مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

دراسات استشراقية حول شعر امرئ القيس

إرسال إلى صديق طباعة
دراسات استشراقية حول شعر امرئ القيس
الدكتور موسى ربابعة
    جامعة اليرموك
 
يحاول هذا البحث أن يناقش توجهات استشراقية مكتوبة باللغة الألمانية لدراسة شعر امرئ القيس، تلك التوجهات التي عدها أصحابها فتحاً جديداً في طريقه دراسة الشعر الجاهلي الذي كان ينظر إليه على أنه مادة أساسية وجذرية لفهم طبيعة حياة العرب قبل الإسلام في مستوياتها المختلفة.
لقد ظهرت في العصر الحديث دراسات كثيرة حاولت أن تفيد من المناهج النقدية الحديثة في دراسة الشعر الجاهلي مثل المنهج الأسطوري والبنيوي والنفسي والتاريخي والاجتماعي والوجودي، ولأن هذه الدراسات انطلقت من منطلقات مختلفة فقد جاءت طرق معالجتها للنص الواحد متباينة ومتغايرة وأحياناً متصادمة إلى حد كبير.
وسيسعى هذا البحث لمناقشة مقالتين كتبتا باللغة الألمانية حول شعر امرئ القيس المقالة الأولى لـ كاريل بيتراجك Karel Peteracek وعنوانها:
Zur Semantischen struktur der Beschreibung des Resens von Imra'a-Qais (Ahlw 18- DW 26127). Orientalia Pragensia 6. 1968.
"حول التركيب الدلالي لوصف المطر عند امرئ القيس، المقطوعة رقم 18 بتحقيق الفرت ورقم 26 بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم"، مجلة براغ الشرقية العدد 6، 1968. والقصيدة موجودة في ديوان امرئ القيس، وحتى تكتمل الفائدة لا بد من كتابتها، لأن الكاتب سيقف عند العناصر المهمة فيها، ولأن طريقة تحليله ومنهجه تستدعي أن يكون القارئ على معرفة بالنص موضوع الدراسة، يقول امرؤ القيس:
 
1- ديِمةٌ هَطْلاءُ فيها وَطَفٌ
2- تُخْرِجُ الوَدَّ إذا ما أشْجَذَتْ
3- وتَرَى الضَّبَّ خَفَيْفَاً مَاهِراً
4- وتَرَى الشَّجْرَاءَ في رّيِّقِهِ
5- ساعةً ثم انتحاها وابلٌ
6- رَاحَ تمْريه الصبَّا ثم انتَحَى
7- ثَجَّ حتَّى ضاقَ عن آذِيِّه
8- قد غَدا يَحمْلُنِي في أنْفِهِ
طَبقُ الأرضِ تحرَّى وتَدُرْ
وتُواريهِ إذا ما تَشْتَكِرْ
ثانياً بُرْثُنَهُ ما يَنْعَفِرْ
كَرُؤوُسٍ قُطِعَت فيها الخُمُرْ
ساقطُ الأكْنْافِ واهٍ مُنْهَمرْ
فيه شُؤْبُوبُ جَنْوبٍ مُنْفَجِرْ
عَرْضُ خَيمٍ فجُفَافٍ فَيُسُرْ
لاحِقُ الإِطْلَين مَحبوكٌ مُمَرْ()
 
لقد عرض بيتراجك لآراء كل من شوقي ضيف وأبي القاسم الشابي وغرونباوم التي أكدت واقعية الوصف عند امرئ القيس وفي الشعر الجاهلي بصورة عامة، وإذا كانت الدراسات التي تناولت شعر امرئ القيس قد ركزت على صحة هذا الشعر أو واقعيته أو رمزيته، فإن هذه الدراسة تريد أن تفتح منهجاً جديداً هو منهج "البناء الدلالي" Die Semantische Struktur.
يرى بيتراجك أن هذه القصيدة – وكل القصائد - ما هي إلا إخبار، وذلك في ضوء نظرية المعلومات Informationtheorie ولذلك فهو سيدرس النص من خلال مستويين تركيبيين: الأول مستوى المحتوى والآخر: مستوى المعنى()، وقد استعان على إبراز هذين المستويين من خلال الجدول الذي رسمه على النحو الآتي:
 
   ومن أهم الأسس التي أقام عليها دراسته البنائية الدلالية نظرته إلى مجرى المحتوى أي تتابع الأبيات على أنه ديكروني Diachronie() "التعاقب" وأنه سيتابع بناءها الديناميكي في العمود الرابع، أما المستوى السينكروني Synchronie() (التزامن) فإنه يتألف من ثلاث طبقات أي في الأعمدة الأول والثاني والثالث، الأول: هو الزمن الفيزيائي والثاني: ظهور الضوء والثالث: وصف الطبيعة إما سلباً أو إيجاباً، أما البناء الديناميكي للمعنى فتمثل (بالعمود الخامس) ومن ثم يتابعه في العمود السادس().
هذا هو المنهج الذي طبقه بيتراجك على وصف المطر عند امرئ القيس وهو نهج يعتمد على مصطلحات الألسنية بشكل أساسي، وفي ضوء هذا المنهج فإن المرء يستطيع أن يشكل البناء الكلي للقصيدة وذلك من خلال الجمع بين البناء السيكروني والديكروني لكل من مستوى المحتوى ومستوى المعنى. وقد قاده مثل هذا المنهج إلى أن يتوصل إلى النتائج التالية:
1- العمود الأول يظهر التعارض بين الصباح والمساء.
2- وأما العمود الثاني فإنه يظهر التعارض بين الظلام والنور.
3- وأما قوة المطر والظلام بالإضافة إلى تجمع الغيوم فإنها تشكل ذروة الكدر للطبيعة التي تصبح غير ملائمة (وذلك بظهور السيل) لكن هذه العناصر تتعارض بشكل واضح مع صورة الغلة (العمود 3+العمود4)().
وفيما يتعلق بالتقييم الدلالي للمحتوى (الأعمدة 1-4 بالإضافة إلى الاستعارات) فيمكن للمرء أن يصوره في خطين (العمود 5) الأول: يشكل الوسط البيئي، والآخر يشكل وسطاً بيئياً كدراً غير ملائم يتنامى معه الخطر. وهذا الخطر المتنامي يقف في تعارض مع الأمان الذي يرمز إليه حصان قوي يظهر في وسط بيئي ملائم.
ويمكن للمرء أن يلاحظ التعارضات أو التناقضات نفسها في بناء المعنى (العمود 6) فإن تصاعد الخطر والطبيعة غير الملائمة والظلام تسعى إلى ضدها بصورة جدلية، أي السعي إلى الأمان في وسط بيئي مضيء ومناسب. وتظهر هذه الصورة من خلال إحضار الشيء ونقيضه، المساء/ الصباح، والظلام/ الضوء.  والغيمة المطر/ الغلة، والخطر/ الارتحال على حصان قوي نحو الأمان().
وفي ضوء هذا التصور فإن بناء المعنى يتكون من جوانب متناقضة وذلك كما يشير العمود السادس: فالأمان يقابل الخطر، وإن إعادة انتعاش الطبيعة تتعارض مع السلبيات وإن الضوء يتعارض مع الظلام.
ويقدم مثل هذه المنهج تصوراً جديداً عن دراسة الشعر الجاهلي. وهي دراسة استطاعت أن تفتح أفقاً جديداً لتحليل النص وذلك من خلال الوقوف على الدلالات المختلفة للعناصر الأساسية التي يتكون منها النص. وإن مثل هذا المنهج يقتصر في تحليله وتفسيره على النص ذاته، فهو يعاين النص معاينة تعزل النص عن السياقات الخارجة عليه، فهي دراسة تنتزع النص من سياقاته الأخرى.
ولاقتصار الدراسة على دلالات الكلمات فقط فقد جاء تفسير المطر والغيوم والظلام وغير ذلك من هذه العناصر تفسيراً سلبياً، فالمطر والغيوم والظلام تحتمل دلالات سلبية، وذلك لأن بيتراجك لم يربط المطر بدلالاته الميثولوجية والرمزية التي يشير إليها المطر في معلقة امرئ القيس مثلاً أو في الشعر الجاهلي بصورة عامة، ولأن هذه القصيدة درست منتزعة من سياقها التاريخي والميثولوجي فإن مثل هذا التفسير يصطدم بالدلالات الميثولوجية للمطر() التي تجسدت في كثير من جوانب الشعر الجاهلي، فالمطر الذي يحتمل عند بيتراجك دلالة سلبية ربما يحتمل دلالة إيجابية، "فبحث الإنسان الجاهلي عن المطر جعله يقيم طقوس الاستسقاء ويقدم الهدايا والقرابين للآلهة ويتوسل إليها لإنزال المطر"().
وعندما تمتحن النتائج الأساسية التي توصل إليها بيتراجك تظهر هناك  بعض الأشياء غير المقنعة في كثير من الأحيان، ومن هذه الأشياء: التعارض بين الغيوم والرياح والظلام وبين الغلة كما في العمود الرابع. لقد أقام بيتراجك تعارضاً مفتعلاً بين هذه الأشياء، وحمّل النص أشياء غير موجودة فيه، فلم يأت الشاعر على ذكر الغلة إطلاقاً، وإذا كانت الغلة تأتي بعد المطر فكيف يمكن له أن يُحمِّل المطر إشارة سلبية() ويجعل فعله فعلاً خطراً. لم يجد بتراجك بداً من الإتيان بالغلة ليقيم تعارضاً بينها وبين المطر والغيوم والظلام.
ومن الأمثلة الأخرى التي تجعل المرء مندهشاً هو ما أورده بيتراجك في العمود الخامس وبخاصة في الجزء الثاني منه، إذ جعل التعارض قائماً بين الوسط البيئي الكدر غير الملائم وبين الوسط البيئي الملائم. فكيف حدث مثل هذا التبدل والتغير في هذا الوسط مع أن الشاعر قد صرح بأنه ينوي الارتحال إلى مثل هذا المطر، يقول:
 
قَدْ غَدَا يَحْمِلُني في أنْفِهَ
لاحِقُ الإطْلَيْنِ محبوكٌ مُمَرْ
 
ومثال أخير على وجود تناقض مفتعل ما قال به بيتراجك في أن ثمَّ تعارضاً بين ما سماه سلبياً وبين إعادة انتعاش الطبيعة كما تمثل هذا في البناء الديناميكي للطبيعة مثلما يظهر في العمود السادس وبخاصة في الجزء الثاني منه. إن إعادة انتعاش الطبيعة هو توكيد للأمان والخصب ونفي للسلبيات، لأن الانتعاش حياة وتواصل ولأن ما هو سلبي يمثل الموت والانقطاع.
وفي ضوء هذه الأشياء لا يمكن أن يكون المطر مدمراً وخطراً، كما يرى بيتراجك، إذ لو كان المطر مدمراً لحدث تعارض كبير مع رحلة الشاعر على الحصان.
فلماذا يلاحق الشاعر التدمير والخطر إذن؟ وإذا ما وازن المرء بين فاعلية المطر هنا وبين فاعلية المطر في المعلقة فإنه يجد امرأ القيس تحدث عن حصانه بصفات جعلها تمهيداً حقيقياً للحديث عن لوحة السيل().
إن حصان امرئ القيس الذي يمثل الأمان – كما يرى بيتراجك - هو الأداة الحقيقية التي تقود الشاعر إلى عالم جديد هو عالم المطر الذي يغسل وجه الأرض ويطهرها ويهزها ويزلزلها لتلد حياة جديدة، ولذلك نهض الشاعر إلى حصانه ليلحق هذا المطر الذي يثير كثيراً من البهجة والفرح في أعماق نفسه.
تبدو رحلة امرئ القيس إلى الماء هي رحلة البحث عن الحياة، وبخاصة أن الحصان يمثل لحظة من لحظات الانتصار. "وإن ربط الشعراء الحصان بفكرة الماء والسيل ما هو إلا وسيلة للخلاص النفسي الذي ينقلهم بعيداً عن واقعهم إلى واقع جديد متميز قادر على تحقيق آمالهم في استمرار الحياة وتجددها وفي الانتصار على واقعهم المؤلم"().
إن صورة المطر الكثيف التي يحتفل بها امرؤ القيس في هذه القصيدة احتفالاً عظيماً والتي دفعته إلى أن يراعي جزيئات الصورة ويختار الكلمات بدقة متناهية ما هي إلا توكيد على حلم الشاعر بالمطر، وإذا جاءت في لوحة المطر بعض الصور العنيفة التي تحمل إشارات القوة فإن ذلك لا يعني أن فعل المطر عند امرئ القيس هو فعل تدميري().
وعلى الرغم من ذلك تبقى لمثل هذه الدراسة جرأتها وقدرتها على اقتحام النص الشعري الجاهلي وفي كونها فتحاً لجهة جديدة في تناول هذا الشعر الذي كان مدار اهتمام نفر من المستشرقين، وسموه بأنه شعر منحول وواقعي يتطابق مع الواقع بشكل حرفي ولكن احتفال بيتراجك بالبحث عن التعارضات هو الذي قاده إلى أن يقيم تعارضات غير موجودة أو أن يفتعلها حتى تتلاءم مع المنهج الذي اختطه في تناول هذه القصيدة.
X X X X
أما المقالة الثانية فهي لجريتيه تارتلر Grete Tartler وهي بعنوان:
Versuch einer Interpretation Qaside von
Imru'-L-qais. Romano Arabica I (1974).
"محاولة لتفسير قصيدة امرئ القيس، المجلة الرومانية العربية العدد          1,1974".
تتناول هذه الدراسة معلقة امرئ القيس وتحاول أن تفسرها تفسيراً جديداً. وهي محاولة على طريق تطور الدراسات الاستشراقية في  تناول الشعر الجاهلي، فمعلقة امرئ القيس كانت مدار اهتمام العرب والمستشرقين، فالباحثون العرب جاءت مناهج دراستهم للمعلقة مختلفة ومتباينة، فمنهم من اكتفى بدراسة لوحة من لوحات القصيدة ومنهم من درس المعلقة دراسة كلية شاملة محاولاً البحث عن العلاقات العميقة التي تلظم شرائح القصيدة المتعددة.
أما المستشرقون الألمان فقد فطنوا إلى معلقة امرئ القيس منذ زمن مبكر وعملوا على ترجمتها وتحقيقها وشرحها كما فعل Gandz() وNöldeke() أو أنهم التفتوا إلى المعلقة من حيث صحتها وموثوقيتها كما فعل وليم الڤرت().  ومنهم من التفت إلى شرائح معينة في المعلقة اتخذها مادة للدرس والتحليل كما فعلت اليزه ليشتنشتيتر() وريناته يعقوبي().
وتعد دراسة تارتلر المكتوبة باللغة الألمانية دراسة جديدة من ناحيتين: الأولى أنها تناولت المعلقة بشكل كامل والأخرى أنها دراسة اعتمدت على البحث عن الأسرار الدفينة التي تخفيها الكلمات في القصيدة، ولذلك رفض تارتلر ما قاله طه حسين عن أن الشعر الجاهلي لا يمثل حياة العرب الدينية والفكرية ويؤكد تارتلر عكس هذه المقولة ويرى أن حياة العرب الدينية والفكرية ممثلة في الشعر الجاهلي لكن استعيض عنها بالرموز. أي أن بعض الكلمات والعناصر في النص الجاهلي تخفي وراءها أبعاداً وإشارات رمزية().
لقد انطلق تارتلر في دراسته لمعلقة امرئ القيس من منطلقين:
الأول أن بناء القصيدة – الذي يتكون من سلسلة من الرموز يكون ذا نظام فلسفي في المحتوى وجمالي في الشكل – يشكل طريقاً مقدساً بالنسبة للشاعر الوثني، والآخر أن العناصر الموضوعية عبارة عن إشارات تعويضية لنموذج غائب ويعني بهذا أن عناصر القصيدة تمثل رموزاً لنموذج أولي لكن هذا النموذج اختفى وبقيت الرموز لتدل عليه().
ولأن التراث العربي القديم لا يمتلك رموزاً كافية فقد رأى تارتلر أن يعتمد في تفسير رموز القصيدة الجاهلية على مجموعة الرموز في العصر القديم، ويعني هذا أنه يريد أن يفسر رموز القصيدة الجاهلية بالاستعانة برموز الحضارات القديمة التي كان للجاهليين اتصال ما معها مثل المصريين والكلدانيين والبيزنطيين وغيرها من الشعوب.
وقد تبين لتارتلر وجود  الرموز التالية في معلقة امرئ القيس:

1- المحبوبة: وهي التي تحفز الشاعر للإنشاد وهي عبارة عن رمز للبحث عن الجمال الخالد، ولذلك تشكل المحبوبة الخطوة الأولى لما هو مقدس. ولذلك لم يعجز تارتلر عن تفسير ذكر امرئ القيس لأسماء نساء كثيرات في المعلقة، وقد رأى هذا الأمر تجسيداً حقيقياً للبحث عن الجمال معتمداً في ذلك على أن  الفلسفة الأفلاطونية في الحب كانت منتشرة في ذلك الوقت عن طريق فلسفة الاسكندرانيين. وفي ضوء هذه النظرة للمحبوبة فإن تارتلر سعى لنفي الدونجوانية عن امرئ القيس().
إن هذا التفسير لرموز المحبوبة في معلقة امرئ القيس يتصادم بشكل كلي مع الرؤى التي تحاول أن تبحث عن البعد الحسي للمحبوبة وبخاصة في المعلقة.   والأمر الذي يؤكد انتفاء مثل هذا التفسير أن امرأ القيس تحدث عن تجارب جنسية مع أكثر من انتفاء هذا لم يعترف به تارتلر، ولذلك فإن التفسير الشبقي() والبحث عن الارتواء الجنسي() المتمثل في معلقة امرئ القيس يتصادم بشكل كلي مع ما ذهب إليه تارتلر، إذ إن التفسير الشبقي لا يلغي العلاقة الجنسية وإنما يؤكدها ولا يجعل المرأة رمزاً للجمال الخالد.
يبدو أن المرأة عند امرئ القيس ما هي إلا جانب من جوانب المغامرة، فحبه لم يكن حباً روحياً وإنما هو حب ينزع إلى اللذة والمتعة، وإن نفي الدونجوانية عن امرئ القيس يصبح أمراً ضرورياً حتى ينسجم لتارتلر تفسيره. ولكن مغامرات امرئ القيس مع النساء توحي بالدونجوانية بشكل واضح()، وقد اعتمد تارتلر في توكيده نفي الدونجوانية عن امرئ القيس على قصة عقر الناقة وربط ذلك بالقرابين التي كانت تذبح للآلهة فالدم والشحم عبارة عن مواد للتطهير، وإن القربان ما هو إلا تكرار للقربان المقدس(). قد يكون عقر الناقة شكلاً من أشكال الطقوس القديمة التي كان الجاهليون يمارسونها ولذلك فإن الطقس يمثل المعادل الرمزي لتقديم الذبائح للآلهة التماساً لإخصاب الأرض().
وقد ترتبط صورة المرأة في العصر الجاهلي بدلالات ميثولوجية تتصل بالخصب والحياة  والنماء()، وإذا كانت المرأة رمزاً للبحث عن الجمال الخالد فهذا أمر يحتاج إلى كثير من الإيضاح وذلك في ضوء معطيات كثيرة تتصل بمعلقة امرئ القيس بصورة خاصة وبالشعر الجاهلي بصورة عامة، ذلك الشعر الذي يركز على الحسيات بشكل واضح "إذ إن البعد الروحاني للمرأة في الشعر الجاهلي ليس له حضور كبير فقد ظل هذا البعد غائباً تمام الغياب تقريباً"().
2- الرياح: هي العدو الأول للشاعر إذ إنها نثرت أطلال المحبوبة وذلك متمثل بقول الشاعر().
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمأل
تحمل الرياح بعداً عدائياً لأنها أول عائق على طريق ما هو مقدس. ولذلك تكتسب الرياح بعداً سلبياً محضاً لأنها تساهم في تشكيل صورة الأطلال التي لا يرغب الشاعر في رؤيتها، فهي لا تحمل بعداً إيجابياً يضيء الجانب المشرق من الحياة وإنما تسهم في عرقلة البحث عما هو مقدس.
3- الحنظل وحب الفلفل: إن الحنظل يرمز إلى مرارة الشاعر(). وهذه الدلالة التي يكتسبها الحنظل تكشف عن الجو المأساوي والحالة النفسية المريرة التي يعيشها الشاعر. فمرارة الحنظل هي مرارة داخلية لا تكشف عن أي بعد إيجابي إطلاقاً وإنما ترسم صورة للوجدان الإنساني في لحظة الوقوف أمام عالم لا يشعر المرء أنه يعيش معه في تصالح. فالحنظل الذي يرمز للمرارة يتلاءم مع موقف الشاعر النفسي "فثمر الحنظل يصبح معادلاً موضوعياً للفراق والرحيل يفجر الدمع لحدته ومرارته"().
وإذا كان الحنظل يحمل دلالة سلبية خالصة عند تارتلر فإن حب الفلفل يحمل دلالة إيجابية، إذ إنه يعد من النباتات نفسها التي تستخدم كإكسيرات ومواد لأعمال السحر يدخن المرء به الأرض ليحفظ نفسه وليطرد الجن.
إن مثل هذا التفسير لحب الفلفل يمكن أن يكون مناقضاً للمرارة المتجسدة (في الحنظل)، ولذلك ليس غريباً أن يتخذ حب الفلفل بعداً منسجماً مع دلالات الحنظل "أما عبارة حب فلفل فإنها تشكل وحدة اندغامية مع الحنظل إذ كلتا الشذرتين التصويريتين تنطويان على الحرقة الداخلية التي يعيشها الشاعر وهي نتيجة منطقية وحتمية لغياب العناصر الثلاثة الرئيسية للحياة: المطر، والحبيبة (المرأة والدة الحياة)، والعمران().
4- الصديقان: "يمتلكان دوراً رمزياً خاصاً فهما ليستأنس الشاعر بهما وليمنحاه الشجاعة"(). يبدو مثل هذا التفسير هو تفسير عادي قال به الشراح القدماء، فأمر الصديقين بالوقوف يومي بالمأتم وبالجو الطقسي الذي يقيمه الشاعر مع أصحابه على الطلل وهذا المشهد يؤكد انتصار الزمن على الإنسان في رحلة حياته، إذ إنه لا يستطيع أن يتخلص من مشهد  التناثر والتمزق الذي يمثله الطلل، فيقيم الشاعر جواً بكائياً مع أصدقائه ليغسل وجعه الداخلي.
5- الصفات التي منحها الشاعر للمرأة وهي تمثل سلسلة من الرموز
أ- البيضة وذلك إشارة إلى قوله:
وَبَيْضَةٍ خِدْرٍ لا يرامُ خِباؤُها تَمَتَّعْتُ مِنْ لهوٍ بها غيَر مُعْجَلِ
فالبيضة تحمل دلالات رمزية مثل الخصوبة.
ب- الدرة: الخصب العميق فهي تكون محفوظة في صدفة كما يكون الجنين في بطن أمه. وذلك إشارة إلى قول امرئ القيس:
كَبِكْرِ مُقَاناةِ البياضِ بصُفْرةٍ غَذَاها نَمِيرُ الماءِ غير المحلَّلِ
ج- أنابيب البردي تعشق الماء: والماء بالنسبة للعرب هو آلهة الخير والسعادة وهذا إشارة إلى قول امرئ القيس:
وكشحٍ لطيفٍ كالجَدِيل مُخصَّرٍ وساقٍ كَاُنْبوب السَّقيِّ المُذَلَّلِ
د- منارة الراهب: إشارة إلى الهداية والعلامة التي ترشد الناس وتدلهم على الطريق(). وهذا متمثل بالتشبيه التالي:
تُضِيءُ الظَّلامَ بالعِشاءِ كأنَّها مَنَارةُ مُمس راهبٍ مُتَبتِّـلِ
إن هذه السلسلة من الرموز التي جاءت عند الشاعر عن المرأة من خلال تشبهها بالبيضة وبالدرة وبأنبوب السقي وبمنارة الراهب توحي بأنها ترتبط بدلالتين هما دلالة الخصب والحياة. فالبيضة رمز من رموز التكاثر والخصب والنماء().   وإن الدرة وأنابيب البردي ترتبطان بدلالات الخصب والنماء أيضاً أما منارة الراهب فتضفي على هذه الرموز بعض الملامح الدينية وهي توحي بالهداية والطمأنينة.
6- الثريا: ترتبط الثريا ببرج الثور وتظهر في شهر ماي May وهو الزمن الحقيقي للحب، وإن الثور يعني الربيع والشبع والخصب ولذلك يكون امرؤ القيس قد عرف متى يبحث عن الحب().
لقد ارتبطت بعض النجوم في الشعر الجاهلي ببعض الدلالات الميثولوجية والرمزية، فكانت الثريا من العناصر التي احتوت على بعض هذه الدلالات وعبد العرب الثريا بوصفها "ربة" للخصب ومانحة للغيث().
7- الليل: هو رمز للمادة غير المتبلورة ونجومه مربوطة إلى الصخور، والصخور ترمز إلى ثبات المادة وهذا يعني أن الصباح لن يأتي وأن المرء لا يستطيع أن يسيطر على الزمن().
يمثل الليل في معلقة امرئ القيس عنصر الكآبة والمرارة والمعاناة القاسية، وهي معاناة توحي بالرؤية السودواية القاتمة، وذلك لأن الليل يمثل الخوف والقهر، لأنه ليل لا يبشر بانبلاج فجر جديد. ولكن  تارتلر يرى أن الفجر الجديد لا بد أن يلوح، وقد لاح عندما بدأ الشاعر بمشهد الصيد وذلك عندما يقول: "وقد اغتدي والطير ...".
8- الصيد: يمثل عنده الانتقال من المدنس إلى المقدس() وهي مرحلة جديدة، تمثل الانتقال من الحب البسيط إلى الاتحاد الكوني للعناصر. فالبقرة الوحشية تبدو وقد ارتدت البياض وكأنها عذارى تطوف بدوار. أما القرابين فهي متمثلة بثور وحشي وبقرة وحشية والثور الوحشي هو إشارة إلى اوزيريس()،  شمس المادة وحرارتها، التي تزود الأرض بالذهب الفلسفي، أما البقرة الوحشية فهي مصدر لطاقة الخصب وأما الحصان فهو يمثل صفة المادة المتطايرة وذلك بسبب سرعته الشديدة().
لم يستطيع تارتلر أن يكون مقنعاً في تفسيره لبعض عناصر مشهد الصيد، فهو لم يعط دوراً مهماً للحصان في مشهد الصيد وإنما ربطه بالمادة المتطايرة لشد سرعته، في حين أن الحصان يمثل أداة فاعلة في مشهد الصيد فمن خلاله تحقق فعل الصيد بمقتل الثور الوحشي والبقرة الوحشية (فعادى عداء بين ثور ونعجة).  فلماذا أصر الشاعر على قتل هذه الحيوانات التي تمثل رموزاً من رموز الخصب والنماء عند تارتلر؟.
9- لوحة السيل: هي عبارة عن النتيجة الحقيقة للعرس الكوني التي تضمن خصوبة الأرض فعندما يتحد ننيليل مع إنليل() تبدأ الثروة والمطر الجالب للخير.  ولذلك يكون السيل قادراً على تجديد العالم وإعادة ولادة الزمن والتكوين().
لقد شكلت لوحة السيل عرساً كونياً وذلك من خلال تزاوج العناصر التي أدت إلى إنزال المطر الذي كان يمثل التطهير والحياة والنماء والخصب، ومن هنا لا يحمل المطر عند تارتلر أية صفة سلبية وإنما يحمل صفات إيجابية محضة؛ لأنه يمتلك القدرة على بعث الحياة. ولكن الشيء الذي لا بد أن يفطن إليه ضمن هذا التحليل هو غياب تفسير المقدمة الطللية عند امرئ القيس، وعدم ربطها بالعناصر الأخرى للقصيدة وبخاصة لوحة السيل.
لقد استطاع هذا التفسير الذي قدمه تارتلر أن يضيء جوانب كثيرة تتعلق بالدلالات الرمزية التي تخفيها الكلمات وراءها، وهي دلالات لا تستبين إلا في ضوء المعاينة الشاملة لرموز الحضارات القديمة وبخاصة تلك التي كان للعرب اتصال بها.
لقد كشفت هاتان الدراستان عن شعر امرئ القيس قبول الشعر الجاهلي للمناهج النقدية المختلفة، وفتحت هذه الدراسات آفاقاً جديدةً لدراسة الشعر الجاهلي، وتأتي أهمية مثل هذه الدراسات في أنها لم تكبل نفسها بالتفسير الحرفي والواقعي أو أن تسود الصفحات في البحث عن صحة مثل هذا الشعر أو عدم صحته. ومثلت هاتان الدراستان نقطة أساسية في إمكانية معالجة النصوص الشعرية العربية القديمة ضمن معايير نقدية جديدة ومثل هذه الدراسات تحتاج إلى جرأة وشجاعة، لأنها استطاعت أن تتجاوز الدراسات الأخرى على الرغم من أنها لم تأت نقية دون عيوب أو هنات.



 

البحث

تسجيل الدخول

الأرشيف

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 74 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 1805
المحتوى : 848
عدد زيارات المحنوى : 2509280