مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

نظريات تعلم اللغة واكتسابها تضمينات لتعلم العربية وتعليمها

إرسال إلى صديق طباعة
نظريات تعلم اللغة واكتسابها
تضمينات لتعلم العربية وتعليمها

 د. عقلة محمود الصمادي
             د. فواز محمد العبد الحق
  جامعة اليرموك

مقدمة
لقد نما اهتمام الباحثين في مجال تعلم وتعليم اللغة كثيراً خلال العقدين الأخيرين لأسباب متعددة منها: أولاً، تزايد حاجة الأفراد لتعلم لغة ثانية أو أكثر لتحقيق مكاسب اقتصادية أو لتلبية حاجات مادية ضرورية. ثانياً، تزايد أعداد المهاجرين والعاملين الأجانب الذين يحتاجون إلى لغة الأقوام التي يتعاملون معها. ويلحظ هذا في دول الغرب عامة حيث هاجر إليها كثير من الأجناس الأخرى طلباً للرزق والدراسة مما اضطرهم إلى تعلم لغات هذه الأمم، كما قدِمت أفواج بشرية كثيرة إلى دول النفط بحثاً عن الاستثمار والربح والعمل الاقتصادي المجدي حيث تعلم الكثير منهم اللغة العربية. ثالثاً، تزايد الأبحاث والدراسات التي أُجريت في حقول اللغويات العامة والمتخصصة مثل علم اللغويات النفسي والاجتماعي وعلم النفس المعرفي مما مهد الطريق لدراسة متخصصة في مجال تعلم اللغة الثانية والأجنبية وتطبيق نتائج هذه الدراسات على تطوير أساليب تدريسها وتعلمها. ومن الجدير ذكره أن الأبحاث والدراسات في هذا المجال يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مجالات (Lightbown, 1985) هي:
1. الدراسات الوصفية وفيها يقوم الباحث بجمع عينات من كلام متعلمي اللغة الثانية أو الأجنبية ثم تحليلها ومقارنتها بما يماثلها في كلام متحدثي اللغة نفسها والتي هي لغتهم الأم.
2. الدراسات التجريبية التعليمية حيث يقوم الباحث بضبط متغيرات معينة في إطار تجريبي لتحديد أثرها على التعلم داخل الصف، كدراسة أثر طريقة الاستدلال في تعلم قواعد اللغة العربية.
3. دراسات اختبار الفرضيات وفيها يقوم الباحث باختبار فرضيات معينة مستَمدة من نتائج دراسات سابقة كاختبار فرضية تأثير إتقان اللغة الأولى على إتقان اللغة الثانية والأجنبية.
قبل أن نبحث في نظريات اكتساب اللغة وتعلمها لا بد من الاعتراف بأنه لا يمكن الفصل بين النظرية والبحث التجريبي والنظري حيث يؤَسس البحث ابتداء على قواعد نظرية قد تكون بشكل فرضيات، كما أنه لا يوجد نظرية واحدة بعينها تفسر ظاهرة اكتساب اللغة وتعلمها بشكل كامل، لأن نظرية ما قد تفسر بعض جوانب هذه اللغة وتُغفِل الجوانب الأخرى، ومن هنا لا بد من استعراض أهم النظريات السائدة في هذا الميدان، دون الاهتمام بتقييمها لأن الهدف هو استخلاص تضمينات وتطبيقات يستفاد منها في ميدان تعلم العربية وتعليمها.
     يذكر (Chomsky, 1972) معايير لقياس كفاية النظرية اللغوية التي تصف ظاهرة اكتساب اللغة وتعلمها وتفسر هذه الظاهرة. نلخص هذه المعايير في ما يأتي:
1. الكفاية الوصفية Descriptive Adequacy للنظرية وتعني قدرة النظرية على وصف عملية اكتساب وتعلم اللغة حيث يكون الوصف شاملاً وذا معنى Comprehensive and Comprehensible.
2. الكفاية التنبؤية Predictive Adequacy وهي قدرة النظرية على التنبؤ بالعوامل التي تؤثر على سلوكات المتعلم اللغوية وطرق اكتسابها أو تعلمها في ظل ظروف معينة.
3. الكفاية التفسيرية Explanatory Adequacy وهي قدرة النظرية على تفسير اكتساب جوانب محددة من اللغة وتعلمها قبل غيرها مثل اكتساب المبني للمعلوم قبل المبني للمجهول والجملة الخبرية قبل الاستفهامية والجملة البسيطة قبل المركبة.
4. الكفاية النظرية Theoretical Adequacy وهي قدرة النظرية على التوصل إلى عموميات Generalizations يمكن الاستفادة منها في فهم ظاهرة تعلم اللغة وتفسيرها واكتسابها بشكل عام وليس لغة بعينها.

وهكذا نرى أن وراء الاهتمام بدراسة طبيعة اكتساب اللغة الثانية وتعلمها أسباباً عديدة أهمها:
1. إن معرفة عمليات واستراتيجيات الاكتساب تتطلب معرفة شمولية ترتكز على ميادين شتى مثل علم النفس واللغويات وعلم الاجتماع وعلم الإنسان واللغويات النفسية واللغويات الاجتماعية وعلم اللغة العصبي حيث توسِّع هذه المعرفة الشمولية إدراكنا وفهمنا لعمليات الاكتساب والتعلم المعقدة وتشابكها.
2. إن فهم طبيعة تعلم اللغة واكتسابها يمكننا من استخلاص التضمينات المناسبة لتدريسها والتخطيط السليم لتعلمها.
3. إن معرفة طبيعة الاكتساب والتعلم تثري ميادين العلوم الأخرى مثل علم اللغويات في ما يتعلق بعموميات اللغة Language Universals وعلم النفس في ما يتعلق بمعرفة الفروق الفردية في التعلم وعلم الإنسان في ما يتعلق بعموميات الثقافة Cultural Universals وعلم الاجتماع في ما يتعلق بأثر عضوية المجموعات على إنجاز المهام.

هدف الدراسة وأهميتها
تهدف هذه الدراسة إلى استعراض موجز لأهم نظريات اكتساب اللغة وتعلمها لاستخلاص تضمينات تغني مجال تعلم اللغة العربية، إذ لا يوجد، حسب علمنا، دراسات وافية باللغة العربية في هذا المجال. وإن النتاج العلمي في مجال تعلم اللغة يتوفر معظمه باللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية مما يُصعِّب الأمر على الدارسين والمختصين الذين لا يتقنون هذه اللغات. لذا فإن هذا البحث يسد فجوة في هذا المجال إذ يقدم للقارئ العربي خلاصة لأهم نظريات تعلم اللغة وتضميناتها لتعلم العربية وتدريسها. كما أن العالم يشهد رواجاً وانتشاراً لتعلم اللغة العربية لغة أجنبية أو ثانية لأسباب دينية واقتصادية وثقافية وسياسية مما يتيح للباحثين والدارسين العرب المختصين في مجال تعلم اللغة وتعليمها فرصة ثمينة للاستفادة من هذا النتاج العلمي ودراسته وتوظيفه في عملية تعلم للغة العربية وتعليمها.
وتكمن أهمية الدراسة في: (1) أنها تمكن المهتمين من توظيف نتائج الدراسات اللغوية التطبيقية على اللغة العربية في الوقت الذي تندر فيه الأبحاث والدراسات في هذا المجال. (2) من الملاحظ أن طرق تدريس اللغة العربية وتعلمها لا تزال تقليدية حيث لا توظف نتائج الأبحاث اللغوية التطبيقية الحديثة. (3) ويلاحظ أيضاً أن مناهج اللغة العربية لا تُبنى على معطيات وأبحاث ودراسات تعلم اللغة ونتائجها. (4) كما يلاحظ أيضاً أن مصممي مناهج اللغة العربية لا يفرِّقون بين كونها لغةً أولى Mother Tongue أو لغةً أجنبية Foreign Language حيث يترتب على ذلك بناء مناهج خاصة للأجانب واستعمال طرق تدريس مختلفة. ولذلك فإن هذا البحث هو محاولة لسد هذا الفراغ في بيان تعليم اللغة العربية وتعلمها لغة أولى أو ثانية أو أجنبية.

عرض موجز لنظريات اكتساب اللغة الثانية أو الأجنبية
إن ميدان اكتساب اللغة وتعلمها سواء كانت الأولى أو الثانية أو الأجنبية غنيّ بالنظريات التي تحاول الكشف عن العمليات والاستراتيجيات التــي يستعمــلهـا متعلمــــو اللغـة. يذكـر لارســن- فريمـان ولونــغ  (Larsen-Freeman and Long, 1992) أن هناك ما يزيد على أربعين منحى لدراسة اكتساب اللغة وتعليمها تتراوح ما بين النظرية والنموذج والمنظور والفرضية، أي ليست كلها نظريات يمكن الاعتماد عليها لتفسير ظاهرة الاكتساب والتعلم تفسيراً شمولياً كافياً. ولتحقيق هدف الدراسة سنقوم بعرض هذه النظريات ضمن ثلاث تصنيفات هي: النظريات الفطرية Nativist Theories  ، والنظريات البيئية Enviornmentalis Theories، والنظريات التفاعلية Interactionist Theories.
(Larsen - Freeman and Long 1992).


1. النظريات الفطرية Nativist Theories
وهي التي تفسر اكتساب اللغة على افتراض توفر موهبة فطرية بيولوجية لدى الإنسان للتعلم وخاصة باللغة (Chomsky 1965, Bickerton 1984, Pinker 1984, Wode 1984, Krashen 1985, ZobL 1984, Cook 1986, White 1987, Rutherford 1984, Bley-.Vroman 1986, Gass and Schachter 1989.
يدّعي أصحاب هذا الاتجاه أن الإنسان يولد مزوداً بقدرة على اكتساب اللغة ودليل ذلك وجود عموميات اللغة Language Universals لدى البشر بغض النظر عن الخلفية اللغوية والجنسية والعرقية والبيئية. كما يعتقد أصحاب هذه النظرية بوجود أجزاء بيولوجية في دماغ الإنسان مسؤولة عن اكتساب مكونات اللغة. ولمزيد من إلقاء الضوء على هذا الاتجاه نعرض فيما يأتي لأهم ثلاث وجهات نظر لتشومسكي Chomsky وكراشن Krashen ومكلاوخلين Mclaughlin.

نظرية تشومسكي بخصوص القواعد العمومية Universal Grammar
يعتقد تشومسكي أن الإنسان يولد مزوداً  بمعرفة لغوية عمومية خاصة به سماها القواعد العمومية. والدليل على وجود هذه القواعد مستمد من مصدرين:
أ- المصدر النظري Theory-driven وفيه يجادل تشومسكي بضرورة وجود معرفة لغوية كامنة سابقة تفسر سرعة اكتساب اللغة ومنطقية ذلك الاكتساب ضمن أطر ومراحل مضطردة. ويضيف تشومسكي بأن المؤثرات اللغوية الخارجية التي يتعرض لها الإنسان لا تكفي، وغير ملائمة، وحدها لتفسير اكتساب اللغة وتوليدها وفق قواعد اللغة السليمة. وقد تم استخلاص القواعد العمومية بعد دراسة الخصائص اللغوية الخاصة بلغة معينة ولغات أخرى. فهي مبادئ مجردة تقيد استعمال اللغة وتتألف من قواعد خاصة بلغة معينة وقواعد عامة تشترك فيها كل اللغات الإنسانية، ومن الجدير ذكره أنها قواعد بسيطة محددة لكنها تفسر ظواهر لغوية معقدة.

ب- المصدر التجريبي Data-driven ويهتم هذا المنحى بدراسة البُنى السطحية للغات شتى لتحديد تباين اللغات واختلافها واستخلاص قواعد خاصة وعامة تفسر هذا التباين (Greenberg 1966, 1974).

ويُلحظ تكامل المصدرين السابقين، حيث إن المصدر التجريبي يدّعم المصدر النظري بنتائج عملية واقعية كما أن الإطار النظري يساعد في تفسير هذه النتائج وفهمها.
ويمكن للباحث أن يستخلص من هذين المصدرين عدداً من المبادئ العامة تكشف عن نمطية تعلم اللغة واكتسابها وكذلك عن قابلية تعلمها وتدريسها (Larsen-Freeman and Long 1992, Gass 1984a, 1984b).

نظرية كراشن: النموذج الموجّه The Monitor Model
لقد كانت هذه النظرية أكثر النظريات شيوعاً في السبعينيات والثمانينيات من هذا القرن حيث بدأت في الأصل نموذجاً لدراسة الأداء اللغوي Performance ولكنها تطورت بعد ذلك لتصبح النظرية الشائعة في حينها التي تحاول تفسير اكتساب اللغة وليس مجرد أدائها.
يعد كراشن التعلم والاكتساب عمليتين مختلفتين؛ حيث إن وظائف التعلم هي التوجيه والتنقيح، وتبدأ عملية التعلم عندما يُطلب إحداث تغيير في شكل الأداء اللغوي بعد إنتاجه Production.
بينما يُعد الاكتساب مسؤولاً عن توليد Initiate الكلام وطلاقة Fluency المتحدث. وهكذا يُعتقد أن النموذج الموجِّه Monitor Model يُعِدّ المخرجات قبل إنتاج الكلام كتابة أو نطقاً والتي يولدها أساساً النظام اللغوي المكتسب. ولمزيد من توضيح النموذج السابق يمكن القول بوجود نظامين معرفيين منفصلين لدى المتعلم. يُسمى النظام الأول، وهو الأهم، النظام المكتَسب Aqcuired System ويتشكل من قدرات خاصة، بتعلم اللغة، موجودة لدى الإنسان إضافة إلى معرفة لغوية لا شعورية Unconcious مكتسبة من قواعد اللغة المتعلَّمة، أما النظام الثاني فيُدعى النظام المتعلَّم Learned System ويتشكل نتيجة للتدريس والتعليم في المؤسسات التربوية، وهو شعوري مُدرَك Concious، ويقوم بدور المراقب والموجه Monitor للنظام المكتَسب، ولتفعيله يَشترط كراشن ما يأتي: (1) توفر الوقت الكافي لاستعمال قواعد اللغة، (2) التركيز على الشكـل أو سلامـة اللغـة، (3) معرفـة القواعد اللغوية (Krashen 1982; Mclaughlin 1987).


النظرية المعرفية Cognitive Theory
تهتم هذه النظرية بالعوامل الداخلية المنظمة وخاصة بدور العمليات المعرفية العقلية في اكتساب اللغة الثانية وتعلمها (Mclaughlin 1987; Mcleod and Mclaughlin 1986). وقد قامت هذه النظرية على نتائج الدراسات والأبحاث في ميداني علم النفس وعلم النفس اللغوي. إن مبادئ هذه النظرية الأساسية هي:
(1) إن التعلم مهارة معرفية معقدة تتضمن استعمال أساليب متنوعة للتعامل مع المعلومات للتغلب على محدودية القدرة اللغوية.
(2) إن تعلم لغة ثانية يعني تعلم المهارة اللازمة لذلك، وهذا يتطلب ممارسة جميع جوانب هذه المهارة حتى تصبح متكاملة كأداء لغوي طلق وسليم إلى أن يصبح الأداء آلياً Automatized. إن التعلم عملية معرفية عقلية لأنه يتضمن تمثلاً داخلياً للمعلومات التي توجه الأداء اللغوي وتنظمه. وفي حالة اكتساب اللغة فإن هذا التمثل يعتمد على نظام لغوي يشمل إجراءات لاختيار المفردات والتراكيب والمعاني المناسبة التي تحكم الاستعمال اللغوي.
(3) هناك إعادة ترتيب وتقويم مستمران للتمثلات الداخلية تتناسب مع تزايد قدرة المتعلم اللغوية؛ حيث تُرتب التمثلات اللغوية حسب سهولتها أو صعوبتها.

2. النظريات البيئية Environmentalist Theories
وهي التي تفسر اكتساب اللغة وتعلمها على أنه وليد البيئة والتنشئة الاجتماعية؛ حيث ينكر أصحاب هذه النظرية وجود كوامن فطرية مهمتها اكتساب اللغة، ولكنهم يقولون بأن البيئة والعوامل الخارجية هي التي تشكل السلوك اللغوي للإنسان الذي يولد ولديه استعدادات للتعلم كبقية المخلوقات. ويعُدّ أصحاب هذه النظرية اللغة سلوكاً يُكتَسب كأي سلوك آخر. وأبرز مثل على هذه النظريات: المدرسة السلوكية. يعتقد أصحاب هذه المدرسة بأن السلوك اللغوي يتم تعلمه نتيجة توفر مثير يولد استجابة تُعزَّز سلباً أو إيجاباً تبعاً لسلامة الاستجابة اللغوية. يورث التعزيز الإيجابي ديمومة السلوك اللغوي بينما يورث التعزيز السلبي انمحاء هذا السلوك (Skinner, 1957). وقد حاول أصحاب هذا الاتجاه تطوير هذه النظريات بمحاولة تفسير ظاهرة التعليم من خلال ما أسموه بالارتباطات في ما بين أجزاء المثير اللغوي الذي يشكل المدخل اللغوي. إن تكرار هذه العلاقات أو عدمه يقوي أو يضعِّف السلوك اللغوي. وهكذا فإن التعلم في منظورهم هو انعكاس لمدى قوة الارتباطات بين مكونات المدخل اللغوي (Sampson. 1987).

هناك عدد من النظريات المعاصرة التي تقع تحت مظلة النظريات البيئية وهي تحاول تفسير اكتساب اللغة من خلال اعتماد العوامل الخارجية فقط دون اعتبار العمليات العقلية والمعرفية، ومن أشهر هذه النظريات نظرية شومان Schumann, 1975, 1978a, 1978b)) حيث انصرفت هذه النظرية عن دراسة اكتساب اللغة من منظور لغوي تحليلي بحت إلى منظور اجتماعي ونفسي وثقافي، ولفهم هذه النظرية لا بد من توضيح المفاهيم التالية: (1) بجن Pidgin (2) كريول Creole (3) التكيف الثقافي ببعديه النفسي والاجتماعي Acculturation. فاللغة عند شومان تتغير عبر الزمان لأنها ديناميكية وليست ستاتيكية (ثابتة). إن التركيز على ظاهرة التهجين في اللغة ومقارنتها بمراحل اكتساب اللغة الثانية والتكيف الثقافي مدار نظرية شومان الذي قصد بمصطلح "بجن" Pidgin شكلاً لغوياً هجيناً بسيطاً في تركيبه ومفرداته تكَوّن في مجتمع غير متجانس العرق واللغة، ويستعمل هذا الشكل اللغوي للتواصل بين أفراد هذا المجتمع كقضاء مصالح تجارية محدودة كالتي وُجدت في جنوب أفريقيا وجنوب السودان وأمريكا الجنوبية.
يقابل هذا الشكل اللغوي البسيط Pidgin المراحل الأولى في اكتساب اللغة؛ حيث تتميز لغة المتعلم في هذه المرحلة بالبساطة في المبنى والمعنى.  
    أما الشكل اللغوي الثاني المسمى كريول Creole فيمثل لغة الجيل الثاني للمتحدثين بالـ (بجن) Pidgin حيث تصبح لغتهم الأم. ويقابل هذا الشكل اللغوي المراحل المتأخرة في اكتساب اللغة؛ حيث تتميز بالتعقيد اللغوي والثراء في المبنى والمعنى. 
    أما التكيف الثقافي فيعني التعايش والانخراط في ثقافة اللغة المراد تعلمها. إذ يعتبر شومان اكتساب اللغة الثانية مظهراً من مظاهر التكيف الثقافي، وإن درجة التكيف الثقافي لمتعلم اللغة تقرر درجة إتقان هذه اللغة. وحسب وجهة نظر شومان فإن التكيف الثقافي وبالتالي اكتساب اللغة الثانية وتعلمها يقررهما البعدان الاجتماعي والنفسي بين المتعلم وثقافة اللغة التي يتعلمها. ويتعلق البعد الاجتماعي Social distance بالفرد عضواً في مجموعة تتحدث لغته الأم وصلة هذه المجموعة بمجموعة أخرى يتحدث أفرادها لغة مختلفة عن لغة المجموعة الأولى. ويتأثر البعد الاجتماعي بمجموعة من العوامل مثل الهيمنة أو التبعية والانخراط أو التكيف، والانغلاق أو الانفتاح، وحجم المجموعتين واتجاههما وتناسقهما. أما البعد النفسي Psychological distance فينشأ نتيجة لعوامل وجدانية ذات علاقة بالمتعلم كفرد مثل الصدمة اللغوية والصدمة الثقافية والحضارية ودوافع التعلم والشعور بالذات. ويرى شومان أنه كلما قل البعد الاجتماعي والنفسي بين متعلم اللغة الثانية ومتحدثي هذه اللغة وثقافتها زادت درجة تعلمها، وكلما زاد هذا البعد قل إتقان تعلمها، أي أن تعايش متعلمي اللغة الثانية مع أهل هذه اللغة وثقافتها شرطان أساسيان لتعلمها.
وهكذا نجد أن نظرية شومان بمكوناتها الثلاثة السالفة الذكر تحاول الإجابة عن السؤال الذي يُثار عادة حول فشل متعلمي اللغة الثانية في إتقانها كما يتقنها أبناؤها. ويُفسَّر هذا الفشل نتيجة لبعد هؤلاء المتعلمين نفسياً واجتماعياً عن متحدثي اللغة الثانية وثقافتها حيث تقل كثيراً المدخلات اللازمة لإتقانها. إن هذا الوضع يؤدي إلى تحجر النمو اللغوي للمتعلم Fossilization، وبالتالي فشل إتقان اللغة الهدف. إن الموازنة بين اكتساب اللغة الثانية، وتعلمها واللغة الهجين Creolization and Pidginization تؤكد على ديناميكية اللغة وتغيرها. وتهتم نظرية شومان أيضاً بالعوامل المتغيرة المتنوعة مثل التعرض Exposure للغة الثانية وتوفر مجموعة ينتمي إليها المتعلم لغتها تختلف عن اللغة الثانية إذ يُضطر المتعلم في حالة عدم توفر هذه المجموعة إما إلى الانعزال عن المجتمع الجديد أو إلى الانخراط فيه. كما يُبرز شومان العوامل الاجتماعية كالاتجاهات نحو اللغة الهدف، والدافعية نحو التعلم والبعد الاجتماعي كأساس للتكيف الاجتماعي الذي يؤدي بدوره إلى التكيف اللغوي وبالتالي إتقان اللغة الهدف Target Language.

3. النظريات التفاعلية Interactionist Theories
تدمج هذه النظريات العوامل البيئية الخارجية بالعوامل الفطرية الداخلية ببعض لتفسر اكتساب اللغة وتعلمها. إن سبب هذا الدمج يعود إلى تعقيد عملية الاكتساب حيث لا تكفي نظرية واحدة لتفسير اكتساب اللغة. وتختلف النظريات التفاعلية في ما بينها في محاولتها لتفسير عملية الاكتساب، فمثلاً قفون (Givon, 1979, 1984) يعتمد النظرية التصنيفية الوظيفية Functional -Typological Theory المبنية على دراسة النحو الوظيفي وتغير اللغة تاريخياً، ولكن آخرين مثل هاتش (Hatch, 1978) اعتمدوا على نتائج البحث الاجتماعي والمعرفي وتحليل الخطاب اللغوي Discourse Analysis لتفسير اكتساب اللغة، بينما اعتمد غيرهم على نتائج دراسات علم النفس اللغوي والمعرفي للتوصل إلى قواعد تفسر اكتساب اللغة (Pienemann and Johnston, 1987). أما بخصوص نظرية قفون Givon فهي تسعى إلى إيجاد إطار نظري يشمل أنواع التغير اللغوي Language Change بما فيها اكتساب اللغة. ولهذا الغرض طور منهجاً سماه التحليل النحوي التصنيفي الوظيفي يقوم على خصائص الخطاب اللغوي وجعل اللغات باختلاف عائلاتها تشكل نمطاً واحداً يمكن تفسير اكتسابه. ويدّعي قفون Givon أن التغير النحوي يحدث نتيجة مبادئ براجماتية ونفسلغوية تتعلق بإدراك إنتاج الكلام أثناء التواصل بين المتحدثين. وتستمد هذه المبادئ من بُنى تحتية تتعلق بالإدراك الإنساني ومعالجة المعلومات. وكذلك يدّعي قفون Givon أن متحدثي اللغة وأنظمتهم اللغوية المكتسبة تنتقل وتتغير من الخطاب اللغوي البراجماتي إلى نمط نحوي أكثر تعقيداً.
ومثال آخر على هذا المنحى التفاعلي هو نظرية تحليل الخطاب اللغوي    Discourse Analysis حيث تعتبر هذه النظرية أن اكتساب اللغة وتعلمها يتم نتيجة لإتقان قواعد اللغة وتوظيفها تواصلياً لتحقيق الوظائف اللغوية، لذا فإن هدف المتعلم النهائي هو اكتساب الكفاية التواصلية Communicative Competence التي تشتمل على الكفايات النحوية والخطابية والاستراتيجية واللغوية الاجتماعية: فالكفاية النحوية Grammatical Competence تعني معرفة القواعد اللغوية التقليدية، أما الكفاية الخطابية Discourse Competence فتعني تناسق النص اللغوي وتماسكه وسلاسته، وأما الكفاية الاستراتيجية Strategic Competence فتشمل الاستراتيجيات اللفظية وغير اللفظية التي تمكِّن المتحدثين من التواصل اللغوي بالرغم من تعثرهم وضعف قدرتهم اللغوية، وأما الكفاية اللغوية الاجتماعية Sociolinguistic Competence فتشمل مناسبة المبنى للمعنى والسياق الخطابي.
ويلاحظ أن هذه النظرية ترتكز على الخطاب كوحدة كلية مفهومة لا على الجمل وحدها ولا على مكونات الخطاب اللغوي مجزأً. لذا فإن اكتساب اللغة هو نتاج لإتقان الكفايات السابقة الذكر.
(Coulthard 1985; Richard and Schmidt 1986; Stubs 1985).
ونخلص من دراسة هذه النظريات إلى أن نظرية بعينها لا تستطيع تفسير ظاهرة اكتساب اللغة وتعلّمها تفسيراً كافياً، كما أن هذه النظريات تتداخل في ما بينها أحياناً وتفترق أحياناً أخرى، كما يصعب تقويمها للأسباب التالية:
1. تختلف هذه النظريات في ما بينها في دراسة هذه الظاهرة والتعامل معها، حيث نجد أن بعض النظريات تقتصر على العوامل الخارجية وبعضها الآخر على العوامل الداخلية التي تؤثر في اكتساب اللغة، بينما نجد مجموعة أخرى تركز على خليط من هذه العوامل، وغيرها يتناول الظاهرة انعكاساً أو نتاجاً للبيئة دون اعتبار للعمليات العقلية، إلى غير ذلك من مجالات البحث والدراسة.
2. إن بعض المعلومات التي بُنيت عليها هذه النظريات واستنتاجاتها ضمني غير ظاهر للعيان وبعضها الآخر ظاهر معروف.
3. هناك تفاوت في معالجة النظريات لهذه المعلومات فبعضها استعمل عبارات ومفاهيم مجردة يصعب اختبارها مثل دراسة عموميات اللغة وبعضها استعمل عبارات ومفاهيم مادية سهلة الإدراك ولكنها ليست كافية كالنظريات البيئية.

كما يمكن استخلاص العموميات التالية اعتماداً على دراسة نظريات اكتساب اللغة وتعلّمها التي عرضنا لأهمها في ما سبق. (Dulay et al. 1982; Lightbown 1985; Ellis 1985; Mclaughlin 1987).
1. يبدو أن هناك أجهزة فطرية كامنة Innate Learning Processors مهمتها إرشاد عملية اكتساب اللغة وتعلّمها وتوجيهها، منها ما يُسمى بالمصفي Filter وهو مسؤول عن إعداد المتعلم النفسي وتهيئته لاكتساب اللغة، ومنها ما يُسمى بالمنظِّم Organizer وهو مسؤول عن تنظيم المعلومات ليسهُل فهمها واستيعابها وتحليلها وتركيبها وتقويمها، ومنها أيضاً الموجه Monitor وهو مسؤول عن تنقيح اللغة واستعمالها السليم.
2. إن التعرض لبيئة اللغة الطبيعية والتعايش فيها ضروري جداً لتفعيل دور الأجهزة الكامنة. فزيادة التعرض للبيئة الطبيعية للغة يُغني عملية الاكتساب والتعلم ويُثريها ويُسرِّعها.
3. يحتاج المتعلم إلى فهم محتوى لغة الخطاب اللغوي دون التركيز على شكله لأن غاية اللغة هي التواصل والتفاهم.
4. هناك علاقة وترابط ما بين اتجاهات المتعلم ودوافعه نحو اللغة الهدف وثقافتها ومتحدثيها ودرجة إتقانها.
5. يبدو أن هناك أثراً للغة الأم في تعلّم اللغة الثانية أو الأجنبية قد يكون إيجابياً كما في حالة عموميات اللغة أو سلبياً كما في حالة اللفظ، والسلبي منه أوضح في لغة مَن تعلم اللغة الثانية في سن متأخرة.
6. إن تعلّم اللغة الثانية أو الأجنبية عملية نشطة خلاقة؛ حيث يتم وفق نسق منظم ومتطور على مراحل ويتطلب مجموعة من العمليات والمهارات العقلية المعرفية وكذلك المعرفة الاجتماعية.
7. إن لغة المتعلم ليست عشوائية بل تخضع لقواعد تنظم مكوناتها ويمكن التنبؤ باستعمالها مما يسهل تفسير الأخطاء Errors المرتكبة. كما أن معرفة هذه القواعد لا تضمن استعمالها بشكل سليم لأن وجود الكفاية اللغوية لا يعني بالضرورة وجود أداء لغوي سليم.
8. يبدو أن هناك علاقة وارتباطاً بين البيئتين اللغوية والمادية للمتعلم ومحصوله اللغوي حيث تؤثران في سرعة الاكتساب ومستوى الأداء وثراء ذخيرته اللغوية.
9. لا بد للمدخَل اللغوي لمتعلّم اللغة أن يكون مفهوماً Comprehensible وبسيطاً ومنتظماً ويلبي حاجات المتعلّم.
10. يمكن القول إن لشخصية المتعلّم علاقة وارتباطاً بإتقان اللغة الهدف.
11. كلما بُدئ تعلم اللغة في سن مبكرة كان الأداء اللغوي أفضل.
12. يكتسب الأفراد اللغة عن طريق التواصل مع أقرانهم والمجتمعات اللغوية التي ينتمون إليها بشكل أفضل من اكتسابهم لها عن طريق التدريس الرسمي.
13. هناك تسلسل تطوري هرمي Hierarchical Developmental Sequences تمر فيه عملية اكتساب اللغة وتعلمها؛ حيث تُكتسب تراكيب لغوية معينة قبل غيرها، بحيث تتكامل وتتداخل هذه التراكيب لتشكل المحصول اللغوي للمتعلّم. ولذا فإن الاستعجال في تدريس التراكيب التي تُكتسب في مراحل متأخرة من التطور اللغوي لا يجدي نفعاً.

ما يُستفاد من نظريات اكتساب اللغة وتعلمها في تعليم اللغة العربية
1. السعي نحو زيادة فرص تعرض المتعلمين للغة العربية اليومية في استعمالاتها الطبيعية لأن هذا التعرض يزيد من فعالية قدرة المتعلم على تنظيم المدخل اللغوي وتطبيقه وتحليله وينميه، لذا يركز المتعلم على المضمون لا على الشكل اللغوي وهذا ينمي قدرته اللغوية الإبداعية.
يمكن تحقيق هذا الأمر عن طريق إثارة أسئلة حقيقية تتعلق بحياة المتعلم وبيئته. فمثلاً إذا كان موضوع الدرس يدور حول السفر إلى الخارج، يمكن اصطحاب الطلبة إلى المطار والاستماع إلى تعليمات السفر المذاعة، وقراءة التعليمات المكتوبة المتعلقة بالإقلاع والوصول، إلخ. وإذا تعذر تنفيذ ذلك يمكن عرض فيلم معد مسبقاً بجهاز الفيديو أو تمثيله داخل غرفة الصف ثم يثير المعلم أسئلة مثل: متى تقلع الطائرة؟ متى تصل الطائرة؟ إلى أين تسافر؟ ماذا تحتاج لسفرك؟ هل ختمت جواز سفرك؟ هل لديك زيادة في الوزن؟.. إلخ.
وهكذا فإننا نرى ضرورة البدء بدراسة حاجات المتعلمين وتحليلها ثم استخلاص قائمة بمواقف حياتية ووظائف لغوية للتعبير عن هذه المواقف، ثم بناء منهاج على أساس هذه المواقف والوظائف يتصف بالتواصلية والواقعية من حيث الشكل والمضمون.
ومن الجدير ذكره أن حاجات المتعلمين تختلف من حيث كونهم أجانب أو أهل اللغة. وبناء عليه لا بد من تطوير مناهج خاصة بالعرب (عربية للعرب) وأخرى للأجانب (عربية للأجانب) وكتابتها.
ومن الأمثلة على المواقف الحياتية التي يمكن تضمينها المنهاج وتوظيفها ما يلي:
أ. مواقف تتعلق بحياة المتعلم اليومية مثل: استعداده للذهاب للمدرسة، وأداء التحايا، وطابور الاصطفاف الصباحي، وفي غرفة الصف، وفي ساحة المدرسة، ومع أقرانه ومعلميه،.. إلخ.
ب. مواقف تتعلق بحاجات المتعلم اليومية مثل: الشراء والبيع، والسفر والإقامة، وتقديم الطلبات وإجراء المقابلات، ونقل الأخبار، والمناقشة، والحوادث والبيئة المحلية، وكتابة الرسائل والبرقيات.
ج. مواقف حياتية عامة مثل: الفنادق والمستشفيات والمطاعم والبنوك والشركات والمؤسسات المختلفة، والسؤال عن الاتجاهات... إلخ.
د. مواقف تاريخية تتعلق بالأمور الثقافية والحضارية والدينية.

إن بناء المنهاج على أساس حاجات المتعلم الحقيقية يثير دافعيته وينمي قدراته التواصلية، ويضمن دوام استعمال اللغة في مواقف حياتية حقيقية، وهذا هو التوظيف الحقيقي للغة. إن مناهجنا الحالية في المدارس والجامعات تقصُر عن تلبية هذه الحاجات وإن احتوت بعض المواقف الحياتية إلا أنها لا تَعرضها بشكل طبيعي بعيد عن التكلف.

2. تقبُّل الأداء اللغوي للمتعلم ما دام يُعبر عن المعنى السليم المقصود ولو شابَهُ بعض الخطأ في الشكل إذا كان الهدف من التعلم هو التواصل اللغوي. فالتركيز على الشكل على حساب المضمون لا يؤدي إلى تعلم اللغة دائماً، لأن معرفة القاعدة لا تضمن استعمالها السليم. لذا لا بد من التركيز على تعلم قواعد اللغة وظيفياً وفي مواقف حياتية يحتاجها المتعلم وعدم اللجوء إلى تدريس القواعد والتراكيب بشكل جامد؛ لأن ذلك يعيق التواصل اللغوي. يجب أن لا نرفض تعابير المتعلم الجسدية عن المعنى كالعبوس والابتسام وهز الرأس وطأطأته والإيماء باليد، إلى غير ذلك إذا دلت على فهمه للمعنى المقصود.

3. تشجيع المتعلمين على استعمال اللغة العربية مع الأقران والمدرسين وفي الشارع ومختلف المواقف الحياتية حيثما أمكن. يجب أن يُصاحَب إشاعة استعمال اللغة في المجتمع بالإطراء والاستحسان لا السخرية والازدراء. ويمكن أن تساعد وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة على تشجيع المتعلمين مادياً ومعنوياً.
4. يرى التربويون أن تتاح الفرصة للمتعلمين للاستماع إلى اللغة في مرحلة تعلمها وبداية الدرس كذلك، وذلك لإيجاد أُلفة لغوية ولتدريب أُذن المتعلم على سماع أصوات اللغة ومفرداتها وتراكيبها وتهيئته لاستعمالها.
ويمكن الاستفادة مما تقدمه طريقة التدريس الصامت Silent Method وفيها يستمر الطلبة بالاستماع إلى اللغة لمدة أسابيع دون أن يطلب منهم التحدث، بل يمكنهم التعبير عن فهمهم إما بمادة مكتوبة أو بتمثيل للمعنى بالحركة.
5. الابتعاد عن التجريد Abstract Referents وخاصة في مراحل التعلم الأولى، حيث إن إدراك المتعلم وفهمه للمحتوى المادي الملموس Concrete Referents أسهل من المحتوى المجرد، لذا فإن تضمين المناهج لدروس عن البيئة المحلية يخدم هذا الغرض.
إن مراعاة هذا المبدأ يزيد من درجة مفهومية Comprehensibility المدخل اللغوي.
6. تهيئة جو نفسي مريح للمتعلمين يزيد من قابلية التعليم لديهم وذلك بإقامة علاقات ودية معهم واحترام شخصياتهم، وتقبل أدائهم اللغوي، وتشجيعهم على التواصل اللغوي. والهدف من ذلك كله هو تجنب المعيقات النفسية التي تؤثر سلباً على الأداء اللغوي.
7. بعث دافعية المتعلمين وبناء اتجاهاتهم الإيجابية نحو اللغة وأهلها وثقافتها وحضارتها، ويمكن أن يتم ذلك برفع مكانة اللغة العربية وطنياً وعالمياً، وإشاعة استعمالها في المجتمع وتحفيز المتعلم مادياً ومعنوياً لاستعمالها في مناحي الحياة المختلفة.
لقد أثبتت الدراسات في مجال التخطيط اللغوي واللغويات التطبيقية أن التعلق المادي والمعنوي بلغة ما يدعِّم ويزيد فرص تعلمها وممارستها.
8. الاستفادة من منهج تحليل الأخطاء اللغوية Error Analysis ومنهج تحليل الخطاب اللغوي Discourse Analysis ومنهج تحليل الأخطاء القرائية Miscue Analysis لمعالجة الأخطاء المرتكبة في الأداء اللغوي.
فمنهج تحليل الأخطاء اللغوية يقوم على تحديد الأخطاء في المخرج اللغوي وتصنيفها وتفسير سبب حدوثها ثم تصحيحها. إن اتباع هذا المنهج يساعد المعلم على تشخيص نقاط الضعف والقوة لدى المتعلمين إذ يمكن معرفة الأخطاء كثيرة الشيوع أو قليلة الشيوع وكذلك الأخطاء الأكثر أو الأقل صعوبة بالإضافة إلى الأخطاء المحلية Local Errors التي لا تؤثر على التواصل ولا تشوه المعنى والأخطاء الكلية Global Errors التي تعيق التواصل وتشوه المعنى.
أما منهج الخطاب اللغوي فيركز على مفهومية النص اللغوي بشكل عام والفقرات بشكل خاص حيث تُعطى الأولوية لتناسق الأفكار وتسلسلها وتنظيمها وتناسب الجمل لواقع الحال وترابطها وسلامة اللغة وسلاسة الأسلوب. إن اتباع هذا المنهج يقود إلى تبني المنحى التواصلي في تصميم المنهاج. أما منهج تحليل الأخطاء القرائية فيكشف عن مواطن القوة والضعف في الأداء القرائي للمتعلم وذلك لتحديده الأخطاء وتصنيفها وتفسير أسباب حدوثها. ويستفاد من هذا المنهج في التركيز على تشجيع المتعلم على القراءة وتوصيل المعنى المقصود على الرغم من ارتكاب بعض الأخطاء في قراءة مفردات النص وتراكيبه ما دامت لا تؤثر هذه الأخطاء على المعنى.

9. جعل الأخطاء اللغوية التي يرتكبها المتعلمون مواقف تعليمية يُستفاد منها في الكشف عن مراحل تعلم اللغة؛ أي ما يتم تعلمه منها حيث لا يعاقب الطالب عليها لأنها متوقعة الحدوث.
ويجب عدم تسليط الضوء على هذه الأخطاء أثناء التواصل اللغوي، بل يجب تحملها وتقبلها ما دامت لا تؤثر على سلامة المعنى. لذا نرى تطوير مقياس مدرج للأداء اللغوي يعتمد على درجة مفهومية هذا الأداء Comprehensibility، وبافتراض أن هذا المقياس مقسّم إلى خمس درجات، تُعطى الدرجة القصوى للأداء المفهوم تماماً والسليم لغوياً، والدرجة الدنيا للأداء غير المفهوم، ويتراوح الأداء ما بين الدرجتين تبعاً لمفهوميته وسلامته اللغوية.

10. ضرورة تضمين النصوص اللغوية وخاصة الحوار تعابير اجتماعية ذات صلة بحياة المتعلم اليومية لحاجته إليها مما يدفعه إلى سرعة تعلمها واستعمالها. ومثال ذلك التعابير المستعملة في الأفراح والأتراح والتحايا والاستقبال والوداع.
11. تضمين البنى اللغوية في المناهج وتدريسها وفق تسلسل تعلمها واكتسابها، حيث لا يمكن أن نتوقع تعلم بنية لغوية تكتسب في مرحلة متأخرة قبل غيرها مما يكتسب في مرحلة متقدمة. فمثلاً لا نتوقع اكتساب المبني للمجهول قبل المبني للمعلوم. لذا فتدريب المتعلمين على استعمالها البُنى اللغوية متأخرة الاكتساب لا يجدي نفعاً، ولكن هذا لا يمنع استعمالها حيث اقتضت الحاجة.
إن الناظر في أدبيات اكتساب اللغة العربية وتعلمها يجد ندرة في هذا المجال ولا يتعدى في معظم الأحيان دراسة مفردات الطفل. إن معرفة المعلم لمرحلة اكتساب هذه البنى تسهل عليه تدريسها وتقديمها أو تأخيرها وفق متطلبات الموقف التعليمي.

12. تقبل لجوء المعلم في مراحل التعليم الأولى إلى استعمال بعض تراكيب وتعابير اللغة المحكية ما دامت قريبة من اللغة الفصيحة وتؤدي المعنى المقصود.
13. كشفت الأبحاث في مجال تعلم اللغة واكتسابها أهمية توظيف استراتيجيات التعلم المعرفية (Chamot, 1987) حيث تُسهم بفعالية لتطوير النظام اللغوي لدى المتعلم.
هناك نوعان من هذه الاستراتيجيات: المعرفية Cognitive وما وراء المعرفية Metacognitive. تشمل الاستراتيجيات المعرفية الخطوات والعمليات المستعملة في التعلم أو حل المشكلات حيث تتطلب التحليل المباشر والتحويل والتركيب للمادة التعليمية. تسهم هذه العمليات في مساعدة المتعلم على بناء مدخل لغوي مفهوم. أما الاستراتيجيات ما وراء المعرفية فتشمل المعرفة بالعمليات العقلية وتنظيم عملية المعرفة وامتلاك ناصية هذه الاستراتيجيات من خلال عمليات التخطيط، والمراقبة والضبط والتقويم (Rubin, 1987).
إن توظيف العمليات المعرفية العقلية كالاستدلال والاستنتاج والاستقراء والتضمين والتحليل والتركيب يفعِّل عملية تعلم اللغة، لذا فإن معرفة المعلم والطالب لهذه العمليات واستعمالها في المناهج والنشاطات التعليمية المختلفة يؤدي إلى تدعيم التعلم ودوامه.
من الملاحظ أن عمليات التعلم اللغوي في المدارس والجامعات لا تتعدى في معظم الأحيان المعرفة والفهم، في حين أن توظيف بقية العمليات المعرفية واستعمالها هو الذي يؤكد على تعلم اللغة بشكل فعال.

ونخلص بعد عرض نظريات تعلم اللغة وتطبيقاتها في مجال تعلم اللغة العربية وتدريسها لغة أولى أو أجنبية إلى ضرورة تخطيط تعلمها، حيث يهتم علم التخطيط اللغوي بدراسة وتخطيط مكانة اللغة وتطويرها وتعليمها. ونحن نركز في هذا البحث على تخطيط تعليم اللغة العربية وتعلمها ويشمل ما يلي:
أ. متغيرات المدخل اللغوي Input Variables، حيث تؤثر القرارات الرسمية لاختيار لغة التعلم في المؤسسات التعليمية على طرق تعليمها وبالتالي على تعلمها واكتسابها. فمثلاً إذا كانت العربية لغة التعليم فلا بد من بذل الجهود الكافية لشيوع استعمالها على كل المستويات، وهذا يتطلب الاهتمام بالمنهاج وإعداد المعلم والطالب وطرق التدريس في ضوء معطيات نظريات التعلم. أما في حالة اختيار العربية لغة أجنبية فلا بد من تطوير مناهج  تدريس وأساليب تناسب تعلم العربية لأهداف خاصة.
ب. متغيرات المتعلم Learner Variables وتشمل دافعية المتعلم وشخصيته وعمره واتجاهاته. لا بد أن نأخذ في اعتبارنا عند التخطيط لتعلم اللغة إثارة دافعية المتعلم وتحفيزه مادياً ومعنوياً لكي يُقبل على التعلم بنشاط وفاعلية. ومن أساليب إثارة الدافعية جعل العربية متطلباً للوظيفة، وشرطاً للابتعاث، وربط إتقانها بالترقيات في الوظائف، ودليلاً على الانتماء للأمة وثقافتها وحضارتها في البلدان العربية. إن تنمية شخصية المتعلم وتطوير مفهومه لذاته يعود بالنفع على إتقان المتعلم للغة، حيث وُجد أن الفرد الواثق بنفسه، غير المنطوي، والمنفتح اجتماعياً أقدر على إتقان اللغة من غيره. أما من حيث العمر المناسب لتعلم اللغة فنرى التبكير بتقديمها منذ مرحلة رياض الأطفال. كما تؤثر الاتجاهات سلباً أو إيجاباً على تعلم اللغة وإتقانها، لذا فإن أخذ هذه المتغيرات بالاعتبار عند رسم السياسة اللغوية أمر لا يمكن تجاهله.
ج. متغيرات التعلم Learning Variables وتشمل استراتيجيات التعلم المختلفة، إذ لا بد من بناء المناهج على أساسها لأن التعلم الواعي Concious Learning يشجع استعمال المعلمين لهذه الاستراتيجيات وتوظيفها داخل الصف وخارجه.
د. متغيرات المُخرج اللغوي Output Variables حيث ثبت تأثير التخطيط اللغوي بعناصره المختلفة على نوعية ما يُتعلم من اللغة وكميته. إن المتغيرات السابقة ذات صلة مباشرة بمتغيرات المخرج اللغوي.
    بعد توضيح سريع لمتغيرات التعلم اللغوي يبرز السؤال التالي: كيف نخطط لتعلم اللغة العربية في ضوء هذه المتغيرات؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من فهم  الأمور التالية ودراستها:
أ. متغيرات الوضع اللغوي Language Situation Variables وتشمل:
1. المتعلم: لا بد من الإجابة عن الأسئلة التالية المتعلقة به: هل المتعلم ابن اللغة أم أجنبي؟ كم عمره؟ ما خلفيته الثقافية والحضارية؟
2. الكفاية اللغوية.
3. اللغة الهدف من حيث كونها فصيحة أم عامية.
4. بيئة المتعلم المراد استعمال اللغة فيها.
5. أغراض تعلم اللغة: هل اللغة العربية لغة التعلم الرسمي؟ هل يتعلمها الأجنبي لأغراض تجارية أم سياسية أم سياحية.. إلخ؟
إن الإحاطة بهذه العناصر والإجابة عن الأسئلة التي تتضمنها يشكلان القاعدة الأساسية لوضع تخطيط لغوي تعليمي سليم.

ب. الأهداف الرسمية العامة لتعليم العربية وتنفيذها
Macro-policy goals and implementation
وتكشف هذه الأهداف عن مدى اهتمام أصحاب القرار السياسي بوضع اللغة العربية محلياً ودولياً من حيث اعتبارها لغة التدريس والتداول الرسمي اليومي وكذلك وسائل تنفيذ هذا الاهتمام. كما تكشف الأهداف الرسمية عن مدى اهتمام أصحاب القرار السياسي بتدريسها للأجانب داخل الوطن وخارجه.
ج. الأهداف الخاصة لتعليم العربية وتنفيذها
Micro-policy goals and implementation
وتتناول الأهداف المتعلقة ببناء المناهج وطرق تدريسها وتقويمها وإعداد الاختبارات اللغوية لقياس كفاية المتعلمين.
ومن الجدير ذكره أن مجال هذه الأهداف هو الفرد والمؤسسة التربوية، بينما تركز الأهداف العامة السابقة على المجال الوطني والدولي.
ويمكن تلخيص ما سبق ذكره في الشكل التالي:

متغيرات الوضع اللغوي

رسم الأهداف الرسمية العامة

تنفيذ الأهداف الرسمية العامة

رسم الأهداف الخاصة

تنفيذ الأهداف الخاصة

متغيرات المدخل اللغوي متغيرات المتعلم متغيرات التعلم متغيرات المخرج اللغوي  

شكل 1: دور التخطيط اللغوي في تعلم اللغة العربية
 
إن هذا الشكل يمثل إطاراً  واضحاً للعلاقة الوثيقة بين التخطيط اللغوي وعملية تعلم اللغة العربية سواء أكانت أولى أم أجنبية
 (لمزيد من التفاصيل انظر: Tollefson 1989: 23-34.)  

References

Bickerton, D. (1984). “The Language Bioprogram Hypothesis and Second Language Acquisition”, in Rutherford, W. (ed.), Language Universals and Second Language Acquisition. Amsterdam: John Benjamins.
Bley-Vroman, R. (1986). “Hypothesis Testing in Second Language Acquisition”, Language Learning, No. 36, pp. 353-76.
Brown, H. D. (1980). Principles of Language Learning and Teaching. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
Chamot, Anna (1987). “The Learning Strategies of ESL Students”, in Wenden, A. and Rubin, J. (eds.), Learner Strategies in Language Learning. London: Prentice-Hall.
Chomsky, Noam (1972). Language and Mind. Harcourt Brace Jovanovich.
Chomsky, Noam (1965). Aspects of the Theory of Syntax. Cambridge, Mass.: MIT Press.
Chomsky, Noam (1980). Rules and Representations. Blackwell.

Cook, V. (ed.) (1986). Experimental Approaches to Second Language Learning. Oxford: Pergamon Press.
Coulthard, Malcolm (1985). An Introduction to Discours Analysis. London: Longman.
Dulay, Heidi, Brut, Marina, and Krashen, Stephen (1982). Language Two. Oxford University Press.
Ellis, Rod (1986). Understanding Second Language Acquisition. Oxford University Press.
Gass, Susan (1984a). “A Review of Interlangauge Syntax: Language Transfer and Language Universals”, Language Learning. No. 34, pp. 115-32.
Gass, Susan (1984b). “The Ontology of Language Universals:, in Rutherford, W. (ed.), Language Universals and Second Language Acquisition. Amsterdam: John Benjamins.
Gass, Susan and Shachter, J. (eds.) (1989). Linguistic Perspectives on Second Language Acquisition. Cambridge University Press.
Givon, T. (1979). On Understanding Grammar. New York: Academic Press.

Givon, T. (1984). “Universals of Discourse Structure and Second Language Acquisition”, in Rutherford, W. (ed.), Language Universals and Second Language Acquisition. Amsterdam: John Benjamins.
Greenberg, J. H. (1966). Language Universals: With Special Reference to Feature Hierachies. The Hague: Mouton.
Hatch, E. (1978). “Dicourse Analysis and Second Language Acquisition”, in Hatch, E. (ed.), Second Language Acquisition: A Book of Readings. Rowley, Mass.: Newbury House.
Kennedy, Chris (1989). Language Planning and English Language Teaching. London: Prentice-Hall.
Krashen, Stephen (1981). Second Language Acquisition and Second Language Learning. Oxford: Pergamon Press.
Krashen, Stephen (1982). Principles and Practices of Second Language Acquisition. Oxford: Pergamon Press.
Krashen, Stephen (1985). The Input Hypothesis: Issues and Implications. London: Longman.
Larsen-Freeman, Diane and Long, Michael (1992). An Introduction to Second Language Acquisition Research. London: Longman.

Lightbown, P. M. (1985). “Great Expectations: Second Language Acquisition Research and Class-room Teaching”, Applied Linguistics, No. 6,pp. 173-89.
McLaughlin, Barry (1987). Theories of Second Language Learning. London: Arnold Press.
McLead, B. and McLaughlin, B. (1986). “Restructuring or Automaticity? Reading in a Second Language”. Language Learning, No. 36, pp. 109-23.
Pienemann, M. and Johnston, M. (1987). “Factors Influencing the Development of Language Proficiency”, in Nunan, D. (ed.), Applying Second Language Acquisition Research. Adelaide: National Curriculum Resourse Center, Adult Migrant Education Program.
Pinker, S. (1984). Language Learnability and Language Development. Cambridge, Mass.: Harvard University Press.
Radford, Andrew (1981). Transformational syntax. Cambridge: Cambridge University Press.

Richard, Jack, and Schmidt, Richard (eds.) (1986). Language and Communication. London: Longman.
Rubin, Joan (1987). “Learning Strategies: Theoretical Assumptions, Research History and Typology”, in Wenden, A. and Rubin, J. (eds.), Learner Strategies in Language Learning. London: Prentice-Hall.
Rutherford, W. (ed.), (1984). Language Universals and Second Language Aquisition. Amsterdam: John Benjamins.
Sampson, G. (1987). “Parallel Distributed Processing”, Language, No. 63, pp. 871-86.
Schumann, J. (1978a). The Pidginization Process: A Model for Second Language Acquisition. Rowley, Mass.: Newbury House.
Schumann, J. (1978b). “The Acculturation Model for Second Language Acquisition”, in Gingras, R. (ed.), Second Language Acquisition and foreign Language Teaching. Arlington, Va.: Center for Applied Linguistics.
Schumann, J. (1975). “Affective Factors and the Problem of Age in Second Language Acquisition”, Language Learning, No. 25, pp. 209-35.

Skinner, B. (1957). Verbal Behavior. New York: Appleton-Century-Crofts.
Stubbs, Michael (1985). Discourse Analysis Oxford: Basil Blackwell.
Tollefson, James (1989). “The Role of Language Planning in Second Language Acquisition”, in Kennedy, Chris (ed.), Language Planning and English Language Teaching. London: Prentice-Hall.
White, L. (1987). “Against Comprehensible Input: The Input Hypothesis and the Development of L2 Competence”, Applied Linguistics, No. 8, pp. 95-110.
Wode, H. (1984). “some Theoretical Implications of L2 Acquisition Research and Grammar of  Interlanguages”, in Davies, A., Criper, C. and Howatt, A. (ed.) Interlanguage. Edinburgh University Press.
Zobl, H. (1984). “Cross-language Generalizations and the Contrastive Dimension of the Interlanguage Hypothesis”, in Davies, A., Criper, C. and Howatt, A. (eds.) Interlanguage. Edinburgh University Press.

 

البحث

تسجيل الدخول

الأرشيف

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 47 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 2129
المحتوى : 858
عدد زيارات المحنوى : 2741848