مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

نظرية الأسلوب عند حازم القرطاجنّي

إرسال إلى صديق طباعة
نظرية الأسلوب عند حازم القرطاجنّي
د. بن عيسى بطاهر
قسم اللغة العربية - كلية الآداب
جامعة الشارقة - الإمارات العربية المتحدة
 
مقدّمة:
عرف النَّـقد العربي القديم مصطلح "الأسلوب"؛ فقد استعمل في مصادر متنوّعة بدلالات متباينة، غير أنّه لم يدخل في دائرة المصطلحات الدَّقيقة ذات المدلول المحدّد إلاّ عند عبد القاهر الجرجاني (474هـ) وحازم القرطاجنّي (684هـ)؛ أمّا عبد القاهر فحاول ربطه بنظرية النَّظم، وجعله جزءًا أساسيًا في مستوى تركيب الجملة نحويًا وبيانيًا، وأمَّا حازم فحاول ربطه بالنَّظم ولكن من غير جهة التركيب والصِّياغة؛ فقد جعله خاصًّا بالنّظم المعنوي الذي له علاقة مباشرة بالبناء الداخلي للنصّ الأدبي، فجاء منهجه في دراسة "الأسلوب" ضمن رؤيته المتكاملة عن إنتاج الإبداع الشعري، وهي تمثِّل خلاصة المزج الواعي بين التيار اليوناني والتيار العربي في النَّقد والبلاغة.  
لقد سعى حازم إلى الإفادة من المعطيات الفلسفية المبنية أساسًا على كتاب (أرسطو) في الشعر، وكتب الفلاسفة العرب كالفارابي وابن سينا، ومن مصادر النقاد والبلاغيين العرب كالجاحظ وقدامة بن جعفر وغيرهم، وأراد الإجابة عن إشكالية الإبداع الشعري من خلال منهج تأصيلي (ابستمولوجي)، هدفه البحث عن قوانين هذا الإبداع ومعاييره، ولعلّ أبرز ما ميّز هذا المنهج اهتمامه بثلاثية التواصل اللغوي: "الشاعر، والعملية الشعرية، والمتلقِّي" التي كان النقاد والبلاغيون ينظرون – في الغالب - إلى واحدٍ من عناصرها دون الآخر، وهو ما جعل منهجه قريبًا من إنجازات التفكير اللساني والأسلوبي الحديث. 
أفاد حازم من نظرية "النَّظم" الجُرْجَانية، ولكنَّه استطاع تجاوزها حين تحدَّث عن "النَّظم" بمعناه العام الذي يُعنَى بالتركيب النَّحوي للجملة، وجعل إلى جانبه "الأسلوب" الذي يتناول نظم المعنى وتأليفه، وبذلك انتقل حازم من مستوى الجملة إلى مستوى النَّصّ، ويكون بذلك قد تجاوز نظرية النَّظم بإضافة نظرية الأسلوب التي تمثّل قمّة التفكير في النَّقد العربي القديم.  
وحاول حازم وضع قوانين للشِّعرية العربية، واتَّجه من خلال البحث في الأسلوب وعلاقته بالمحاكاة والتخييل، إلى جعله مِعيارًا يُميِّـز الشاعر عن غيره من الشعراء؛ لأنّه يرتبط عنده بالصور الذهنية والتأليفات المعنوية التي تُسهم في بناء النَّصّ الشعري في وحدة متكاملة، ولذلك ربطه بمصطلحات أخرى كالجهة، والغرض، والطَّريق الشعري. الأمر الذي يجعل البحث في أفكاره بشأن الأسلوب ذا أهمّية كبيرة؛ نظرًا للتشابه الواضح بين تلك الأفكار مع بعض المفاهيم النَّقدية والأسلوبية الحديثة.
وقد أُعْجِبَ كثيرٌ من النقاد والدارسين من قدماء ومحدثين بنهج حازم في "منهاجه"، وكان من أبرز القدماء "ابن خلدون" الذين أعجبوا بحديثه عن الأسلوب، فصاغ منه مفهومًا شاع بين الدارسين بعده، وأمَّا الدارسون المحدثون فقد أشادوا بفكر حازم المنهجي، وجرأته النَّقدية، ولعلّ من أبرزهم جابر عصفور في "الصُّورة الفنِّية في التراث البلاغي والنَّقدي القديم"، الذي توصّل إلى تفرّد نظرية حازم عن الشِّعرية في التراث النَّقدي القديم، كما أشار سعد مصلوح في كتابه "حازم القرطاجنِّي ونظرية المحاكاة والتخييل في الشعر" إلى تميّز منهج حازم وتشابه نظرياته مع بعض النظريات الحديثة، وتوصَّلت فاطمة الوهيبي في دراستها "نظرية المعنى عند حازم القرطاجنّي" إلى تميّز نظرية حازم وأشارت إلى التشابه بينها وبين النظريات الحديثة، وأشارت إلى تميّز حازم في مجال المصطلح، وأمّا محمد خطّابي في "لسانيات النصّ" فقد تناول العناصر التي تسهم في تماسك النصّ وترابطه في منظور حازم، الأمر الذي جعله أبرز النقاد القدماء في هذا الجانب. 
 وأمّا هذه الدراسة فهي محاولة لاستجلاء مفاهيم القرطاجنِّي عن الأسلوب، والبحث في مكوّناتها ومدى اقترابها من المفاهيم الأسلوبية الحديثة الخاصّة ببناء النصّ الأدبي، وذلك من خلال مقاربة نقدية أسلوبية تهدف إلى الرَّبط بين التراث النَّقدي والبلاغي القديم والنظريات الأسلوبية المعاصرة، كما أنّها محاولة للتقريب بين أصول نظرية حازم وإنجازات الدراسات الغربية في مجالي اللسانيات Linguistics والأسلوبيات Stylistics. وعلى الرغم من خطورة المقارنة بين ناقد قديم ودارسين محدثين؛ فإنّ قراءة تراثنا القديم بعيون حديثة من شأنه الإسهام في دراسة النَّظريات المتعلّقة بقوانين الشعر، ولا سيَّما تلك الخاصَّة بالشِّعر العربي على وجه التحديد.
ومع تركيز هذه الدراسة على قضايا الأسلوب من حيث البحث في المفاهيم والإجراءات والشروط الموضوعية، فإنّها ستتناول فضلاً عن ذلك توطئة موجزة عن مفهوم الأسلوب في التراث البلاغي والنقدي، وبيان موقع الأسلوب ووظيفته في الصِّناعة الشِّعرية، مع الإشارة إلى تكامل الجملة مع النَّصِّ في منهج حازم، وعلاقة الأسلوب بـ"التخييل"، وعلاقته بالنَّظم، وبالجهة والغرض والطَّريق الشِّعري، وقضية المفاضلة بين الشعراء، ثمّ يأتي الحديث عن نظرية حازم الكلِّية عن بناء الشِّعر، مع التركيز على وظيفة الأسلوب في إنجاح هذه العملية المعقّدة، وتوصيل الخطاب الأدبي إلى مرحلة التأثير في المتلقين، وذلك بتوفير شروط الإمتاع والإقناع اللذين هما الغاية الكبرى في الإبداع الشِّعري.
 
(1) مفهوم الأسلوب في التراث العربي القديم 
ذكر عددٌ من قدامى النُّقاد والبلاغيين العرب كلمة (الأسلوب) في مصنّفاتهم ورسائلهم البلاغية والنقدية؛ فقد كانت هذه الكلمة حاضرة عند ابن قتيبة (276هـ)، الذي يعدّ أحد أوائل النقاد الذين تحدثّوا عن الأسلوب، ويُفهم من كلامه أنّه طريقة في التعبير عن المعاني كما هي العادة عند العرب في تصرّفها في فنون القول؛ فإجادة الشعر هي في اتِّباع أساليب العرب، و"الشاعر المُجيد هو من سلك هذه الأساليب، وعدَّلَ بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيملَّ السَّامعين، ولم يقطع وبالنفوسِ ظمأٌ إلى المزيد". وأمّا دارسو الإعجاز فالأسلوب عندهم بمعنى الطرق والمذاهب وأودية الكلام المختلفة.
ويرى القاضي الجرجاني (392هـ) أنّ الأسلوب طريقة في التعبير تختلف بحسب الطِّباع البشرية، وبحسب الأغراض والمذاهب والموضوعات الأدبية؛ فقد "كان القوم يختلفون في ذلك، وتتباين  فيه أحوالُهم، فيَرِقُّ شِعر أحدهم، ويصلُبُ شعر الآخر، ويسهلُ لفظُ أحدهم، ويتوعَّرُ منطقُ غَيْرِه، وإنّما ذلك بحسبِ اختلافِ الطبائع وتركيب الخَلْقِ؛ فإنّ سلامةَ الطَّبعِ ودماثَةَ الكلامِ بقدر دماثةِ الخُلُق".
وأمّا الأسلوب عند عبد القاهر الجرجاني (474هـ) فهو نَظْمُ الكلام، وتركيب الجمل اعتمادًا على المعاني المختلفة التي يتيحها علم النحو، قال: "اعلمْ أن الاحتذاءَ عندَ الشُّعراءِ وأهلِ العلم بالشِّعرِ وتقديره وتمييزِهِ، أنْ يَبتَدِئ الشاعرُ في معنًى له وغرضٍ أسلوبًا - والأسلوبُ الضربُ مِنَ النَّظمِ والطريقةُ فيه - فيعمدَ شاعرٌ آخرُ إلى ذلك الأسلوبِ فيجيءَ به في شعره، فيشبَّهُ بِمَنْ يقطَعُ مِن أديمهِ نعلاً على مثال نعلٍ قد قَطعها صاحبُها، فيقال: قدِ احْتذى على مثالِه". ويلتقي هذا المفهوم في جوانب منه مع بعض مفاهيم الأسلوب في المدارس اللسانية الحديثة.
ويعرّف ابن خلدون (808هـ) - الذي يبدو أنّه أفاد من القرطاجنّي -  الأسلوب بقوله: "اعلم أنّها عبارةٌ عندهم عن المنوال الذي تُنسج فيه التراكيب، أو القالب الذي يُفرغ به". وشرح هذا المفهوم بقوله: "ولا يرجعُ (أي الأسلوب) إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الإعراب، ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التراكيب، الذي هو وظيفة البلاغة والبيان، ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب في الشِّعر الذي هو وظيفة العروض. فهذه العلوم الثَّلاثة خارجةٌ عن هذه الصناعة الشِّعرية، وإنّما يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلّية، باعتبار انطباقها على تركيب خاص، وتلك الصُّورة ينتزعها الذِّهن من أعيان التراكيب وأشخاصها، ويُصَيِّرُها في الخيال كالقالب أو المنوال، ثم ينتقي التَّراكيب الصَّحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان، فيرصّها فيها رصًّا كما يفعله البنَّاء في القالب، أو النسَّاج في المنوال، حتى يتَّسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام، و يقع على الصُّورة الصَّحيحة باعتبار ملكة اللسان العربي فيه، فإنَّ لكلِّ فنٍّ من الكلام أساليب تختص به، وتوجد فيه على أنحاء مختلفة".
فالأسلوبُ عند ابن خلدون صورة ذهنية منتظمة للمعاني في الخيال، تشبه القالب أو المنوال، ولكلِّ فنٍّ من فنون الكلام أساليب تختصُّ به على أنحاء مختلفة؛ فأساليب الشعر تختلف عن أساليب النثر، والأسلوب فنّ يعتمد على الدُّربة والممارسة على أداء الكلام، فهو مُتعلّق بالناحية الإبداعية في استعمال اللغة، أمّا علوم النّحو والبلاغة والعروض فهي بمثابة الوسائل التي ترشد إلى الصواب في مطابقة الكلام لقوانين اللغة والشعر والنثر.
وقد سبق حازم القرطاجنّي ابنَ خلدون في بيان مفهوم الأسلوب، وربطه بنظرية الشِّعر التي صاغها في كتابه "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"، وشاع استعمال الأسلوب عند بعض البلاغيين المتأخِّرين للدلالة على الفنون البلاغية المختلفة، وكان من أشهرهم السِّجلماسيّ الذي أطلق اسم (الأسلوب) على كلِّ فنٍّ من فنون البلاغة، والأسلوب عنده مرتبطٌ بالطريقة التي يتميّز بها الفنّ البلاغيّ عن غيره من الفنون الأخرى، فيقال أسلوب التمثيل، وأسلوب الاستعارة، والأسلوب الحكيم، وغير ذلك من الأساليب. 
 
(2) مفهوم الأسلوب عند حازم القرطاجنّي
ورد مصطلح "الأسلوب" في "منهاج" حازم القرطاجنّي أكثر من سبعين (70) مرّة، كما أنّه كتب فصلاً مطوَّلاً بعنوان: "المنهج الثالث في الإبانة عن الأساليب الشعرية"، وتحدّث فيه عن ملاءمة الأساليب للأغراض الشعرية، وذكر أنَّ الأساليب تختلف باختلاف الأغراض وأحوال المخاطَبين؛ لأنّ أساليب الشعر تتنوّع بحسب مسالك الشعراء في كلِّ طريقة من طرق الشعر"، ثمّ عرّف بعدها الأسلوب بطريقة اصطلاحية واضحة، فقال: "الأسلوب هيئة تحصلُ عن التأليفات المعنوية، وإنّ النَّظم هيئة تحصل عن التأليفات اللفظية، وإنّ الأسلوب في المعاني بإزاء النَّظم في الألفاظ". وقد وضّح هذا المفهوم حين تحدّث عن بناء القصيدة الشعرية، فبيّن أنّ لكلِّ غرض شعري جملة من المعاني والمقاصد، ولهذه المعاني جهات، كوصف المحبوب، والخِيَام والطُّلُول، والأسلوب: هو تلك الصورة أو الهيئة التي تحصل في النفس من الاستقرار على هذه الجهات، والتنقّـل فيما بينها، ثمّ الاستمرار والانتقال إلى المعاني الأُخرى التي تكوّن الغرض الشِّعري بكامله.
فالأسلوب عنده هو نوعٌ من النَّظم الداخلي للمعاني داخل الغرض الشِّعري الواحد، وداخل القصيدة المكوّنة من عدّة أغراض؛ فهو أمرٌ خاصٌّ بترتيب المعاني وتأليفها في النّفس، ثمّ يتمُّ وضعها في مكانها المناسب من القصيدة؛ فهو يشبه عملية "النَّظم" الخاصّة بالألفاظ والعبارات؛ ولذلك "وجبَ أن يُلاحَظَ فيه من حسنِ الاطِّرادِ والتناسب، والتلطُّفِ في الانتقالِ من جهةٍ إلى جهةٍ، والصَّيرورة من مقصدٍ إلى مقصدٍ، ممّا يُلاحـظ في النَّظم من حسـنِ الاطِّرادِ من بعـضِ العبارات إلى بعض، ومراعاة المناسبة، ولطف النقلـة". فالأسلوب – إذن - يكون موجّهًا إلى المعاني التي تشمل جهاتٍ عدّة، ولذلك فهو مرتبط بتركيب النَّصّ ككلّ، ومن هنا فإنّ مفهومه مرتبطٌ بالبنية الداخلية العميقة التي تبرز خاصّية النصّ، وهذا ما أكّده حازم حين تحدَّث عن اختلاف الأسلوب عن النّظم، مع التنبيه على أهمّيتهما وتكاملهما في تشكيل بناء النَّصِّ الشعري؛ وعلى أساس ذلك "وجب أن تكون نسبة الأسلوب إلى المعاني كنسبة النَّظم إلى الألفاظ؛ لأنَّ الأسلوب يحصل عن كيفية الاستمرار في أوصاف جهة من جهات غرض القول وكيفية الاطِّراد من أوصاف جهة إلى جهة. فكان بمنزلة النَّظم في الألفاظ الذي هو صورة كيفية الاستمرار في الألفاظ والعبارات والهيئة الحاصلة عن كيفية النقلة من بعضها إلى بعض وما يعتمد فيها من ضروب الوضع وأنحاء الترتيب". ويمكن استنتاج الملحوظات الآتية عن مفهوم الأسلوب عند حازم:
(1) الأسلوب هو عملية ذهنية عَمَلُهَا ترتيب المعاني وتنظيمها في نسق متميّز.
(2) من شروط الأسلوب: الاطِّراد، والتناسب، وحسن الانتقال من موضوع إلى آخر.
(3) يتعلّق الأسلوب بمستوى النَّصّ في كافة جزئياته وبالذات في عالمه الداخلي. 
(4) وظيفة الأسلوب هي إحداث التأثير الوجداني والفكري في المتلقي.
ويلتقي هذا المفهوم – في إطاره العام - مع بعض المفاهيم الحديثة عن الأسلوب لعلّ من أبرزها المفهوم الكلاسيكي الذي يُنسب إلى بوفون Buffon؛ فقد قال عن الأسلوب: "إنّ المعاني وحدها هي المجسِّمة لجوهر الأسلوب، فما الأسلوب سوى ما نُضفي على أفكارنا من نسقٍ وحركةٍ". ويرى بالي Bally أن "مدلول الأسلوب هو في تفجّر الطاقات التعبيرية الكامنة في صميم اللغة، بخروجها من عالمها الافتراضي إلى حيّز الموجود اللغوي"؛ فالأسلوب في تصوّره "هو الاستعمال ذاته، فكأنّ اللغة مجموعة شحنات معزولة، والأسلوب هو إدخال بعضها في تفاعلٍ مع البعض الآخر كما في مختبر كيمياويّ"؛ فالأسلوب هو إدخال عناصر الفاعلية والحركة والتناسق على المعاني المكوّنة للإبداع، وإكساب العمل الفنّي خصائص وسمات جديدة تجعله قادرًا على التفاعل والتأثير، فهو القادر على تحويل العلاقات الدلالية إلى هيئة مخصوصة متميّزة، ومعنى ذلك أنّ المعاني والألفاظ أدنى إلى البساطة، والأسلوب والنّظم أدنى إلى التركيب.
ومن الأسلوبيين العرب الذين يتَّفقون مع حازم في مفهوم الأسلوب أحمد الشايب؛ فقد قال في تعريفه: "الصورة اللفظية التي هي أوّل ما يُلقى من الكلام لا يمكن أن تحيا مستقلة، وإنّما يرجع الفضل في نظامها اللغوي الظاهر إلى نظام آخر معنوي انتظم وتألّف في نفس الكاتب أو المتكلِّم، فكان بذلك أسلوبًا معنويًا، ثمّ تكوّن التأليف اللفظيّ على مثاله وصار ثوبه الذي لبسه أو جسمه إذا كان المعنى هو الروح، ومعنى هذا أنّ الأسلوب: معانٍ مرتَّبةٌ قبل أن يكون ألفاظًا مُنسّقة، وهو يتكوّن في العقل قبل أن يجري به اللسان أو يجري به القلم".
ويفهم من كلام حازم أنّ صناعة الشعر تعتمد على "التخييل"، الذي يكون في الأسلوب، وهذا المبدأ يقوم على عمليات عقلية واعية من جهة الشاعر، فهو يختار الجهات والمضامين، ويختار الألفاظ والعبارات والأوزان المناسبة لها، ويختار الأدوات الجمالية التي ترتقي بعمله من مجرد إبلاغ نفعي إلى رسالة فنية إبداعية تحرّك نفس الملقِّي بما فيها من تعجيب وخروج عن الأنماط المتعارف عليها عند النّاس، ولعلّ في هذا تلاقيًا مع رأي ستاندال Stendhal الذي يقول عن الأسلوب، هو: "أن تضيف إلى فكر معين جميع الملابسات الكفيلة بإحداث التأثير الذي ينبغي لهذا الفكر أن يحدثه". ومعنى هذا أنّه يسلِّم بوجود فكر معيّن قبل تجسّده في كلمات؛ فالأسلوب إذن يصبح إضافة تقوم بوظيفة لا تتصل بالجمال، بل على وجه التحديد بالفعالية والتأثير".
ونجد في الأسلوبية التوليدية ما يلتقي مع رؤية حازم عن الأسلوب، فالأسلوب لديهم "ظاهرة تتميّز بشكل حاسم بخواصّ هذه الفردية، وتنطبع بصبغة صاحبها، ومن ثمّ يتحدّد الأسلوب بأنّه كيفية الكتابة المتميّزة لمؤلّف معيّن، وهذا التعريف يتّكئ في صميمه على مقولةٍ نظرية فحواها أنّ النصوص اللغوية ليست سوى صور للعمليات العقلية التي تنبع منها... وهي صورة تعدّ الأسلوب صورة للطابع الفردي وملامح نفسية مؤلفه".
وكما نظر حازم إلى الشعر بأنّه صناعة آلتها الطَّبع، وأنَّ الأسلوب عملية عقلية واعية أساسها الاختيار والتنظيم والتأليف الجيّد للمعاني، فإنّ جلّ رواد التفكير الأسلوبي يعدّون الأسلوب اختيارًا واعيًا، وهم يلحّون عليه إلحاحًا قد نشتم منه رغبة خفية في نقض مبدأ "العبقرية" ومبدأ "الإلهام" أو "التولّد الذاتي" في الظاهرة الإبداعية؛ فسبيتزر Spitzer مثلاً يؤكّد "أنّ الأسلوب إنّما هو الممارسة العملية المنهجية لأدوات اللغة"؛ فهو مجموعة اختيارات من جهة الشاعر المبدع، وهي  تشمل اختيار المقصد من الكلام، واختيار الموضوع، واختيار الشفرة اللغوية، واختيار الأبنية النحوية، والاختيار من إمكانات التعبير الاختيارية المتعادلة دلاليًا... وهذه الاختيارات هي اختيارات واعية قد حدّدت بوضوح بقرارات مسبقة.
وقد أشار جلُّ الأسلوبيين إلى أهمّية ربط الأسلوب بالوظيفة التأثيرية للغة، ولذلك يقول بارت Barthes: "الأسلوب في حقيقة الأمر ظاهرة ذات طبيعة تشبه طبيعة البذور، يهدف إلى نقل الحالة والمزاج ليستزرعها في نفس القارئ"، ويرى ريفاتير Riffaterre أنّ "الأسلوب هو البروز الذي تفرضه بعض لحظات تعاقب الكلمات في الجمل على انتباه القارئ، بشكل لا يمكن حذفه دون تشويه النصّ، ولا يمكن فكّ شفرته دون أن يتّضح أنّه دالّ ومميّز، مما يجعلنا نفسر ذلك بالتعرّف فيه على شكل أدبي أو شخصية المؤلف أو ما عدا ذلك، وباختصار فإنّ اللغة تعبّر والأسلوب يبرز". 
فالأسلوب هو السّمة المميّزة والعلامة الفارقة بين الخطاب العادي (النفعي) والخطاب الفنّي (الإبداعي)، ولذلك تلتقي أفكار حازم - في إطارها العام - مع أفكار المنظِّرين الأسلوبيين الذين أكَّـدُوا مبدأ "الاختيار" ومبدأ "الانزياح" كشرطين أساسيين في حصول هذه النقلة النوعية في الخطاب؛ فقد أشار والاك Wellek وفاران Warren إلى مفهوم الأسلوب المرتبط بالانزياح بأنّه مجموع المفارقات التي نلاحظها بين نظام التركيب اللغوي للخطاب الأدبي وغيره من الأنظمة، وهي مفارقات تنطوي على انحرافات ومجاذبات بها يحصل الانطباع الجمالي"؛ فنظرية حازم عن الأسلوب فيها من التميّز والجدّة ما يجعلها قمّة ما وصل إليه تفكير العرب في الأسلوب قديمًا، كما أنّها تلتقي في جوانب كثيرة منها مع ما توصّل إليه البحث الأسلوبي في القرن العشرين.
 
(3) أقسام الأسلوب ومعاييره الفنِّية والموضوعية 
 قسّم حازم القرطاجنِّي الأساليب الشعرية إلى ثلاثة أقسام:
(1) الأسلوب الخَشِن.
(2) الأسلوب الرَّقيق.
(3) الأسلوب المتوسِّط بين هاتين الصفتين.
وعلى هذا الاعتبار تنقسم الأساليب – بحسب البساطة والتركيب – إلى الأقسام الآتية:
(1) الأسلوب الرَّقيق، (2) الأسلوب الخشن، (3) الأسلوب المتوسّط بينهما، (4) الأسلوب الرَّقيق مع المتوسّط، (5) الأسلوب المتوسّط مع الرَّقيق، (6) الأسلوب المتوسّط مع الخشن، (7) الأسلوب الخشن مع المتوسّط، (8) الأسلوب الرَّقيق مع الخشن، (9) الأسلوب الخشن مع الرَّقيق، (10) الأسلوب المتوسِّط مع الرَّقيق والخشن.  
ولكن ما معيارُ ضَبْطِ رقَّة الأسلوب أو خشونته؟
والجواب عنده هو في مراعاة حالة المتلقي؛ فإنّ النفوس الضَّعيفة الكثيرة الإشفاق يناسبها الأسلوب الرَّقيق، والنفوس الخَشِنَة القليلة المبالاة بالأحداث يناسبها الأسلوب الخشن، وهناك نفوسٌ لديها استجابة للحالتين؛ فكأنّ حازمًا بهذا التقسيم مُصِّرٌ على مراعاة مقتضى حال المخاطَبِ وحالته النَّفسية؛ أي أنَّ صناعةَ الأسلوب لا بدَّ أن تُراعي إشراك المتلقِّي في التجربة الشعورية للشاعر، "فيجب أن يُمالَ بالقولِ إلى القسم الذي هو أشبه بحالِ مَنْ قُصِد بالقولِ وصُنِعَ له"، ومن هنا أكّدَ حازم أنّ الأسلوب الجيِّد هو الذي يكون منسجمًا مع حالة المتلقي، وهذه الموافقة تراعي لدى البسط الأحوال الطَّيبة السَّارة، ولدى الرِّقّة الأحوال الشَّاجية، ولدى الألم الأحوال الفاجعة، والمستطاب من هذه الأحوال وصف المدركات الحسِّية من عناق ولثم، وماء وخُضرة، ونسيم وخمر وغناء؛ فالأمور الحسّية هي القريبة إلى مدارك المتلقِّي ومشاعره، وهو يرى أنَّ الشاعر إذا لم يقصد متلقِّيًا بعينه، فعليه بذكر "الأحوال السارّة المستطابة والشَّاجية؛ فإنّ أحوال جمهور النّاس والمتفرّغين لسماعِ الكلامِ حائمةٌ حول ما يُنْعِمُ أو يَشْجو". فالأحوال النَّفسية المشتركة تدور حول اللذة أو الألم.
 وأمّا المعايير الفنِّية والموضوعية التي بها قد يتحدّد الأسلوب الأدبي عن غيره من الأساليب؛ فقد أشار إليها حازم في قوله: "ولمّا كان الأسلوب في المعاني بإزاء النَّظم في الألفاظ، وجب أن يُلاحظَ فيه من حُسن الاطِّرادِ، والتناسب، والتلطُّف في الانتقال من جهةِ إلى جهةِ".
(أ) الاطِّرَادُ: وقد عرّفه حازم بقوله: هو "التسلسل في الكلام المتعلِّق بعضه ببعض، ولا يقال إلاّ فيما يَحْسُنُ من ذلك". وقد ربط حازم الاطّراد بمصطلح حسن المأخذ، فقال: "وحسن المآخذ في المَنَازع التي يُنزع بالمعاني والأساليب نحوها، يكون بلطف المذهب في الاستمرار على الأساليب والاطِّراد في المعاني، والإئـلاج إلى الكلام من مدخل لطيف؛ فيُوجد للكلام بذلك طلاوةٌ وحسنُ موقعٍ من النَّفس".
فالاطِّراد هو التسلسل الفنّي الجمالي للمعاني الشِّعرية، مع ضرورة التغيير في محتواها من أجل عملية التلقِّي؛ فهو يقتضي التنويع في المعاني مع إيرادها في قوالب فنية جميلة؛ لأنّ "النفوس تسأم التمادي على حال واحدة، وتُؤثر الانتقال من حال إلى حال؛ فتسكنُ إلى الشيء، وإن كان متناهيًا في الكثرة إذا أخذ من شتَّى مآخذه التي من شأنها أن يخرج الكلام بها في معاريض مختلفة". وقد علّل حازم وظيفة الاطّراد بمراعاة حال المتلقِّي؛ لأنّ الاطّراد يمدّ المعاني بالحركة والفاعلية، ويمدّ النفوس بالطاقة والحيوية للاستمرار والمتابعة في عملية التلقِّي؛ وذلك أنّ "الميل بالأقاويل إلى جهات شتّى من المقاصد وأنحاء شتّى من المآخذ استراحة واستمداد للنشاط بانتقالها من بعض الفصول إلى بعض"؛ ومن هنا كان الاطِّراد ملمحًا جماليًا في الأسلوب، فهو لا يقال إلاّ فيما يُحْسَنُ كما قال حازم، كما أنّه ثمرة تجربة إبداعية واعية فيها مراعاة لجميع شروط التخاطب الناجحة. والاطِّراد في الأسلوب يعني إيجاد بنية داخلية متماسكة في النصّ الأدبي.
(ب) التناسب: التناسب هو أحد أساسيات علم البلاغة عند حازم؛ فعلم البلاغة هو "معرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات"، وهو القانون المنظِّم للمعاني والألفاظ في الشعر، فهو عنده لا يقتصر على التناسب في الحروف والألفاظ والعبارات، والتناسب في المعاني، والتناسب في الأوزان، بل لا بدَّ من التناسب والتكميل في المحاكاة، والتناسب بين الأغراض والمقاصد والأوزان من أجل تحقيق غايات التجويد الفنّي للقول الشعري. وأمّا عن الغاية من ذلك عنده فهي إبراز مظاهر الجودة والجمال في الشعر؛ لأنّه كلمّا وردت أنواع الشيء وضروبه مترتبةً على نظامٍ متشاكل، وتأليف متناسب، كان ذلك أدعى لتعجيب النفس، وإيلاعها بالاستمتاع.
وقد اهتمّ حازم كثيرًا بالتناسب الذي يكون في مستوى النظم والأسلوب، وبدونه لا تتحقّق الغاية من الغرض الشعري، وأولى للتناسب في الأسلوب أهمّية كبيرة، فذكر أنّ "المعاني منها ما يُتطالب بحسب الإسناد خاصّة، ومنها ما يُتطالب بحسب الإسناد وبحسب انتساب بعض المعاني إلى بعض في أنفسها بكونها أمثالاً أو أشباهًا أو أضدادًا، أو متقاربات من الأمثال والأضداد... والتناسب قد يكون بين المعاني بوساطة أو بغير وساطة، كما أنّ التناسب الجيّد بين المعاني هو الذي يكسب الكلام حسنًا وجمالاً. 
وفائدة التناسب بين المعاني عند حازم تعود إلى إظهار الجانب الجمالي في التعبير، والذي يكون سببًا في جذب النفوس وتحريكها نحو الأقوال الشعرية، يقول: "اعلم أنّ النسب الفائقة إذا وقعت بين المعاني المتطابقة بأنفسها على الصورة المختارة التي تقدّم ذكرها في الكلام على ما تناظر من الكلم، من حيث إنّ المعاني متناظرة، كان ذلك من أحسن ما يقع في الشعر، فإنّ للنفوس في تقارب المتماثلات وتشافعها، والمتشابهات والمتضادات وما جرى مجراها تحريكًا وإيلاعًا بالانفعال إلى مقتضى الحال".
فحديث حازم عن التناسب وعلاقته بالأسلوب في غايّة الدقّة والموضوعية، فقد عدّ التناسب عنصرًا بارزًا من عناصر الجمال في المرئيات والمسموعات، وكان من أعمق النقّاد فهمًا لقيمة هذا المبدأ الجمالي، وأكثرهم توسيعًا لمفهومه، وتعميقًا لمعناه. إذ يرى أنّه العنصر المهمّ في إدراك العلاقات الخفية بين المعاني، ولذلك فإنّ توزيع الأبيات لا ينبغي أن يبنى على منطقها الظاهري، بل على منطقها الداخلي.
وقد أشار حازم إلى أساليب لها أهميتها الكبيرة في تحقيق التناسب الأسلوبي بين المعاني، وهي: المقابلة، والتقسيم، والتفسير، والمطابقة، والتفريع، ووضّح أنّ صور التناسب تتحقق بين الأشياء المتناظرة؛ لأنّ للنفوس في تقارن المتماثلات وتشافعها، والمتشابهات والمتضادات تحريكًا للنفوس بالانفعال إلى مقتضى الحال. والملاحظ أنّه قرن هذه الأساليب بنماذج تطبيقية أكثرها متداولٌ في الموروث النقدي القديم. 
 
(1) المقابلة: وتكون في الكلام بالتوفيق بين المعاني التي يطابق بعضها بعضًا، والجمع بين المعنيين اللذين تكون بينهما نسبة تقتضي لأحدهما أن يذكر مع الآخر، من جهة ما بينهما من تباين أو تقارب.
ومن أمثلة ذلك قول النابغة الجعدي:
فَـتًى تمَّ فيه ما يَسُـرُّ صديقه    على أنّ فيه ما يسُوءُ الأعَـاديَـا
ففي البيت مقابلة بين سرور الصديق وسوء الأعادي، وهو ما يحقّق تناسبًا معنويًا بين شطري البيت، وأمثلة ذلك في الشعر كثيرة، ويرى حازم أنّ المقابلة أنواعٌ كثيرة، وهي ليست مقتصرة على مقابلة التّضاد كما يفهم كثيرٌ من الناس، وساق شواهد أخرى لإثبات وظيفتها في البناء الداخلي للنصّ وتحقيق التناسب المعنوي في الكلام. 
 
(2) التقسيم: عرف حازم التقسيم فقال: "هو أن يبتدئ الشاعر فيضع أقسامًا فيستوفيها، ولا يغادر قسمًا منها". ثمَّ ذكر أمثلته المعروفة عند البلاغيين، وتوسّع في بيان وظيفته منطلقًا من قول التهامي:
أَبَـانَ لنَـا منْ دُرِّهِ يومَ وَدَّعَـا   عُقُـودًا وألفَـاظًا وثَغْـرًا وأدْمُـعَا
والشاهد فيه أنّ الشاعر ذكر الدرّ مرّة واحدة، ثمّ أورد الأشياء المنتسبة إليه تقسيماً متناسقًا.
وضروب التقسيم عنده على أنواع مختلفة، أمّا أفضل ما يستحق اسم (صحّة التقسيم) في هذا الباب فهو ثلاثة أنواع:
(أ) تعديد أشياء ينقسم إليها شيءٌ لا يمكن انقسامه إلى أكثر منها.
(ب) تعديد أشياء تكون لازمة عن شيء على سبيل الاجتماع أو التعاقب.
(ج) تعديد أشياء تتقاسمها أشياء لا يصلح أن ينسب منها شيء إلاّ إلى ما نسب إليه من الأشياء المتقاسمة. 
ومن الشواهد التي ساقها على صحّة التقسيم قول الشمَّاخ:
مَتى ما تَقَع أَرساغُهُ مُطمَئِنَّةً       عَلى حَجَرٍ يَرفَضُّ أَو يَتَدَحرَج
والبيت في وصف سنابك الفرس وأثرها القوي في الحجر؛ وقد قسمه الشاعر إلى قسمين: الحجر الرخو الذي يرفض، والحجر الصلب الذي يتدحرج، وبقوله (مطمئنة) صحّت القسمة وكملت. ويفهم من كلام حازم أنّ أفضل أنواع التقسيم ما كان صحيحًا تامًا؛ لأنّه التناسب المطلوب بين المعاني، كما أنّه يقوّي عناصر التماسك بين أجزاء النصّ.
 
(3) التفسير: عدَّ حازم التفسير أحد عناصر التناسب بين المعاني، والتفسير عند قدامة بن جعفر: "أن يضع الشاعر معاني يريد أن يذكر أحوالها في شعره الذي يصنعه، فإذا ذكرها أتى بها من غير أن يخالف معنى ما أتى به منها، ولا يزيد أو ينقص"، واكتفى حازم بذكر شواهده وأنواعه، ومنها قول المتنبي:
ذَكـيٌّ تَظَنّـيهِ طَليعَةُ عَينِهِ       يَرى قَلبُهُ في يَومِهِ ما تَرى غَدا
وهو من باب تفسير الإيضاح، وهو إرداف معنًى فيه إبهام ما بمعنى مماثل له إلاّ أنّه أوضح منه.
ووضع حازم شروطًا للتفسير الحسن أهمّها:
(أ) تحرّي المطابقة بين المفسَّر والمفسِّر.
(ب) التحرّز من نقص المفسِّر عمّا يحتاج إليه في إيضاح المعنى المفسَّر.
(ج) التحرّز من الزيادة التي لا تليق.
(د) ألاّ يكون في المفسِّر زيغٌ عن سنن المعنى المفسَّر ولا عدولٌ عن طريقه حتى يكون غير مناسبٍ له.
فالمحافظة على مبدأ التناسب بين المعاني هي الأساس في هذا الأسلوب اللطيف، ولذلك عاب حازم التفسير الذي لا يحقق مبدأ التناسب وعدّه من التفسير الفاسد، ومن أمثلة ذلك قول الشاعر:

فيا أيّهَا الحَـيْرَانُ في ظُلمِ الدُّجى
تعالَ إليهِ تَـلْـقَ من نُـورِ وجههِ

ومن خافَ أن يلقاهُ بغيٌ من العِدَى
ضياءً ومِـنْ كَفَيْهِ بحْرًا من النَّدى
 

فمقابلة ما في عجز البيت الأول (بغيٌ من العِدَى) بما في عجز البيت الثاني (بحْرًا من النَّدى) غير صحيحة، ومثل هذا مخلٌّ بوضع المعاني (التناسب)، ومُذهبٌ لطلاوة الكلامِ.
 
(4) المطابقة: وهي: "أن يُوضعَ أحدُ المعنيين المتضادين أو المتخالفين من الآخر وضعًا متلائمًا". فأساس المطابقة (أو الطباق) هو الملاءمة بين اللفظين المتضادين، وهو ما يحقّق تناسبًا بين المعاني، وجمالاً في التراكيب، ومن شواهدها قول المتنبي:
أَزورُهُم وَسَوادُ اللَيلِ يَشفَعُ لي       وَأَنثَني وَبَياضُ الصُبحِ يُغري بي
وقد أُعجب حازم بهذا البيت وعدَّه من إبداعات المتنبي؛ لأنّ الشاعر جمع فيه بين المطابقة المحضة (سواد وبياض)، والمطابقة غير المحضة (أزور وأنثني) و(الليل والصبح).
 
(5) التفريع: وهو "أن يصف الشاعر شيئًا بوصفٍ ما، ثمّ يلتفتُ إلى شيءٍ آخر يوصفُ بصفةٍ مماثلةٍ أو مشابهةٍ، أو مخالفة لما وصف به الأول، فيستدرج من أحدهما إلى الآخر، ويستطرد به إليه على جهةِ تشبيهٍ أو مفاضلةٍ أو التفاتٍ، أو غير ذلك ممّا يناسبُ به بين بعض المعاني وبعض، فيكون ذكرُ الثاني كالفرعِ عن ذكر الأول".
فالتفريع هو نوعٌ من التنويع في المعاني، وذلك بزيادة المعاني المتشابهة أو المتخالفة بطريق الاستطراد، وشرطه عند حازم تحقيق التناسب بين المعنى الأصلي والمعنى الفرعي، ومن أمثلة ذلك قول الكُميت:
أحلامُـكم لسَقامِ الجَهْلِ شَـافِيَة       كما دماؤكم يُشفَى بها الكَلَبُ
واشترط حازم لصحّة التفريع وجودته الشروط الآتية:
(أ) أن تكون النقلة من أحد المعنيين إلى الآخر متناسبة.
(ب) أن يكون المعنى الثاني ممّا يحسن اقترانه بالأول.
(ج) أن يفيد حسن موقعٍ من النفس.
ودعا حازم إلى عدم المبالغة في التفريع في القصيدة كلّها، أو في بعض فصولها، بل يُـكتفى باستخدامه في بيتٍ أو فصلٍ دون الإطالة في ذلك، حتّى لا تسأمه النفوس؛ لأنّ شيمتها الضجر بما يتردّد، والولعُ بما يتجدّدُ.
وتحدّث حازم عن التناسب الذي يكون في الأوزان الشعرية، وعدّه من أسياسيات الشِّعرية، وأشار إلى أنّه الأصل والمنطلق في علم البلاغة. 
 
(ج) التلطّف في الانتقال: وهو مصطلح قريب من مصطلح "حسن التصرّف"، وهما من المصطلحات الأساسية في بناء الأسلوب الشعري؛ لأنّهما متعلّقان بتنظيم المعنى ضمن النسيج الداخلي للنصّ الشعري، يقول حازم: "يجب على من أراد حسن التصرّف في المعاني بعد معرفة ضروبها التي أجملتُ ذكرها، أن يعرف وجوه انتساب بعضها إلى بعض ... إنّه قد يوجد لكل معنى من المعاني التي ذكرتها معنًى أو معانٍ تناسبه وتقاربه، ويوجد له أيضًا معنًى أو معانٍ تضادّه وتخالفه... فإذا أردت أن تقارن بين المعاني، وتجعل بعضها بإزاء بعض، وتناظر بينها، فانظر مأخذًا يمكنك معه أن تكوِّن المعنى الواحد وتوقعه في حيِّزين، فيكون له في كليهما فائدة، فتناظر بين موقع المعنى في هذا الحيِّز وموقعه في الحيِّز الآخر، فيكون من اقتران التماثل، أو مأخذًا يصلح فيه اقتران المعنى بما يناسبه، فيكون هذا من اقتران المناسبة، أو مأخذًا يصلح فيه اقتران المعنى بمضاده، فيكون هذا مطابقة أو مقابلة، أو مأخذًا يصلح فيه اقتران الشيء بما يناسب مضاده فيكون مخالفة، أو مأخذًا يصلح فيه اقتران الشيء بما يشبهه ويستعار اسم أحدهما للآخر، فيكون هذا من تشافع الحقيقة والمجاز".
ويرتبط مفهوم التلطُّف في الانتقال بقدرة القائل (الشاعر) وتمكّنه من الصناعة الشعرية؛ فقد أشار حازم إلى ستَّة أنواع من التصرّف تحقّق هذا الغرض، وتحقِّق المنازع المميّزة لاتجاه الشاعر ومذهبه الشعري، يقول: "ولا يخلو لطف المأخذ في جميع ذلك من أن يكون: (1) من جهة تبديل، (2) أو تغيير، (3) أو اقتران بين شيئين، (4) أو نسبة بينهما، (5) أو نقلة من أحدهما إلى الآخر، (6) أو تلويح به إلى جهة أو إشارة به إليه. وهذه الأنحاء الستّة من التصرّف لا تخلو من أن تكون متعلّقة مما يرجع إلى المعاني الذهنية بالتصوّرات منها، أو بالنسبة الواقعة بين بعضها وبعض أو بالأحوال المنوطة بها، أو بجهة الأحكام فيها أو بالمحدّدات لها، أو بأنحاء التخاطب المتعلّق بها".
فأشكال التصرّف هذه شبيهةٌ بعمليات "الانزياح" التي تحدّث عنها الأسلوبيون المعاصرون، وهي التي تحقق جودة الهيئة للقول الشِّعري، وهي جزء من التناسب الذي يحقق بناء النصّ في وحدة متكاملة منسجمة. فالإشارة إلى مبدأ الاختيار والتأليف اللذين يقومان على إجراءات كثيرة مثل: التبديل، والتغيير، والنقلة، والتقديم والتأخير، والتلويح، والإشارة، والاقتران أو النسبة بين شيئين بما يدخل تحتهما من ضروب الاقتران والنسبة، وما تضمنته من عمليات تجاور وإبدال واستعارات ومجاز وتشبيه، كلّها تشير إلى هذه العملية المزدوجة من الاختيار والتأليف، وهذا شبيه بقول جاكبسون: "الاختيار ناتج على أساس قاعدة التماثل والمشابهة، والمغايرة، والترادف، والطباق، بينما يعتمد التأليف وبناء المتوالية على المجاورة، وتُسقط الوظيفة الشعرية مبدأ التماثل لمحور الاختيار على محور التأليف".
وأمّا عن شروط إتقان هذا النوع من الـرَّبط الداخلي بين الأجزاء فهو الخبرة بالشعر ووظيفته، قال حازم موضّحًا ذلك: "يجب على من أراد جودة التصرّف في المعاني وحسن المذهب في اجتلابها، والحذق بتأليف بعضها إلى بعض أن يعرف أنّ للشعراء أغراضًا أُول هي الباعثة على قول الشعر، وهي أمور يحدث عنها تأثيراً وانفعالات للنفوس...". وهذا النصّ يشير إلى أهمّية الأسلوب في بناء القصيدة الشعرية، وأهميته في الترابط الشكلي والمضموني بين جميع الأجزاء في النصّ الواحد. وأمّا عن أثر هذه الصناعة المعنوية القائمة على التنويع وحسن الربط بين المعاني، وحسن الانتقال من معنى إلى آخر فهو التأثير في المتلقِّي؛ لأنّ "النفوس تحبّ الافتنان في مذاهب الكلام، وترتاح للنقلة من بعض إلى بعض، ليتجدّدَ نشاطها بتجدّد الكلام عليها". 
ولعلّ من الشروط التي قد تحقّق هذا التناسب الداخلي بين المعاني الشعرية المزاوجة بين الفكر والوجدان، فقد أشار حازم إلى أنّ الشعر الجيّد هو الذي تتحقّق فيه هذه المزاوجة، قال: "المراوحة بين المعاني الشعرية والمعاني الخطابية أعود براحة النّفس، وأعون على تحصيل الغرض المقصود، فوجب أن يكون الشعرُ المراوَحُ بين معانيه أفضلَ من الشعر الذي لا مراوحة فيه".
والأساليب التي تظهر فيها معالم التجديد عند الشعراء هي: المطابقة والمقابلة، والتقسيم والتفسير، والاستهلال والتخلّص، فضلاً عن المراوحة بين المعاني الشعرية والمعاني الخطابية، على أنّ التجديد في المنازع لا يعني الابتكار من عدم، وإنّها التوق إلى الاختيار الموفّق والاستمرار فيه.
وقد كان لجاكبسون فضل عقلنة هذا المنحى في تحديد الأسلوب؛ فقد نظر إلى الحدث اللساني بأنّه "تركيب عملتين متواليتين في الزمن ومتطابقتين في الوظيفة، وهما اختيار المتكلّم لأدواته التعبيرية من الرصيد المعجمي للغة، ثمّ تركيبه لها تركيبًا تقتضي بعضه قوانين النحو، وتسمح ببعضه الآخر سُبُلُ التصرّف في الاستعمال، فإذا الأسلوب يتحدّد بأنّه توافق بين العمليتين؛ أي تطابقٌ لجدول الاختيار على جدول التوزيع، ممّا يفرز انسجامًا بين العلاقات الاستبدالية التي هي علاقات غيابية يتحدّد الحاضرُ منها الغائب، والعلاقات الركنية وهي علاقات حضورية تُمثّل تواصل سلسلة الخطاب بحسبِ أنماطٍ بعيدةٍ عن العفوية والاعتباط".
 
(4) علاقة الأسلوب بالتخييل
التخييل عند حازم هو "أن تتمثّل للسَّامع من لفظ الشَّاعر المخيّل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه، وتقوم في خياله صورة أو صور ينفعل لتخيّلها وتصوّرها، أو تصوّر شيء آخر بها انفعالاً من غير رويّة إلى جهةٍ من الانبساط أو الانقباض"؛ فالتخييل عميلة يقوم بها الشاعر، ويقع تأثيرها على المتلقي؛ وكثيرًا ما يرتبط مفهوم التخييل مع المحاكاة، ويبدو أنّ الفرق بينهما هو أنَّ المحاكاة وسيلة للتخييل، وليست مرادفة له. ويرى جابر عصفور أنَّ التخيُّل مرتبطٌ بمخيّلة المبدع، وأمّا التخييل فمرتبطٌ بالأثر في المتلقِّي؛ أي أنّه هو الأثر المصاحب لهذا الفعل بعد تشكُّله.
فالتخييل في الشعر يكون من جهة المعنى، ومن جهة الأسلوب، ومن جهة اللفظ، ومن جهة النظم والوزن، والتخييل في الأسلوب هو من التخاييل المستحبّة ولكنّها أكثر تأكيدًا تخييل الألفاظ والأوزان والنظم؛ لأنّها متعلّقة بالمعاني. 
ويُقسَّم التخييل بالنظر إلى إجراءاته إلى قسمين: تخييل أوّلي، وتخييل ثانٍ؛ "فالتخييل الأوَّل يجري مجرى التخطيط الذهني للصور وتشكيلها، والتخييل الثاني يجري مجرى النقش والتزيين في تلك الصور، ونفوس المتلقين تتأثّر وتبتهج بالتخاييل الثواني؛ "لأنّ الصيغ تنميقاتُ الكلام وتزييناتٌ له، فهي تجري من الأسماع مجرى الوَشْيِ في البرود، والتفصيل في العقود من الأبصار". فهناك حركتان للتخييل في الذهن، أمّا الأولى فهي حركة جمع وتنظيم لا تعدو مجرّد التركيب البسيط العادي للمعنى، وأمّا الثانية فهي حركة خلق وإنجاز تسبغ على المعنى العادي زينة وألقًا وقدرة على التأثير. والأسلوب يظهر عمله في مرحلة التخييل الثانية؛ لأنّ تحقيق عناصر الإبداع هو أساس في تشكيل المعاني في صور متناسقة، وأبنية متآلفة، وأشكال جميلة، ومن شأن ذلك كلّه إحداث الأثر النفسي في المتلقي، الذي تكون استجابته دائمة للأشياء الجميلة الدَّالة على معنًى أو قيمة.
ولعلّ هذا التمييز بين الخيالين الأولي والثاني يذكرنا بمقولة كوليريدج Coleridge التي ميّز فيها بين خيالين: "خيال أوَّلي هو مَلَكَة إنشائية عامّة، وخيال ثانوي هو الخيال الفنّي الخالق الذي يمثّل أسمى طاقات الإنسان". وهذا الخيال الثاني هو الذي ينظر إلى العمل الفنّي أو إلى القصيدة في إطارها العامّ، وهو الذي يجعل أبواب الإنتاج الفنّي مفتوحة دائمًا أمام المبدعين، ولا سيّما في مجال التفنّن في الأسلوب.
وفكرة حازم عن التخييل ترشدنا أيضًا إلى فكرة العدول أو الانزياح التي تحدث عنها الأسلوبيون المعاصرون التي تسهم في بناء النصّ الأدبي، "فهيلين فدرينH. Vedrine   تؤكّد أنّ الخيال المحض أو الخيال المنتج قد أصبح فعلاً مع هيوم Hume  ثمّ مع كانت Kant عملاً من أعمال الرَّبط Liaison ومبدأ من مبادئ التركيب والتأليف Synthese". "فالتخييل هو سرّ الإبداع في الشعر، والأسلوب هو أحد أدوات الإنجاز التي تحقّق التخييل، ومن هنا حسم حازمٌ مسألةَ الجدل الطويل بشأن صدق الشِّعر أو كذبه، وأكّد أنّه جدلٌ فيه خروج عن طبيعة البحث النقدي، فالشعر لا يعدّ شعرًا من حيث هو صدقٌ ولا من حيث هو كذبٌ، بل من حيث هو كلامٌ مُخيَّل"، ورأى أنَّ الغرض النهائي من الشِّعر هو التـأثير في المخاطَب، ولذلك فإنّ كلام حازم هذا فيه تلاق بين ما يراه بالي Bally من أنّ الأسلوب هو إضافة ملمح تأثيري إلى التعبير؛ فالأسلوب - إذن - جزءٌ لا يتجزأ من عملية "التخييل"، وهو الذي يمثّل خروج اللغة من حيّزها العادي إلى حيّز الخَلْقِ والإبداع.
 
(5) علاقة الأسلوب بالنَّظم
النَّظم عند حازم صناعة فكرية من أهمّ شروطها الطَّبع، و"الطبع هو استكمالٌ للنفس في فهم أسرار الكلام، والبصيرة بالمذاهب والأغراض التي من شأن الكلام الشِّعري أن ينحى به نحوها". والنَّظم هو تركيب الكلام على مستوى الألفاظ والعبارات، أي أنّه إنتاجٌ خاصٌّ بالبنية الشَّكلية الخارجية، التي تكون متّحدة ومتجانسة مع البنية الداخلية للنصّ، وقد جعل حازم النّظم مختصًّا بالبنية الأولى والأسلوب مختصًّا بالبنية الثانية. وهذا التكامل بين النّظم والأسلوب له أهميته في بناء النصّ الشعري ولن يتحقّق له النجاح إلاّ بتحقيق شروطهما معًا؛ ولذلك وجب أن تكون شروط النَّظم هي نفسها شروط الأسلوب التي ذكرت في المبحث السابق من هذه الدراسة، قال حازم: "ولما كان الأسلوب في المعاني بإزاء النّظم في الألفاظ وجب أن يُلاحظ فيه حسن الاطِّراد، والتناسب، والتلطّف في الانتقال من جهة إلى جهة، والصَّيرورة من مقصد إلى مقصد، ما يُلاحظ في النَّظم من حسن الاطِّراد من بعض العبارات إلى بعض، ومراعاة المناسبة ولطف النَّقلة". 
وأفكار حازم بشأن النَّظم وأنّه الأساس في البنية الشكلية والتركيبية، تلتقي مع أفكار عبد القاهر الجرجاني في هذا الجانب، غير أنّ عبد القاهر ربط النَّظم بالناحية المعنوية، وعدّ الأسلوب ضربًا من النَّظم، أمّا حازم فقد أعطى للأسلوب مفهومًا جديدًا ووظيفة أخرى حين خصّه بتركيب المعاني ونظمها في سياقات متناسبة، ومنسجمة مع الأغراض والمقاصد، ومحققّة التأثير في نفس المتلقِّي. وتلتقي فكرة حازم مع أفكار بعض الدارسين المحدثين منهم (جوتيه) الذي يقول عن الأسلوب: "الأسلوب هو مبدأ التركيب النشط الرَّفيع الذي يتمكَّنُ به الكاتب من النفاذ إلى الشَّكل الداخلي لمادته والكشف عنه"؛ أي أنّه عملية البناء الداخلي للنصّ، وهي العملية المعقّدة التي لا يستطيع النفاذ إليها إلاّ الشعراء المبدعون الذين يملكون الخيال الواسع الذي يكشف عن قدراتهم الفنية والجمالية في التعبير اللغوي. 
 
(6) علاقة الأسلوب بالجهة والغرض والطرق الشِّعرية
مصطلح الجِهَةِ يعني: ما تُوجّه الأقاويل الشعرية لوصفه ومحاكاته، مثل: الحَبيب، والمنزل، والطَّيف في طريق النسيب، وأمّا الغرض الشِّعري فهو تلك: الهيئات النَّفسية التي يُنْحَى بالمعاني المُنتسبة إلى تلك الجِهَات نحوها، ويُمال بها إلى صوغها؛ فكأنّ الجهة تتعلّق بموضوع الشعر، والغرض بالحالة النفسية للشاعر التي جعلته مهتمًا بذلك الموضوع، راغبًا في نقله إلى المتلقِّي من أجل إشراكه في تلك التجربة الشعورية الفريدة.
 وقد أكّد حازم في حديثه عن الأغراض الشِّعرية علاقة الأسلوب بالجِهة والغرض الشعري، وهو شبيه بما نسمِّيه في مفهومنا المعاصر علاقة الشِّـفرة بالسِّياق... والشفرة هي اللغة الخاصّة بالسِّياق؛ أي أنّها الأسلوب الخاصّ بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النصّ الأدبي. والشاعر المبدع يستطيع ابتكار شفرته التي تحمل خصائصه هو جنبًا إلى جنب مع خصائص شفرة السياق الخاصّة بجنسه الأدبي الذي أبدع فيه. وهذا هو الذي أشار إليه حازم حين ذكر أنّ الشاعر إذا ما اطّرد في قصائده على كيفية ما في المضي على مضمار جهة القول والسياق العام، استطاع أن يميِّز أسلوبه، ولذلك كان الأسلوب هو بمثابة الشِّفرة المميّزة لفردية العمل الإبداعي، وهو يتحدّد من خلال مجموعة من السياقات الذي يكون من أبرزها ارتباط الكلام بالمقام الذي يقال فيه.
وتحدَّث حازم عن علاقة الأسلوب بالطَّريق الشعري في القسم الأخير من كتابه، وقد قسَّم الشِّعر إلى طريقتين: طريقة الجدّ وطريقة الهزل، ويظهر في تعريفه لطريقتي الجدِّ والهزل الصَّدَى الأرسطي لمفهوم التراجيديا والكوميديا؛ حيث يظهر اعتماده على "ملاحظة أرسطو من أنّ الشعراء الأخيار مالوا إلى محاكاة الفضائل، والشعراء الأرذال مالوا إلى محاكاة الرَّذائل، وما فَهِمَه من تلخيص ابن سينا من أن التراجيديا محاكاة ينحى بها منحى الجدّ، والكوميديا محاكاة ينحى بها منحى الهزل والاستخفاف". 
وقد ميّز حازم بين الطَّريقة الشِّعرية والأسلوب الشِّعري؛ فالاستمرار على أسلوب شعري مؤثّر هو الطَّريق الشِّعري، وهو ما نسمِّيه بالمذهب الشِّعري، ويسمّيه حازم "المنزع"، كمنزع ابن المعتز في التَّشبيه، ومنزع البحتري في وصف الطَّيف،". فكأنَّ المنزع هو: "القانون العام في شعر شاعر ما"؛ أو هو "العنصر البارز" في الطَّريقة الشِّعرية؛ فالاستمرار على أسلوب معيّن هو الذي يحدّد منزع الشاعر أو طريقه الشِّعري، وقد أدرك حازم بعمق مبدأ الاختلاف بين الشعراء، وذلك من خلال بيان خصائص الأسلوب عند كلِّ شاعر، كما هو الحال عند ابن المعتز في خمرياته، والبحتري في طيفياته، والمـتنبي في حكمته.
فالطَّريق الشِّعري يمكن تحديده من خلال دراسة الأسلوب بعمق، لأنّه يحوي الأسلوب في طياته، ولا يمكن الكشف عن مذهب شاعر معيّن من دون الكشف عن أساليبه والتأمّل في خصائصها، وهذه الأفكار تلتقي في مجموعها مع الدراسات الأسلوبية الحديثة التي تثبت فردية العمل الأدبي، وتصرّ على دراسة السمات الأسلوبية للتعرّف على النصّ وكاتبه.
 
(7) علاقة الأسلوب بقضية المفاضلة بين الشعراء
رأي حازم في قضية المفاضلة بين الشعراء أقربُ إلى الواقعية بين آراء النقاد الذين سبقوه؛ فالمفاضلة عنده أمر تقريبي لا يمكن القطع به؛ لأنَّ الشعر يختلف بحسب أنماطه وأساليبه، وأنساقه وسياقاته، كما أنّ عامل الزمن لا يمكن أن يكون عنصرًا فعَّالاً في تفضيل شاعر على آخر، ولكن ربّما تختلف البواعث والأسباب المهيئة لدى الشعراء، وحينئذٍ يمكن المفاضلة بصورة تقريبية عامّة، "كما نفضِّل شعراء العراق على شعراء مصر؛ إذ لا تناسب بينهم في توفُّر الأسباب المهيِّئة لقول الشعر". وعلى العموم فقد استبعد حازم المفاضلة ورآها بعيدة المنال بسبب التباين الكبير بين الشعراء في أساليب الشعر وطرائقه، كما أنّ في كلامه إشارات إلى فردية العمل الشعري، وأنّ النصوص الأدبية لا يمكن أن تتشابه؛ لأنّها صناعات وتجارب مختلفة. 
وهذا القول يذكرنا بكلام الأسلوبيين عن فردية العمل الأدبي، وأنّ كلّ عمل فيه من السِّمات والخصائص الأسلوبية التي تجعله قائماً بذاته، ولذلك لا مجال للمفاضلة بين النصوص، بل لا مجال للمفاضلة بين النصوص عند شاعر بعينه، فكلُّ نصّ إبداعي هو تجربة شعورية قائمة بذاتها. وقد قال (بوفون): "إنّ المعارف والوقائع والاكتشافات تتلاشى بسهولة، وقد تنتقل من شخص لآخر، ويكتسبها من هم أعلى مهارة، فهذه الأشياء تقوم خارج الإنسان، أمّا الأسلوب فهو الإنسان نفسه، فالأسلوب إذن لا يمكن أن يزول ولا ينتقل ولا يتغيّر"؛ فكلّ أسلوب هو صورةٌ تعكس طريقة تفكير صاحبه، وترشدُ إلى شخصيته وطبيعة مواقفه ونظرته إلى الأشياء. وقد استبعد حازم المفاضلة بين الشعراء نظرًا لصعوبة تحقّقها، وإلى جانب ذلك حرص على الإبداع واستمراره، ونظر إلى المعاني التي تسمو بالإنسان من جهة السلوك الأخلاقي هي الأجدر بالبقاء، والأولى بالعناية، كما أنّه أكَّدَ أنّ تجويد الصناعة المعنوية راجع بالأساس إلى تجويد الأسلوب.
 
(8) بناء النصّ الشعري عند حازم القرطاجنّي 
كان هدف حازم في "منهاجه" محدّدًا وواضحًا؛ فقد سعى إلى استنباط قوانين كلّية تستوعب "الشعرية" في الشعر العربي، ويبدو أنّ عمله هذا كان تكميليًا لعمل الحكماء الذين سبقوه أمثال أرسطو وفلاسفة العرب كالفارابي وابن سينا، وقد تناول عملية الصناعة الإبداعية للشعر من خلال العناصر التداولية الثلاثة المكوِّنة لعملية التخاطب وهي: الباثُّ (الشاعر)، الرسالة (النصّ الشعري)، والمتلقِّي. كما أشار إلى مبادئ عامّة تسهم في تكوين الإبداع الشعري، فكان عمله تنظيريًا بالدرجة الأولى، ولم يقحم نفسه في الإجراءات التطبيقية – إلاّ في القليل النادر- وسنشير بإيجاز إلى أبرز القواعد التي استنبطها في بناء النصّ، ووظيفة الأسلوب وأهمّيته في إنتاج الشعر وتماسك النصّ الإبداعي. 
 
أولاً: مبادئ عامّة
 (أ) يرى حازم أن الشعر صناعة لها قوانينها المتَّبعة، وهي ليست مجرّد نظم للعبارات وترتيب للأوزان، فـمن "ظنّ أن الشِّعرية في الشِّعر إنّما هي نظم أيّ لفظ كيف اتّفق نظمه وتضمينه أيّ غرضٍ اتّفق على أيّ صفة اتّفق، لا يعتبر عنده في ذلك قانون ولا رسم موضوع، وإنّما المعتبر عنده إجراء الكلام على الوزن والنفاذ به إلى قافية، فلا يزيد بما يصنعه من ذلك على أن يُـبْدِي عن عَـوَارِه، ويُـعْرِبُ عن قُبْحِ مذاهبه في الكلام وسُوء اختياره". 
 (ب) يقوم الشعر عند حازم على عناصر منها: حسن التخييل والمحاكاة mimesis، أو الصدق، أو الإغراب، ولذلك "كان أحسن الشعر ما حسنت محاكاته وهيئته، وقويت شَهْوَتُهُ أو صدقه، أو خَفِيَ كذبه وقامت غَـرَابَتُهُ"، وأردأ الشعر ما كان عكس ذلك. "والمحاكاة هي سبب التأثير في المتلقِّي؛ لأنّ النفوس تلتذُّ بالمحاكاة، وأمّا لماذا تكون لذة الناس بالمحاكاة أكثر من التذاذهم بالشيء نفسه؟ فلأنّ اللذة حادثة في الحالين، إلاّ أنّها مختلفة في طبيعتها، فاللذة من رؤية الشَّيء نفسه نابعة من حسن ذلك الشيء، أمّا اللذة من المحاكاة فإنّها نابعة من التَّـعْجِيبِ... إنّ منظر الشَّمعة أو المصباح ربّما كان جميلاً، ولكن انعكاس صورة الشَّمعة أو المصباح على صفحة مائية صافية أجمل بكثير من الشيئين في الواقع، أولاً: لحدوث افتراقات جديدة (بين الضوء وصفحة الماء)، وثانيًا: لأنّ هذه الصورة أقلّ تكراراً من رؤية الشَّمعة نفسها، والنفس إلى ذلك أميل ذهابًا مع الاستطراف".
 
ثانيًا: شروط تخصّ الباثّ (الشاعر) 
(أ) أعطى حازم أهمّية كبيرة للشاعر، وبيّن الشروط الموضوعية التي تجعله قادرًا على الإبداع، وهي شروط تتعلّق بالبيئة الخارجية، وبالأدوات العلمية التي تمكّنه من صناعة الشعر، وبالعوامل النفسية التي تؤدي وظيفة مهمّة في تشكيل الإبداع وإنتاجه، وهذه الوظيفة الشعورية هي التي يسميها جاكبسون الوظيفة الانفعالية (emotive) التي تكون خاصّة بالباث.
 ومن أبرز هذه الشروط:
1- المهيِّئات: وأهمّها البيئة الجميلة والهواء المعتدل والمطعم الطيّب، ومخالطة الفصحاء وحفظ كلامهم.
2- الأدوات: وهي العلوم التي تُعنى باللغة وحسن التعامل مع الألفاظ والمعاني.
3- البواعث: وهي الدوافع النفسية، وتشمل الأطراب والآمال؛ فالأطراب كعوامل الحنين، والآمال كالاستشراف إلى العطاء وما أشبه ذلك. وهذه العوامل هي التي تسهم في إيجاد الطَّبع لدى الشاعر، وتُهيّئ له أسباب التجويد في صناعة الشعر. 
(ب) من شروط الإبداع الشعري أن تتوفّر لدى الشاعر ثلاثُ قوى، وهي التي يتحقّق بها ما يسمّى "الطَّبع الجيّد":
1- القوَّة الحافظة: وذلك بأن تكون خيالات الفكر منتظمة متمايزة، تعرف أغراض الشعر وما يناسبها من تصوّرات متناسقة.
2- القوَّة المَائِزَة: وهي التي يميّز بها الشاعر ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض ممّا لا يلائم.
3- القوَّة الصَّانعة: وهي التي تتولَّى ربط أجزاء الألفاظ والمعاني، وبناء النصّ في شكله الخارجي (النَّظم) وشكله الداخلي (الأسلوب). 
فالشعر صناعة تعتمد على إعمال الفكر وتحريك الخيال، وحسن التصرّف في الأساليب، وجمال التعبير بالعدول والانزياح، فيورد "الكلام أو بعضه بنوعٍ من التصرّف والتغيير أو التضمين، فيحيل على ذلك أو يضمّنه، أو يدمج الإشارة إليه، أو يورد معناه في عبارة أخرى، على جهة قلبٍ أو نقلٍ، إلى مكان أحقّ به من المكان الذي هو فيه، أو ليزيد فيه فائدة فيتممه أو يتمم به، أو يحسِّن العبارة خاصّة، أو يصيّر المنثور منظومًا"، والقوّة المائزة هي التي يميّز بها الشاعر ما يلائم الغرض والنظم والأسلوب، والقوّة الصَّانعة هي التي تتولّى بناء النصّ الشعري. وقد أشار حازمٌ إلى أنّ إنتاج الإبداع الشعري مرتبطٌ بتوفُّر عشر قوى لدى الشاعر – تقع ضمن القوّة الصانعة والمائزة - تعود في مجملها إلى قوة المحاكاة والتشبيه والتصوير، فضلاً عن قوة صناعة الأسلوب التي ترجع إلى التناسب بين المعاني (أو الجهات)، والتنويع في التعبير (الالتفات)، والقدرة على الربط بين الفصول والأبيات.
(ج) يحتاج الشاعر إلى طبعٍ وممارسة من أجل الإجادة في قول الشعر، وكلا الشيئين مرتبطٌ بقوَّة الخيال لديه، وهي هي قوة تفرض شيئاً من التصوّر الذي يحيط بما يريد الشاعر تحقيقه، ولذلك فإنّ عليها أن ترسم (1) المقاصد الكلية (2) طريقة إيراد تلك المقاصد وأسلوب إيرادها (3) ترتيب المعاني في الأسلوب المتخيّر (4) تشكّل المعاني في عبارات (5) تخيّل المعاني واحداً بعد آخر بسبب الغرض (6) مكمّلات المعاني وزينتها (7) ملاءمة تلك المعاني للإيقاع (8) ملاءمة المعنى الملحق بالمعنى الأصلي لاكتمال البيت الواحد. وتشير هذه العملية المعقّدة التي تعود بالأساس إلى إجراءات الأسلوب وتقنياته إلى بعض نظريات الأسلوبيين المعاصرين؛ نذكر منهم مولينيه Molinie الذي تحدّث عن أربعة حقول مُميِّزة للأسلوب: حقل المفردات Lexique، وحقل المميِّزات Caracterisants (دراسة الأدوات المستخدمة في العلم لتثبيت مقام العبارة، وبصورة خاصّة أكثر لتثبيت الدور النحوي للاستعمال المختلف لمحدّدات الاسم، وللوحدات البنيوية الصغرى للمحدّد الكلامي...)، وحقل التوزيع والجملة Distribution et phrase، وهو مستوى التنظيم الجملي (تحليل مجموعات من الكلمات والعلاقات بين مجموعات الكلمات)، وحقل الصور البلاغية Figures، وهو حقل خاصّ بالصور المجازية بالأساس.
 
ثالثًا: شروط بناء النصّ الشعري
تحدّث حازم عن بناء القصيدة في صورتها الكلية فقال: "المنهج الرابع في الإبانة عن كيفية العمل في إحكام مباني القصائد وتحسين هيئاتها، وما تعتبر به أحوال النّظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائمًا للنفوس أو منافرًا لها"، وهو أحد النقَّاد القلائل الذين أكّدوا ضرورة النَّظر إلى العمل الأدبي كاملاً. ويقوم بناء القصيدة عند حازم على ثلاث وحدات أساسية تتضام وتتفاعل في تماسك عضوي هي: وحدة الإيقاع الخارجي، ووحدة البناء الداخلي، ووحدة الشعور النفسي.
 
(أ) وحدة الإيقاع الخارجي: وتعود إلى الوزن الذي يميّز الشِّعر عن النثر، والوزن "لا بدَّ في المنظوم حتى يعدّ شعرًا أن يكون مستطابًا"؛ أي لا بدَّ فيه من معايير الجودة والتناسب بين المحتوى والمقاصد والأغراض والمعاني التي يريد الشاعر التعبير عنها.
(ب) وحدة البناء الداخلي: وتتعلّق بالأسلوب وبالنَّظم الداخلي؛ أي أن تترابط الأبيات، وتنسجم المعاني، وتتلاحم الفصول في ضرب من الالتحام عجيب؛ بحيث لا يكاد المتلقي يشعر بالتقطّع أو التوقف في أي موقع كان من القصيدة، ويمثّل هذا خلاصة ما توصّل إليه الأسلوبيون المعاصرون من أنّ "الأسلوب هو آلية بناء النصوص"، فـ"الأسلوب هو العلامة المميّزة لنوعية مظهر الكلام داخل حدود الخطاب، وتلك السّمة إنّما هي شبكة تقاطع الدّوال بالمدلولات ومجموع علائق بعضها ببعض، ومن ذلك كلّه تتكوّن البنية النوعية للنصّ، وهي ذاته أسلوبه". وقد عرّف جاكبسون النصّ الأدبي بكونه خطابًا تغلّبت فيه الوظيفة الشعرية للكلام، وهو ما يُفضي حتمًا إلى تحديد ماهيّة الأسلوب بكونه "الوظيفة المركزية المنظِّمة"، كما يقرّر ستاروبنسكي أنّ الأسلوب هو القانون المنظّم للعالم الدّاخلي في النصّ الأدبي. 
(ج) وحدة الشعور النَّفسي: ومرجعها إلى إيجاد التناسب بين الأوزان والأغراض، والتناسب بين الأغراض والمشاعر، وأن ترتبط الوحدة الفنية مع الوحدة الشعورية لدى الشاعر؛ بحيث تأتي القصيدة مترابطة متنامية النشوء، متطورة الإحساس، يقول حازم: "أن يكون الكلام غير منفصل بعضه من بعض، وأن يحتال فيما يصل بين حاشيتي الكلام ويجمع بين طرفي القول حتى يلتقي طرفا المدح والنسيب أو غيرهما من الأغراض المتباينة التقاءً مُحكمًا، فلا يختلّ نسق الكلام ولا يظهر التباين". 
 
رابعًا: التلقّي ووظيفة الشعر 
اهتم حازم بالمتلقّي وضرورة مراعاة أحواله ومقاماته المختلفة، كما أنّه حدّد وظيفة الشعر من خلال التأثير في المتلقّي وحمله على الاقتناع، وقد أشار إلى وظائف الشعر الفنّية والاجتماعية والأخلاقية نذكر منها:
 (أ) وظيفة الشعر الاجتماعية والأخلاقية، وقد حددها في أربع وظائف تطول الدين والدنيا، وتطول العقل والوجدان، يقول عنها هي: "إمّا تحسين الشيء من جهة الدين وما تؤثره النفس من الثواب، وما تخافه من العقوبة... وإمّا تحسين الشيء من جهة العقل وما يجب أن يؤثره الإنسان من جهة ما هو عاقل ذو أنفة من الجهل والسفاهة، أو أن يقبح من ضد ذلك... وإمّا تحسين الشيء من جهة المروءات والكرم وما تؤثره النفس من الذكر الجميل... وإمّا تحسين الشيء من جهة الحظّ العاجل وما تحرص عليه النفس من النعمة وصلاح الحال، أو يقبح من ضد ذلك". 
(ب) وظيفة الشعر الفنّية وهي التأثير، ووسيلة ذلك هي "التعجيب"، قال حازم: "والتعجُّب حركةٌ للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قَوِيَ انفعالها وتأثُّرها"، ومبدأ "التعجيب" هذا شبيهٌ بما يُسمِّيه الأسلوبيون المعاصرون عنصر "المفاجأة"، فقد حاول جاكبسون استبطان مدلول المفاجأة، وردّه إلى مبدأ تكامل الأضداد، وقرّر أنّ المفاجأة الأسلوبية هي "تولّد اللامنتظر من خلال المنتظر"، ثمّ دقّق ريفاتير Riffaterreفكرة المفاجأة وردّ الفعل كنظرية في تعريف الظاهرة الأسلوبية، فقرّر بعد التحليل أنّ قيمة كلّ خاصّية أسلوبية تتناسبُ مع حدّة المفاجأة التي تحدثها تناسبًا طرديًا؛ بحيث كلّما كانت غير منظرة كان وقعها على نفس المتقبِّل أعمق.والأسلوب عند ريفاتير قوة ضاغطة مسلَّطة على حساسية القارئ.
وعن وظيفة الأسلوب التأثيرية يقول قيرو Guiraud: "الأسلوب مجموعة من ألوان يصطبغ بها الخطاب ليصل بفضلها إلى إقناع القارئ وإمتاعه، وشدِّ انتباهه وإثارة خياله". وفي حديث حازم عن وظيفة الشعر إشارة إلى هذا المبدأ، فقد قال عن التخييل والإقناع بأنّه: "حمل النفوس على فعل شيءٍ أو اعتقاده، أو التخلّي عن فعله واعتقاده". ووظيفة الشعر هذه هي في حقيقتها وظيفة البلاغة؛ فهدف البلاغة العربية توصيل المعاني إلى القلوب، وتحقيق شروط الإقناع والتأثير في المخاطبين.
ولعلّ من أهمّ الإنجازات التي حاول حازم القيام بها، وجعلت لمنهجه تميّزًا بين مناهج البلاغيين والنقّاد الآخرين الاهتمام بالنصّ في بنيته العامّة، وتكامل الجانب النصّي والخارجي المرجعي في بناء الأدب، وبيان الوظيفة الشعرية، وقد تميّز منهج حازم البلاغي بكونه قريبًا من النقد، فحاول أن يجيب عن أكثر المشكلات الهامّة التي عرضت للنقد الأدبي على مرّ الزمان، من خلال منهج شمولي تناول فيه أركان الخطاب الثلاثة: "الشاعر، والعملية الشعرية، والشعر، وهو منهج قريب من المنهج التداولي الذي تحاول تستند إليه بعض الدراسات اللغوية الحديثة.
 
خاتمة:
(1) حازم القرطاجنّي هو أحد أكثر النقاد وعيًا بقوانين الإبداع الشعري، وقد كان منهجه أصوليًا (إبستمولوجيًا)؛ هدفه البحث في القوانين العامّة للشعرية في الشعر العربي، وبيان أصولها الفلسفية والنفسية، وقد أضاف إلى النقاد الذين سبقوه إضافات جديرة بالعناية ولا سيما في مجال الأسلوب وبناء النصّ.
(2) عُني حازم بدراسة مستويين من اللغة: مستوى الجملة ومستوى النصّ، وتناول مستوى النصّ في مبحثي النظم والأسلوب، وسعى إلى وضع منهج متكامل للنصّ الشعري يقوم على مراعاة عناصر الخطاب الثلاثة: الشاعر، والنصّ الشعري، والمتلقي، ولعلّ من أهمّ إنجازاته الاهتمام بالنصّ في بنيته العامّة، وبيان الوظيفة الشعرية.
(3) الأسلوب هو نوعٌ من النَّظم الداخلي للمعاني داخل الغرض الشِّعري الواحد، وداخل القصيدة المكوّنة من عدّة أغراض؛ فهو أمرٌ خاصٌّ بترتيب المعاني وتأليفها في النّفس، ثمّ يتمُّ وضعها في مكانها المناسب من القصيدة، فهو مرتبطٌ بالبنية الداخلية العميقة التي تبرز خاصّية النصّ، وقد أكّد حازم اختلاف الأسلوب عن النّظم، مع التنبيه على أهمّيتهما وتكاملهما في تشكيل بناء النَّصّ الشعري، وقد سبق ابن خلدون في بيان مفهوم الأسلوب، وربطه بنظرية الشِّعر.
(4) المعايير الفنِّية والموضوعية التي يتحدّد بها الأسلوب الأدبي عن غيره من الأساليب هي: حُسن الاطِّرادِ، والتناسب، والتلطُّف في الانتقال من جهةِ إلى جهةِ؛ فالاطِّراد هو التسلسل الفنّي الجمالي للمعاني الشِّعرية، والتناسب وهو القانون المنظِّم للمعاني والألفاظ في الشعر، وهو العنصر المهمّ في إدراك العلاقات الخفية بين المعاني، والتلطّف في الانتقال متعلّق بتنظيم المعنى ضمن النسيج الداخلي للنصّ الشعري. وهذه المعايير شبيهةٌ بعمليات "الانزياح" التي تحدّث عنها الأسلوبيون المعاصرون، وهي التي تحقق جودة النصّ الشِّعري.
(5) الأسلوب جزءٌ لا يتجزّأ من عملية "التخييل"، وهو الذي يمثّل خروج اللغة من حيّزها العادي إلى حيّز الخَلْقِ والإبداع، ومن شروط الأساليب الشعرية الجيّدة المزاوجة بين الفكر والوجدان.
(6) ميّز حازم بين الطَّريق الشِّعري والأسلوب الشِّعري؛ فالاستمرار على أسلوب شعري مؤثّر هو الطَّريق الشِّعري، وهو ما يسمّى بالمذهب الشِّعري، ولا يمكن الكشف عن مذهب شاعر معيّن من دون الكشف عن أساليبه والتأمّل في خصائصها، وهذه الأفكار تلتقي في مجموعها مع الدراسات الأسلوبية الحديثة التي تثبت فردية العمل الأدبي، وتصرّ على دراسة السمات الأسلوبية للتعرّف على النصّ وكاتبه.
(7) استبعد حازم المفاضلة بين الشعراء نظرًا لصعوبة تحقّقها، وإلى جانب ذلك حرص على الإبداع واستمراره، وأكَّدَ أنّ تجويد الصناعة المعنوية راجع بالأساس إلى تجويد الأسلوب.
(8) اهتمّ حازم بالعناصر التداولية الثلاثة المكوِّنة لعملية التخاطب وهي: الباثُّ (الشاعر)، الرسالة (النصّ الشعري)، والمتلقِّي، وأشار إلى مبادئ عامّة تُسهم في تكوين الإبداع الشعري، وأعطى أهمّية كبيرة للشاعر، وبيّن الشروط الموضوعية التي تجعله قادرًا على الإبداع، وأشار إلى القوى التي تحقّق "الطَّبع الجيّد" وهي: القوة الحافظة، والقوة المائزة، والقوة الصانعة، وهي التي تتولَّى ربط أجزاء الألفاظ والمعاني، وبناء النصّ في شكله الخارجي (النَّظم) وشكله الداخلي (الأسلوب).
(9) يقوم بناء القصيدة على ثلاث وحدات أساسية تتفاعل في تماسك عضوي هي: وحدة الإيقاع الخارجي وتعود إلى الوزن الذي يميّز الشِّعر عن النثر، ووحدة البناء الداخلي وتتعلّق بالأسلوب وبالنَّظم الداخلي، ووحدة الشعور النفسي ومرجعها إلى إيجاد التناسب بين الأوزان والأغراض، والتناسب بين الأغراض والمشاعر.
 (10) تتحدّد وظيفة الشعر من خلال التأثير في المتلقّي وحمله على الاقتناع، وهي الوظيفة الفنّية، كما أنّ هناك وظائف أخرى اجتماعية وأخلاقية.


المصادر والمراجع
(1) أرسطو، كتاب أرسطو طاليس في الشعر، تحقيق شكري عيّاد، (القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب، 1993). 
(2) جاكبسون رومان، قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي ومبارك حنون، (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1988م).
(3) الجرجاني، عبد القاهر (474هـ)، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، (القاهرة: مكتبة الخانجي، ط2، 1989م).
(4) الجرجاني، علي بن عبد العزيز (392هـ)، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي البجاوي، (صيدا، بيروت، المكتبة العصرية) (د.ت).
(5) الخطَّابي، حمد بن محمد (388هـ)، بيان إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله وزغلول سلاّم، (القاهرة: دار المعارف، 1968م).
(6) ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (808هـ)، المقدمة، ط5، دار القلم، بيروت 1984م.
(7) ديكرو أوزوالد، وجان ماري سشايفر، القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان، ترجمة منذر عياشي، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط2، 2007م).
(8) أحمد أبو زيد، التناسب البياني في القرآن، دراسة في النظم المعنوي والصوتي، (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1992م).
(9) سانديرس، فيلي، نحو نظرية أسلوبية لسانية، ترجمة خالد محمود جكعة، (دمشق: دار الفكر، 2003)، ص45. 
(10) السجلماسي، محمد بن أبي القاسم، المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، تحقيق علاّل الغازي، (الرباط: مكتبة المعارف، 1980م).
(11) الشايب، أحمد، الأسلوب دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 2000م).
(12) صلاح فضل، علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، (القاهرة: دار الشروق، 1998م). 
(13) الطرابلسي، محمد الهادي، مظاهر التفكير في الأسلوب عند العرب، ضمن كتاب قضايا الأدب العربي، (تونس: مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية، 1978م).
(14) عباس إحسان، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، (عمّان: دار الشروق، 2001).
(15) أبو العدوس يوسف، البلاغة والأسلوبية، (عمّان: المكتبة الأهلية، 1999م). 
(16) عصفور، جابر، مفهوم الشعر، (بيروت: المركز العربي للثقافة والعلوم، 1982م). 
(17) العمري، محمد، البلاغة العربية أصولها وامتداداتها، (بيروت والدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1999م).
(18) الغذامي، عبدالله، الخطيئة والتكفير، (جدّة: النادي الأدبي الثقافي، 1405هـ). 
(19) ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم (276هـ)، الشعر والشعراء، (بيروت: دار إحياء العلوم، 1994م).
(20) قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق كمال مصطفى، (القاهرة: ط2، مطبعة السعادة، 1962).
(21) القرطاجني، حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، (تونس: دار الكتب الشرقية) (د.ت).
(22) لغزيوي، علي، نظرية الشعر والمنهج النقدي في الأندلس "حازم القرطاجنّي نموذجًا"، (فاس: مطبعة سايس، 2007م).
(23) المسدي، عبد السلام، الأسلوبية والأسلوب، (بيروت: دار الكتاب الجديد، ط5، 2006م).
(24) المصفار، محمود، الشعرية العربية وحركية التراث النقدي بين قدامة وحازم، (تونس: مطبعة سوجيك، 1999م).
(25) مولينيه، جورج، الأسلوبية، ترجمة بسام بركة، (بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط2، 2006م). 
(26) الوهيبي، فاطمة، نظرية المعنى عند حازم القرطاجنّي، (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2002).

المراجع الأجنبية:
1-Abdul-Raof, Hussein, Arabic Rhetoric A pragmatic analysis, Routledge, London and New York,2006.
2-Guiraud.P, la Stylistique,Paris, P.U.F. 7 edit. 1972.

 

البحث

تسجيل الدخول

الأرشيف

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 42 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 2479
المحتوى : 862
عدد زيارات المحنوى : 2990487