمية، في الأوساط المتخصصة، وموقف بلاثيوس من ذلك لا بد من أن نعرض نموذجين من النصوص العربية التي درسها فيها الباحث، مقارنة بما يقابلها في الكوميديا، مع تعليق بلاثيوس عليها.

نموذج أول من النصوص العربية وما يقابله في الكوميديا

من التقسيمات العامة التي وضعها ابن عربي لمنازل المختارين في الجنة السماوية، والتي تتفق اتفاقاً تاماً تقريباً مع تقسيمات دانتي، تقسيمه للدوافع أو الأسباب التي يحتل بموجبها، المختارون أماكنهم في كل فلك من الأفلاك السماوية الثمانية، هذه الأسباب عنده واحد من ثلاثة :

1. مجرد النعمة ينعم بها على المختار، من دون أي استحقاق لذلك، بسبب عمل من الأعمال. وهذه السماء هي التي يتمتع بها الأطفال الذين يموتون قبل بلوغهم سن الرشد، أو البالغون الذين عاشوا عيشة مستقيمة وفق القانون الطبيعي.

2. الاستحقاق الشخصي، أو المكافأة على الأعمال الحسنة التي قام بها البالغون.

3. وراثة للمنازل السماوية التي تركها خالية المحكوم عليهم بدخول جهنم.

ونجد السبب الأول والثالث المتفقين مع نص دانتي فيما يأتي :

الفتوحات (1/414)

الكوميديا الإلهية (الفردوس 32/42)

جنة اختصاص إلهي، وهي التي يدخلها الأطفال لم يبلغوا حد العمل وحدهم، من أول ما يولد إلى أن يستهل صارخاً إلى انقضاء ستة أعوام، ويعطي الله من يشاء من عباده جنات الاختصاص ما شاء ... من أهلها الفترات ومن لم تصل إليهم دعوة رسول.

لا يستوي أحد بجدارة من ذاته (هذه هي أرواح الأطفال الذين ماتوا صغاراً)، بل بفضل آخرين، وببعض شروط، إذ إن هذه كلها أرواح محررة (المقصود أن أرواح الأطفال قد تحررت من أجسادها) من قبل أن يكون لها في ذلك خيار صحيح (يعني مات هؤلاء الأطفال دون أن تصبح لهم القدرة على اختيار طريق الإيمان المسيحي).

 

الفردوس (32/73-74)

 

وبذلك فقد وضع هؤلاء في درجات مختلفة من دون جدارة من أعمالهم (يرجع هذا إلى أنهم كانوا أطفالاً فلم يفعلوا خيراً ولا شراً).

 

فتوحات (415)

(الفردوس 30/131-132)

الجنة الثانية جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ممن ذكرنا ومن المؤمنين وهي التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها.

ولتنظر كيف يتسع محيط مدينتنا (المدينة هنا هي الفردوس)، ولتشهد كيف امتلأت عروشنا، حتى لم تعد سوى أرواح قليلة هنا ترتعب (أي لم تعد هناك فرصة لصعود مزيد من أرواح الطوباويين إلى السماء لأن العالم قد فسد أو ربما لأن القيامة قد اقتربت كما قال دانتي في الوليمة).

ونعرض الآن نصوص أخرى تبدو فيها المفاهيم والرؤى الأساسية التي تبرز في فكر ابن عربي، ونجد ما يماثلها المماثلة في أفكار دانتي وصوره التي استوحاها من صور الصوفي العربي، وفي وصفه لما رآه في السماء.

وأول ما نتبينه، أن الحياة المجيدة، تكمن جذورها، عند ابن عربي في الرؤيا السعيدة، وهي التي تبدو كأنها مظاهرة احتفالية، أو كشف صوفي، أو عيد يتجلى فيه النور الإلهي، ويبدو الله في هذه الصورة ضياء مشرقة ترسل أشعة ضوئية تهيئ أبصار المختارين وتجعلهم مؤهلين لتأمل بؤرة الضوء الإلهية. وانتشار ذلك الضوء خلال روح صاحب الحظ السعيد، وجسمه، يرفع من طاقته الطبيعية، ويشحذ قوة إبصاره الداخلية، والخارجية، لكي يقدر على تحمل حدة إشعاع البؤرة الربانية التي تفوق طاقتها طاقة كل مخلوق.

إنه من الضروري تأكيد المشابهة الوثيقة بهذا المفهوم عند ابن عربي مع مفهوم دانتي: إنهما مفهومان متطابقان في الفكرة وفي تجسدها الغني، ويضاف إلى هذه الحقيقة أن هذه الصورة البهية ليس لها سوابق في آداب العصور الوسطى المسيحية. وها هي فقرات دانتي المشابهة لفقرات ابن عربي :

نموذج ثان من النصوص العربية وما يقابلها في الكوميديا

فتوحات (1/417-418)

الكوميديا الإلهية (ف/3/10)

الله يتجلى لعباده في النور العام .. (ص418) إذا هم بنور قد بهرهم فيخرون سجداً فيسري ذلك النور في أبصارهم ظاهراً، وفي بصائرهم باطناً وفي أجزاء أبدانهم كلها، وفي لطائف نفوسهم، فيرجع كل شخص منهم عيناً كله... فهذا يعطيهم إياه ذلك النور فيه يطيقون المشاهدة والرؤية ... فيتجلى الحق تعالى... فينفهق عليهم نور يسري في ذواتهم... وقد أبهتهم جمال الرب.

لم يكن بغير هذه الحال احتجاب الحلقات الظافرة عن ناظري شيئاً فشيئاً، الحلقات التي تبتهج أبداً من حول النقطة التي بهرتني (30/106): وكل ما يبدو منه مصنوع من الشعاع المنعكس على ذروة المحرك الأول (يعني النور الإلهي...) الذي يستمد منه القوة والحيوية (أي أن سماء المحرك الأول تعكس بدورها هذا النور الإلهي على سائر السماوات، وبذلك تمدها بالحياة والحركة...).

(30/112): هكذا رأيت كل من رجعوا من بيننا إلى العلياء، (يعني الأرواح الطوباوية أي السعيدة) التي صعدت من بين أهل الأرض إلى معارج الفردوس ... منتظمين فوق النور وحواليه، ومنعكسين عليه في أكثر من ألف طبقة.

(30/115): وإذا كانت أدنى المراتب من هذه الوردة تضم هذا النور العظيم، فكيف يكون اتساعها عند أوراقها العليا!

(33/76): وأعتقد أن بصري كان سيتولاه الزيغ من حدة ذلك الشعاع الباهر الذي احتملته، لو أن عيني حادتا عنه.

(33/82): أيتها النعمة الفياضة، التي اجترأت بفضلها على أن أسدد عيني إلى النور الأبدي، حتى استنفدت هناك كل أبصاري.

(فتوحات 1/418): ثم يأتيهم رسول الله.. فيقول لهم تأهبوا لرؤية ربكم جل جلاله فها هو يتجلى لكم... وبينه وبين خلقه ثلاثة حجب..فلا يستطيعون رؤيته بالنظر إلى تلك الحجب، فيقول الله تعالى لأعظم الحجبة عنده: ارفع الحجب بيني وبين عبادي حتى يروني، فتُرفع الحجب فيتجلى لهم الحق خلف حجاب واحد في اسمه الجميل اللطيف إلى أبصارهم.

(ف32/142): وسنتجه بأعيننا إلى الحب الأول، حتى يتغلغل بقدر استطاعتك خلال أنواره، حين توجه أنظارك إليه. (أي لكم يشهد دانتي الجوهر اِلإلهي) (ف33/31) حتى تخلصيه بصلواتك من كل ما في طبيعته الفانية من سحاب لكي يكشف له عن البهجة السامية (أي حتى يرى الله).

اكتفي بهذا القدر من نماذج النصوص العربية، وانعكاساتها في كوميديا دانتي، لأن المجال في هذا البحث لا يتسع لنماذج أكثر، ولأنني أعمل في ترجمة كتاب آسين بلاثيوس الذي يعرض هذه النظرية بتفاصيل دقيقة، إلى العربية ترجمة كاملة. وإنما الغرض من عرض هذه النصوص القليلة ومقابلاتها في الكوميديا، هو بيان فكرة أولية لمدى تأثر دانتي بالفكر الأدبي الديني العربي الإسلامي.

والآن أحب أن أعرض لردود الفعل المختلفة، على هذه النظرية، بين الباحثين المتخصصين، ورد فعل بلاثيوس عليها.

ردود الفعل، بين الباحثين، على هذه النظرية

عندما ظهرت هذه النظرية، على شكل كتاب، أثارت فضولاً نشطاً، وحباً للاستطلاع، بين جمهور الناس، واضطراباً غير قليل وحيرة بين نقاد تاريخ الأدب، وخاصة عند المتخصصين في دراسة دانتي من الباحثين الإيطاليين. وقد كان أي شك بسيط في أصالة دانتي وأي احتمال يخامر الذهن لأن يكون هناك تأثير ما لنماذج إسلامية في الكوميديا الإلهية، تلك القصيدة التي هي رمز لكل الثقافة المسيحية الأوروبية، في العصور الوسطى، لم يكن لهذا الاحتمال إلا أن ينظر إليه بنوع من حب الاستطلاع ممزوجاً بالدهشة والذهول، بين القراء غير المتحمسين، وبنوع من الحقد العاطفي والضغينة، وبنوع من الشعور المخفي بالفضيحة والعار، بين المتخصصين في دانتي الذين رأوا في هذه النظرية مجموعة كبيرة من الوثائق والوقائع التي يجهلونها اضطرتهم لأن يراجعوا آراءهم في مشكلة أصل هذه القصيدة الدانتية، من جهة، وأن يجدوا أنفسهم مضطرين، من جهة أخرى، لأن يرفضوا هذه النظرية، وكأنها عمل إجرامي ضد أصالة هذا الشاعر ذي المقام السامي، وضد عبقريته الملهمة التي لا يمكن مسها، في أي ظرف من الظروف، في نظرهم، ولا سيما في تلك الأيام التي كانت قد بقيت قبل إقامة الاحتفال المئوي السادس المخصص، لتكريم الكوميديا الإلهية ومؤلفها، في كل البلدان المتحضرة.

ومع كل هذا لم يعدم حقل البحوث الأدبية نقاداً تناولوا هذا الكتاب، والنظرية التي عرضت فيه، بأريحية وترحاب بالغين. ولم يكن هذا الترحاب بين المستشرقين، والمتخصصين بالدراسات الرومانية، وعلماء تاريخ الآداب المقارنة خارج إيطالية فحسب، بل أيضاً بين أولئك الأدباء اِلإيطاليين الذين يعرفون كيف يضعون عبادة الحقيقة فوق كل رأي مسبق يتشح بوشاح الوطنية، وفوق كل اعتبار لأي شاغل مذهبي أو عاطفة.

وخلال خمس سنوات، منذ نشر الكتاب لأول مرة سنة 1919، ظهرت دراسات نقدية مختصرة وموسعة، من كل لون: مؤيدة أو معارضة، تأييداً أو معارضة مطلقة أو بتحفظات ذات أهمية كبيرة أو قليلة أو مترددة، أو صادرة عن مقياس متشكك مرتاب، نشرت في مجلات عامة ومتخصصة في أوروبا وفي أمريكا. جدال حقيقي أخذ ينتشر بين المدافعين عن نظرية تقليد الكوميديا الإلهية للنماذج الإسلامية، وأولئك المعارضين لها دون أن يرى المؤلف نفسه مضطراً لأن يتدخل، إلى أن هدأت العواطف، وتحددت بكل وضوح، حينئذ سنحت له الفرصة المناسبة، للرد، مرة واحدة، على جميع الاعتراضات التي أثارها المعارضون، والنظريات التي كونوها لنقض نظرية، ليفسر الوقائع والوثائق التي أسهم بها في حل المشكلة الدانتية.

جمع آسين بلاثيوس من هذه الردود والانتقادات التي وجهت إلى نظريته اثنين وخمسين مقالاً مؤيداً لنظريته، وتسعة عشر مقالاً معارضاً لها، من المجموع الكلي الذي تيسر له جمعه والاطلاع عليه مما كتب عن نظريته وكتابه هذا الذي يعرضها بالتفصيل، في كل اللغات، وقد بلغ هذا واحداً وسبعين مقالاً. ويبدو واضحاً من هذه الإحصائية البسيطة، أن أغلبية الردود كانت مؤيدة للنظرية، وبلغت نسبة التأييد أكثر من 70%، بين العلماء المتخصصين.

وسنكتفي هنا، بعرض موجز لمضمون رأي أبرز المعارضين، ولرأي أبرز المؤيدين، وتعليق بلاثيوس على ذلك، مختصراً أيضاً، نظراً لضيق المجال .

رد فعل نقدي معارض للنظرية، ومتناقض مع نفسه

أبرز من يمثل هذا النوع من ردود الفعل المستشرق الإيطالي غابرييلي Gabrieli ويشاركه فيه مازوني Mazzoni ورواجنا Rajna. وموقفهم منها يمثل، كما يقول بلاثيوس، نفسية مترددة وغير متماسكة.

فقد يتقبل مازوني وغابرييلي، في بعض الأحيان، كثيراً من التشابه الموجود بين النصوص الإسلامية والدانتية، ولكنهما يرفضان نظرية تقليد دانتي للإسلام، ومع ذلك فإنهما لا يجرآن على عرض نظرية أخرى أقدر على تفسير هذه التشابهات، ويذهبان، ومعهما راجنا، إلى أن تلك التشابهات كثيرة ودقيقة. ومحددة بتفاصيل واضحة ومتميزة، إلى حد أنها قوة الإثبات، لإفراطها في الدقة.

وهناك باحثون آخرون، ومنهم غابرييلي، ينكرون تقليد دانتي للإسلام لأن التشابهات عامة، وغامضة، وبعيدة، أو لا قيمة لها أو أنها يمكن أن تفسر بأنها مشتقة من أصول مسيحية سابقة للكوميديا الإلهية.

إن هذه الآراء تعني أن الدراسات التي أجراها المتخصصون في دانتي، حتى ذلك الوقت، عن أصول الكوميديا الإلهية، وعن حياة دانتي النفسية تتيح لهم أن يفهموا دانتي بصفته شاعراً أوروبياً مسيحياً، ذا أصالة عرف كيف يستوحي، بصيغة وروح حديدتين، وخاصتين بشخصه، الكتاب المقدس والمصادر الكلاسيكية التي عرفها وأفاد منها، لكي يؤلف قصيدته، فإذا ما قلت نظرية آسين بلاثيوس، والتي تقول إن دانتي عرف المصادر الإسلامية أيضاً، بالإضافة إلى تلك المصادر المذكورة، وأفاد منها، وإذا ما كانت تلك التشابهات الكثيرة والدقيقة مع تلك المصادر، التي تبينها الكوميديا الإلهية، ترجع إلى تقليد دانتي لها، فإن الفكرة التي كونها، عن دانتي، المتخصصون في دراسته، ينبغي أن تعدّل وتكيف جذرياً، وأصالته ينبغي أن يعاد تقييمها، بطريقة مختلفة جداً، ونفسيته بصفته شاعراً مسيحياً أوروبياً ستعاني من تغير عميق، إذ لا يمكن، حينئذ تفسيرها إلا بافتراض أن دانتي، في مرحلة من مراحل حياته، صار مسلماً. لذلك فمن الضروري أن نشك، مقدماً في كل التشابهات التي تعرضها الكوميديا الإلهية، مع المصادر غير الكلاسيكية، وغير الكتاب المقدس، ولا سيما المصادر الإسلامية.

إنّ موقف "راجنا" هذا ومن يذهب مذهبه، مضطرب ومتهافت بحيث لا يستحق أن نقف لنزنه ونتفحصه، كما يقرر آسين بلاثيوس. ذلك أن الأصالة وقوة ا لخلق، عند الشاعر، لا يجب أن تكون أبداً قاعدة أو مبدأ مسلّماً به، مقدماً، من غير براهين وشواهد، ولكن الأصالة إنما هي نتيجة مستخلصة من الدراسة التحليلية لكل مصادره المحتملة، هذه الدراسة تسمح لنا أن نستنتج العناصر الشخصية، أو التي لا يمكن تفسيرها من طريق النماذج التي استوحاها. إن هذا نهج بعيد عن النهج الذي يستلزم الشك المسبق في التشابهات الإسلامية الدانتية. إن هذه التشابهات يجب أن تكون معلومات تفصيلية ذات أهمية فائقة، لتقييم وقياس القوة الخلاّقة عند دانتي.

إن أصحاب هذا الرأي يضعون أنفسهم في موقف أبعد ما يكون عن إمكان التبرير، حينما يقبلون بتأثيرات الكتاب المقدس والمصادر الكلاسيكية، في الكوميديا الإلهية، ولا يرون فيها عناصر تمسّ قدرة الخلق والإبداع عند دانتي، في حين يرون أن تقليده المصادر الإسلامية، بطريقة فنية فيها حرية، ينتقص من قدراته الإبداعية .

رد فعل مؤيد لمضمون النظرية:

بعد شهر ونصف الشهر من ظهور كتاب بلاثيوس الذي يعرض نظريته هذه نشر المستشرق الإيطالي غابرييلي مقالاً في Corriere D'Italia بتاريخ (11 آذار 1919) يؤيد فيه تأييداً حماسياً مطلقاً، نظرية بلاثيوس، ثم أتبعه بمقالين آخرين، بالمضمون نفسه، في مجلتين إيطاليتين أخريين، وبعد ذلك بقليل خصص بيزي Pizzi المتخصص بالدراسات الفارسية، دراسة مستفيضة يبرر فيها مسألة التأثير الإسلامية في الآداب المسيحية.

ثم جاء ماكدونالد Macdonald من الولايات المتحدة وآرنولد Arnold من إنجلترا، في السنة نفسها فالتحقا بركب المستشرقين الإيطاليين ثم كتب ابن شنب في الجزائر، معبراً عن قبوله لهذه النظرية دون تحفظ. ثم تجرأ كودازي Codazzi فوصفها بأنها نظرية لا منازع لها، ولا جدال فيها.

وصف ماكدونالد النظرية بأنها "تحتوي على مجموعة كبيرة من الأدلة التي سيُكتب لها البقاء، على الرغم من أن المتخصصين في دانتي، وهم غير مسالمين، سيثورون ويتهمون الأستاذ آسين بلاثيوس بأنه مجازف متهور يغزو مملكتهم". ثم يواصل حكمه هذا قائلاً: "إن الحشد الكبير من البراهين التي حشدها كتاب آسين، لا يمكن للمتخصصين في دانتي أن يتملّصوا منه، ولو أنه يمكن أن يناقش في التفصيلات، وما على هؤلاء المتخصصين في الدراسات السلتية، الآن، إلا أن يصيروا آذاناً صاغية. ويمكنني أن أؤكد أن عناصر التطابق من الكثرة والدقة بحيث لا يمكن أن تفسر من طريق المصادر المشتركة، أو مصادر الكتاب المقدس، أو المصادر الكنسية، أو الكلاسيكية، أو بعناصر من الأدب الشعبي (الفلكلور) كبيرة، مما ترجع في أصولها إلى ما قبل التاريخ.

أما آرنولد، فبعد أن أطرى الكتاب لقيمته العلمية، ولدقة منهجه ومنطقيته، ولغزارة وثائقه الإسلامية والدانتية تنبأً أيضاً- شأنه شأن ماكدونالد- بأن المتخصصين في دانتي لن يتقبلوا ما توصل إليه من نتائج. ولكن هذا لن يكون عقبة أمام كل الأدباء الذين يكرّسون جهودهم لدراسة فكر العصور الوسطى وتاريخها، تمنعهم من أن يهيئ بعضهم بعضاً، بظهور عمل علمي يمثّل إسهاماً قيما في الأدب الذي يتناول موضوع العلاقات الفكرية بين الإسلامي وأوروبا خلال العصور الوسطى.

أما بيزي، فيتّفق مع زميله في التنبؤ للكتاب بموقف معاد بين الباحثين المتخصصين في دانتي فيقول: "إن هذا الكتاب سيثير ضجة، وربما سيعدل كثيراً من المقاييس في الدراسات الدانتية، حيثما فهم كما ينبغي". وكان حكمه الشخصي على النظرية التي يعرضها الكتاب قاطعاً: "لا شك في أنه ذو أساس من الحقيقة صلد" ثم يضيف: "إن عرضه يعتمد على ما لا يُحصى من نقاط التماثل والتشابه، التي من الممكن أن يكون بعضها حصل عن طريق المصادفة، ولكن ليس كلها، ونقاط التشابه هذه ليست قليلة .

أكتفي بهذا القدر من ردود الفعل المعارضة، والمؤيدة، نظراً لضيق الوقت وأنتقل إلى بيان كيفية تحول هذه النظرية إلى حقيقة علمية كبرى في الدراسات الفكرية والأدبية المقارنة، خلال القرن العشرين.

كانت الكيفية التي وصلت بها كتابات العرب والمسلمين عن قصة المعراج إلى علم دانتي، من نقاط الاعتراض الأساسية على نظرية بلاثيوس، لا سيّما أن دانتي لم يكن يُعرف عنه أنه يعرف العربية لكي يكون من المحتمل إطلاعه على مصادر الإسراء والمعراج، وأدبياته فيها. لهذا فقد أولى آسين بلاثيوس اهتمامه الكبير لبحث هذه القضية، فخصص لها القسم الرابع من كتابه لدراسة "إمكانية انتقال النماذج العربية من قصة المعراج إلى أوروبا المسيحية، وإلى دانتي بصفة خاصة"، تكلم في هذا القسم بتفصيل على الطرق المحتملة لانتقال التأثيرات العربية إلى أوروبا، فذكر الصلات القوية التي كانت تربط أوروبا عامة وإيطاليا خاصة بالبلاد العربية الإسلامية، وذكر من هذه الصلات الكثيرة عومل التجارة والحج إلى الأراضي المقدسة، والحروب المتصلة بين هذين العالمين، لا سيما الحروب الصليبية، ثم تناول بالبحث مكانة صقلية الإسلامية ودورها في نقل العلوم والمعارف العربية الإسلامية إلى إيطاليا وأوروبا، واستمرار هذا الدور إلى ما بعد خضوعها إلى سلطة النورمان، ثم تكلم عن الدور الفعال الذي أدّته الأندلس الإسلامية في هذا المجال، وأهمية مدرسة المترجمين في طليطلة، وجهود الملك الإسباني ألفونسو الحكيم والمدارس العلمية التي أنشأها .

وذكر بلاثيوس بصفة خاصة الدور المحتمل أن يكون قد قام به أستاذ دانتي (برونيتو لاتيني) Bruetto Latini الذي كان متشبعاً بالثقافة العربية الإسلامية، وأشار إلى أن كلام دانتي نفسه عن العلماء العرب، في الكوميديا الإلهية، أو في غيرها من مؤلفاته، يدل على احترام كبير لهم.

ومع أن الوثائق والحجج العلمية والمنطقية التي عرضها بلاثيوس في بحثه كانت كثيرة وموثقة، ودقيقة، وذات قوة إقناعية كبيرة جداً إلا أن كثيراً من الباحثين، لا سيما من الإيطاليين، ظلوا يرفضون الاعتراف بهذه الصلة المحتملة بين دانتي والمصادر الثقافية والدينية العربية الإسلامية.

تحول هذه النظرية إلى حقيقة تاريخية كبرى:

في سنة 1949 توصل الباحث الإسباني خوسيه مونيوث سندينوJose Munoz Sendino إلى كشف جديد كانت له الكلمة الفصل، والحكم النهائي القاطع، في إثبات صحة نظرية آسين بلاثيوس، وإنهاء الجدل الذي كان قائماً حولها. فقد عثر هذا الباحث على ثلاث مخطوطات لترجمة قصة المعراج الإسلامية العربية، إلى القشتالية (الإسبانية القديمة) واللاتينية والفرنسية القديمة، وكانت هذه الترجمات قد تمت بأمر الملك الإسباني ألفونسو الحكيم، عن الأصل العربي. وقد نشرت هذه النصوص الثلاثة في مدريد سنة 1949 بعنوان (معراج محمد) La Escala De Mohama وكانت الترجمتان الفرنسية واللاتينية، كاملتين، أما الترجمة الإسبانية فلم يبق منها إلا موجزها.

وبهذا ثبت لدى الباحثين، أن دانتي كان متمكناً فعلاً من الاطلاع على إحدى هاتين الترجمتين اللاتينية أو الفرنسية، على الأقل، إن لم يكن قد اطلع على الترجمتين كلتيهما وذلك لما هو معروف عنه من أنه كان طلعة محباً للمعارف متتبعاً لها، حريصاً على الإحاطة بكل شيء يتصل بها.

وفي هذه السنة نفسها التي عثر فيها على هذا الكشف العلمي التاريخي الجديد، الذي حول نظرية بلاثيوس إلى حقيقة علمية من الحقائق الكبرى في تاريخ الأفكار والحضارات الإنسانية وآدابها، في هذا الوقت نفسه نشر الباحث الإيطالي المتخصص في دانتي إنريكو تشيروللي Enrico Cerulli ترجمة إيطالية لهذين النصين الجديدين المترجمين عن العربية، مع بحث مستفيض لهذه القضية التاريخية الخطيرة، في ضوء هذا الاكتشاف المذهل، وكان البحث بعنوان "كتاب المعراج ومسألة الأصول العربية للكوميديا" (نشر في مدينة الفاتيكان 1949).

II Libro Delle Scala Ela Questione Della Fonti Arabo Espagnole Della Divina Comedia.

ثم لخص المستشرق الإيطالي ليفي دلافيدا الخاتمة التي آل إليها الجدال، بين الباحثين، في هذه القضية، تعليقاً على كتابي مونبوث سندينو، وتشيروللي، بقوله:

اليوم لم يعد هناك مجال لأي شك في هذه الحقيقة، وهي: أن كتاب المعراج الذي بوسع العالم اللاتيني الاطلاع عليه بلغتين أوروبيتين (يعني اللاتينية والفرنسية) إن لم يكن بثلاث (أي بإضافة الإسبانية) ما كان ليبقى بعيداً عن متناول دانتي، وإلا كان أمراً خارجاً عن المنطق المعقول. وهكذا يتأكد لنا اليوم أن نظرية آسين بلاثيوس قد أصبحت فوق مستوى النقاش. إن القضية لم تعد إمكان اطلاع دانتي على المصادر العربية، وإنما هي قضية حقيقية ينبغي التسليم بها" .

 

المراجع

ندرج المراجع هنا، بحسب ورود الإشارة إليها في البحث.

فؤاد سزكين

"محاضرات في تاريخ العلوم". الرياض 1979.

"تراث الإسلام"

"تأليف جمهرة من المستشرقين بإشراف سير توماس آرنولد. عربه وعلق حواشيه: جرجيس فتح الله، طبعة ثالثة، دار الطليعة، بيروت 1978.

بالينثيا، آنخل جونثالث: " تاريخ الفكر الأندلسي". ترجمة د. حسين مؤنس القاهرة 1955.

بالينثيا، آنخل جونثالث: "تاريخ الفكر الأندلسي". ترجمة د. حسين مؤنس القاهرة 1955.

حكمة علي الأوسي

"فصول في الأدب الأندلسي في القرنين الثاني والثالث للهجرة" الطبعة الخامسة، بغداد 1987.

عبد الرحمن بدوي

"دور العرب في تكون الفكر الأوروبي" بيروت 1965.

"أثر العرب والإسلام في النهضة الأوروبية" دراسات أعدت بإشراف (اليونسكو) القاهرة 1970.

حكمة علي الأوسي

"جوانب من التأثير العربي في الشعر الإسباني والأوروبي" بحث في مجلة كلية الآداب- بغداد، العدد (296) 1981.

- "جوانب من التأثير العربي في اللغة الإسبانية"، بحث في مجلة كلية الآداب- بغداد، العددان (26) و(32) سنة 1979 و1982.

- "التأثير العربي في الثقافة الإسبانية: سبله، ومراجع دراسته". في سلسلة (الموسوعة الصغيرة) رقم (152) تصدرها دائرة الشؤون الثقافية والنشر بغداد – الجمهورية العراقية 1984.

بلاثيوس

انظر المراجع باللغة الإسبانية في الهامش رقم (1) ص19.

صلاح فضل

"تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي" الطبعة الأولى، دار المعارف، القاهرة 1980.

محمد غنيمي هلال

"الأدب المقارن" الطبعة الرابعة، القاهرة 1970.

عبد المطلب صالح

"دانتي ومصادره العربية الإسلامية" في سلسلة (الموسوعة الصغيرة) رقم (7) بغداد.

The Cambridge History Of Islam Vol., II University Press, 1970.

 

البحث

تسجيل الدخول

الأرشيف

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 54 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 2506
المحتوى : 862
عدد زيارات المحنوى : 3031677