مجمع اللغة العربية الأردني

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

التقاء الساكنين بين الحقيقة والوهم (* )

إرسال إلى صديق طباعة

التقاء الساكنين بين الحقيقة والوهم (* )

د. جعفر نايف عبابنة

الجامعة الأردنية

 

(1)

تمهيد

قضية التقاء الساكنين قضية صوتية مهمّة، عني بها الباحثون العرب قديماً وحديثاً، واختلفت فيها الآراء ومناهج التحليل.

ويعد التقاء الساكنين من أهم علل الحذف لدى العلماء العرب القدماء في باب الإعلال خاصة. غير أنه قد علقت به بعض الأوهام، وفُسِّرت به خطأً كثير من التغيرات والسلوكات الصرفية.

ويتم التقاء الساكنين عند القدماء في أربع صور. الصورة الأولى منها هي التقاء ساكنين كلاهما حرف صحيح (أي صامت بعرف المحدثين). والثانية هي التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح. والثالثة التقاء ساكنين كلاهما حرف مدّ. والرابعة التقاء ساكنين أولهما حرف صحيح وثانيهما حرف مدّ. أما النوعان الأول والثاني فهما المبوب لهما في كتب الصرف ويُتناولان في باب التقاء الساكنين خصوصاً. وأما النوعان الآخران فليس مبوباً لهما في كتب الصرف، وتتناثر الإشارات إليهما في ثنايا الحديث عن بعض السلوكات الصرفية، أو في المعالجات الصوتية لبعض الصيغ والتغيرات الصرفية. ولا بد للباحث من التنقيب عن تلك الإشارات في كتب الصرف والأصوات لتكوين فكرة شاملة عنهما.

ويتصل التقاء الساكنين اتصالاً وثيقاً بكثير من القضايا الصوتية، من مثل طبيعة المدّ واللين، وعلاقة الحركات بحروف المدّ واللين، وقضية المتحرك والساكن، والبناء المقطعي للغة العربية.

فمن المفاهيم الشائعة لدى القدماء أن حرف المدّ هو حرف العلة الساكن المسبوق بحركة من جنسه، مثل الألف في قامَ وسارَ وكِتاب، والواو في نُور وسُوق وعَجُوز، والياء في ديِن وسَعيد وعَرِين. وحرف اللين هو الواو أو الياء الساكنتان المسبوقتان بفتحة، مثل الواو في حَوْض وذَوق، والياء في بَيْت وزَيْت. وحرف العلة عندهم هو الواو والياء المتحركتان كالواو في وَرَق والياء في يُسْر، وهما مضارعتان للحروف الصحيحة لاحتمالهما الحركة.

على أن مفهوم العلة بإطلاقه يشمل عندهم الألف، والواو والياء من الأنواع السابقة كلها. وهي الحروف التي اتَّسعت مخارجها، وتميز نطقها باليسر والسهولة، وخرجت من تجويف الفم بلا إعاقة أو اعتراض لهواء الصوت(). وهذا ما يميزها عن سائر الحروف الصحيحة في الألفباء العربية. ولعله أساس التقسيم إلى صحاح وعلل. وتتميز حروف العلة من الناحية الصرفية عندهم بكثرة تبدّلها وتحوّلها وعدم استقرارها، على العكس مما نراه في الحروف الصحيحة التي تتميز بقدر كبير من الثبات.

وقد جمع القدماء بين حروف المدّ واللين في مجموعة صوتية واحدة، على الرغم من التفريق النظري بينهما، وملاحظة أن حروف اللين تتصرف كالحروف الصحيحة في مواضع متعددة. فإذا التقى ساكنان أولهما حرف لين كالواو في اخْشَوْا والياء في اخْشَيْ، يُتَخَلَّصُ من التقاء الساكنين بإدخال حركة بعد حرف اللين (اخْشَوُا الله، اخْشَيِ الله) تماماً كما يحدث بين الساكنين الصحيحين، وإذا التقي ساكنان أولهما حرف مدّ، حُذِفَ حرف المدّ كحذف الواو والياء المدّتين في الفعلين المجزومين لم يَقُمْ ولم يَسِرْ .

ولذلك لم يكن القدماء يميزون –أو يحفلون بالتمييز- بين واو المد في يركضون وواو اللين في يَسْعَوْنَ، أو بين ياء المدّ في تشربِين وياء اللين في تَخْشَيْنَ. وكانوا يجمعونهما في اللفظ هكذا: حروف المدّ واللين. وربما أشاروا إلى اللين بالمد، أو إلى المدّ باللين.

بل حاول بعض العلماء تصنيف الألف على أنها حرف مدّ ولين معاً، لأنها ساكنة مسبوقة بحركة من جنسها، وساكنة مسبوقة بفتحة. وهذا قول غير صحيح بتاتاً، ومبني على استدلال منطقي لا على الحقائق الصوتية نفسها، فالألف من حيث طبيعتها الصوتية لا تكون إلاّ حرف مدّ، أي حركة طويلة خالصة، كما سنبينه بعد قليل.

وثمة خلاف بين القدماء والمحدثين في النظرة إلى حروف المد واللين. فالمحدثون ينكرون أن تكون حروف المد مسبوقة بحركات من جنسها، لأن حروف المد هي أنفسها حركات، وليس هناك تركيب في الحركات، فالحركة لا تدخل على الحركة من جنسها أومن غير جنسها، طويلة كانت أو قصيرة، ولا بد من وجود فاصل بين حركة وأخرى، كما تقضي بذلك قوانين التركيب المقطعي في العربية التي تمنع أن تتوالى حركتان في المقطع الواحد، وتفرض أن يفصل بين الحركة وأختها صامت أو شبهه.

وينكر المحدثون كذلك أن تكون حروف المد ساكنة، إذ إنها حركات والحركة لا تكون سكوناً، لأنها منافية للسكون بطبعها . وهم يفسرون قول القدماء بسكونها بأنهم رأوها غير قابلة للحركة، لأنها متحركة بحركة ذاتها فأشبهت الساكن الذي لا يحرك، أو رأوها من الناحية الكمية مساوية لحركة وحرف صحيح ساكن في العروض؛ فالسبب الخفيف (لا) المؤلف من ساكن هو اللام، وحركة هي فتحة تصوروها تسبق حرف المد، ومد هو ألف- يساوي من حيث الإيقاع الكمي السبب الخفيف (لَنْ) المؤلف من ساكن هواللام وحركة هي الفتحة وساكن هو النون، ولو وضع أحدهما مكان الآخر لما حدث خلل في الوزن. وربما نسبها القدماء إلى السكون لأنهم رأوا أنها من حيث الرسم الكتابيّ غير متلوة بحركات قصيرة .

ويفصل المحدثون الواو والياء اللينتين عن سائر حروف المد، ويلحقونهما من حيث النوع بالواو والياء المتحركتين، مستندين بذلك إلى فروق أساسية بين حروف المد من ناحية، والواو والياء اللينتين أو المتحركتين من ناحية أخرى. فحروف المد لا يصاحب نطقها أي احتكاك أو اعتراض لمجرى الهواء، ولا تفتتح المقاطع ولا تغلقها، ويسمى المقطع المنتهي بها مفتوحاً، ولا تكون من حروف المادة الأصلية. أما الواو والياء اللينتان أو المتحركتان فيرافق نطقهما احتكاك ما أي نوع ضعيف من الحفيف، وتفتتحان المقاطع وتغلقانها، فالواو المتحركة في (وَقَف) تفتتح مقطعاً والواو الساكنة في (مَوْقِف) تغلق مقطعاً.

والواو والياء اللينتان أو المتحركتان لا يمكن لهما أن تكونا قمة المقطع العربي أو نواته أي العنصر الحركي فيه؛ فمعلوم أنه لا بد لكل مقطع من عنصر صائت يشكل قمته أو نواته، وهو الجزء الذي يحمل أقصى التوتر فيه ويقع عليه النبر، فلا يقوم بهذه الوظيفة في العربية إلاّ حركة قصيرة أو حركة طويلة (أي حرف مدّ). ولا تقوم الواو أو الياء اللينتان أو المتحركتان بهذه الوظيفة على الرغم من شبههما بالحركات لاتساع مخرجهما.

وما حروف المدّ عند المحدثين إلاّ حركات طويلة خالصة؛ فالألف هي فتحة طويلة، وواو المدّ هي ضمّة طويلة، وياء المدّ هي كسرة طويلة؛ وبذلك يُخْرِجون من الحروف الصحاح الألف والواو والياء المدتين ويلحقونهما بالحركات أو الصوائت. وهم يُدْخِلون في الصحاح أو الصوامت الواو والياء اللينتين أو المتحركتين، مع اعترافهم بأن الواو والياء اللينتين أو المتحركتين تشبهان الحركات أو الصوائت من حيث اتساع مخرجهما، وإن كان –على أية حال- أقل من اتساعه مع الحركات الخالصة، أي حروف المدّ ومقابلاتها القصيرة وهي الفتحة والضمّة والكسرة، ويسمح بنوع ضعيف من الحفيف.

ولذلك تقع الواو والياء اللينتان أو المتحركتان موقعاً فريداً في النظام الصوتي العربي، فيصحّ أن نطلق عليهما –لاتساع مخرجهما- أشباه الحركات أو الصوائت أو العلل، وأن نطلق عليهما كذلك أشباه الصحاح أو الصوامت ، لشبههما بالصوامت من حيث طبيعتهما النطقية التي تتطلب نوعاً من الاحتكاك، ومن حيث الوظيفة التي تؤديانها في المقطع والجذر والسلوكات الصرفية بعامة، ولقبولهما الحركة والسكون كالصوامت تماماً. وسنحاول في هذا البحث أن نبرز طبيعتهما الصامتة، لأنها أحد المداخل لتوهين آراء بعض القدماء فيما يخصّ التقاء الساكنين.

ومن أوجه الفرق كذلك بين القدماء والمحدثين فيما يخص طبيعة المدّ واللين وعلاقة الحركات بهما، ما يراه القدماء من أن الحركات المجانسة التي تسبق حروف المدّ يمكن أن تنقل إلى الحرف الذي يسبقها، وأنها يمكن أن تحذف وتختزن ثم تسترد لتأخذ مكانها في موضع آخر، بعد إجراء تغييرات لفظية معينة. وعند المحدثين أن هذا غير صحيح وأن لا وجود أصلاً لحركات مجانسة تسبق حروف المد، وأن هذا محض خيال.

ومن الأفكار الأساسية عند القدماء فكرتهم عن المتحرك والساكن التي بنوا عليها تقسيماتهم العروضية وربّما الصرفية. فالمتحرك عندهم هو الحرف الصحيح أو الصامت الذي تتلوه حركة. والساكن يأتي على ضربين: ساكن يمكن تحريكه، وساكن لا يمكن تحريكه. والأول منهما يشمل جميع الحروف ما عدا الألف، والثاني هو الألف في نحو كتاب وحساب وباع وقام.

ويفهم من كلام القدماء بهذا الخصوص أن الساكن الذي يمكن تحريكه هو الحرف الصحيح، فهو قابل للحركة وللسكون، وأن الساكن الذي لا يمكن تحريكه هو حرف المدّ الألف، فهو الأصل في السكون لأنه لا يأتي إلا ساكناً. ويُحْمَلُ عليه الواو والياء المدّتان لأنهما تشبهانه في لزوم السكون وعدم التحريك. أما الواو والياء المتحركتان فهما قابلتان للحركة كالحروف الصحيحة.

وعند المحدثين أن الحروف الصحيحة أو ما يسمى بالصوامت هي وحدها التي تقبل الحركة والسكون، ويلحق بها الواو والياء اللينتان والمتحركتان. أما حروف المدّ فلا تقبل الحركة ولا السكون، ومن الخطأ وصفها بالسكون، لأنها –كما أسلفنا- حركات منافية بطبعها للسكون.

ورأوا في قول القدماء بسكون حروف المد بذور فكرة منطقية مؤدّاها أن حروف المد ما دامت لا يمكن أن تصفها بالحركة فلا بد أن تكون ساكنة، وبذور فكرة عروضية مفادها أن حرف المد والمتحرك الذي قبله يمكن تمثيله بالرمز (-5) .

وبربط كثير من المحدثين ظاهرة التخلص من التقاء الساكنين بالتركيب المقطعي في اللغة العربية الفصيحة، ويرون أن إدخال الحركة بعد الساكن الأول عند التقاء صحيحين ساكنين، وتقصير حرف المد (ويسميه القدماء حذفاً) عند التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح، إنما يجري للتخلص من تركيبين مقطعيين يستثقلهما الذوق اللغوي العربي، وهما المقطع المزدوج الإغلاق (ص ح ص ص) المؤلف من صامت فحركة قصيرة فصامتين، والمقطع المغلق ( ص ح ح ص) المؤلف من صامت فحرف مدّ (حركة طويلة) فصامت.

واضح إذاً أن المحدثين لا يقبلون كثيراً من حجج القدماء والأسس التي انطلقوا منها في بعض معالجاتهم الصرفية، مثل مساواتهم في النظرة بين حروف المدّ واللين، ومثل القول بأن حروف المدّ ساكنة، وأنها مسبوقة بحركات من جنسها، وأن الحركات التي تصوروها تسبق حروف المدّ يمكن أن يتصرف فيها بالحذف والنقل، أو حذفها واختزانها لتظهر في مواقع جديدة بعد تطبيق قواعد معينة. كا أن المحدثين يربطون ما بين التقاء الساكنين والنسيج المقطعي للغة العربية.

ومن هذه المآخذ على كلام القدماء وغيرها، وبناء على معطيات علم الأصوات الحديث، نمضي في تناول موضوع التقاء الساكنين، مثبتين ما يصح أن ينسب حقيقة إلى هذا الباب، وكاشفين عمّا ليس منه، كل ذلك مدعوماً بالحجج والبراهين والتفسيرات الملائمة.

 

(2)

التقاء ساكنين كلاهما حرف صحيح

ويشمل قولنا "حرف صحيح" الواو والياء اللينتين لما أسلفناه من شبههما بالحروف الصحيحة في كثير من السلوكات الصرفية.

ويأتي هذا النوع من التقاء الساكنين على عدة أنماط:

1- التقاء ساكنين داخل الكلمة الواحدة في غير حالة الوقف. ويكون ذلك في تصغير المضعّف كما في (دُوَيْبَّة) تصغير دابّة و(أُصَيْمّ) تصغير أَصَمّ. والساكنان هنا هما ياء التصغير والباء الأولى في (دُوَيْبَّة)، وياء التصغير والميم الأولى في (أُصَيْمّ)، ويقعان ضمن مقطع من نوع (ص ح ص ص)، (وَيْبْ) و(صَيْمْ) على الترتيب. والتقاء الساكنين من هذا النوع يعترف به كل العلماء القدماء، لأن الساكن الأول هو حرف لين وفيه طول فأشبه الحركة، ولذلك جاز مجيء الساكن بعده كما جاز مجيئه بعد حرف المدّ في نحو (ضالّين) لأن حرف المدّ مشبه للحركة. زد على ذلك أن حرف اللين هو ياء التصغير التي يجب أن تكون ساكنة تمييزاً لها عن غيرها.

ولكن ابن منظور يقول إن بعض العرب يشمّها الكسرة. وهو قول غامض إلاّ إذا فهم منه تحريك الياء بنوع من الكسرة المختلسة جداً التي قد لا تغيِّر في التركيب المقطعي للكلمة.

ويجري التقاء الساكنين في الكلمة الواحدة في غير الوقف، إذا عدَّدت أسماء حروف الهجاء والأعلام كقولك في الأولى: عَيْنْ غَيْنْ، وفي الثانية: بَكْرْ بِشْرْ زَيْدْ عَمْرْو.

ويجري ذلك كذلك في مضارع المضعّف المجزوم والأمر منه في بعض اللهجات، مثل: لم يَشُدّْ وشُدّْ. ويتخلص من هذا الوضع بتحريك الساكن الثاني بإحدى الحركات الثلاث: الكسرة أو الفتحة أو الضمّة. وتحريك الساكن الثاني في مثل هذا الوضع هو ظاهرة لهجية خاصة بتميم . أما القبائل الأخرى فتفك الإدغام في مثل هذه الحالة فلا يحدث التقاء ساكنين أصلاً.

ويجري مثله –أي تحريك الساكن الثاني- في مواضع متفرقة غير ما سبق كما في انْطَلْقَ و(الأصل: انْطَلْقْ)، وقولهم: لم يَلْدَهُ أبواه (والأصل: لم يَلْدْهُ)، لحرص أصحاب هذه اللهجة على إسكان العين، فيتجنبون تحريك الساكن الأول –وهو العين- لأن تحريكه يُفَوِّت هذا الغرض .

ويجعل بعض القدماء من باب التخلص من التقاء الساكنين في الكلمة الواحدة في غير الوقف، تحريكَ الساكن الثاني في كَيْفَ وأَيْنَ وسَوْفَ ومُنْذُ وأَمْسِ وحَيْثُ، ظانين أن أصل هذه الكلمات تسكين أواخرها.والواقع أن هذا ليس من باب التقاء الساكنين، إذ منعته اللغة في أصل الوضع، بأن جعلت هذه الكلمات على صورتها المعروفة لنا. ومعنى ذلك أننا لا نصل فيها إلى التقاء الساكنين ثم نتخلص منه بتحريك الثاني، بل جاءت هكذا محركة الأواخر في أصل الوضع.

2- التقاء ساكنين في الكلمة الواحدة في حالة الوقف، مثل: حِبْر وشَعْب وقُفْل وقَلْب وزَيْدْ وثَوْبْ وشَدّْ ومَدّْ. ويكثر هذا في الكلمات الثلاثية الساكنة العين كما سبق، أو غيرها المنتهية بحرف مُشّدَّد مثل مُسْتَحَبّْ ومُسْتَردّْ. وهذا يعدّ عند بعضهم إذا لم يكن الساكن الأول حرف لين كما في زَيْدْ وثَوْبْ، التقاء ساكنين ظاهرياً ومن خداع السمع، لأن الساكن الأول عندهم –إذا لم يكن ليناً- مُحَرَّكٌ بحركة مختلسة جداً، حتى يمكن أن يأتي الساكن الثاني بعده. وهذا غير ضروري عندما يكون حرف اللين هو الساكن الأول، لأن فيه بعض المدّ أو الطول فأغنى ذلك عن تحريكه بحركة مختلسة.

والوقع أن هذا التقاء ساكنين حقيقي، وممكن حدوثه، وإن كان مستثقلاً لأنه ينشأ عنه المقطع ( ص ح ص ص) وهو مقطع ثقيل مزدوج الإغلاق. وتتخذ العربية عدة وسائل اختيارية للتخلص منه. من ذلك إدخال حركة ما بعد الساكن الأول (بَحْرْ çبَحَُِر)، أو إدخال حركة مجانسة لحركة الفاء (قُفْلْ ç قُفُلْ، عِدْلْ ç عِدِلْ)، أو نقل حركة الإعراب –إذا كان الموقوف عليه مرفوعاً أو مجروراً- وتحريك الساكن الأول بها (جاء بَكْرٌ ç جاء بَكُرْ، مررت بِبَكْرٍ ç مررت بِبَكِرْ).

وهذا يؤدي إلى تفكيك المقطع ( ص ح ص ص) والتخلص منه بتغيير البنية المقطعية في الكلمة ( ص ح ص ص ç ص ح+ ص ح ص). وقد يُلْجأ إلى تخفيف الإدغام وخاصة في الشعر (هِرّْ ç هِرْ= ص ح ص ص ç ص ح ص). وقد يرومون الحركة في الحرف الموقوف عليه، أو يقلقونه، وفي هذه الحالة يصبح التركيب المقطعي (ص ح ص + ص ح)، وتكون الحركة الأخيرة (في المقطع ص ح) قصيرة جداً لا تكاد تدركها الأذن. وكل هذا كما أسلفنا اختياري لا إجباري، ويُلْجَأُ إليه لأن العرب تكره التقاء الساكنين حتى في المواضع التي يسمح فيها بذلك .

وقد مضى سيبويه إلى أبعد من هذا حينما أنكر التقاء الساكنين أصلاً . ولكنه تناقض فأقر بوجوده في أماكن أخرى من كتابه. وتابَعَ سيبويه من المحدثين عبد العزيز حليلي حينما أنكر ورود المقطع ( ص ح ص ص) في كل مستويات اللغة، ورأى أن حركة بين بين لا هي كسرة ولا فتحة ولا ضمّة تُجْعَلُ بين الصامتين الأخيرين. والحقّ أن التقاء الساكنين في الوقف ليس أمراً صعباً أو مستحيلاً في النطق، وإن كان مستثقلاً لأنه ينتج عنه المقطع الثقيل (ص ح ص ص ).

3- التقاء ساكنين عند حدود الكلمات. ويتحقق ذلك بأن تنتهي كلمة ما بصامت ساكن، وتبدأ كلمة تالية لها بصامت ساكن أيضاً. ويتم ذلك في الكلمة الأولى بأن تكون اسماً مبنياً على السكون (مثل كَمْ مَنْ هُمْ لَدُنْ) أو منوناً (كتاباً رجلٍ بابٌ)، أو تكون حرفاً مبنياً على السكون (مِنْ عَنْ بَلْ قَدْ لَوْ أَنْ إِنْ)، أو أن تكون فعلاً مضارعاً مجزوماً بالسكون ( لم يَقُلْ لم يَحْضُرْ)، أو فعل أمر مبنياً على السكون (قُلْ انظُرْ)، أو فعلاً ماضياً لحقت به تاء التأنيث الساكنة (قالَتْ)، أو فعلاً ماضياً ناقصاً مفتوح العين مسنداً إلى واو الجماعة (رَمَوْا سَعَوْا اسْتَدْعَوْا)، أو مضارعاً ناقصاً مفتوح العين مجزوماً مسنداً إلى واو الجماعة أو ياء المخاطبة (لم تَسْعَوْا لم تَسْعَيْ)، أو أمراً ناقصاً مفتوح العين مسنداً إلى واو الجماعة أو ياء المخاطبة (اسْعَوْا اسْعَي).

وتكون الكلمة الثانية مبدوءة بلام التعريف، أو اسماً ساكن الأول أصلاً كالمصادر التي تبدأ بهمزة وصل قياسية (نحو: اسْتِغْفار)، وكلمات ابْن واسْم واسْت وطائفتها، والذي والتي وما تفرع عنهما ولفظ الجلالة. وقد تكون الكلمة الثانية فعلاً ماضياً يبدأ بهمزة وصل قياسية (اسْتَغْفَرَ)، أو أمراً يبدأ بهمزة وصل قياسية (اسْتَغْفِرْ)، أو فعل أمر من الثلاثي يبدأ بساكن (اكْتُبْ).

ويتخلص من هذا الوضع غالباً بإدخال كسرة بعد الساكن الأول. وربّما أدخلت حركة أخرى كالفتحة والضمّة وذلك حسب البيئة الصوتية المجاورة. ومن أمثلة ذلك: مِنَ اللهِ، عنِ الرسولِ، اذهبِ اذْهبْ، لوِ اسْتطعنا، ولقدِ اسْتُهْزِئ، مَنْ يشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ، قُلُِ انْظُروا، قالتُِ اخْرُج، اخَشَوُا القَوْمَ، مَنِ ابْنُك؟ قالتِ الأعرابُ.

ويُمْنَعُ التقاء الساكنين عند حدود الكلمات أحياناً بقاعدة، كالقاعدة التي تمنع تنوين العَلَم المتبوع بكلمة ابْن مضافة إلى عَلَم كقولنا: خالدُ بنُ يزيد، أو القاعدة التي تقضي بحذف نون التوكيد الخفيفة إذا جاء بعدها ساكن، كقول الشاعر:"ولا تُهينَ الْفقيرَ..." . غير أن بعض القدماء قد توهم مجيء الساكن بعد نون التوكيد توهماً، وفسَّرَ به حذف النون في بعض الحالات التي هي من باب الضرورة الشعرية لا أكثر ولا أقل، كقول الشاعر:

اضْرِِبَ عَنْكَ الهُمومَ طارقها...، والأصل عندهم (اضْرِبَنْ)، فحذف الشاعر النون لأنه توهم مجيء الساكن في كلمة (الهْموم) بعدها مباشرة .

وهاتان القاعدتان تمنعان أن نصل إلى حالة التقاء الساكنين عند حدود الكلمات، فنحن لا نصل هنا إلى التقاء الساكنين حقيقة، بل يُمْنَع ذلك قبل حصوله. ولو حصل التقاء الساكنين هنا حقيقة لكان التخلص منه بإدخال حركة بين الساكنين، لا بحذف التنوين أو النون.

ولمّا كانت الكسرة هي الأصل في التخلص من التقاء الساكنين في هذا الضرب، وخاصة عند حدود الكلمات، راح القدماء يفسّرون ذلك بأسباب وهمية واهية لم تقنع كثيراً من المحدثين.

ومن تلك الأسباب أن تحريك الساكن بالكسر من سجيّة النفس إذا لم تُسْتَكْرَهْ على حركة أخرى. ومنها أنّا لو حركنا الأفعال المجزومة إذا وليها ساكن بالضم أو الفتح لتوهم فيها أنها غير مجزومة، ولا يتوهم ذلك إذا حركت بالكسر، لأن الجرّ ليس من إعراب الأفعال. ومنها أن الجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء، فإذا اضطررنا إلى تحريك الفعل الساكن الآخِر حركناه بحركة نظيرِهِ وهي الكسرة على سبيل التقاصّ. ومنها أن الكسرة لا تكون إعراباً إلاّ ومعها التنوين، وقد تكون الضمّة والفتحة إعرابين ولا تنوين يصحبهما، فإذا اضطررنا إلى تحريك الساكن حركناه بحركة لا يتوهم أنها إعراب وهي الكسرة. وواضح ما في كلامهم من المغالطة والتمحّك والبعد عن الحقائق الصوتية.

ويرى بعض المحدثين أن الكسرة هي الأصل في التخلص من التقاء الساكنين لأسباب صوتية نطقية خالصة، فهي أسهل في هذا السياق من الضمّة والفتحة. فعند الانتقال من حالة السكون في النطق إلى نطق صوت ساكن آخر يليه ينخفض الحنك الأسفل استعداداً لذلك، والحركة التي تناسب انخفاض الحنك الأسفل هي الكسرة، لأنها حركة أمامية تنتج من مقدمة الفم عن طريق انخفاض الحنك الأسفل وارتفاع اللسان نحو مقدمة الفك العلوي. وعلى ذلك يكون تحريك الساكن بالكسرة أيسر وأسهل على المتكلم من تحريكه بالضمّة أو بالفتحة.

بل يرى أحد المحدثين أن حركة التخلص في حالة الوقف هي حركة بين بين، أي لا كسرة ولا فتحة ولا ضمّة، ويرى آخر أن الحركة التي يأتي بها العربي عند التقاء الساكنين ليست كسرة، وإنما هي نوع من التحريك الذي لا ينحاز إلى أي من الحركات الثلاث، فهو صويت جيء به لتسهيل النطق بالساكنين المتتاليين، ويُسمَّى حركة من باب المجاز فقط، واسمه في الإنجليزية prosthetic vowel ، ولا يُعَدَّ جزءاً من نظام الحركات في العربية، لاختلافه عنها من حيث النطق والتوزيع الصوتي.

ونحن نرى أن حركة التخلص المقحمة بين الصامتين الأخيرين في حالة الوقف هي كسرة أو ضمّة أو فتحة على الحقيقة. ودليلنا أن المقطع ص ح ص ص هو مقطع ساميّ أصيل اشتهرت به الكلمات الثلاثية الساكنة الوسط، واشتقت منه في اللغات السامية وعلى رأسها العربية ألفاظ معجمية كثيرة بإدخال حركةٍ بين صامِتَيْهِ الأخيرين. فليس مستغرباً إذن إدخال حركة عادية بين صامتيه الأخيرين تسهيلاً للوقف وتمكيناً للنطق. وقد سبق أن تحدثنا عن نقل حركة الإعراب نفسها وجعلها بين الصامتين الأخيرين، أو تحريك الصامت قبل الأخير (الساكن الأول) بمثل حركة الفاء. أمّا حركة التخلص عند حدود الكلمات فهي ظاهرة موقعية، وليس مستغرباً أن تكون حركة مشربة تحدّدها البيئة الصوتية المحيطة بها.

على أن التقاء الساكنين نفسه ليس مستحيلاً في النطق عند القصد إليه، أو حين تقتضيه العمليات والأوضاع الصرفية، أو يكون اختياراً فردياً أو لهجياً في حالة الوقف. ومعظم العلماء على أنه ممكن وحاصل فعلاً في حالة الوقف . وعند ذاك يكون ما ظَنَّه بعض القدماء حركةً مختلسةً جداً بين الساكنين –تسريحاً لهواء الساكن الأول يستغرق الوقت اللازم للانتقال من صامت ساكن إلى آخر، وليس صُوَيْتاً مسموعاً يعتد به إلى درجة أن يؤثر في التركيب المقطعي. ويمكن قول الشيء نفسه عن حركة الروم أو القلقلة التي يحرك الساكن الأخير بها عند بعض الأقوام في حالة الوقف، فقد تكون قصيرة جداً وغير ظاهرة بحيث لا يُعْتَدُّ بها في التركيب المقطعي. ولكن إذا كانت تلك الحركة مسموعة، فلا شك أن مقطعاً مفتوحاً قصيراً جداً ينشأ في تلك الحالة، وتتغيّر البنية المقطعية في الموقوف عليه لذلك.

 

(3)

التقاء ساكنين أولهما حرف مدّ وثانيهما حرف صحيح

ويتحقق هذا النمط في شكلين رئيسين: عند حدود الكلمات أي في كلمتين منفصلتين، وفي الكلمة الواحدة أو ما يشبه الكلمة الواحدة.

أ‌- عند حدود الكلمات ( أي في كلمتين منفصلتين). وذلك أن تتوالى كلمتان تنتهي الأولى منهما بحرف مد، وتبدأ الثانية بصامت ساكن. ويشمل الشقّ الأول طوائف كثيرة من الأفعال والأسماء والحروف التي تنتهي بحرف مدّ، كما يشمل الشقّ الثاني طوائف كثيرة من الأفعال والأسماء التي تبدأ بصامت ساكن، والأسماء التي تبدأ بلام التعريف وهي ساكنة كما هو معروف.

ولذلك التلاقي عند حدود الكلمات أمثلة لا تحصى عدداً، فهذه ظاهرة شائعة جداً، وحالة نطقية حقيقية تظهر في الكلام أكثر من ظهورها في الرسم الكتابي. ولعل الأمثلة القليلة التالية التي تبرز فيها مواضع الاتصال بين الكلمات تجزئ عن الكثير منها: في البيت (فيلْ ç فِلْ)، على المنضدة (لاَلْ ç َلْ)، حَضِّري الطَعامَ (ريط ç رِطْ)، أكْمِلُوا العَمَلَ (لُولْç لُلْ)، إذا انْتَظَرْتَ... (ذَانْ ç ذَنْ)، هما المسؤولانِ (ماَلْç مَلْ)، أَكْبِرُوا العِلْمَ (روُلْçرُلْ)، قُولي اجتهدوا (لِيجْç لِجْ)، ما اسْمُك (ماَسْç مَسْ)، أينما الْتَفَتَّ... (ماَلْ ç مَلْ).

وقد اختلف القدماء والمحدثون في تفسير هذه الظاهرة النطقية الموقعية، وطريقة التخلّص منها. فالقدماء يرون أنها من باب التقاء الساكنين، بناءً على أن حرف المدّ عندهم ساكن. والمحدثون ينكرون أن تكون من باب التقاء الساكنين لأن حرف المدّ هو حركة طويلة، ولا يمكن أن يكون ساكناً، ويرون أن هذه الظاهرة تخلق بيئة صوتية يترتب عليها نشوء مقطع مغلق ذي حركة طويلة، وهو ما تنفر منه العربية وأخواتها الساميّات، وتحاول التخلص منه كلما وجدت إلى ذلك سبيلاً ، أو نشوء تتابع صوتي تقيّده العربية، وهو وجود حرف مدّ متلوّ بصامت ساكن أو صامتين لا تفصل بينهما حركة، كما سنبيّنه لاحقاً.

ويجري التخلص من هذه الحالة عند القدماء بحذف المدّ وإبقاء الحركة السابقة له دليلاً عليه. أما المحدثون فيرون أن التخلص منها يجري بتقصير الحركة الطويلة (أي تقصير حرف المدّ).

ب‌- في الكلمة الواحدة أو ما يشبه الكلمة الواحدة. وأمثلة هذا النوع ليست حالات نطقية حقيقية يجري التخلص منها في صورة تلقائية كأمثلة النوع السابق، وهي لا تعدو كونها اجتهادات لتفسير ما يجري في بعض التغيرات الصرفية، وإن كان الإلف بها في الصرف والكتب التعليمية يوحي إلينا بأنها حقيقية.

وهي تأتي على عدة صور منها:

1- أن يكون الساكن الأول واو الجماعة أو ياء المخاطبة، والساكن الثاني النون الأولى من أداة التوكيد المشدّدة. ويتم التخلص من هذه الحالة بحذف الضمير والاكتفاء بالحركة قبله دليلاً عليه. ومثاله:

تَدْرُسُونَّ ç  تَدْرُسُنَّ

تَدْرُسِينَّ ç   تَدْرُسِنَّ

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هاتين الحركتين اللتين تسبقان النون المشددة ليستا دليلاً على ضميرين محذوفين لالتقاء الساكنين بل هما علامتا بناء، كالفتحة في تدرُسَنَّ .

2- أن يكون الساكن الأول عين الأجوف، والساكن الثاني لامه الساكنة بسبب الإسناد إلى ضمائر الرفع المتحركة ونا الفاعلين ونون النسوة. وينشأ الساكن الأول عن تحرّك الواو والياء وانفتاح ما قبلهما كما في:

 

قَوَلْتُ    ç قالْتُ   ç       قُلْتُ

بَيَعْتُ    ç باعْتُç          بِعْتُ

خَوِفْتُ   ç خافْتُ ç       خِفْتُ

هَيِبْتُ  ç   هابْتُ ç         هِبْتُ

طَوُلْتُ   ç طالْتُ ç       طُلْتُ

اخْتَيَرْتُ ç  اختارْتُ ç    اخْتَرْتُ

انْقَوَدْتُ ç انقادْتُ ç      انْقَدْتُ

ويعامل المزيد في هذا معاملة المجرد، ويتم التخلص من التقاء الساكنين بحذف الألف (أي عين الكلمة)، لكن في الأجوف الثلاثي يراعى بعد الحذف تغيير حركة الفاء. ففي (قال) تغير كما لاحظنا إلى ضمة للدلالة على الأصل الواوي للكلمة، وفي (باع) تغير إلى كسرة للدلالة على الأصل اليائي، وفي (خاف وهاب) تحول إلى كسرة للدلالة على أصل الباب أي حركة العين الأصلية في البنية التحتية المقدرة وهي الكسرة، وفي (طال) تصبح ضمة للدلالة على أصل الباب وهو أن حركة العين الأصلية هي الضمّة.

وينشأ الساكن الأول كذلك عن نقل حركة الواو والياء إلى الساكن الصحيح قبلهما، ثم قلب الواو والياء لتحركهما بحسب الأصل وانفتاح ما قبلهما بحسب الآن كما في:

أَقْوَمْتُ    çأَقَوْمْتُ   ç  أَقامْتُ  ç أَقَمْتُ

أَبْيَنْتُ     ç أَبَيْنْتُ    ç  أبانْتُ   ç أَبَنْتُ

اسْتَقْوَمْتُ ç اسْتَقَوْمْتُ ç استقامْتُ ç اسْتَقَمْتُ

اسْتَبْيَنْتُ  ç اسْتَبَيْنْتُ  ç استبانْتُ   ç اسْتَبَنْتُ

ويتم التخلص من الساكنين كما رأينا بحذف الساكن الأول وهو عين الكلمة أي الألف المنقلبة عن واو أو ياء.

ويرى الرضي الأسترابادي أن الإسناد أو اتصال ضمائر الرفع المتحركة بالفعل يتم بعد انقلاب العين (أي الواو والياء) ألفاً. والنتيجة في الحالين واحدة، وهي التقاء ساكنين أولهما الألف المنقلبة عن الواو الياء وثانيهما لام الفعل الساكنة بسبب الإسناد إلى ضمائر الرفع المتحركة، ثم حذف الألف تخلصاً من هذا الوضع.

3- أن يكون الساكن الأول عين الأجوف والساكن الثاني هو لامه الساكنة بسبب الجزم أو للبناء للأمر أو لاتصال نون النسوة بالفعل. وينشأ الساكن الأول عن نقل حركة العين (الواو والياء) إلى الساكن الصحيح قبلهما ثم قلبهما ألفاً لتحركهما بحسب الأصل وانفتاح ما قبلهما بحسب الآن، فيلتقي ساكنان: هذه الألف ولام الفعل الساكنة لما ذكرنا. ويتم التخلص من التقاء الساكنين هذا بحذف الألف:

لم يَهْيَب ç    لم يَهَيْب ç   لم يَهابْ  ç  لم يَهَبْ.

لم يَخْوَف ç  لم يَخَوْفç  لم يَخافْ ç   لم يَخَفْ

وينشأ الساكن الأول كذلك عن نقل حركة الواو والياء إلى الساكن قبلهما، ويُكْتَفَى بذلك لأن الواو والياء تصبحان ساكنتين مسبوقتين بحركة من جنسهما (أي مدين)، وحين ذاك يلتقي ساكنان: الواو أو الياء ولام الفعل الساكنة لما ذكرنا آنفاً. ويتم التخلص من هذا الوضع بحذف الواو والياء:

لم أَقْوُلْ    ç لم أَقُولْ   ç لم أَقُلْ.

لم أَبْيِعْ     ç لم أَبِيعْ    ç  لم أبِعْ.

لم أَسْتَبْيِنْ ç  لم أَسْتَبِينْ ç لم أَسْتَبِنْ.

اقْوُلْ ç   قُولْ ç  قُلْ.

ابْيِع  ç  بِيعْ    ç بِعْ. 

تَقْوُلْنَ ç تَقُولْنَ ç تَقُلْنَ.

اقْوُلْنَ ç قُولْنَ  ç  قُلْنَ.

وينشأ الساكن الأول أيضاً عن نقل حركة الواو حينما تكون كسرة إلى الساكن الصحيح قبلها، فتصبح الواو ساكنة مسبوقة بكسرة فتقلب ياء، وهنا يلتقي ساكنان: هذه الياء ولام الكلمة، ويتخلص من هذا الوضع بحذف الياء:

لم أَسْتَعْوِنْ ç لم أَسْتَعِوْنْ ç  لم أَسْتَعِينْ ç لم أَسْتَعِنْ.

اسْتَقْوِمْ ç        اسْتَقِومْ ç      اسْتَقِيمْ ç     اسْتَقِمْ.

4- أن يكون الساكن الأول لام الفعل الماضي والساكن الثاني تاء التأنيث الساكنة. وينشأ الساكن الأول (أي المد) عن تحرك العين (أي الواو والياء) وانفتاح ما قبلهما وقلبهما ألفاً، فيلتقي ساكنان هما الألف وتاء التأنيث الساكنة، ويتخلص من هذا الوضع بحذف الألف:

دَعَوَتْ ç دَعاتْ ç دَعَتْ.

بَنَيَتْ ç بَناتْ ç بَنَتْ.

اسْتَقْصَيَتْ ç اسْتَقْصَاتْ ç اسْتَقْصَتْ.

وقد فسر القدماء حذف الألف من أمثال دعتا ورمتا بالتقاء الساكنين على هذا النحو. فأصلهما عندهم دَعاتْ ورَماتْ، فالتقى ساكنان هما الألف المنقلبة عن الواو في دعاتْ والياء في رماتْ، وتاء التأنيث الساكنة، فحذفت الألف للساكنين، فصارا دَعَتْ ورَمَتْ، ثم انفتحت التاء لأجل ألف التثنية بعدها فصارا دَعَتا ورَمَتا. ولأن هذه الفتحة عارضة بسبب الألف التي تليها "إذ ليس بلازم أن يسند الفعل إلى اثنين فأصل التاء السكون"، لم تردّ الألف في دعتا ورمتا، ولذلك لم يقل دَعاتَا ورَماتَا. على أن بعض العرب قال: رَماتَا، فرد الألف الساقطة، لتحرك التاء .

والواقع أن رماتا هي الأصل لأنها الصورة الناتجة عن إعلال اللام بعد إسناد الفعل إلى ضمير الغائبتين ابتداء، فليس الأصل هنا الإفراد ثم التثنية على ما وصفوا. وقد حذفت الألف (أي اللام) منها قياساً على تاء التأنيث المفردة ، أو استثقالاً لهذه الصيغة المستكرهة التي تخرج عن نظام الأبنية الصرفية العربية .

ولقد ظن القدماء أن ضمير الغائبتين هو تاء التأنيث الساكنة لحقت بها ألف الاثنين. والواقع أنه مكوّن في أصل الوضع من تاء وألف متلاحمتين، والألف نفسها هنا هي حركة التاء لا فتحة تفصل بينهما كما تصوروا، فلا يتصور مجيء ساكن قبل الألف، كما لا يتصور انفتاح التاء قبل الألف.

5- أن يكون الساكن الأول لام المنقوص المرفوع أو المجرور، والساكن الثاني نون التنوين. وينشأ الساكن الأول (أي المد) بحذف علامتي الإعراب (الضمة والكسرة) بعد اللام، فتصبح اللام ساكنة مسبوقة بكسرة. وهذا بالطبع يقتضي قلب اللام –إذا كانت واواً- ياءً، لكي تتسق القاعدة، فيلتقي ساكنان ياء المنقوص- سواء أكانت أصلية أم منقلبة عن واو –ونون التنوين، ويتخلص من ذلك بسقوط الياء .

غير أن الخليل وسيبويه يريان أن ياء المنقوص تحذف أوَّلاً، استخفافاً، ثم يؤتى بالتنوين للتعويض عن الياء المحذوفة وجبراً للبناء، وعلى هذا فليس ثمة التقاء ساكنين.

6- أن يكون الساكن الأول ألف المقصور، والساكن الثاني نون التنوين. وتنشأ الألف عن تحرك الواو والياء (وهما لام المقصور) وانفتاح ما قبلهما، فيلتقي ساكنان: هذه الألف ونون التنوين، فتحذف الألف : 

فَتَيُنْ ç      فَتانْ    ç   فَتَنْ (= فتىً).

عَصَوُنْ ç عَصانْ ç عَصَنْ (= عصاً). 

7- وقد فسر القدماء بعض ما يحدث في تركيب بعض الأدوات مثل لَنْ ولَيْسَ بالتقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح. فأصل لَنْ مثلاً لا أَنْ، حذفت الهمزة وحركتها فصارت الكلمة: لانْ، فالتقى ساكنان، فحذف المدّ وآلت الكلمة إلى لَنْ. وأصل لَيْسَ لا أَيْسَ، حذفت الهمزة وحركتها، فصار التركيب: لا يْسَ، فالتقى ساكنان، فحذف المدّ، وأصبحت الكلمة لَيْسَ.

ويؤخذ على كلام القدماء فيما تقدم قولهم بانقلاب الواو والياء وحدهما ألفين، ولا يتحدثون عن مصير ما يكتنفهما من حركات. وكذلك قولهم بانقلاب الواو والياء ألفاً لتحركهما بحسب الأصل وانفتاح ما قبلهما بحسب الآن، وهذا يجعل القاعدة تجري على مرحلتين، وهو قول ضعيف لا تأخذ به اللغويات الحديثة. ويؤخذ على كلامهم أيضاً تصورهم أن التاء يمكن أن تأتي ساكنة قبل الألف، ثم تتحرك تخلصاً من التقاء الساكنين بفتحة تسبقها، إذ إن الألف نفسها حركة طويلة ويحرَّك بها أيّ حرف صامت يسبقها، فلا مجال لصامت ساكن قبلها أو فتحة تتوسَّطهما. ثم، أية فتحة هذه التي تحرك بها التاء؟ ألم يقولوا إن حرف المدّ مسبوق بحركة من جنسه؟ فكيف يجتلبون حركة على الحركة؛ فتجتمع حركتان قبل الألف؟.

 

وقولهم بنقل حركة الواو والياء إلى الساكن قبلهما لا يقلب الواو والياء تلقائياً إلى حرفي مدّ، كما في يَقْوُلç يَقُوْل ويَبْيِع ç يَبِيْع؛ فالواو والياء الناشئتان بهذه الطريقة ليستا مدين إلا من حيث الصورة الكتابية لا الحقيقة الصوتية، ونحتاج إلى قاعدة أخرى تحول التوالي الصوتي uw إلى u و iy إلى i كالقاعدة التي نحتاج إليها لتحويل التتابعين الصوتيين aw و ayإلى a في يَخْوف ç يَخَوْف ç يَخَاف، واسْتَقْوَمَ çاسْتَقَوْمَçاسْتَقامَ، ويَهْيَب çيَهَيْب ç يهابُ، واسْتَبْيَنَ çاسْتَبَيْنَ ç اسْتبانَ؛  أو إلى قاعدة أخرى تقول مثلاً إن الواو والياء قد حذفتا وأطيلت الحركة بعدهما تعويضاً: اسْتَقْوَمَç اسْتَقامَ، يَهْيَبُ ç يهابُ، يَقْوُلُ ç يَقُولُ، يَبْيِعُ ç يَبِيعُ، مع ملاحظة أن الواو والياء في المثالين الأخيرين مدّان ناشئان عن حذف الواو والياء اللّينتين والتعويض عنهما بإطالة الحركة بعدهما. فالواو والياء على هذا هما u و i لا w وy كما في البنية الأساس. 

 

على أن أهم مأخذ عليهم في هذا النمط من التقاء الساكنين قولهم بأن حرف المدّ يحذف وتبقى الحركة قبله دليلاً عليه. ويرى المحدثون أن لا حركة هنا تسبق المدّ، وأن الذي يحصل هنا هو تقصير الحركة الطويلة في المقطع المغلق ذي الحركة الطويلة الذي ينشأ في مثل هذه الحالة. وبعضهم يشير إلى البيئة الصوتية الناشئة بمصطلحات أخرى لا تنص على ذكر المقطع صراحة، بل إلى تتابعات صوتية معينة فيقول: تقصير الحركة الطويلة قبل صحيح ساكن (كما في قُلْ) أو صحيحين متواليين (أي عنقود من صامتين لا تفصل بينهما حركة) كما في اسْتَقَمْتُ. ويعني التقصير تحويل حركة طويلة إلى حركة قصيرة مجانسة، وذلك يعني من حيث النطق تقصير الزمن اللازم للنطق بالحركة الطويلة حتى تصير في مدى حركة عادية، أي إلى مقدار النصف تقريباً. وهم يرون أن الحركة الموجودة بعد التقصير ليست هي الحركة التي كانت تسبق حرف المدّ حسب تصور القدماء، بل هي المدّ نفسه مُقَصَّراً.

ويتفق القدماء والمحدثون على أن هناك استثناءات لقاعدة (الحذف) أو (التقصير) هذه، مثل أن يأتي بعد المدّ حرف صحيح مدغم في مثله، نحو (ضالْ) في ضالِّين، و(هامْ) في مدهامَّتان، ومثل حالة الوقف، نحو (نونْ) في مؤمنونْ، و(ناتْ) في مؤمناتْ وهذا كثير جداً في الوقف.

وثمة حالات شاذة من التقاء الساكنين عندهم اغتفرت لأسباب معنوية مثل قولهم:"التقتْ حَلْقَتا البِطانِ" فاحتمل التتابع الصوتي (تالْ) هنا شذوذاً، لسبب معنوي هو المبالغة، وذلك يتم بإطالة الحركة لا بتقصيرها. ويحتمل التقاء الساكنين من هذا النوع عند القدماء في حالات أخرى مثل السَّرْد أو العَدّ كقولنا ونحن نعدّ حروف الهجاء: ميمْ نونْ قافْ كافْ، لأن العدّ يشبه الوقف وليس منظوراً فيه إلى إعراب.

وقد ينشأ هذا الوضع عن إطالة الحركة التي تتلو همزة الاستفهام للتفريق بين الخبر والاستخبار، كقولنا: آلْحسَنُ عندك؟ .

وقد تنشأ هذه الحالة أيضاً في القراءات القرآنية لأسباب خالصة تتمثل في حذف همزة (إن)، وإطالة الكسرة قبلها لاستنادها إلى همزة تسد مسدها، كقراءة (فقال أنبئوني بأسماء هؤلائِي نْ كنتم صادقين) البقرة31، وقراءة ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغائِي نْ أردن تحصنا) النور 33.

وقد تنشأ هذه الحالة لأن تقصير المد ينشأ عنه لَبْسٌ ما، كقولهم: (لا) النافية و(لا) الناهية و(ما) الشرطية و(ما) المصدرية.

ويرى تمام حسان أن في الفصحى المعاصرة صورة من صور اغتفار الساكنين دعت إليها ضرورة التفريق بين المعاني، فنقول، تقدمَ حاملا العلمِ، دون تقصير الألف حتى لا تلتبس بالمفرد المنصوب على الحال. ونقول: سافرَ مندوبو الرئيسِ، فنمد الواو الأخيرة حتى لا تلتبس بالمفرد المرفوع. وهو يتساءل ما إذا كانت هذه الصورة مراعاة في القديم عند إلقائهم الكلام. والواقع أن القدماء لم يتركوا لنا إجابة شافية، فقد عدوا اغتفار الساكنين في "التقت حلقتا البطان"شذوذاً، فالقياس حذف الألف لالتقاء الساكنين كما حذفوها في قولك: "غلاما الرجل"، ولكنهم عللوا ذلك بإرادة "تفظيع الحادثة بتحقيق التثنية في اللفظ" أي بعدم حذف الألف في المثنى كما فعلوا في: غلاما الرجل. وورد عنهم أيضاً: له ثلثا المال، بإثبات الألف في المثنى مراعاة للمعنى وحفظا للحقوق، فلا يلتبس الثلثان بالثلث.

وفي ظني أنهم كانوا يراعون حالات معينة كالتي ذكرها تمام حسان. غير أن الإجابة الحقيقية –حسبما أراه- تكمن في تتبع القراءات القرآنية المروية، وما روي من نوادر العرب في هذا الشأن لمعرفة ما إذا كانوا يراعون هذه الصورة قديماً –ولو في أضيق الحدود- لأسباب معنوية على الأرجح.

(4)

التقاء ساكنين كلاهما حرف مد

ليس في حديث القدماء عن هذا النوع من التقاء الساكنين ما يشير إلى حقيقة نطقية ثابتة. وهو وإن بدا –لأول وهلة- غير مقصود في حديثهم عن التقاء الساكنين، إلا أن أمثلته تنبث انبثاثاً في ثنايا حديثهم عن مسائل الإعلال والإبدال، وتفسيرهم للتعاملات والسلوكات الصرفية المتنوعة. وله صور متعددة نعرض فيما يأتي أهمها:

1- أن يكون المد الأول ألفاً ينتهي بها الفعل الناقص، والمد الثاني واو الجماعة أو ياء المخاطبة. وهذا يتحقق في الناقص المنتهي بألف، ماضياً أومضارعاً أو أمراً، إذا كان مسنداً إلى واو الجماعة، وفي الناقص المنتهي بألف، مضارعاً أو أمراً، إذا كان مسنداً إلى ياء المخاطبة. وهذه الألف –أي المد الأول- غير ماثلة في البنية التحتية المقدرة، بل تنشأ نتيجة سلسلة من العمليات والتغيرات الصوتية التي تطرأ على تلك البنية المقدرة، وتصيب لام الفعل خاصة. وفيما يأتي توضيح لهذه التغيرات مطبقة على أفعال ماضية ومضارعة وأفعال أمر، مجردة ومزيدة، مسندة إلى واو الجماعة:

دَعَوُوا   ç دَعَاوا   ç دَعَوْا.

رَمَيُوا    ç رَمَاوا   ç رَمَوْا.

اسْتَعْلَوُوا ç اسْتَعْلاَوا ç اسْتَعْلَوْا.

نادَيُوا ç    نَادَاوا    ç نادَوْا.

تَنْسَيُونَ ç   تَنْسَاونَ  ç تَنْسَوْنَ.

يَرْضَوُونَ ç يَرْضَاونَ ç يَرْضَوْنَ.

اسْعَيُوا    ç اسْعَاوا   ç اسْعَوْا.

ارْضَوُوا ç ارْضَاوا   ç ارْضَوْا.

وفيما يأتي أيضاً توضيح لتلك التغيرات مطبقة على أفعال مضارعة وأفعال مسندة إلى ياء المخاطبة:

تَرْضَوِينَ ç  تَرْضَاينَ ç تَرْضَيْنَ.

تَنْسَيِين ç     تَنْسَاينَ ç   تَنْسَيْنَ.

تَتَعَالَوِينَ ç تَتَعَالاَينَ ç   تَتَعَالَيْنَ.

تَتَمَنَّيِينَ  ç تَتَمَنّاينَ   ç تَتَمَنَّيْن.

ارْضَوِي ç ارْضَاي ç ارْضَيْ.

اسْعَيِي   ç اسْعَاي   ç اسْعَيْ.

والذي جرى في الأمثلة السابقة كلها أن الواو والياء (وهما لام الفعل) قد تحركتا وانفتح ما قبلهما فقلبتا ألفاً. والحركة المقصودة هنا هي الضمة التي تصوروها تسبق واو الجماعة والكسرة التي تصوروها تسبق ياء المخاطبة، لأنهما مدان. وقد نتج عن هذا القلب اجتماع ساكنين: هذه الألف وأحد الضميرين: واو الجماعة وياء المخاطبة. ولا بد هنا من الحذف فَحُذِفَ الساكن الأول، وبقيت الفتحة دليلاً عليه. لكن هذه القاعدة مبنية على وهم وهو وجود حركة بين لام الكلمة وواو الجماعة أو ياء المخاطبة.

والملاحظ أن هذين الضميرين يتحولان بعد حذف الألف إلى حرفي لين مشبهين للصحاح. وكلام القدماء في هذا الشأن لا يفسر كيف انقلب المدّ إلى لين.

ومن الجدير ذكره أن المجرد والمزيد يعاملان بهذا الصدد معاملة واحدة كما ظهر في الأمثلة السابقة.

ومن القدماء مَنْ كان يرى أن الضمة قد استثقلت على الياء في أمثال اشْتَرَيُوا فحذفت تخفيفاً فصارت الكلمة اشْتَرَيْوا فاجتمع ساكنان: الياء (لام الكلمة) وواو الجماعة، فحذفت الياء وأصبحت الكلمة اشْتَرَوْا . والغريب أن أصحاب هذا الرأي يساوون هنا بين الياء اللينة وياء المد، ويجرون الحذف على الياء اللينة كما يجرونه على ياء المد. وهم لا يفسرون كذلك تحول واو المد إلى واو لين؛ ويقولون بحذف حركة متوهمة.

وعند الرضي الأستراباذي أن الإسناد إلى واو الجماعة وياء المخاطبة لا يتم في الناقص المرفوع إلا بعد الإعلال في الفعل، أي انقلاب لام الكلمة ألفاً، فيلتقي ساكنان، ويتخلص منهما بحذف الألف. أي أن الرضي ينطلق من الأصل المقدر القريب اختصاراً للخطوات، وإن كانت النتيجة واحدة سواء انطلقنا في التحليل من الأصل المقدر البعيد وهو الإسناد قبل الإعلال، أو انطلقنا من الإسناد بعد الإعلال. لكن الرضي يفعل ذلك في اعتقادي اختصاراً للخطوات، وهو بذلك يختلف عن الوصفيين المحدثين الذي ينكرون هذا الأصل المقدر من حيث المبدأ، ويرون أن الأمور تجري في الصرف على نحو ما هو مستعمل فعلاً لا ما هو مقدَّر مُفْتَرَض.

هذا في الناقص المرفوع المنتهي بألف. أما في أمر الناقص المنتهي بألف فلا يلتقي ساكنان لأن أصل اخْشَوْا واخْشَيْ عنده هو: اخْشَ لحقته الواو والياء، لا: اخْشَيُوا واخْشَيِي.

2- أن يكون المد الأول واواً أو ياء ينتهي بهما الفعل الناقص، والمد الثاني واو الجماعة أو ياء المخاطبة. وهذا يتحقق في الناقص المنتهي بواو أو بياء، ماضياً أو مضارعاً وأمراً، إذا كان مسنداً إلى واو الجماعة، وفي الناقص المنتهي بواو أو بياء مضارعاً وأمراً، إذا كان مسنداً إلى ياء المخاطبة. غير أن المد الأول لا ينشأ إلاّ بتسكين الواو والياء، وذلك يقتضي عندهم حذف الحركة التالية لهما وهي الحركة المتخيلة قبل الضميرين واو الجماعة وياء المخاطبة. ويلتقي عند ذاك ساكنان؛ لام الكلمة وواو الجماعة أو ياء المخاطبة، فيتوجب عندئذٍ حذف لام الكلمة، ثم يضم ما قبل واو الجماعة ويكسر ما قبل ياء المخاطبة.

ولعل الأمثلة التالية توضح ذلك:

تَدْعُوُونَ ç تَدعُوونَ   ç تَدْعُونَ.

تَرْمِيُون   ç تَرْمِيونَ ç   تَرْمُونَ.

ادْعُوُوا ç ادعُووا ç ادْعُوا.

ارمِيُوا ç ارْمِيوا ç ارْمُوا.

سَرُوُوا ç سَرُووا ç سَرُوا.

نَسِيُوا ç نَسِيوا  ç نَسُوا.

تَسْتَثْنِيُونَ ç تَسْتَثْنِيونَ ç تَسْتَثْنُونَ.

تَدْعُوِينَ ç تَدْعُوينَ ç تَدْعِينَ.

تَرْمِيِين ç تَرْمِيينَ ç تَرْمِينَ.

ادْعُوِي ç  ادْعُوي ç ادْعِي

ارْمِيِي ç ارْمِيي  ç ارْمِي

تَسْتَثْنِيِينَ ç  تَسْتَثْنِيينَ ç تَسْتَثْنِينَ.

غير أن ابن جني يرى أن حركة اللام لم تحذف بل نقلت إلى ما قبلها وحركت بها عين الفعل بعد أن ابتزتها حركتَها الأصلية، ثم جرى حذف اللام لالتقاء الساكنين.

ويرى الرضي الأستراباذي أن الإسناد إلى الناقص الواوي واليائي في حالة الرفع يتم بعد إعلاله، أي بعد حذف الضمة المستثقلة على الواو والياء، فيدخل الضميران واو الجماعة وياء المخاطبة على أمثال يغزو ويرمي بعد أن حُذِفَتْ ضمّتهما على النحو السابق، فيلتقي ساكنان، ويتخلص منه بحذف الحرفين (الواو والياء) وبقاء الضميرين (واو الجماعة وياء المخاطبة). ويضم ما قبل واو الجماعة ويكسر ما قبل ياء المخاطبة.

ويرى الرضي أن ضميري الجماعة والمخاطبة يدخلان في أمر الناقص الواوي واليائي على أمثال يغزو ويرمي بعد حذف لامهما للبناء للأمر،" فالحق أن يقال: الواو والياء في اغْزُوا وارْمِي إنما اتصلا باغزُ وارمِ محذوفي اللام للوقف". ويعني بالوقف البناء للأمر. وكذلك يفعلان في مضارع الناقص الواوي واليائي المجزوم إذ يدخلان عليه بعد حذف اللام للجزم. ومعنى ذلك أن الرضي لا يقر بالتقاء الساكنين في الناقص الواوي واليائي المسندين إلى ضميري الجماعة والمخاطبة في حالتي الجزم والبناء للأمر، ويقر به في حالة الرفع.

وتبقى لدينا بعد هذا كله مشكلة لام الناقص إذا كانت واواً مسبوقة بكسرة في المضارع والأمر المزيدين. وهي تبدو في البنية التحتية لدى إسناد فعلها إلى الضميرين واو الجماعة وياء المخاطبة على النحو الآتي:

تَسْتَدْعِوُونَ تَسْتَدْعِوِينَ، اسْتَدْعِوُوا اسْتَدْعِوِي.

وهنا يمكن القول إن الواو تنقلب إلى ياء قبل الإسناد تحذف لتطرفها وانكسار ما قبلها فيصبح الفعل السابق تَسْتَدْعِي، وعند ذاك يعامل معاملة اليائي تماماً.

تَسْتَدْعِيُونَ ç تَسْتَدْعِيونَ ç تَسْتَدْعَونَ.

تَسْتَدْعِيِين َ ç تَسْتَدْعِيين ç تَسْتَدْعِينَ. وكذا في الأمر:

اسْتَدْعِيُوا  ç اسْتَدْعِيوا  ç اسْتَدْعُوا.

اسْتَدْعِيِي  ç اسْتَدْعِيي   ç اسْتَدْعِي.

ويمكن القول كذلك إن حركتها بعد الإسناد تُحْذَفُ فتصبح ساكنة مسبوقة بكسرة فتنقلب نظرياً ياء، ويجري التعامل معها بعد القلب كالياء.

وقلت:"تنقلب نظرياً" لأن التتابع الحركي كله بعد حذف حركة اللام المتخيلة (سواء انقلبت الواو ياء أو لم تنقلب) سيكون مستحيلاً نطقاً وعقلاً، إذ كيف يتصور، بل قل كيف ينطق تَتَالٍ من حركة قصيرة (حركة العين) ومَدَّيْن (الحرف والضمير) هما حركتان طويلتان في الواقع والحقيقة؟.

ويمكن القول أيضاً إن الواو لا تقلب ياء، وعندئذ لن تكون مَدَّا أي ساكنة مسبوقة بحركة من جنسها، بل ستكون ساكنة مسبوقة بكسرة، وهذا يجعلها ليِّنة لا مَدَّة، وسيكون حذفها لالتقاء الساكنين على هذا مستهجناً جداً. بيد أن هذا كله حديث نظري، فلا يمكن أن يتجاور مَدّان، لأن قوانين التركيب المقطعي في اللغة العربية تمنعه، وهو مستحيل تماماً، ولو شئنا أن نقرّبه في النطق لنطقنا ما يشبه الواو أو الياء بَيْنَ المدّين.

وثمة مأخذ آخر على كلام الصرفيين في هذه المسألة، وهو أنهم يتحدثون هنا عن اجتلاب حركة قبل الواو أو الياء المدتين لا وجود لها كذلك. زد على ذلك أنَّ ابن جني يجيز لنفسه نقل الحركة إلى متحرك قبلها، والنقل دائماً يكون إلى الساكن لا المتحرك.

3- أن يكون المدّ الأول عين اسم المفعول من الأجوف الثلاثي المعلّ، والمد الثاني واو مَفْعُول. وقد اتفق معظم الصرفيين على أن أصل التغيير فيه هو نقل حركة العين –وهي الضمة- إلى الفاء الساكنة قبلها. ثم رأوا أن هذا النقل يجعل عين الكلمة، واواً كانت أو ياءً، ساكنة، فيلتقي ساكنان: عين الكلمة وواو مفعول. فلا بد عند ذاك من حذف أحد الساكنين، فقال بعضهم إن الذي يحذف هو المد الأول، وقال بعضهم إنه المدّ الثاني أي واو مفعول. واختلفوا أيضاً في يائي العين من اسم المفعول هذا: متى تحذف الياء فيه، أقبل قلب الضمة كسرة لمناسبة الياء أم بعد القلب؟.

ولشرح ما سبق نورد اسمي المفعول من قال وباع مثالين على هذه التغيرات؛ ففي مَقْوُول (اسم المفعول من قال) يرون أن حركة العين وهي الضمة التي تصوروها تسبق واو مفعول تنقل لتحرك بها الفاء الساكنة (أي القاف في حالتنا هذه) فيلتقي ساكنان هما العين (أي الواو التي أصبحت مداً لسكونها بنقل حركتها ولسبقها بحركة من جنسها هي الضمة)، وواو مفعول، فلا بد من حذف أحدهما تخلصاً. فقال الخليل وسيبويه: إن المحذوف هو واو مفعول ووزن الكلمة على هذا مَفُعْل، وقال الأخفش: إن المحذوف هو العين (أي الواو الأولى)، ووزن الكلمة على هذا هو مَفُول. وقد أورد كل فريق حججاً لا مجال لذكرها هنا.

وفي مَبْيُوع – وهي الصورة التحتية المقدرة لاسم المفعول من باع- يجري نقل حركة العين وهي الضمة التي تخيلوها تسبق واو مفعول، لتحرك بها الفاء الساكنة (أي الباء في حالتنا هذه)، فتصبح الكلمة مَبُيْوع، وفيها يلتقي ساكنان هما العين (أي الياء) وواو مفعول. وهنا يرى الخليل وسيبويه أن الذي يحذف للساكنين هو واو مفعول ثم تقلب ضمة الفاء –بعد الحذف- كسرة لتناسب الياء فيصبح وزنها مَفِعْل. أي ان الذي جرى هو على النحو التالي:

مَبْيُوع ç مَبُيْوع ç مَبُيْع ç مَبِيع ولم يتنبه الخليل وسيبويه إلى أن الياء المسبوقة بضمة ليست حرف مدّ ولا ينطبق عليها شرط التقاء الساكنين إذا كانا مَدَّين، فالمهم عندهما هو سكونها وشبهها بالمدّ. ولعل هذا هو الذي جعل الأخفش يقول: إن الذي جرى بعد نقل ضمة العين (أي الياء) إلى فاء الكلمة (أي الباء) هو قلب تلك الضمة كسرة لتناسب الياء فالتقى ساكنان هما الياء التي صارت مدا لسكونها وسبقها بسكرة وواو مفعول، فحذفت الياء، ثم قلبت واو مفعول إلى ياء لتناسب الكسرة قبلها ووزنها على هذا مَفِيل. أي أن الذي جرى هو على النحو الآتي:

مَبْيُوع ç  مَبُيْوع ç مَبِيوع ç مَبِوع ç مَبِيع.

غير أن الرضي الأستراباذي قد اعترض على الأخفش لقوله إن الضمة كسرت لأجل الياء قبل حذف الياء فقال: إن الياء "إنما تستحق قلبَ ضمةِ ما قَبْلَها كسرةً إذا كانت مما يَبْقَى لا مما يُحْذَفُ، فالأَوْلَى أن يقال على مذهبه حذفت الياء أَوَّلاً، ثم قلبت الضمة كسرة، فانقلبت الواو ياء وذلك للفرق بين الواوي واليائي". أي أن ترتيب الخطوات عند الرضي هو كما يأتي:

 مَبْيُوع ç مَبُيْوع ç مَبُوع ç مَبِوع ç مَبِيع.

على أن الرضي نفسه قد خالف في موضع آخر جميع الصرفيين حينما ذهب إلى أن ضمة العين في مَقْوُول و مَبْيُوع قد حذفت ولم تنقل. غير أنه لم يفصِّل في رأيه هذا.

ويترتب على رأي الرضي هذا اجتماع ثلاثة سواكن (في عرف القدماء): فاء الكلمة، وعينها التي حذفت حركتها، وواو مفعول الساكنة بطبعها لكونها مدة.

ويمكن أن ننتقد كلام الصرفيين في هذه المسألة من وجه آخر بالقول: إنه يترتب عليه في مرحلة من مراحل التحليل اجتماع ثلاث حركات (في عرفنا نحن): الحركة القصيرة التي تخيلوا نقلها إلى الفاء، ومَدَّيْن هما عين الكلمة وواو مفعول. والمدّ كما هو معلوم حركة طويلة. وهذا نوع من التتابع مستحيل ولا يمكن تحققه.

4- أن يكون المد الأول ألف (فاعِل) الزائدة، والثاني ألفاً منقلبة عن عين الكلمة. ويتحقق هذا في اسم الفاعِل من الأجوف الواوي أو اليائي الذي أعلّت عينه بقلبها ألفاً. فالفعلان قَامَ وبَاعَ فعلان أجوفان أُعِلَّت عينهما بقلبها ألفاً. واسما الفاعِل الأصليان منهما هما قاوِم وبايِع، فتحركت الواو والياء بالكسرة وقبلهما فتحة لا يفصل بينهما وبينها إلا حاجز غير حصين هو ألف فاعِل الزائدة، فقلبتا ألفاً، فاجتمع ساكنان، فأبدل من الألف الثانية همزة حُرِّكَتْ – هرباً من التقاء الساكنين- بالكسرة على أصل التقاء الساكنين .

لكن المبرد يرى أن ألف فاعِل قد أدخلت قبل الألف المنقلبة في قام وباع وأمثالهما، فالتقى ألفان وتم التخلص منهما بقلب الألف الثانية همزة مكسورة لأن أصلها الحركة.

ويرى آخرون أن ألف فاعِل في أمثال شاكٌ (اسم فاعِل من شاك يشوك) قد أدخلت قبل الألف المنقلبة في الفعل، فالتقى ألفان، فحذفت الثانية حذفاً ولم تقلب همزة: شااك ç شاك.

وقد اعترى كلامَ القدماء في هذه المسألة كثيرٌ من الوهن. من ذلك القول بفتحة قبل الألف، وأن الألف حاجز غير حصين فهو كالعدم، وأن همزة قائِم وبائِع في رأي بعضهم حركت بالكسر على أصل التقاء الساكنين لا لأن بنية اسم الفاعل تقتضي ذلك.

وأهم نقد يوجه إلى الرأيين الأخيرين هو أنهما يقولان بإيقاع بنية اسم الفاعِل على بنية الماضي المُعلّ مباشرة، ثم تحويل الألف الثانية همزة أو حذفها، فكأننا قد فَكَكْنا بنية الفعل فَكّاً ورَكَّبْنا عليها بنية أخرى هي بنية اسم الفاعِل. والواقع أن اسم الفاعل لا يشتق بهذه الطريقة، فكل من الفعل واسم الفاعِل بنية مستقلة ويشتق بطريقة مختلفة، وإن كان بينهما شيء من التناسب اللفظي والمعنوي كالذي يكون بين أفراد العائلة الاشتقاقية الواحدة. والتغير في ذات الفعل كتحول قَوَم إلى قَامَ وبَيَعَ إلى بَاعَ يختلف عن ارتباط بِنْيَتهِ ببنيةٍ أخرى لأن الأخير نوع من النقلة الصرفية.

وأرى أن الواو والياء في البنية الأساسية لاسم الفاعل قد قلبتا همزة مباشرة لما بين الواو والياء والهمزة من تداخلات فونيمية كثيرة، لا أنهما قلبتا ألفاً أَوَّلاً ثم قلبت الألف همزة.

5-أن يكون المد الأول ألف الجمع الذي على وزن فَعَائِل أو شبهه، والثاني حرف مدّ زائداً في المفرد. وهذا يجري في جمع أمثال صَحِيفَة ورِسَالَة وعَجُوز على صَحَائِف ورَسَائِل وعَجَائِز. وتفصيل ذلك أنهم يمزجون بين صورتي المفرد والجمع بإيقاع صورة الجمع على صورة المفرد، فيلتقي ساكنان: ألف الجمع، ثم المد الزائد في المفرد، فيقلب المد الثاني وهو المد الزائد في المفرد همزة مكسورة:

صَحَايف رَسَاال عَجَاوز ç صَحَائِف رَسَائِل عَجَائِز.

والخطأ الذي وقع فيه أصحاب هذا المذهب هو أنهم أوقعوا بنية الجمع على بنية المفرد مباشرة، وهذا لا يجوز لأن هذا التغير ليس تغيراً في ذات المفرد كتغير بَوَب إلى بَاب ونَوَر إلى نَار ونَيَب إلى نَاب، دون أن تخرج الكلمة عن أصل نوعها أو يتغير معناها، بل هو نوع من النقلات الصرفية تتحول فيه صيغة مستقلة بكاملها إلى صيغة مستقلة أخرى لإفادة معنى جديد. وليس معنى ذلك أن الصيغة الثانية مشتقة من الأولى مباشرة، بل هما صيغتان مستقلتان وإن ربطتهما روابط شكلية ومعنوية. وقد ترتبط كلمتان هذا الارتباط دون أن يكون بينهما رابط لفظي، كارتباط (رجل وامرأة) ارتباط مذكر بمؤنثه، أو ارتباط (امرأة ونساء) ارتباط مفرد بجمعه.

6- أن يكون المد الأول حرف مد زائداً في المفرد، والثاني ألف جمع فعائل أو شبهه، كجمع قاعدة على قواعد. فهم يرون أن صورة الجمع قد مزجت بصورة المفرد، فالتقى ساكنان: ألف المفرد الزائدة ثم ألف الجمع، فقلبت الألف الأولى –أي ألف المفرد- واواً: قااعدة ç قَوَاعِد.

والاعتراض على هذا هو كالاعتراض على سابقة فلا داعي للتكرار.

7- أن يكون المد الأول ألفاً زائدة، والثاني ألفاً منقلبة عن واو أو ياء متطرفتين. وذلك نحو كِساء ورِداء، وأصلهما كِساو ورِداي فتحركت الواو والياء وقبلهما فتحة ليس بينهما وبينها إلا الألف وهي حاجز غير حصين لسكونها وزيادتها؛ والواو والياء وقعتا في الطرف وهو محل للتغيير ، قفلبتا ألفاً، فاجتمع ساكنان: الألف الزائدة والألف المبدلة من الواو والياء، فقلبت المبدلة همزة.

وأما أمثال عَباءة وصَلاءة وعَظاءة فقد دخلتها تاء الوحدة بعد قلب اللام همزة في جمعها، لأنهم يقولون في الجمع عَظاء وصَلاء وعَباء.

وفي كلام القدماء هنا جملة من الأغاليط، كالحديث عن الحاجز غير الحصين والفتحة التي تسبق ذلك الحاجز. وإنني أعجب كيف تكون الألف هنا حاجزاً ضعيفاً فلا تمنع قلب الواو والياء ألفاً، ثم تكون حاجزاً قوياً في قاوَمَ وبايَعَ فتمنع انقلابهما ألفاً. وأما حديثهم عن ضعف الواو والياء بتطرفهما فهو صحيح، ولكن غير الصحيح هو القول بانقلابهما ألفاً، ثم تحول الألف إلى همزة. والأجدى أن يقال إن الواو الياء قد ضعفتا بتطرفهما فقلبتا حرفاً أصلب منهما هو الهمزة. والتداخل الفونيمي بين الهمزة والواو والياء معروف تماماً في اللغة العربية.

8- أن يكون المد الأول ألفاً زائدة والمد الثاني ألف التأنيث. ويتحقق هذا في أمثال حمراء وصحراء. والأصل فيهما حمراا وصحراا، فالتقى ساكنان، فقلبت ألف التأنيث همزة. وهذا محض خيال لأن علامة التأنيث هنا هي الألف والهمزة معاً في أصل الوضع.

9- أن يكون المد الأول ألف المقصور والمد الثاني واو الجمع السالم أو ياءه. والألف في آخر المقصور ناشئة عن انقلاب الواو والياء ألفاً لتحركهما وانفتاح ما قبلهما. وحينما تتصل الألف في آخر المقصور بواو الجمع أو يائه يلتقي ساكنان، ويتخلص من هذا الوضع بحذف الألف وبقاء الفتحة قبلها دليلاً عليها. ونأخذ جمعي الأعلى والمنادى لتوضيح ما يجري في جمع المقصور جمع مذكر سالماً.

الأَعْلَوُونَ ç الأَعْلاَونَ ç الأَعْلَوْنَ.

المُنَادَيُونَ ç المُنَادَاونَ ç المُنَادَوْنَ.

الأَعْلَوِينَ çالأَعْلاَينَ ç الأَعْلَيْنَ.

المُنَادَيِينَ ç المُنَادَاينَ ç المُنَادَيْنِ.

لكن أصحاب هذا الرأي يقعون في سلسلة من المحاذير، منها اعتبار حركة متوهمة تسبق واو الجمع وياءه في قضية انقلاب الواو والياء ألفاً، ولا يفسرون كيف انقلب واو الجمع وياؤه من مَدّ إلى لِين.

10- أن يكون المد الأول لام المنقوص والمد الثاني واو الجمع السالم وياءه. وينشأ المد في آخر المنقوص عن حذف حركة اللام وهي الياء الأصلية كما في قاضي أو المنقلبة عن واو كما في داعي (من داعو)، فتصبح الياء مداً لأنها ساكنة مسبوقة بكسرة، فيلتقي ساكنان: هذه الياء، وواو الجمع أو ياؤه، فتحذف ياء المنقوص، ويضم ما قبل واو الجمع، ويكسر ما قبل يائه. ولعل الأمثلة التالية توضح ما يجري في جمع المنقوص جمع مذكر سالماً:

قاضِيُونَ ç قاضِيونَ ç قاضُونَ.

قاضِيِينَ ç قاضِيينَ ç قاضِينَ.

داعِوُونَ ç داعِيُونَ ç داعِيونَ ç داعُونَ.

داعِوِينَ ç داعيِيِنَ ç داعِيينَ ç داعِينَ.

ويؤخذ على كلام الصرفيين هنا أنه مبني على وهم، وهو حذف حركة تصوروها تلي لام الناقص وتسبق واو الجمع أو ياءه، أي ضمة قبل واو الجمع وكسرة قبل يائه.

ويؤخذ عليهم كذلك أنهم يجتلبون ضمة قبل واو الجماعة وكسرة قبل ياء المخاطبة بدلاً من تينك المحذوفتين. وإذا علمنا أن علامتي الجمع مدان أي حركتان طويلتان، عرفنا مقدار الخطأ في قولهم ذاك، لأن الحركة لا تدخل على الحركة من جنسها أو من غير جنسها طويلة كانت أو قصيرة، وقوانين التركيب المقطعي في العربية تحظر ذلك، إذ لا بد من الفصل بين الحركة وأختها بصامت.

11- أن يكون المد الأول ألفاً منقلبة عن واو أو ياء، والثاني ألف المصدر الموازن لإِفْعَال واسْتِفْعَال. ويجري هذا في مصادر الأفعال الجوفاء المُعَلَّة المزيدة من بابي أَفْعَلَ واسْتَفْعَلَ، مثل أَقامَ وأَبانَ واسْتَقامَ واسْتَبانَ. والأصل في مصادر هذه الأفعال: إقْوَام وإِبْيَان واسْتِقْوَام واسْتِبْيَان، وقد نقلت حركة الواو والياء في كل منها (وهي الفتحة) وحرك بها الساكن الذي قبلها، ثم قلبت الواو والياء ألفاً لتحركهما بحسب الأصل وانفتاح ما قبلهما بحسب الآن. وبذلك اجتمعت ألفان: تلك المنقلبة عن الواو والياء، مع ألف المصدر. ويتخلص من هذا الوضع بحذف إحداهما. وفي هذا اختلف العلماء القدماء: ففريق منهم قال بحذف الأولى وفريق قال بحذف الثانية، ولم تكن حجج الفريقين مستندة إلى حقائق صوتية وصرفية دامغة، بل كانت في معظمها استنتاجات منطقية.

ومأخذنا على كلام القدماء في هذه المسألة هو إجازتهم أن تتم القاعدة على مرحلتين (قبل النقل وبعده)، وعدم الحسم في قضية الألف الأَوْلَى بالحذف، وكأن المسألة مسألة اختيار فردي لا قاعدة مضبوطة محكمة.

12- أن يكون المد الأول ألف التأنيث، والمد الثاني ألف المثنى، وذلك كما في تثنية حبلى، إذ يجتمع ساكنان: ألف التأنيث مع ألف المثنى فتقلب ألف التأنيث ياء:

حُبْلَى + ان ç حُبْلَيَان.

ويتبين القارئ بعد هذا التطواف كثرة المسائل والتغيرات الصرفية التي حاول القدماء أن يفسروها بالتقاء الساكنين من هذا الضرب، وكثرة القواعد التي فسروا بها نشأة حروف المد غير الأصلية. والمقصود بغير الأصلية حروف المد التي لا تظهر في البنية العميقة المقدرة، وتكون نتيجة انقلاب الواو والياء، أو نتيجة حذف الحركات التالية لهما ونقلها.

ويرى المحدثون أنه لا يمكن اعتبار أي من الأمثلة السابقة التقاءً للساكنين، لأن حرف المد لا يكون ساكناً بحال. وبعض المحدثين يقرون بتوالي حرفي مد في مرحلة من مراحل تحليلهم اللغوي، ولكنهم لا يعدونه –مع ذلك- من باب التقاء الساكنين، لما ذكرنا. وهم يقترحون للتخلص من هذا الوضع تطبيق قواعد أخرى تختلف في كثير أو قليل عن قواعد القدماء، وصولاً إلى الشكل المستعمل، والصورة المنطوقة فعلاً .

وفي رأيي أنه لا يمكن اجتماع حرفي مد في أية مرحلة من مراحل التحليل اللغوي، ولا في أي مرتبة من مراتب اللغة، لأنه مستحيل طبعاً ونطقاً، وتمنعه قوانين التركيب المقطعي العربي.

(5)

التقاء ساكنين أولهما حرف صحيح وثانيهما حرف مد

وهذا أقل الأنواع دوراناً على الألسنة في كتب الصرف واللغة. على أن أشهر أمثلته عندهم حذف همزة الفعل يَرَى (مضارع رَأَى). فأصله عندهم يَرْأَى، وهذا صواب، لكنهم يقولون إن حركة الهمزة قد ألقيت على الساكن قبلها، وهو الراء. والحركة المقصودة هنا هي الفتحة التي تصوروها بعد الهمزة سابقة للألف، بناء على أن كل حرف مد مسبوق بحركة من جنسه. فلما ألقيت الفتحة على الراء التقى ساكنان هما هذه الهمزة الساكنة بعد نقل حركتها، والألف وهي ساكنة بطبعها، أي أنهم تصوروا الكلمة بعد النقل هكذا: يَرَأْى. وقد حذفت الهمزة تخلصاً من التقاء الساكنين فآلت الكلمة إلى يَرَى. وواضح أن الفتحة التي تسبق الألف في يرى هي الفتحة المنقولة سابقاً.

ويمكن نقض تلك الخطوات بالقول: إنه لا حركة بين الهمزة والألف، وإن نقل هذه الحركة المتخيلة لهو نقل اعتباطي غير مسوغ، والأصح أن يقال: إن التخفيف هنا يجري بحذف الهمزة، فتتصل الراء بالألف، فتتحرك بها، لأن الألف ما هي في الواقع والحقيقة إلا فتحة طويلة. ومن المستحيل أن يقع قبل الألف حرف ساكن.

ومن أمثلة هذا النوع عندهم أيضاً تحريك التاء في قَالَتَا وأضرابها بالفتحة تخلصاً من التقائها ساكنة مع ألف التثنية بعدها. والأصل في هذا عندهم قَالَتْا. فلما اتصلت تاء التأنيث الساكنة بالألف التي هي مد ساكن صار لزاماً التخلص من التقاء الساكنين. وجرى ذلك هنا لا بالحذف ولا بالقلب بل بتحريك الساكن الصحيح وهو التاء .

وردنا هنا هو أن ضمير الغائبتين أصلاً هو تاء وألف متصلتان اتصالاً بنيوياً لا ينفصم. وحركة التاء أصلاً هي الألف نفسها، أي الفتحة الطويلة. ولا مجال للقول بوجود حركة بين التاء والألف. ومن المستحيل كما أسلفنا أن يأتي حرف ساكن قبل الألف. فلا مجال إذن للقول بالتقاء الساكنين في هذا المثال وأضرابه. ولعلنا نذكِّر هنا بما قاله القدماء في أمثال رَمَتَا من أن ألف التثنية قد لحقت تاء التأنيث الساكنة فتحركت التاء تخلصاً من التقاء الساكنين –بالفتحة، وبردِّنا عليه في قسم سابق من هذا البحث.

وقد لاحظنا فيما سبق أيضاً كيف أن بعض الأمثلة قد ندت عرضاً في تحليلاتهم الصرفية، وقالوا فيها بالتقاء ساكنين أولهما واو أو ياء ساكنة مسبوقة بحركة من غير جنسها وثانيهما حرف مد. ونحن نعد تلك الأمثلة من هذا النمط الذي نحن بصدده، لأنا نعد الواو والياء غير المدتين شبيهتين بالصحيح. وغالباً ما كان التخلص من هذا الوضع عندهم بحذف الواو والياء اللينتين لا بتحريكهما.

(6)

طرق التخلص من التقاء الساكنين

لقد تعددت طرق التخلص من التقاء الساكنين وتنوعت. فيتخلص من النوع الأول (التقاء ساكنين كلاهما حرف صحيح) بتحريك الساكن الأول أو بتحريك الساكن الثاني. إذ يتخلص منه إذا وقع في كلمة واحدة في حالة الوقف، بتحريك الأول بحركة مجانسة لحركة الفاء، أو مجانسة لحركة الإعراب إذا كانت ضمة أو كسرة، أو بأية حركة قصيرة أخرى. وقد يحرك الثاني في حالة الوقف بحركة مختلسة جداً. وإذا وقع في كلمة واحدة في غير حالة الوقف فقد يتخلص منه بتحريك الساكن الثاني. ويظهر أن هذا التحريك لهجي خاص بقبيلة تميم. وعند حدود الكلمات، أي إذا كان التقاء الساكنين في كلمتين منفصلتين، يتخلص منه بتحريك الساكن الأول.

ويتخلص من النوع الثاني (التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح) بحذف الساكن الأول كما في قولنا: قُوموا اسْمَعُوا، وقُلْ. غير أن المثال الأول لا يظهر الحذف فيه كتابة بل نطقاً، والمثال الثاني يظهر الحذف فيه كتابة ونطقاً كما تقضي بذلك قواعد العربية. وقد يتخلص من الساكن الأول كذلك بقلبه همزة، فقد روي عن العرب قولهم ضألين واحمأرت وأشباهها. وقد يفسرُ التخلصُ منه بهذه الصورة نشوءَ بعض الصيغ الصرفية، كتحويل صيغة افْعَالَّ إلى افْعَلَّ وافْعَأَلَّ ، باختزال الألف في افْعَلَّ وقلبها همزة في افْعَأَلَّ.

ولم تظهر الفوضي في طرق التخلص من التقاء الساكنين كما ظهرت في النوع الثالث (أي التقاء ساكنين كلاهما حرف مد). فقد يحذف الأول، وقد يحذف الثاني، وقد نكون في الخيار بين أن نحذف الأول أو نحذف الثاني. وقد يتحول الأول إلى واو كما في قَواعِد أو إلى ياء كما في حُبْلَيَان، وقد يتحول الثاني إلى همزة كما في حمراء وسماء وصحائِف ورسائِل وعجائِز وقائِل وبائِع، فيحس المرء أن القضية كلها وَهْم في وَهْم وأَنْ ليس تحتها أية حقيقة نطقية.

وفي النوع الرابع (أي التقاء ساكنين أولهما حرف صحيح وثانيهما حرف مد)، وهو قليل عموماً، ينحصر التخلص في حذف الأول أو تحريكه. ويحس المرء أن هذا النوع مصطنع قالوا به حينما أعياهم التفسير السليم.

ولقد وضع الصرفيون في بداية الأمر قاعدة عامة للتخلص هي تحريك الساكن الأول إذا كان صحيحاً وحذفه إذا كان مَدّاً متلواً بساكن صحيح. ثم جوبهوا بحالات أخرى، فأجازوا تحريك الثاني أو حذفه كما أجازوا تحريك الأول أو حذفه. ثم اتسع الأمر عليهم حينما مضوا في تفسير التغيرات والتعاملات والأوضاع الصرفية المختلفة، فقالوا بتحويل الأول إلى ياء أو واو أو همزة، كما قالوا بتحويل الثاني إلى همزة، بالإضافة إلى احتمال حذفهما. ولذلك سادت الفوضى كل أقوالهم تقريباً وصرنا نخوض في بحر متلاطم من الحجج والحجج المضادة، وخاصة حينما ينشأ وضع يصبح فيه كل من الساكنين قابلاً للحذف، فيذكر كل فريق لتحديد المحذوف منهما اعتبارات وحججاً كثيرة. وقد أحجمنا عن إيرادها كلها حتى لا يتضخم البحث لغير طائل.

وقد ذكروا طرقاً أخرى للتخلص من التقاء الساكنين، وهي إما اختيارية أو سماعية. فمن الأولى ما يحدث في يكون المجزومة، إذ يجري التخلص من التقاء الساكنين فيها أحياناً بحذف المد والنون معاً، مثل قولنا: لم أَكُ راغباً في الذهاب. ويجري ذلك بشروط منها أن تكون غير متلوة بساكن. ومن الثانية قولهم: مِلآْن في مِنَ اْلآن، فَضَّلُوا حذف النون من حرف الجر مِنْ على إبقائها وتحريكها بالفتحة.

وذكروا أيضاً أن التقاء الساكنين قد يمنع بقاعدة، مثل القاعدة التي تمنع تنوين العلم إذا تبعته كلمة ابن مضافة إلى علم آخر، والقاعدة التي تحذف نون التوكيد الخفيفة إذا وليها ساكن، والقاعدة التي تمنع انقلاب الواو والياء في رميا وغزوا ألفاً حتى لا يلتقي ساكنان فتحذف تلك الألف فيلتبس المسند إلى ضمير المثنى بالمسند إلى ضمير المفرد، والقاعدة التي تمنع انقلاب الواو والياء في الصلوات والفتيات ألفاً حتى لا يلتبس الجمع بالواحد عند حذفها، وتمنع انقلاب الواو في عصوان والياء في رحيان ألفاً حتى لا يلتبس المثنى بالمفرد عند الإضافة إذا حذفت.

بل إن اللغة قد تصرفت فجنبتنا كثيراً من حالات التقاء الساكنين، حين حركت الساكن الثاني في درج الكلام، كتحريك نون الإعراب ونون الجمع ونون المثنى التي تصورها القدماء ساكنة أصلاً كما في يعلمون ومؤمنون ومؤمنان، وتحريك أواخر كلمات ساكنة الوسط مثل أمس وحيث ومنذ وكيف وأين وأضرابها مما تصوروه ساكن اللام أيضاً في أصل وضعه.

ومما ذكروه أن طريقة التخلص من التقاء الساكنين تحددها اعتبارات معينة، منها تجنب اللبس. ففي تثنية حُبْلَى لا تحذف الألف الأولى، بل تقلب ياء. فلو حذفت ولم تقلب لصارت الكلمة (حُبْلاَن)، ولتوهِّم أنها تثنية حُبْل.

 

(7)

خاتمـة

وبعد؛ فهذا هو التقاء الساكنين الذي حاولوا أن يفسروا به عدداً هائلاً من التغيرات والسلوكات الصرفية والحالات النطقية، ونسجوا حوله قدراً هائلاً من الحجاج الصرفي والصوتي.

والصحيح في الأمر أن ثمة حالات محققة من التقاء الساكنين حينما يكون الساكنان حرفين صحيحين (أو صامتين بعرف المحدثين)، ولا يمكن تصور التقاء الساكنين في غير الحروف الصحيحة وما ضارعها من حروف اللين. أما حروف المدّ فليست بساكنة بل هي حركات طويلة، ومن الخطأ زجّها في مسألة التقاء الساكنين.

وهناك حالات نطقية فسرها القدماء بالتقاء ساكنين: حرف مد وحرف صحيح ورأوا أن التخلص منها يتم بحذف المد، ولكن المحدثين فسروها بنشوء مقطعٍ مغلق ذي حركة طويلة، أي صائت طويل؛ أو نشوء تتابع صوتي غير مَرْضِيّ، هو وقوع حركة طويلة قبل صامت ساكن أو صامتين متواليين، ورأوا أن التخلص منها يتم بتقصير الحركة الطويلة لا بحذفها.

أمّا سائر الحالات فهي حالات مفترضة افتراضاً، والأمر فيها أمر تفسير واجتهاد وإبداء رأي وليس تحتها حقيقة صوتية أو نطقية.

والذي يدل على صدق هذا القول، أن القدماء أنفسهم اختلفوا إلى حَدِّ ما في بعض الحالات التي نسبت إلى التقاء الساكنين. فرأى بعضهم أَنَّ فيها التقاء ساكنين، ورأى آخرون أَنْ ليس فيها التقاء ساكنين. فالمبرد –مثلاً- كان يعد حذف تنوين العلم المتبوع بكلمة (ابن) مضافة إلى علم أنه من باب التخفيف، لأن العلم ومتبوعه جُعِلا كالشيء الواحد . ولكن جماعة غيره كانوا يَعُدُّون هذا من باب الحذف خوفاً من التقاء ساكنين.

والخليل وسيبويه –كما مر بنا- يَعُدّون تنوين قاضٍ عوضاً عن الياء المحذوفة لا عن حركتها، ذلك أن حذف ياء المنقوص استخفافاً قد جرى كثيراً حتى لكأنه الأساس في استعمالات القرآن الكريم. أي أن التنوين دخل المنقوص ولا ياء فيه، فلا مجال للقول بالتقاء ساكنين في المنقوص المنون.

والرضيّ لا يعترف بالتقاء الساكنين في بعض إسنادات الناقص، كما في اغْزُوا وارْمِي. وقد شرحنا ذلك في موضعه في البحث.

ويرى بعض العلماء أن الضمة والكسرة في تَدْرُسُنَّ وتَدْرُسِنَّ ليستا نتيجة التقاء الساكنين، بل هما علامة بناء للفعل المُؤَكَّد، مثل الفتحة في تَدْرُسَنَّ.

وإذن، المسألة مسألة تفسير وتقدير، فإذا قَدَّرْنا أمراً ما كان التقاء الساكنين موجوداً وإذا قدرنا أمراً آخر كان التقاء الساكنين غير موجود. ويقال الشيء نفسه عن اختلاف التفسير بين القدماء والمحدثين. فبعض المحدثين يرى أن الفعلين لم يَقُمْ ولم يَقُمْنَ اصلهما لم يَقْوُم ولم يَقْوُمْنَ، وأن الذي حصل فيهما هو حذف الواو فاتصلت القاف بالضمة فتحركت بها. فبناءً على هذا التقدير لا يمكن القول بوجود التقاء للساكنين في هذين الفعلين لأنه لم يَجْرِ نقل للحركة فيهما. والقدماء لا يقدرون هذا التقدير، لأنهم يقولون بنقل حركة الواو في البنية الأصلية إلى الساكن قبلها فينشأ حرف المدّ، ومن ثمّ يلتقي ساكنان: العين واللام الساكنة.

وفي رأيي أن الذي أوقع القدماء في كثير من الخلط في مسألة التقاء الساكنين هو فهمهم غير السليم لطبيعة المد واللين وعلاقتهما بالحركات، وافتراضهم أن حروف المدّ‍ساكنة، وأنها مسبوقة بحركات من جنسها يمكن أن تنقل وأن تحذف وأن تختفي ثم تعود.ولذلك بنيت قواعدهم على جملة من الأفهام الخاطئة، بل المتناقضة، التي أثبتت الدراسات الصوتية الحديثة بطلانها. وكانوا يتساهلون أحياناً في مسألة المدّ واللين، فيكفي أن تكون الواو والياء ساكنتين - ولو لم تكونا مسبوقتين بحركة من جنسهما- حتى يحذفوهما لالتقاء الساكنين المزعوم. أضف إلى ذلك ما ابتدعوه من أفكار هزيلة، كفكرة الحاجز الحصين، حينما أعيتهم الحيلة وعدموا الوسيلة إلى تفسير معقول.

ولم يتسع المقام لذكر قواعد المحدثين كلها في هذا الشأن، وسنترك ذلك لفرصة قادمة، إن شاء الله. على أنني أستبق ذلك بالقول: ليس كل ما قاله المحدثون في هذا الشأن صحيحاً، إذ تبدو آراء القدماء أحياناً – بالنظر إلى آراء بعض المحدثين- سهلة ميسورة وأكثر منطقية.

 

المصادر والمراجع

1. إبراهيم، عبد العليم، تيسير الإعلال والإبدال، مكتبة غريب، القاهرة، 1969.

2. الأستراباذي، رضي الدين محمد بن الحسن، تحقيق محمد نور الحسن وزميليه، دار الكتب العلمية، بيروت، 1975.

3. ابن الأنباري، كمال الدين أبو البركات، البيان في غريب إعراب القرآن، تحقيق طه عبد الحميد طه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1980.

4. أنيس، إبراهيم، الأصوات اللغوية، الطبعة الثالثة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1961.

5. بروكلمان، كارل، فقه اللغات السامية، ترجمة رمضان عبد التواب، مطبوعات جامعة الرياض، الرياض، 1977.

6. بشر، كمال محمد، دراسات في علم اللغة – القسم الأول، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة، 1971.

7. _______، علم اللغة العام – الأصوات، دار المعارف، القاهرة، 1986.

8. البكوش، الطيب، التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث، الطبعة الثالثة، مؤسسات عبد الكريم بن عبدالله، تونس، 1992.

9. ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، الطبعة الثانية، دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت.

10. ______، سر صناعة الإعراب، تحقيق حسن هنداوي، الطبعة الأولى، دار القلم، دمشق، 1985.

11. ______، المنصف، شرح تصريف المازني، تحقيق إبراهيم مصطفى وعبد الله أمين، الطبعة الأولى، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1954.

12. حسان، تمام، اللغة العربية معناها ومبناها، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973.

13. حليلي، عبدالعزيز،"البنية المقطعية العربية"، المجلة العربية للدراسات اللغوية، المجلد الرابع، العدد الثاني، 1986، ص ص 43-57.

14. الحملاوي، أحمد، شذا العرف في فن الصرف، مكتبة النهضة العربية، بغداد.

15. الخليل، عبد القادر:" ظاهرة التخلص من التقاء الساكنين في العربية الفصحى"، مجلة أبحاث اليرموك (سلسلة الآداب واللغويات)، المجلد 15، العدد 1، 1977، ص ص173-210.

16. سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، عالم الكتب، بيروت.

17. شاهين، عبد الصبور، المنهج الصوتي للبنية العربية رؤية جديدة في الصرف العربي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1980.

18. ابن الشجري، ضياء الدين أبو السعادات هبة الله، أمالي ابن الشجري، تحقيق محمود محمد الطناحي، الطبعة الأولى، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1992.

19. عبد الغني، أحمد عبد العظيم، قضايا صرفية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1990.

20. عبده، داود، أبحاث في اللغة العربية، مكتبة لبنان، بيروت، 1973.

21. ____، دراسات في علم أصوات العربية، مؤسسة الصباح، الكويت.

22. ابن عصفور، علي بن مؤمن، الممتع في التصريف، تحقيق فخر الدين قباوة، الطبعة الرابعة، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1979.

23. ابن عقيل، بهاء الدين عبدالله، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة العشرون، دار التراث، القاهرة، 1980.

24. العلمي، محمد،" الأسباب والأوتاد والفواصل بين المقطع والحركة والسكون"، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، العددان الثاني والثالث، 1979- 1980، ص ص 257- 267.

25. عمر، أحمد مختار، دراسة الصوت اللغوي، الطبعة الأولى، عالم الكتب، القاهرة، 1976.

26. الفيومي، أحمد عبد التواب، أبحاث في علم أصوات اللغة العربية، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة، القاهرة، 1991.

27. المبرد، أبو العباس، المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت.

28. المطلبي، غالب فاضل، في الأصوات اللغوية، دراسة في أصوات المد العربية، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، سلسلة دراسات (364)، الجمهورية العراقية، 1984.

29. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1955.

30. ابن هشام، أبو محمد عبدالله جمال الدين، شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب.

31. ابن يعيش، موفق الدين، شرح المفصل، عالم الكتب، بيروت.

 

البحث

تسجيل الدخول

الأرشيف

استطلاع الرأي

ما رأيك بالموقع الجديد للمجمع؟
 

المتواجدون الآن في الموقع:

حاليا يتواجد 46 زوار  على الموقع

احصائيات الموقع

الأعضاء : 2404
المحتوى : 860
عدد زيارات المحنوى : 2921887